الأحد، 24 فبراير 2013

بعض الأحاديث المنتقدة من حيث المتن والتي هي معلولة حسب منهج الإعلال



الحديث الأول:

حديث "قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله"

قال الإمام البخاري في صحيحه: حدثنا خالد بن مخلد: حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله. فلم يقل، ولم تحمل شيئا إلا واحدا ساقطا إحدى شقيه". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو قالها لجاهدوا في سبيل الله". قال البخاري: قال شعيب وابن أبى الزناد "تسعين"، وهو أصح.

وقال البخاري: حدثني محمود: حدثنا عبد الرزاق: أخبرنا معْمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال سليمان بن داود عليهما السلام: لأطوفن الليلة بمئة امرأة تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله. فقال له الملك: قل إن شاء الله. فلم يقلْ ونسي، فأطاف بهن، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان أرجى لحاجته.

ورواه في مواضع أخرى بنحوه، وكذا رواه مسلم في صحيحه.

قبل البحث في مدى صحة هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بد لي من الإشارة إلى اختلاف ألفاظ الروايات في هذا الحديث في لفظة من الألفاظ التي لا ينبغي الوقوف عندها، وهي لفظة سبعين أو تسعين أو تسع وتسعين أو مئة، وذلك لأن مثل هذا الاختلاف في الحديث لا يهمنا أي الألفاظ هي الثابتة فيه.

ثم إن هذا الحديث يتألف من شطرين:

فالشطر الأول هو "قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله. فلم يقل، ولم تحمل شيئا إلا واحدا ساقطا إحدى شقيه".

والشطر الثاني هو "لو قالها لجاهدوا في سبيل الله".

وهذا بيان طرقه: فقد رواه ثلاثة من كبار الثقات عن أبي هريرة، وهم محمد بن سيرين وطاوس بن كيسان وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج:

ـ فأما طريق ابن سيرين عن أبي هريرة فرواه ثلاثة من الثقات عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفا. [صحيح البخاري. صحيح مسلم. المستخرج لأبي عوانة. عبد الرزاق في تفسيره].

ورواه أربعة عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا. [مسند أحمد. مصنف ابن أبي شيبة. المستخرج لأبي عوانة. الحلية لأبي نُعيم. تاريخ دمشق لابن عساكر]. ورواه الإمام أحمد في مسنده عن هشيم بن بشير عن هشام بن حسان به موقوفا.

[أيوب بن أبي تميمة السختياني ثقة ثقة. هشام بن حسان صدوق ثقة رفع موقوفات. هشيم بن بشير ثقة يدلس].

فالراجح في طريق ابن سيرين أن الحديث موقوف على أبي هريرة، لأن الراوي الذي رواه بالوقف هو من كبار الثقات، والراوي الآخر رواه مرات بالرفع ومرة بالوقف، وهو صدوق ثقة له روايات وهم فيها فرفعها وهي موقوفة، فيبدو أن هذه منها.

ـ وأما طريق طاوس عن أبي هريرة فرواه عبد الرزاق بن همَّام في تفسيره ورواه جماعة عنه عن معْمر عن ابن طاوس عن طاوس عن أبي هريرة موقوفا. [تفسير عبد الرزاق. صحيح البخاري. صحيح مسلم. المستخرج لأبي عوانة]. ورواه أحمد في مسنده والعباس بن عبد العظيم عند النسائي في السنن عن عبد الرزاق به مرفوعا، ورواية أحمد والنسائي هذه معلولة، لمخالفتها لما في تفسير عبد الرزاق ولما رواه الجماعة عنه.

ورواه جماعة عن سفيان بن عيينة عن هشام بن حُجير عن طاوس عن أبي هريرة مرفوعا. [صحيح مسلم. مسند الحميدي. المستخرج لأبي عوانة. ذم البغي لابن أبي الدنيا. الأسماء والصفات للبيهقي]. ورواه جماعة عن سفيان بن عيينة به موقوفا. [صحيح البخاري. الأسماء والصفات للبيهقي. مسند أبي يعلى. ولتوضيح الرواية في مسند أبي يعلى أقول: رواه في مسنده عن أبي معمر عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وعن هشام بن حجير عن طاوس عن أبي هريرة أحدهما روايةً. أي بالرفع. وحيث إن رواية سفيان عن أبي الزناد هي بالرفع فهذا يعني أن روايته عن هشام بن حجير هي بالوقف]. ورواه أبو يعلى في مسنده من طريق الحارث بن سُريج النقال وهو ضعيف متهم بأنه يسرق الحديث عن ابن عيينة وقال: يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكره مرة ولم يرفعه. ويبدو أن الحارث قد ضبط المسألة هنا، وليس هذا الموضع محلا لاتهامه.

[معْمر بن راشد ثقة فيه لين. عبد الله بن طاوس ثقة. سفيان بن عيينة ثقة. هشام بن حجير صدوق فيه لين].

فالراجح في طريق طاوس أن الحديث موقوف على أبي هريرة، لأن سند الطريق الموقوف جيد، وابن عيينة في الطريق الآخر رواه مرات بالرفع ومرات بالوقف، ثم إنه يرويه عن هشام بن حجير وهو صدوق فيه لين.

ـ وأما طريق الأعرج عن أبي هريرة فرواه ستة عن أبي الزناد، ورواه اثنان عن الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة، أبو الزناد وجعفر كلاهما عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا. [صحيح البخاري. صحيح مسلم. سنن النسائي. المستخرج لأبي عوانة. المستخرج لأبي نُعيم. مسند البزار. شرح مشكل الآثار للطحاوي. السنن الكبرى للبيهقي]. [أبو الزناد والليث بن سعد وجعفر بن ربيعة ثقات].

ـ خلاصة الأمر أن هذا الحديث رواه ابن سيرين وطاوس في الراجح عنهما عن أبي هريرة موقوفا عليه، ورواه الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا، فأقل ما يُقال فيه هو التوقف في صحته بالرفع، وهذا يعني أن الطريق المرفوع معلول بالطريقين الموقوفين، أي إنه ثابت من قول أبي هريرة، لا من قول النبي صلى الله عليه وسلم.

ـ هذا كله يتعلق فيما هو أصل القصة، وهو الشطر الأول منها.

ـ أما الشطر الثاني فتكاد الطرق تجمع على أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

فقد يُقال: هذا دليل على أن القصة كلها مرفوعة.

فأقول: لو كانت القصة مرفوعة في الواقع لبيَّن أبو هريرة من بدايتها أنها من قوله عليه الصلاة والسلام، ولكن حيث إنه ابتدأها من قوله هو في رواية ابن سيرين وطاوس فهذا دليل واضح على أنه لم يسمعها من النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان قد سمعها منه لبيَّن.

ويبدو أنه قال في بداية الشطر الثاني "قال رسول الله" يقصد به الملكَ الذي قال لسليمان عليه السلام "قل إن شاء الله"، فإن الملك هو رسول من عند الله إلى أنبيائه، ففهم الرواة من ذلك أنه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فعبَّر كل واحد عما فهمه.

ولذا فإننا نجد في هذا الموضع في الروايات: "قال رسول الله"، "قال نبي الله"، "قال النبي"، مع ذكر الصلاة والسلام عليه، وذهب وَهْم بعضهم إلى أن في الكلام هنا قسَما فجعل في هذا الموضع "وايمُ الذي نفس محمد بيده". فهذا هو سبب الوهَم الذي وقع فيه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج الراوي عن أبي هريرة ومَن رواه عن ابن سيرين وعن طاوس عن أبي هريرة، والله أعلم.

ـ وخاتمة المطاف هي أن هذا الحديث ثابت من قول أبي هريرة، وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم، والظاهر أنه سمعه من بعض مسلمة أهل الكتاب. والله سبحانه وتعالى أعلم.

ـ فإن قيل: فهل كان البخاري ومسلم اللذان رويا هذا الحديث بالرفع وبالوقف يرجحان فيه شيئا من حيث اختلاف الرواية رفعا ووقفا؟ وهل أشارا إلى ذلك في صحيحيهما؟.

والجواب: نعم، لهما ترجيح أشارا إليه، وهو أنهما يرجحان كونه موقوفا، أي من قول أبي هريرة، وليس مرفوعا من قول النبي صلى الله عليه وسلم.

ـ فأما الإمام البخاري رحمه الله فإن من عادته في صحيحه أن يروي الروايات المتعددة للحديث في أبواب مختلفة في أماكن متباعدة, ولا يجمعها في موضع واحد كما فعل مسلم, ولكنه لا يعدل عن الرواية الراجحة للباب الأكثر مناسبة لموضوع ذلك الحديث.

وقد روى البخاري هذا الحديث في صحيحه في ستة مواضع، تحت العناوين التالية: باب من طلب الولد للجهاد. باب قول الله تعالى ووهبنا لداود سليمان. باب قول الرجل لأطوفن الليلة على نسائه. باب كيف كانت يمين النبى صلى الله عليه وسلم. باب الاستثناء فى الأيمان. باب فى المشيئة والإرادة. وروى الرواية المرفوعة في الباب الأول والثاني والرابع من هذه الأبواب الستة, وروى الرواية الموقوفة في الباب الثالث والخامس والسادس من تلك الأبواب.

ولا شك في أن الباب الأكثر مناسبة لموضوع هذا الحديث هو الباب الثالث منها، وهو "باب قول الرجل لأطوفن الليلة على نسائه"، وقد اختار لهذا الباب الرواية الموقوفة, وهذا يعني أن الإمام البخاري يرجح في هذا الحديث أنه من قول أبي هريرة وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم. فرحمه الله رحمة واسعة.

ـ وأما الإمام مسلم رحمه الله فإن من عادته في صحيحه أن يروي الروايات المتعددة للحديث في مكان واحد, ولا يفرقها في أماكن متباعدة كما فعل البخاري، ويقدم الرواية المروية بالسند العالي على المروية بالسند النازل، فإذا كان عنده روايتان يبلغ عدد طبقات السند في إحداهما أربعة مثلا وفي الأخرى خمسة فإنه يقدم السند أو الطريق الرُباعي على الخُماسي، وإذا كانت الروايتان كلتاهما متماثلتين في العلو والنزول كأن تكونا خُماسيتين مثلا فإنه يقدم الأرجح.

وكان عنده في هذا الحديث ست روايات, ثلاث منها خُماسية وثلاث منها سُداسية، والروايات الخماسية واحدة منها بالوقف على الصحابي واثنتان بالرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والروايات السداسية كذلك، فبدأ بالطرق الخماسية قبل السداسية، وبدأ في كل منهما بالموقوفة قبل المرفوعة.

وهذه هي طرق هذا الحديث عند مسلم:

بدأ بالطرق الخماسية, وقدم منها طريق أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة موقوفا, ثم طريق هشام بن حُجير عن طاوس عن أبي هريرة مرفوعا، ثم طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا.

ثم انتقل إلى الطرق السداسية, وقدم منها طريق عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفا، ثم طريق ورقاء وطريق موسى بن عقبة, كلاهما عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا.

وتقديم الإمام مسلم في الطرق الخماسية والسداسية للرواية الموقوفة على المرفوعة يعني أنه يرجح في هذا الحديث أنه من قول أبي هريرة وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم. فرحمه الله رحمة واسعة.


الحديث الثاني:

حديث "قالت بنو إسرائيل إن موسى آدر"

رُوي هذا الحديث عن أبي هريرة وله عنه ثلاثة طرق:

ـ الطريق الأول رواه البخاري ومسلم وابن حبان في صحاحهم وأحمد في مسنده وأبو عوانة وأبو نعيم في مستخرجيهما على صحيح مسلم وابن المنذر في الأوسط والبيهقي في السنن وغيرهم عن سبعة عن عبد الرزاق، وهو في تفسير عبد الرزاق، عن معمر عن همَّام بن منبه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففرَّ الحجر بثوبه، فخرج موسى في إثره يقول ثوبي يا حجر، حتى نظرتْ بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربا".

همَّام بن منبه وإن وثقه جماعة من الأئمة فيبدو أن الإمام الناقد عليَّ بنَ المديني كان قد تنبه إلى مخالفة بعض رواياته لروايات أقرانه، فكان له فيه قول آخر، وذلك إذ يقول: "أصحاب أبي هريرة هؤلاء الستة: سعيد بن المسيب وأبو سلمة والأعرج وأبو صالح ومحمد بن سيرين وطاوس، وكان همام بن منبه يشبه حديثه حديثهم إلا أحرفا". [سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة. ومن طريقه رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد في ترجمة محمد بن سيرين، ويبدو أن الخطيب البغدادي كان يعتمد نسخة ابن أبي شيبة هذا في تاريخ الرواة، وأنه لم يتهمه في نقل الأقوال في الرواة رغم أنه كان يأخذ كتب الناس فيروي منها وكان يغير في الأسانيد].

وقال المزي في تهذيب الكمال في ترجمة همَّام: قال أبو الحسن الميموني: قال لي أحمد ابن حنبل: "همَّام بن منبه روى عنه أخوه وهب بن منبه، وكان رجلا يغزو, وكان يشتري الكتب لأخيه وهب، وجالس أبا هريرة بالمدينة فسمع منه أحاديث، وكان قد أدرك المُسَوِّدة وسقط حاجباه على عينيه، وهي نحو من أربعين ومئة حديث بإسناد واحد، ولكنها مقطعة في الكتب، وفيها أشياء ليست في الأحاديث". المسوِّدة هم العباسيون، وفي هذا النص إشارة إلى أن تلك الأحاديث التي رواها همام عن أبي هريرة هي في أبواب شتى من العلم، وأن فيها أشياء يتفرد بها عنه ليست بمعروفة، وهذا يؤيد ما صرح به ابن المديني، ويشير إلى أن الإمام أحمد مع توثيقه لهمَّام فإنه قد تنبه إلى أن بعض مروياته عن أبي هريرة لا توجد فيما سواها من الأحاديث.

وعلى كل حال فإن نتيجة مقارنة مرويات همام بن منبه بروايات أقرانه الأثبات عن أبي هريرة عند ابن المديني وابن حنبل مفيدة جدا، وهي أن حديثه عنه يشبه حديثهم عنه إلا في بعض الأحاديث، وهذا تصريح في غاية الوضوح والأهمية، لأن الأئمة إذا قالوا في بعض الروايات إنها لا تشبه أحاديث الثقات فهذا يعني طعنهم فيها، ولذا فهمَّام بن منبه هو في أحسن أحواله ثقة فيه لين، أي لا بد من التوقف فيما ينفرد به دون سائر الثقات. فهذا الطريق فيه لين.

ـ الطريق الثاني رواه البخاري عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، والترمذيُّ عن عبد بن حميد، كلاهما عن رَوْح بن عبادة عن عوف بن أبي جميلة عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين وخلاس بن عمرو عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن موسى كان رجلا حييا سِتِّيرا ...". الحديثَ بنحوه. ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده وعنه النسائي في السنن الكبرى عن روح بن عبادة عن عوف عن خلاس عن أبي هريرة به، ورواه الطبري والطحاوي في مشكل الآثار عن اثنين عن روح عن عوف عن ابن سيرين به نحوه. ورواه أحمد عن روح قال حدثنا عوفٌ عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وخِلاسٌ ومحمدٌ عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه أحمد والطبري من طريقين عن قتادة أنه قال: حدَّث الحسن عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة ...". الحديث به نحوه.

رَوْح بن عبادة بصري صدوق ثقة فيه لين مات سنة 205، وثقه جماعة، وقال فيه أبو حاتم: صالح محله الصدق. وقال النسائي في السنن الكبرى: ليس بالقوي. عوف بن أبي جميلة بصري صدوق ثقة فيه لين مات سنة 146، وثقه جماعة، وقال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: "وفي مثل مجرى هؤلاء إذا وازنتَ بين الأقران كابن عون وأيوب السختياني مع عوف بن أبى جميلة وأشعث الحمراني وهما صاحبا الحسن وابن سيرين كما أن ابن عون وأيوب صاحباهما، إلا أن البون بينهما وبين هذين بعيد في كمال الفضل وصحة النقل وإن كان عوف وأشعث غير مدفوعين عن صدق وأمانة عند أهل العلم". وقال الدارقطني في سؤالات الحاكم: ليس بذاك.

وأيًّا ما كان الحال فهذا الطريق عن روح عن عوف عن الحسن وابن سيرين وخلاس بن عمرو عن أبى هريرة معلول، فقد رواه ابن أبي شيبة عن أبي أسامة عن عوف عن الحسن وخلاس بن عمرو ومحمد عن أبي هريرة به موقوفا. [أبو أسامة حماد بن أسامة كوفي ثقة مات سنة 201]. وربما كان قد اضطرب حفظ عوف لهذا الحديث فكان يرويه مرة مرفوعا ومرة موقوفا.

ومما يؤكد إعلاله أن ابن أبي حاتم روى في مقدمة الجرح والتعديل عن صالح بن أحمد ابن حنبل عن علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: كان معي أطراف عوف عن الحسنِ عن النبي وخلاسٍ ومحمدٍ عن أبي هريرة أن موسى عليه السلام كان رجلا حييا فقال بنو إسرائيل هو آدر، فسألت عوفا، فترك محمدا وقال "خلاس"، مرسل. وهذا يعني أن يحيى بن سعيد القطان كانت معه نسخة فيها أحاديث من أحاديث عوف بن أبي جميلة، وكان فيها رواية عوف لحديث أن موسى عليه السلام كان رجلا حييا، وكان السند فيها هو عوف عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعوف عن خلاس ومحمد بن سيرين عن أبي هريرة غير مرفوع، فسأله عن هذا الحديث ليختبر حفظه، فروى له الحديث عن خلاس عن النبي صلى الله عليه وسلم، أي إنه كان قد اضطرب حفظه لهذا الحديث، وكان في الأصل عن الحسن مرسلا وعن خلاس عن أبي هريرة موقوفا فجعله عن خلاس مرسلا.

ـ الطريق الثالث رواه أحمد ومسلم من طريقين عن عبد الله بن شقيق وهو ثقة عن أبي هريرة به موقوفا.

ـ ورُوي هذا الحديث عن ابن عباس موقوفا، وله عنه طريقان:

رواه ابن أبي شيبة والطبري والحاكم من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به موقوفا. وهذا سند جيد.

ورواه الطبري عن محمد بن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه عن أبيه عن ابن عباس به موقوفا. [محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي: قال الدارقطني لا بأس به، وقال الخطيب كان لينا في الحديث، مات سنة 276. سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي روى عن أبيه وعمه الحسين، قال أحمد: لم يكن ممن يستأهل أن يُكتب عنه ولا كان موضعا لذاك. الحسين بن الحسن بن عطية العوفي الكوفي قاضي بغداد متفق على تضعيفه ومات سنة 201. الحسن بن عطية العوفي ضعيف مات بعد سنة 140. عطية بن سعد بن جنادة العوفي لين مدلس ومات سنة 111]. وهذا سند ضعيف يتقوى بما قبله.

ـ ومن الجدير بالذكر أن الإمام البخاري لم يرو في صحيحه سوى الرواية المرفوعة, وربما لم يقف على الطريق الموقوف، وأن الإمام مسلمًا روى الروايتين المرفوعة والموقوفة، والإسناد عنده في كل منهما خماسي، وقدَّم الرواية المرفوعة، مما يعني أنه يرجح تصحيح الحديث من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا غريب.

ـ وخلاصة القول في هذا الحديث أنه رواه أبو هريرة وله عنه ثلاثة طرق:

فالطريق الأول طريق همَّام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا سند لين.

والطريق الثاني رواه راوٍ من أتباع التابعين هو عوف بن أبي جميلة عن ثلاثة من التابعين عن أبي هريرة مرفوعا كذلك، وقد اضطرب عوف في حفظه لهذا الحديث، والأصح فيه أنه من رواية الحسن البصري مرسلا، ومراسيله ضعيفة، ومن رواية ابن سيرين وخلاس بن عمرو عن أبي هريرة موقوفا، فوهِم عوف فأسنده عن الثلاثة عن أبي هريرة مرفوعا.

والطريق الثالث طريق عبد الله بن شقيق عنه موقوفا، وهذا يؤكد أن الثابت في رواية أبي هريرة لهذا الحديث أنه من قوله, وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم.

ـ وأما الحديث عن ابن عباس فهو موقوف. والظاهر أنه مما سمعه أبو هريرة وابن عباس من أهل الكتاب، والله أعلم.


الحديث الثالث:

حديث "فلطم موسى عينَ ملك الموت"

الحديث الذي فيه مجيءُ ملك الموت إلى موسى عليه السلام وضرْبُ موسى للصورة التي نزل بها الملك رُوي عن أبي هريرة من أربعة طرق: من طريق طاوس وأبي يونس سُليم بن جُبير وهمَّام بن منبه وعمار بن أبي عمار، ووقع فيه اختلاف من حيث الوقفُ والرفعُ، هل هو عن أبي هريرة من قوله أو عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟:

وهذا بيان طرقه واختلافِها:

ـ فأما الطريق الأول فهو طريق طاوس، وقد رواه سبعة من الثقات عن عبد الرزاق عن معْمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفا.

رواه البخاري عن محمود بن غيلان ويحيى بن موسى، ومسلمٌ عن محمد بن رافع وعبد بن حميد، والنسائيُّ عن محمد بن رافع، وابنُ أبي عاصم في السنة عن سلمة بن شبيب، والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق أحمد بن منصور الرمادي، ستتهم عن عبد الرزاق بن همَّام، ورواه أحمد عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: [أُرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام، فلما جاءه صكَّه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت؟!. فرد الله عليه عينه وقال: ارجع فقل له يضع يده على متن ثور، فله بكل ما غطت به يدُه بكل شعرة سنة. قال: أيْ رب ثم ماذا؟. قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل اللهَ أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر]. قال: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلو كنت ثـَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر]. [صحيح البخاري، باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة من كتاب الجنائز رقم 1339, وباب وفاة موسى عليه السلام من كتاب أحاديث الأنبياء رقم 3407. صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم رقم 2372. مسند الإمام أحمد 13 / 84 رقم 7646. السنة لابن أبي عاصم 2/ 123 رقم 486. سنن النسائي، كتاب الجنائز رقم 2089. الأسماء والصفات للبيهقي، باب ما جاء في التردد صفحة 454].

هذا الحديث فيه جزآن: الجزء الأول هو قصة موسى عليه السلام وملك الموت، وهو المراد في هذا البحث، والجزء الثاني هو "فلو كنتُ ثـََمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر"، وهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن في حديثٍ غير هذا.

وقد روى أولئك الثقات هذا الحديث من طريق طاوس فجعلوا الجزء الأول منه موقوفا والثاني مرفوعا.

وطاوس كان ممن يعد الحروف حرفا حرفا، من شدة عنايته بضبط الألفاظ.

ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الطريق رواه اثنان بخلاف رواية أولئك الثقات السبعة، فجعلا الحديث مرفوعا كله:

فقد رواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الأزدي عن إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق بالرفع، وهذا وهَم، لأن الرواية التي يخالف فيها الراوي سبعة من الرواة الثقات لا شك في أنها معلولة. شيخ ابن حبان عبد الله بن محمد الأزدي: الظاهر أنه عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن شيرويه، كما أشار إليه ابن حبان في صحيحه في باب فضل الصحابة والتابعين من ترتيب ابن بلبان، وهو ثقة توفي سنة 305. وشيخه هو إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه إمام حافظ. ولا يبعُد أن يقع الوهَم في هذا لأحدهما، والأقرب أن يكون من ابن شيرويه.

والحديث في نسخة مصنف عبد الرزاق مرفوع كله كذلك، ولكن لا يُعوَّل على نسخة مصنَّف عبد الرزاق ولا يُعتمد عليها إذا خالفت ما رواه جماعة من الثقات عنه، فراوي النسخة عن المؤلف هو إسحاق بن إبراهيم الدَبَري، وقد تكلموا في روايته عنه لصغر سنه. وذكر ابن الصلاح في كتاب علوم الحديث عبدَ الرزاق بنَ همام صاحب المصنف فيمن رُمي بالاختلاط وقال: "ذكر أحمد ابن حنبل أنه عمي في آخر عمره فكان يُلقن فيتلقن، فسماع من سمع منه بعد ما عمي لا شيء". وعقـَّب ابن الصلاح على ذلك بقوله: [قد وجدتُ فيما رُوي عن الطبراني عن إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق أحاديثَ استنكرتها جدا، فأحلت أمرها على ذلك، فإن سماع الدبري منه متأخر جدا، قال إبراهيم الحربي: مات عبد الرزاق وللدبري ست سنين أو سبع سنين].

فعُلم من هذا أن الثابت في رواية طاوس هو أن تلك القصة موقوفة من قول أبي هريرة وليست مرفوعة، وأن الرواية المرفوعة من هذا الطريق خطأ محض، حيث إنها تخالف ما رواه سبعة من الثقات.

ـ وأما الطريق الثاني فهو طريق أبي يونس سُليم بن جُبير، وقد رواه الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا حسن: حدثنا ابن لهيعة: حدثنا أبو يونس عن أبي هريرة أنه قال: "جاء ملك الموت إلى موسى ...". الحديثَ به نحوه، ولم يرفعه. [مسند الإمام أحمد 14/ 264 رقم 8616]. [حسن بن موسى الأشيب بغدادي صدوق ثقة توفي سنة 209. عبد الله بن لهيعة مصري كتبه مضبوطة ولكنه كان إذا لـُقـِّن يتلقن، وكان يدلس إلا أنه صرح هنا بالسماع، وتوفي سنة 174. أبو يونس سُليم بن جُبير مولى أبي هريرة مصري صدوق ثقة يُقال توفي سنة 123]. هذا إسناد ضعيف، ولكن الرواية بوقف الحديث دون رفعه ليست مظِنة الوهَم أو التلقين، لشدة رغبتهم في المرفوع، فيتقوى بما قبله.

ـ وأما الطريق الثالث فهو طريق همَّام بن منبه، وقد رواه خمسة عن عبد الرزاق عن معْمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام ...". الحديثَ به نحوه، مرفوعا كله. [صحيح البخاري، باب وفاة موسى عليه السلام من كتاب أحاديث الأنبياء رقم 3407. صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم رقم 2372. مسند الإمام أحمد 14/ 264 رقم 8166. السنة لابن أبي عاصم 2/ 123 رقم 486. صحيح ابن حبان 14/ 116 رقم 6224. الأسماء والصفات للبيهقي باب ما جاء في التردد صفحة 454]. هذا ولم يروه البخاري بذكر السند متبوعا بالمتن على عادته في رواية الأحاديث المسندة، ولكن ذكره بعد أن روى الحديث من طريق طاوس عن أبي هريرة موقوفا كما تقدم، فأتبع ذلك بقوله: "قال وأخبرنا معمر عن همام حدثنا أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه".

همَّام بن منبه ثقة فيه لين، وتقدم الكلام عليه في الحديث السابق, فينبغي التوقف في بعض ما يرويه وخاصة إذا خالف ما يرويه غيره أو إذا لم يتابعه عليه غيره من الثقات.

ومما يُلاحظ أن الطريقين الأول والثالث كليهما يرويهما عبد الرزاق عن معمر، ولم أجدهما من طريق آخر، والظاهر أن هذا ليس من باب اختلاف الرواية، لأن عبد الرزاق ومعمرا من المشهورين بكثرة جمع الطرق.

ـ وأما الطريق الرابع فهو طريق عمار بن أبي عمار، وقد رواه جماعة عن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كان ملك الموت يأتي الناس عيانا فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه ...". [مسند أحمد 16/ 525 ـ 526 رقم 10904 ـ 10905. المستدرك للحاكم 2/ 577]. حماد بن سلمة ثقة تغير حفظه بآخره. عمار بن أبي عمار صدوق ثقة فيه لين. ولا يبعُد أن يقع الوهَم في رفع هذا الحديث لأحدهما.

- خلاصة الأمر في طرق هذا الحديث أن الجزء الذي فيه مجيءُ ملك الموت إلى موسى عليه السلام وضرْبُ موسى للصورة التي نزل بها الملك: رواه طاوس وسُليم بن جُبير عن أبي هريرة موقوفا من قوله، ورواه همام بن منبه وعمار بن أبي عمار عن أبي هريرة مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والمرجَّح في ميزان النقد الحديثي أنه موقوف من قول أبي هريرة وأن من جعله مرفوعا فقد وهِم، ولعل منشأ الوهَم هو أن آخر الحديث "فلو كنتُ ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر" مرفوع، فقد يسمع السامع هذا من أبي هريرة مع تصريحه برفع هذا الجزء فيظن أن ما مضى من الحديث مرفوع كذلك.

والجزء الثاني من الحديث منقول من حديث الإسراء، ووصَله أبو هريرة بقصة موسى وملك الموت ، فأدى ذلك للالتباس.

وهذا يعني أن من رواه بالرفع فروايته معلولة بعلة الوقف على الصحابي.

ـ ومن الجدير بالذكر أن البخاري ومسلما لم يرويا هذا الحديث في الصحيحين كمساق الأحاديث التي يريان لها الرجحان:

فأما البخاري فلم يروه بالسند متبوعا بالمتن على عادته في معظم أحاديث الكتاب، واكتفى بالإشارة إليه في التعقيب على ما قبله، فإنه روى الطريق الموقوف وعقـَّب عليه بقوله: "قال وأخبرنا معمر عن همام قال حدثنا أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه". [صحيح البخاري باب وفاة موسى عليه السلام من كتاب أحاديث الأنبياء رقم 3226].

وأما مسلم فمن طريقته أن يبدأ بالطريق الأقوى ويتـْبـِعه بما هو دونه أو بما فيه وقفة، وأن يقدم الطريق الذي يقِلُّ فيه عدد طبقات السند على غيره، أي أن يقدم الطريق العالي على النازل.

والذي عنده هنا طريقان، أحدهما سداسي موقوف، والآخر خماسي مرفوع، والذي فعله هنا هو أنه روى الطريق الموقوف أولا مع أن إسناده نازل ثم أتبعه بالطريق المرفوع مع أن إسناده عالٍ.

وهذا يعني أن الإمامين البخاري ومسلما يرجحان أن هذا الحديث من قول أبي هريرة، وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم.

ـ ولا بد من التذكير هنا بما رواه الإمام مسلم رحمه الله في كتاب التمييز، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: حدثنا مروان الدمشقي عن الليث بن سعد: حدثني بكير ابن الأشج قال: قال لنا بسر بن سعيد: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتـُنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم، فأسمعُ بعضَ من كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. [الدارمي ثقة إمام توفي سنة 255. مروان بن محمد الطاطري الدمشقي ثقة توفي سنة 210. الليث بن سعد المصري ثقة إمام توفي سنة 175. بكير بن عبد الله بن الأشج المدني نزيل مصر ثقة ثقة توفي سنة 122 تقريبا. بسر بن سعيد المدني ثقة ولد سنة 22 وتوفي سنة 100. فهذا إسناد صحيح].

ـ وخلاصة القول أن هذا الحديث - في ميزان النقد الدقيق - ليس بثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه من قول أبي هريرة، ولعله مما سمعه من بعض أهل الكتاب، والله أعلم.


الحديث الرابع:

حديث "فـُقدت أمة من بني إسرائيل لا يُدرى ما فعلت، وإني لا أراها إلا الفأر"

ـ رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو يعلى والطحاوي في مشكل الآثار من ثلاثة طرق عن خالد بن مهران الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظه عند البخاري "فـُقدتْ أمة من بني إسرائيل لا يُدرى ما فعلتْ، وإني لا أراها إلا الفأر، إذا وُضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وُضع لها ألبان الشاء شربت". فحدثتُ كعبا، فقال: أنت سمعت النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقوله؟!. قلت: نعم. قال لي مرارا، فقلت: أفأقرأ التوراة؟!. [خالد بن مهران الحذاء بصري ثقة فيه لين تغير حفظه بآخرة ومات سنة 141. محمد بن سيرين بصري ثقة مات سنة 110].

ورواه أحمد عن محمد بن عبد الله عن الأشعث عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا كذلك. [محمد بن عبد الله الأنصاري ثقة مات سنة 215. الأشعث هو إما أشعث بن عبد الملك الحمراني البصري وهو ثقة مات سنة 142، وإما أشعث بن عبد الله بن جابر الحداني، وهذا صدوق ثقة فيه لين]. والظاهر أن المراد بأشعثَ هنا هو ابنُ عبد الله، لأنه لو كان ابنَ عبد الملك لصرح به، فهذا السند فيه لين.

ورواه الطبراني في الصغير والأوسط عن محمد بن إبراهيم بن سارية العكاوي عن موسى بن أيوب النصيبي عن بقية بن الوليد عن إسماعيل بن عياش عن ابن عون عن ابن سيرين به مرفوعا. [محمد بن إبراهيم بن سارية العكاوي لم أجد له ترجمة فيبدو أنه مجهول. موسى بن أيوب النصيبي الأنطاكي صدوق. إسماعيل بن عياش مخلط في روايته عن غير الحمصيين. عبد الله بن عون بصري ثقة مات سنة 151]. فهذا الطريق ظاهر الضعف.

ورواه أبو يعلى عن عبد الأعلى بن حماد النرسي عن حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد وهشام بن حسان وأيوب السختياني عن ابن سيرين عن أبي هريرة، أحسبه قال "عن النبي صلى الله عليه وسلم"، به نحوه. فالراوي هنا يشك في رفع الحديث.

ورواه عبد الرزاق، وكذا أحمد عن محمد بن جعفر، ومسلمٌ ـ واللفظ له ـ من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة، ثلاثتهم عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أنه قال: "الفأرة مسخ، وآية ذلك أنه يُوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه، ويُوضع بين يديها لبن الإبل فلا تذوقه". فقال له كعب: أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!. قال: أفأنزلت علي التوراة؟!. [هشام بن حسان بصري ثقة فيه لين مات سنة 148]. ولو كان أبو هريرة قد سمع هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرح به عندما سئل عنه.

ورواه أبو يعلى عن سويد بن سعيد عن زياد بن الربيع اليحمدي عن هشام بن حسان به مرفوعا. [سويد بن سعيد صار يُلقن في آخر عمره وأدركه أبو يعلى بعدما كبر]. فهذا الطريق ضعيف الإسناد، وهو منكر لمخالفة راويه للثلاثة الذين رووه عن هشام موقوفا.

ورواه أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفا. [عبد الصمد بن عبد الوارث بصري ثقة فيه لين مات سنة 207. عبد الوارث بن سعيد بصري ثقة مات سنة 180. أيوب السختياني بصري ثقة مات سنة 131].

وخلاصة الحال في الطرق الجيدة من هذا الحديث أنه رواه خالد الحذاء وأشعث بن عبد الله عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه هشام بن حسان وأيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة موقوفا عليه من قوله، فالطريقان الأولان المرفوعان معلولان بعلة الوقف على الصحابي، أي إن هذا الحديث لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ثابت من قول أبي هريرة، فلعله سمعه من بعض أهل الكتاب.

وفي هذا الحديث نكارة من حيث المتن، وبذلك تتوافق النتيجة على تضعيفه ورده من حيث الإعلال ومن حيث نقد المتن.

ـ ومن الجدير بالذكر أن الإمام البخاري لم يرو في صحيحه سوى الرواية المرفوعة, وربما لم يقف على الطريق الموقوف، وأن الإمام مسلمًا روى الروايتين المرفوعة والموقوفة، والإسناد عنده في كل منهما خماسي، وقدَّم الرواية المرفوعة، مما يعني أنه يرجح تصحيح الحديث من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا غريب.


 الحديث الخامس:

حديث ما حق الزوج على امرأته؟

رُوي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية أبي أمامة وأبي هريرة وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم:

- فأما حديث أبي أمامة فقد روى الطبراني في المعجم الكبير قال: حدثنا محمد بن نوح بن حرب العسكري حدثنا خالد بن يوسف السمتي حدثنا عبد النور بن عبد الله حدثنا يونس بن شعيب عن أبي أمامة أنه قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما حق الزوج على المرأة؟. فقال: "لو أن امرأة خرجت من بيتها ثم رجعت إليه فوجدت زوجها قد تقطع جذاما يسيل أنفه دما فلحِسته بلسانها ما أدت حقه، وما لامرأة أن تخرج من بيت زوجها إلا بإذن زوجها ولا أن تعطي من بيت زوجها إلا بإذنه". عبد النور بن عبد الله بصري ذكره ابن حبان في الثقات، لكنه لا يقيم الحديث وليس من أهله وروى خبرا موضوعا لا أصل له كما قال العقيلي، وكذبه الذهبي. يونس بن شعيب قال فيه البخاري منكر الحديث وقال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به بحال، فهذا إسناد تالف.

- وأما حديث أبي هريرة فقد روى اثنان عن القاسم بن الحكم قال: حدثنا سليمان بن داود اليمامي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله أنا فلانة بنت فلان، قال: قولي ما حاجتك؟. قالت: حاجتي أن فلانا يخطبني فأخبرْني ما حق الزوج على الزوجة، فإن كان شيئا أطيقه تزوجته، وإن لم أطق لا أتزوج. قال: "مِن حق الزوج على الزوجة أن لو سال منخراه دما وقيحا فلحِسته ما أدت حقه، ولو كان ينبغي لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها إذا دخل عليها". قالت: والذي بعثك بالحق لا أتزوج ما بقيتُ في الدنيا. [مسند البزار. مستدرك الحاكم. سنن البيهقي]. سليمان بن داود اليمامي ضعيف منكر الحديث، فهذا الإسناد تالف.

- وأما حديث أنس فرواه حسين بن محمد المَرُّوذي عن خلف بن خليفة عن حفص عن عمه أنس بن مالك قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يَسْنـُون عليه، وإن الجمل استصعب عليهم فمنعهم ظهره، وإن الأنصار جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنه كان لنا جمل نَسْنِي عليه، وإنه استصعب علينا ومنعَنا ظهره، وقد عطش الزرع والنخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا. فقاموا، فدخل الحائطَ والجملُ في ناحية، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، فقالت الأنصار: يا نبي الله إنه قد صار مثل الكـَلـْب الكـَلِب، وإنا نخاف عليك صولته. فقال: ليس علي منه بأس. فلما نظر الجمل إلى رسول الله أقبل نحوه حتى خرَّ ساجدا بين يديه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناصيته أذلَّ ما كانت قطـُّ حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد لك!. فقال: "لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، والذي نفسي بيده، لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجس بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحِسته ما أدت حقه". [مسند الإمام أحمد].

في هذا الحديث ثلاثة أجزاء: الجزء الأول هو ما يتعلق بقصة الجمل، والجزء الثاني هو "لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها"، والجزء الثالث هو "والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجس بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحِسته ما أدت حقه".

وروى سعيد بن سليمان عن خلف بن خليفة هذا الحديث بسنده دون الجزء الأول. [كتاب النفقة على العيال لابن أبي الدنيا].

أقول: خلف بن خليفة صدوق ثم اختلط، وإذا لم يذكر الأئمة من سمع منه قبل الاختلاط فلا يُحتج بحديثه، لأنه يُخشى أن يكون مما حدَّث به بعد الاختلاط، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه لخلف بن خليفة في ثلاثة مواضع عن ثلاثة من شيوخه، ولكن لم يرو له في أي موضع منها من طريق حسين بن محمد أو سعيد بن سليمان.

وقد وهِم من صححوا سند الحديث أو حسنوه اعتمادا منهم على أن هذا الراوي من رجال مسلم!!، لأن الرجل قد اختلط، ولا يجوز القول بأن هذا السند على شرط مسلم إلا إذا كان السند من طريق راو روى مسلم من طريقه عن ذلك الرجل، فتنبه!!!.

ومن القرائن التي تؤكد أن الجزء الأخير ليس من صحيح حديث خلف بن خليفة أنه رواه عنه محمد بن معاوية الأنماطي وليس في روايته الجزء الأخير. [دلائل النبوة لأبي نـُعيم].

ومنها أن قصة البعير رويت من طرق كثيرة وليس فيها الجزء الثالث:

فمن ذلك ما روى أبو نـُعيم في دلائل النبوة, قال حدثنا أبو بكر بن خلاد قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان قال حدثنا يحيى ابن بكير قال حدثني الليث بن سعد عن ابن الهاد عن ثعلبة بن أبي مالك قال: اشترى إنسان من بني سلمة جملا ينضح عليه، فأدخله في مربد، فجُرد كيما يُحمل عليه، فلم يقدر أحد أن يدخل عليه إلا تخبطه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك فقال: "افتحوا عنه". فقالوا: إنا نخشى عليك يا رسول الله. قال: "افتحوا عنه". ففتحوا، فلما رآه الجمل خر ساجدا، فسبَّح القوم وقالوا: يا رسول الله، نحن كنا أحق بالسجود من هذه البهيمة. قال: "لو ينبغي لشيء من الخلق أن يسجد لشيء دون الله ينبغي للمرأة أن تسجد لزوجها". أبو بكر بن خلاد هو أحمد بن يوسف بن أحمد ثقة توفي سنة 359، كما في تاريخ بغداد والتقييد. أحمد بن إبراهيم بن ملحان وثقه الدارقطني وتوفي سنة 290، كما في تاريخ بغداد. يحيى بن عبد الله بن بُكير صدوق فيه لين توفي سنة 231، وانظر تهذيب التهذيب. الليث بن سعد ثقة إمام توفي سنة 175. يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد ثقة توفي سنة 139. ثعلبة بن أبي مالك القـُرظي رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان له يوم بني قريظة نحو ثلاثة عشر عاما، وقد وثقه العجلي وذكره ابن حبان في الثقات. فهذا السند لا بأس به في الشواهد.

ومن ذلك ما روى البزار في مسنده قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا أبو أسامة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطا فجاء بعير فسجد له فقالوا: نحن أحق أن نسجد لك. فقال: "لو أمرت أحدا يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". إبراهيم بن سعيد الجوهري ثقة توفي سنة 253. أبو أسامة حماد بن أسامة ثقة توفي سنة 201. محمد بن عمرو بن علقمة صدوق فيه لين توفي سنة 144. أبو سلمة بن عبد الرحمن ثقة مشهور. وهذا الإسناد لا بأس به في الشواهد.

ومن ذلك ما روى أبو نعيم والبيهقي كلاهما في دلائل النبوة, رويا من طريقين عن فائد أبي الورقاء عن عبد الله بن أبي أوفى الجزأين الأولين من هذا الحديث. ولكن هذا الإسناد تالف، فيه فائد بن عبد الرحمن الكوفي أبو الورقاء وهو متروك الحديث.

- وأما حديث أبي سعيد الخدري فقد روى أربعة أحدهم ابن أبي شيبة عن جعفر بن عون قال: أخبرنا ربيعة بن عثمان عن محمد بن يحيى بن حَبان عن نهار العبدي وكان من أصحاب أبي سعيد الخدري عن أبي سعيد أن رجلا أتى بابنة له إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابنتي هذه أبت أن تتزوج!. فقال لها: أطيعي أباك. قالت: لا حتى تخبرني ما حق الزوج على زوجته؟. فردَّدَت عليه مقالتها, فقال: "حق الزوج على زوجته أن لو كان به قرحة فلحِستها أو ابتدر منخراه صديدا أو دما ثم لحِسته ما أدت حقه". فقالت: والذي بعثك بالحق لا أتزوج أبدا. فقال: "لا تنكحوهن إلا بإذنهن". [مصنف ابن أبي شيبة. السنن الكبرى للنسائي. صحيح ابن حبان. سنن الدارقطني]. جعفر بن عون المخزومي الكوفي صدوق ثقة توفي سنة 206 وقد قارب التسعين. ربيعة بن عثمان التيمي المدني وثقه جماعة ولينه أبو زرعة وقال أبو حاتم منكر الحديث، ولد سنة 77 وتوفي سنة 154. محمد بن يحيى بن حَبان المازني المدني ثقة ولد سنة 47 وتوفي سنة 121. نهّار بن عبد الله العبدي قال عنه ابن خراش مدني صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ، وقال الراوي عنه: لا بأس به.

قال أبو عبد الرحمن النسائي عقب رواية الحديث: "أبو هارون العبدي متروك الحديث واسمه عمارة بن جوين، وأبو هارون الغنوي لا بأس به واسمه إبراهيم بن العلاء، وكلاهما من أهل البصرة".

ولا بد من وقفة واعية متأنية عند هذا التعقيب من الإمام النسائي، لأن فيه دليلا على وقوع خلل ما، إذ لو كان الإسناد سليما لكان هذا التعقيب عبثا لا فائدة فيه ولا معنى له، فلمَ ذكر النسائي هنا أبا هارون العبدي؟؟!.

وحيث إن العبارة غير واضحة تمام الوضوح فلا بد من محاولة الكشف عن أصلها، ويبدو أن هذا واقع في النسخة القديمة من السنن الكبرى للنسائي.

لا أجد سببا موضِّحا سوى أن النسائي رحمه الله تعالى يرى أن كلمة "عن نهار العبدي" هي خطأ ناتج عن التصحيف أو الوهَم، وأن الصواب في هذه الرواية "عن أبي هارون العبدي"، وإذا كان ذلك كذلك فإن أبا هارون العبدي متروك واتهمه عدد من الأئمة بالكذب. ولا يبعد أن يكون الخلل هو من ربيعة بن عثمان الذي قال فيه أبو حاتم منكر الحديث.

درجة الحديث:

إسناد حديث أبي أمامة فيه راو متهم بالكذب وراو منكر الحديث. وإسناد حديث أبي هريرة فيه راو منكر الحديث. وإسناد حديث أنس فيه راو مختلط. وإسناد حديث أبي سعيد فيه راو وثقه جماعة وقيل فيه منكر الحديث، وفيه نهار العبدي مع احتمال أن الاسم مصحَّف عن أبي هارون العبدي الكذاب.

فالحديث ضعيف الإسناد، ولا يرتقي بهذه الشواهد الواهية، ومتنه منكر ظاهر النكارة، بل هو عندي موضوع مخْتـَلـَق لا شك فيه، والله أعلم.



الحديث الوارد في مقدار عمر السيدة عائشة

يوم العقد ويوم الزواج


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، رب تمم بالخير، واختم لنا بالخير، بفضلك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

ورد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عقد على السيدة عائشة رضي الله عنها وسنها ست سنوات وتزوجها وسنها تسع سنوات، فهل صح هذا الحديث سندا ومتنا؟؟ لا بد من الدراسة.

كنت قد وقفت على مقالة حول هذا الموضوع الهام كتبها أحد الباحثين في تضعيف ذلك الحديث من حيث السند والمتن، ووجدت أن من الممكن الاستفادة منها في التقاط بعض الأفكار العلمية مع التغاضي عن نقط الضعف، للخروج بنتيجة مؤسسة على الأدلة والقرائن الموصلة إلى القول الصواب بإذن الله.

ولضرورة تجلية وجه الصواب في هذه المسألة الهامة من مسائل السيرة النبوية الشريفة والروايات الحديثية فهذا بحث مدعم بالأدلة في تاريخ ولادة السيدة عائشة رضي الله عنها، وفي مقدار عمرها وقت العقد عليها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرها وقت زفافها، وفي هذه المسألة قولان:

القول الأول المشهور: هو أنه عقد عليها وهي بنت ست سنين وتزوجها وهي بنت تسع، أخذا بما ثبت عنها من قولها في صحيح البخاري وغيره، مما يعني أنها ولدت بعد البعثة النبوية بأربع سنين.

القول الثاني: هو أنه عقد عليها وهي ابنة أربع عشرة وتزوجها وهي ابنة ثماني عشرة، مما يعني أنها ولدت قبل البعثة بأربع سنين.

دليل القول الأول:

روى البخاري ومسلم وغيرهما من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت ست سنين وبنى بها وهي بنت تسع سنين. ورواه مسلم من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة. ورواه ابن حنبل ومسلم من طريق الأسود بن يزيد النخعي عن عائشة. وكلمة "تزوجها" قد ترد بمعنى العقد، وهذا هو المقصود هنا.

فالحديث سنده صحيح، وقد أخطأ من ظن أن هشام بن عروة تفرد بروايته وأنه من أوهامه.

أدلة القول الثاني:

1 ـ عائشة أصغر من أختها أسماء رضي الله عنهما بعشر سنين، وقد وُلدت أسماء قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، أي قبل البعثة النبوية بأربع عشرة سنة، وهذا يعني أن عائشة ولدت قبل الهجرة بأربع سنوات.

روى ابن عساكر في تاريخ دمشق بسنده عن ابن أبي الزناد أنه قال: كانت أسماء بنت أبي بكر أكبر من عائشة بعشر سنين.

وقال أبو نعيم في معرفة الصحابة في ترجمة أسماء: وُلدتْ قبل التأريخ بسبع وعشرين سنة، وتوفيت سنة ثلاث وسبعين بمكة بعد قتل ابنها عبد الله بن الزبير بأيام، ولها مئة سنة.

ومما يؤكد هذه الرواية في معرفة سنة ولادتها ما روى أبو نعيم كذلك عنها أنها قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل وهو مسند ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، ما منكم اليوم أحد على دين إبراهيم غيري. وقد توفي زيد وقريش تبني الكعبة قبل أن ينزل الوحي على رسول الله بخمس سنين، كما رواه ابن سعد في الطبقات عن سعيد بن المسيب، أي قبل الهجرة بثمانية عشر عاما، فيكون عمرها وقت سماعها إياه تسع سنين، وهذا معقول، لأن من يضبط مثل هذا السماع منه لا يكون دون تسع في الغالب.

وقال ابن الأثير في أسد الغابة: قال أبو نعيم: وُلدت قبل التاريخ بسبع وعشرين سنة. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: وتوفيت أسماء بمكة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وماتت وقد بلغت مئة سنة.

2 ـ روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعبُ {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده.

قال القرطبي في تفسيره: قال ابن عباس: "كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين". وإذا كان ذلك كذلك فهذا يعني أنها نزلت قبل الهجرة بخمس سنين وبعد البعثة بثمان.

وقال ابن سيده في المحكم وابن منظور في لسان العرب: الجارية: الفتيَّة من النساء. والفـَتِـيَّة هي الشابّة. وكأنهم يطلقون لفظة الجارية على البنت في أول فـَتائها وشبابها حيث تجري جيئة وذهابا.

فكم كان عمر عائشة عند نزول قوله تعالى {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} الذي نزل بعد البعثة بثمان سنين؟!.

أما على القول الأول فيكون عمرها أربع سنوات، وبنت الأربع لا يُقال لها جارية، فالقول الأول خطأ، وأما على القول الثاني فيكون عمرها وقت نزول الآية ثنتي عشرة سنة، وهذا هو المنسجم مع معنى الجارية.

3 ـ روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "لم أعقلْ أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمرَّ علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتـُلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قِبَل الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة ...". الحديثَ.

وجه الدلالة من هذه الرواية أمران:

أولهما أن الطفل لا يدرك في العادة تديُّن أكثرِ الناس من حوله بدين وتديُّن والديه بدين مغاير قبل سن الرابعة، ولو كانت عائشة قد وُلدت في السنة الرابعة من البعثة وكان أول وعيها بما حولها في السنة الثامنة منها لكان قولها "لم أعقلْ أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين" تحصيلَ حاصل غيرَ ذي فائدة، لأن أبا بكر معلوم سبْقه إلى الإسلام، وأم رومان أسلمت بمكة قديما، كما قال ابن سعد.

ولكن إذا كانت قد وُلدت قبل البعثة بأربع سنوات وكان أول وعيها بما حولها في السنة الأولى من البعثة فيكون لهذا القول فائدة، وهي أنها ـ أولَ ما بدأت تعي ما حولها ـ رأت والديها كليهما يدينان بدين الإسلام، وليس والدَها فقط.

وهذا دليل على أن ولادتها كانت قبل البعثة بنحو أربع سنوات، وهذا ما دلت عليه القرائن الأخرى.

وثانيهما أن قولها "فلما ابتـُلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قِبَل الحبشة" معطوفا على إدراكها لأبويها وهما يدينان الدين هو كالصريح في أنها كانت إذ ذاك واعية لهذا الحدث، وخروج الصحابة من مكة للهجرة قِبَل الحبشة كان في أواسط السنة الخامسة من البعثة، وهجرتهم الثانية إليها في أواخر الخامسة أو أوائل السادسة.

ولو كانت عائشة قد وُلدت في السنة الرابعة من البعثة لما كان ممكنا لها أن تدرك ما حدث في أوائل السادسة، ولكن إذا كانت قد وُلدت قبل البعثة بأربع سنوات فهذا يعني إمكان إدراكها لذلك بوضوح.

4 ـ قال محمد بن إسحاق في السيرة النبوية في ذكر أسماء أوائل من أسلموا: "ثم أسلم ناس من قبائل العرب، منهم سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وامرأته فاطمة بنت الخطاب، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة بنت أبي بكر وهي صغيرة، ... ثم إن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاء به، وأن ينادي الناس بأمره، وأن يدعو إلى لله تعالى، وكان ربما أخفى الشيء واستسر به إلى أن أمر بإظهاره، فلبث سنين من مبعثه، ثم قال الله تعالى {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين}".

ونقل ابن كثير بعض هذا النص بالمعنى فقال: قال ابن إسحاق: ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث سنين من البعثة بأن يصدع بما أمر، وأن يصبر على أذى المشركين.

وكلام ابن إسحاق يعني أن عائشة أسلمت في فترة الدعوة السرية بعد البعثة، وأنها كانت صغيرة، وإذا كانت تلك الفترة قد دامت ثلاث سنوات فلعل عائشة قد أحضرت إلى بعض تلك المجالس في أواخر الفترة، وعلى القول بأنها وُلدت بعد البعثة بأربع سنين فهذا لا يستقيم أصلا، إذ ما كانت قد وُلدت بعد، وأما على القول الثاني فيكون عمرها ست سنوات أو سبعا، ولعل ابن إسحاق ذكرها في المسلمين الأولين رغم صغر سنها لمقام والدها أبي بكر رضوان الله عليه، ولتكون معطوفة على أختها أسماء التي هي أكبر منها بعشر سنوات.

5 ـ قال الطبري في تاريخه: تزوج أبو بكر في الجاهلية قـُتيلة ابنة عبد العزى فولدت له عبد الله وأسماء، وتزوج أيضا في الجاهلية أم رومان بنت عامر فولدت له عبد الرحمن وعائشة، فكل هؤلاء الأربعة من أولاده وُلدوا من زوجتيه اللتين سميناهما في الجاهلية.

فهذا نص تاريخي واضح صريح في أن عائشة رضي الله عنها وُلدت قبل البعثة النبوية.

6 ـ روى ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني والطبراني في المعجم الكبير والحاكم في المستدرك عن عائشة رضي الله عنها أن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون رضي الله عنهما قالت بمكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيْ رسولَ الله، ألا تتزوج؟!. قال: ومَن؟. قالت: إن شئتَ بكرا وإن شئتَ ثيبا. قال: فمن البكر؟. قالت: بنت أحب خلق الله إليك، عائشة بنت أبي بكر. قال: ومن الثيب؟. قالت: سودة بنت زمعة. قال: فاذهبي فاذكريهما علي. وكان هذا بعد وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها، كما بينته الروايات الأخرى.

يدل السياق على أن خولة رضي الله عنها أرادت أن تخطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة السيدة خديجة، لأنه أصبح بلا زوجة، وفي غاية البعد أن تخطب له في هذه الحال من لها من العمر ست سنوات!!. لكن إذا كانت بنت أربع عشرة سنة فهذا معقول، ويبدو أن هذا هو الصحيح.

ـ ولا شك في أن اجتماع هذه الأدلة والقرائن على القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة وعمرها ثمانية عشر عاما يدل دلالة قوية على أن هذا هو الصحيح.

وأما ما ثبت عن عائشة من أن رسول الله تزوجها وهي ابنة تسع سنين فلا بد أن يكون وهَما، وقد عاشت رضي الله عنها خمسة وسبعين عاما، فلعلها قد أصابها شيء من النسيان في هذا الأمر فروته على التوهم.

ولا بد من هذا لاجتماع الأدلة والقرائن التي تقدم ذكرها على خلافه.

ـ خلاصة البحث:

ترجح من اجتماع عدد من الأدلة والقرائن أن السيدة عائشة رضي الله عنها وُلدت قبل البعثة بأربع سنوات، وعقد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة من البعثة وعمرها أربعة عشر عاما، قبل الهجرة بثلاث سنوات، وتزوجها في أواخر السنة الأولى بعد الهجرة وعمرها ثمانية عشر عاما.

الحديث الوارد في تحديد عمر عائشة بست سنوات يوم العقد وبتسع سنوات يوم الزواج صحيح الإسناد، ولكنه مخالف للنصوص والقرائن التاريخية الثابتة، فهو معلول، لأنه من الأوهام.

وقد ذكر الأئمة رحمهم الله أن الحديث إذا خالف متنـُه ما هو أقوى ثبوتا منه من ثوابت التاريخ فإنه يُرد، لأن ذلك يدل على أنه قد تطرق إليه الخلل بسبب وقوع أحد رواته في الوهَم.

والله أعلم.

والحمد لله رب العالمين.


اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وحببنا فيه, وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه وكرهنا فيه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق