الأحد، 7 سبتمبر 2014

حديث ما حق الزوج على امرأته؟ سلسلة أحاديث ظاهرها الصحة وهي معلولة بحسب منهج أئمة الحديث النقاد



رُوي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية أبي أمامة وأبي هريرة وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم:
- فأما حديث أبي أمامة فقد روى الطبراني في المعجم الكبير قال: حدثنا محمد بن نوح بن حرب العسكري حدثنا خالد بن يوسف السمتي حدثنا عبد النور بن عبد الله حدثنا يونس بن شعيب عن أبي أمامة أنه قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما حق الزوج على المرأة؟. فقال: "لو أن امرأة خرجت من بيتها ثم رجعت إليه فوجدت زوجها قد تقطع جذاما يسيل أنفه دما فلحِسته بلسانها ما أدت حقه، وما لامرأة أن تخرج من بيت زوجها إلا بإذن زوجها ولا أن تعطي من بيت زوجها إلا بإذنه". عبد النور بن عبد الله بصري ذكره ابن حبان في الثقات، لكنه لا يقيم الحديث وليس من أهله وروى خبرا موضوعا لا أصل له كما قال العقيلي، وكذبه الذهبي. يونس بن شعيب قال فيه البخاري منكر الحديث وقال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به بحال، فهذا إسناد تالف.
- وأما حديث أبي هريرة فقد روى اثنان عن القاسم بن الحكم قال: حدثنا سليمان بن داود اليمامي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله أنا فلانة بنت فلان، قال: قولي ما حاجتك؟. قالت: حاجتي أن فلانا يخطبني فأخبرْني ما حق الزوج على الزوجة، فإن كان شيئا أطيقه تزوجته، وإن لم أطق لا أتزوج. قال: "مِن حق الزوج على الزوجة أن لو سال منخراه دما وقيحا فلحِسته ما أدت حقه، ولو كان ينبغي لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها إذا دخل عليها". قالت: والذي بعثك بالحق لا أتزوج ما بقيتُ في الدنيا. [مسند البزار. مستدرك الحاكم. سنن البيهقي]. سليمان بن داود اليمامي ضعيف منكر الحديث، فهذا الإسناد تالف.
- وأما حديث أنس فرواه حسين بن محمد المَرُّوذي عن خلف بن خليفة عن حفص عن عمه أنس بن مالك قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يَسْنـُون عليه، وإن الجمل استصعب عليهم فمنعهم ظهره، وإن الأنصار جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنه كان لنا جمل نَسْنِي عليه، وإنه استصعب علينا ومنعَنا ظهره، وقد عطش الزرع والنخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا. فقاموا، فدخل الحائطَ والجملُ في ناحية، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، فقالت الأنصار: يا نبي الله إنه قد صار مثل الكـَلـْب الكـَلِب، وإنا نخاف عليك صولته. فقال: ليس علي منه بأس. فلما نظر الجمل إلى رسول الله أقبل نحوه حتى خرَّ ساجدا بين يديه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناصيته أذلَّ ما كانت قطـُّ حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد لك!. فقال: "لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، والذي نفسي بيده، لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجس بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحِسته ما أدت حقه". [مسند الإمام أحمد].
في هذا الحديث ثلاثة أجزاء: الجزء الأول هو ما يتعلق بقصة الجمل، والجزء الثاني هو "لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها"، والجزء الثالث هو "والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجس بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحِسته ما أدت حقه".
وروى سعيد بن سليمان عن خلف بن خليفة هذا الحديث بسنده دون الجزء الأول. [كتاب النفقة على العيال لابن أبي الدنيا].
أقول: خلف بن خليفة صدوق ثم اختلط، وإذا لم يذكر الأئمة من سمع منه قبل الاختلاط فلا يُحتج بحديثه، لأنه يُخشى أن يكون مما حدَّث به بعد الاختلاط، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه لخلف بن خليفة في ثلاثة مواضع عن ثلاثة من شيوخه، ولكن لم يرو له في أي موضع منها من طريق حسين بن محمد أو سعيد بن سليمان.
وقد وهِم من صححوا سند الحديث أو حسنوه اعتمادا منهم على أن هذا الراوي من رجال مسلم!!، لأن الرجل قد اختلط، ولا يجوز القول بأن هذا السند على شرط مسلم إلا إذا كان السند من طريق راو روى مسلم من طريقه عن ذلك الرجل، فتنبه!!!.
ومن القرائن التي تؤكد أن الجزء الأخير ليس من صحيح حديث خلف بن خليفة أنه رواه عنه محمد بن معاوية الأنماطي وليس في روايته الجزء الأخير. [دلائل النبوة لأبي نـُعيم].
ومنها أن قصة البعير رويت من طرق كثيرة وليس فيها الجزء الثالث:
فمن ذلك ما روى أبو نـُعيم في دلائل النبوة, قال حدثنا أبو بكر بن خلاد قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان قال حدثنا يحيى ابن بكير قال حدثني الليث بن سعد عن ابن الهاد عن ثعلبة بن أبي مالك قال: اشترى إنسان من بني سلمة جملا ينضح عليه، فأدخله في مربد، فجُرد كيما يُحمل عليه، فلم يقدر أحد أن يدخل عليه إلا تخبطه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك فقال: "افتحوا عنه". فقالوا: إنا نخشى عليك يا رسول الله. قال: "افتحوا عنه". ففتحوا، فلما رآه الجمل خر ساجدا، فسبَّح القوم وقالوا: يا رسول الله، نحن كنا أحق بالسجود من هذه البهيمة. قال: "لو ينبغي لشيء من الخلق أن يسجد لشيء دون الله ينبغي للمرأة أن تسجد لزوجها". أبو بكر بن خلاد هو أحمد بن يوسف بن أحمد ثقة توفي سنة 359، كما في تاريخ بغداد والتقييد. أحمد بن إبراهيم بن ملحان وثقه الدارقطني وتوفي سنة 290، كما في تاريخ بغداد. يحيى بن عبد الله بن بُكير صدوق فيه لين توفي سنة 231، وانظر تهذيب التهذيب. الليث بن سعد ثقة إمام توفي سنة 175. يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد ثقة توفي سنة 139. ثعلبة بن أبي مالك القـُرظي رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان له يوم بني قريظة نحو ثلاثة عشر عاما، وقد وثقه العجلي وذكره ابن حبان في الثقات. فهذا السند لا بأس به في الشواهد.
ومن ذلك ما روى البزار في مسنده قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا أبو أسامة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطا فجاء بعير فسجد له فقالوا: نحن أحق أن نسجد لك. فقال: "لو أمرت أحدا يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". إبراهيم بن سعيد الجوهري ثقة توفي سنة 253. أبو أسامة حماد بن أسامة ثقة توفي سنة 201. محمد بن عمرو بن علقمة صدوق فيه لين توفي سنة 144. أبو سلمة بن عبد الرحمن ثقة مشهور. وهذا الإسناد لا بأس به في الشواهد.
ومن ذلك ما روى أبو نعيم والبيهقي كلاهما في دلائل النبوة, رويا من طريقين عن فائد أبي الورقاء عن عبد الله بن أبي أوفى الجزأين الأولين من هذا الحديث. ولكن هذا الإسناد تالف، فيه فائد بن عبد الرحمن الكوفي أبو الورقاء وهو متروك الحديث.
- وأما حديث أبي سعيد الخدري فقد روى أربعة أحدهم ابن أبي شيبة عن جعفر بن عون قال: أخبرنا ربيعة بن عثمان عن محمد بن يحيى بن حَبان عن نهار العبدي وكان من أصحاب أبي سعيد الخدري عن أبي سعيد أن رجلا أتى بابنة له إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابنتي هذه أبت أن تتزوج!. فقال لها: أطيعي أباك. قالت: لا حتى تخبرني ما حق الزوج على زوجته؟. فردَّدَت عليه مقالتها, فقال: "حق الزوج على زوجته أن لو كان به قرحة فلحِستها أو ابتدر منخراه صديدا أو دما ثم لحِسته ما أدت حقه". فقالت: والذي بعثك بالحق لا أتزوج أبدا. فقال: "لا تنكحوهن إلا بإذنهن". [مصنف ابن أبي شيبة. السنن الكبرى للنسائي. صحيح ابن حبان. سنن الدارقطني]. جعفر بن عون المخزومي الكوفي صدوق ثقة توفي سنة 206 وقد قارب التسعين. ربيعة بن عثمان التيمي المدني وثقه جماعة ولينه أبو زرعة وقال أبو حاتم منكر الحديث، ولد سنة 77 وتوفي سنة 154. محمد بن يحيى بن حَبان المازني المدني ثقة ولد سنة 47 وتوفي سنة 121. نهّار بن عبد الله العبدي قال عنه ابن خراش مدني صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ، وقال الراوي عنه: لا بأس به.
قال أبو عبد الرحمن النسائي عقب رواية الحديث: "أبو هارون العبدي متروك الحديث واسمه عمارة بن جوين، وأبو هارون الغنوي لا بأس به واسمه إبراهيم بن العلاء، وكلاهما من أهل البصرة".
ولا بد من وقفة واعية متأنية عند هذا التعقيب من الإمام النسائي، لأن فيه دليلا على وقوع خلل ما، إذ لو كان الإسناد سليما لكان هذا التعقيب عبثا لا فائدة فيه ولا معنى له، فلمَ ذكر النسائي هنا أبا هارون العبدي؟؟!.
وحيث إن العبارة غير واضحة تمام الوضوح فلا بد من محاولة الكشف عن أصلها، ويبدو أن هذا واقع في النسخة القديمة من السنن الكبرى للنسائي.
لا أجد سببا موضِّحا سوى أن النسائي رحمه الله تعالى يرى أن كلمة "عن نهار العبدي" هي خطأ ناتج عن التصحيف أو الوهَم، وأن الصواب في هذه الرواية "عن أبي هارون العبدي"، وإذا كان ذلك كذلك فإن أبا هارون العبدي متروك واتهمه عدد من الأئمة بالكذب. ولا يبعد أن يكون الخلل هو من ربيعة بن عثمان الذي قال فيه أبو حاتم منكر الحديث.
درجة الحديث:
إسناد حديث أبي أمامة فيه راو متهم بالكذب وراو منكر الحديث. وإسناد حديث أبي هريرة فيه راو منكر الحديث. وإسناد حديث أنس فيه راو مختلط. وإسناد حديث أبي سعيد فيه راو وثقه جماعة وقيل فيه منكر الحديث، وفيه نهار العبدي مع احتمال أن الاسم مصحَّف عن أبي هارون العبدي الكذاب.
فالحديث ضعيف الإسناد، ولا يرتقي بهذه الشواهد الواهية، ومتنه منكر ظاهر النكارة، بل هو عندي موضوع مخْتـَلـَق لا شك فيه، والله أعلم. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق