الاثنين، 7 يناير 2019

سيدنا عيسى عليه السلام نبي الله وابن الإنسان


هذه قراءة فاحصة فيما وصلنا من الأناجيل وغيرها من أسفار النصارى الموجودة بأيديهم اليوم، تؤكد الطبيعة البشرية للمسيح عليه السلام، وتنفي عنه صفة الألوهية التي خلعها عليه الذين حرفوا كلام الله.
إنها لا تضيف جديدا إلى ما يقرره القرآن الكريم، ولكنها تكشف كيف امتد التحريف والتشويه إلى العديد من النصوص الواردة في الأسفار المسيحية ذاتها.
جاء في أسفار العهد الجديد وصف سيدنا عيسى عليه السلام بأنه "ابن الإنسان"، وبأنه "ابن الله"!، ولكن الأول هو الذي كان يطلقه على نفسه، وهو الأكثر استعمالا، إذ وردت هذه الكلمة ثلاثين مرة في إنجيل متى، وأربع عشرة مرة في إنجيل مرقس، وخمسا وعشرين مرة في إنجيل لوقا، وإحدى عشرة مرة في إنجيل يوحنا.
لا بدَّ من التوقف قليلا عند لفظ "ابن الله"، إذ يبدو أنه يدل على معنى "حبيب الله"، لكن قد يتطور في أذهان اللاحقين فيصبح على معنى الاشتراك في الإلهية، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
من الدليل على أن أصل معناه هو المحبة كونه عاما ـ في الأسفار التي بأيديهم ـ لكل المؤمنين وليس خاصا بعيسى عليه السلام، إذ من أقواله المنسوبة إليه قوله: "إني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم".
ويقول يوحنا: "أما الذين قبلوه فقد أولاهم أن يصيروا أبناء الله".
بل إن عددا من النصوص في هذه الأسفار تشير إلى أن عيسى عليه السلام نبي من أنبياء الله، حسب إشارته هو عن نفسه.
كان عيسى عليه السلام يعَلـِّم في مجمع وطنه الناصرة، فدُهش السامعون وقالوا: من أين له هذه الحكمة وتلك المعجزات؟!. وأخذتهم الحيرة فيه، فقال لهم: "لا يُزْدرى نبي إلا في وطنه وبيته".
فهل قوله هذا إلا دليل واضح على أنه يرى نفسه نبيا؟!، وأنه لم يُعرف قدره في الناصرة إلا لأن النبي لا يُزدرى إلا في وطنه وبيته؟!، وقد اتفق على رواية قوله هذا الإنجيليون الثلاثة متى ومرقس ولوقا.
هو حبيب الله:
سأل سيدنا عيسى عليه السلام تلاميذه عما يقول الناس فيه؟، فقالوا: بعضهم يقول هو يوحنا المعمدان، وبعضهم يقول هو إيليا، وغيرهم يقول هو إرميا، أو أحد الأنبياء. فسألهم عما يقولون هم؟، فأجاب سمعان بطرس: أنت المسيح ابن الله الحي. فقال له "طوبى لك". ثم أوصى ـ حسب هذه الرواية ـ تلاميذه بأن لا يخبروا أحدا بأنه المسيح.
فهو لم ينكر تشبيهه بأحد أنبياء بني إسرائيل، ولم ينكر أنه نبي من الأنبياء، ومن المعلوم أن المراد بالناس هنا هم المؤمنون، وإلا فالذين لم يؤمنوا به فقولهم فيه لا هذا ولا ذاك، ولم يزد على أن امتدح مَن وصفه بأنه المسيح وأنه ابن الله!، ولما كان لا يريد آنذاك أن يُفْصح لجموع المؤمنين بعلو مقامه طلب من تلاميذه أن لا يخبروا أحدا بذلك، وهو كونه المسيح لا غير، أما الوصف بكونه ابن الله فلا يبدو أنه أخذ أي اهتمام، لأن معناه حبيب الله، وهذا مما لا شك فيه عند المؤمنين، ويبدو أن كلمة "ابن الله" ما كانت تعني في لغتهم أكثر من أنه حبيب الله، وإلا تكنْ كذلك لمَا رضي بأن يُقال عنه إنه أحد الأنبياء.
بل وقع التصريح بأن جموع المؤمنين عقيدتهم فيه أنه نبي، إذ أدرك أحبار اليهود والفريسيون أنه يعرِّض بهم في كلامه، فحاولوا أن يمسكوه، ولكنهم خافوا الجموع "لأنهم كانوا يعدونه نبيا".
وجاء عندهم نص يقول بأنه مر بأعمى فجبل طينا من تفاله، وطلى به عيني الأعمى، وأمره بالاغتسال، فارتد بصيرا، وكان اليوم يوم سبت، فقال بعض الفريسيين: ليس هذا الرجل من الله، لأنه لا يرعى السبت. وقال آخرون: كيف يستطيع خاطئ أن يأتي بمثل هذه الآيات؟!. فقالوا للأعمى: وأنت ماذا تقول فيه وقد فتح عينيك؟!. فقال: "إنه نبي". فتأمل.
وكانت عقيدة المؤمنين به هي أنه نبي، حتى ما بعد رفعه، إذ اتفق أن اثنين من تلاميذه كانا يسيران في اليوم الثالث بعد رفعه، وكانا يتحدثان ـ حسب الرواية ـ عن الأمور والأحداث التي سبقت ذلك، وإنهما ليتحدثان ويتجادلان إذا عيسى نفسه قد دنا منهما، وأخذ يسير معهما، وقد حُجبت أعينهما عن معرفته، فسألهما عن هذا الحديث الذي يخوضان فيه وهما سائران؟، فوقفا مكتئبين، وأجابه أحدهما: أأنت وحدك تقيم في أورشليم ولا تعلم ما حدث فيها هذه الأيام؟!. فقال لهما: ماذا؟!. قالا له: ما حدث ليسوع الناصري، وكان نبيا، مقتدرا على العمل والقول عند الله والشعب كله، كيف أسلمه الأحبار وأولياء أمرنا ليُحكم عليه بالموت.
إقحام على النصوص:
وعلى هذا فلا يبعد أن يكون لفظ "ابن الله" مُقـْحَما على النصوص، إذ يمكن أن يكون الداعي إلى ذلك هو الحماسَ الديني الشديد عند كتبة الأسفار، أو لدى الناسخين بعد ذلك، أو يكون هذا بتأثير من بولس، الذي ما لبث بضعة أيام بعدما تنصر حتى انطلق ينادي في المجامع بأن يسوع هو ابن الله، وهذا اللفظ محط قصْد لكاتبه، فتطرقُ احتمالِ الوضع والصنعة إليه أقرب.
أما وصف النبوة فقد جاء عرضا في كلام سيدنا عيسى عليه السلام نفسه، وجاء في ضمن وصايا رصينة من حِكمه، فهو أبعد عن تطرق احتمال الوضع والصنعة.
هذه الحكمة "لا يُزدرى نبي إلا في وطنه وبيته" تتلاءم مع أحواله وأقواله عليه السلام، وكذا قوله "ويكون أعداء الإنسان أهل بيته"، وهذه وأمثالها تؤكد أنه عليه السلام لم يكن إلا بشرا نبيا ورسولا.
فإذا أضيف أن وصف النبوة كان هو عقيدةَ المؤمنين سواء في حياة عيسى الدنيوية أو بعد رفعه وسواء عند الجموع أو الأفراد تبين أن هذا هو الحق في عقيدة النصارى الأولين.
إشارات أخرى لوصفه بالنبوة:
وردت الإشارة إليه بوصف النبوة في خطبة لبطرس، وفي أخرى لاسطفانس، إذ يستشهد كل منهما في الدعوة إلى الإيمان بعيسى عليه السلام بالقول المأثور عن موسى عليه السلام: "سيبعث الله ربنا من بين إخوتكم نبيا مثلي، فاستمعوا له في جميع ما يقول لكم".
ويقول عيسى عليه السلام في إشارة له عن نفسه: "ههنا أعظم من يونان"، [أي أعظم من يونس عليه السلام]، "ههنا أعظم من سليمان" عليه السلام. وليس من وصفٍ جامع بينهم حتى تقع فيه المفاضلة إلا وصف النبوة.
تبقى ملحوظة تستدعي شيئا من المناقشة، ذلك أنه إذا سُلم تفسير "ابن الله" على معنى المحبة والقرب فلا معارضة بينه وبين وصف النبوة، ولا إشكال في ذلك، أما إذا لم يُسلم ذلك التفسير وأريدَ اعتبار عيسى عليه السلام ابنا لله تعالى على معنى الاشتراك والاتحاد وأنه ليس نبيا كالأنبياء ففي كونه ابنَ الله وكونه نبيا تعارض، وإذا كان ذلك كذلك فلابدَّ من الترجيح لرفع الإشكال.
إذا كان عندنا نصوص يُفترض أنها ثابتة وكان فيها نصان ظاهرهما التعارض فلا بد من محاولة الجمع بينهما، وهو هنا ممكن إذا سُلم تفسير "ابن الله" على معنى المحبة والقرب، وهو الذي لا مناص عن القول به.
أما أن يأتي أناس يضربون النصوص بعضها ببعض ليثبِّتوا التعارض ويسدوا باب الترجيح ويقدموا المرجوح على الراجح فهذا فعل أهل الأهواء، وهذا هو الضلال المبين.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي، كتبتُ أصل هذا المبحث قبل أكثر من سبعة وثلاثين عاما، وعدلت فيه اليوم بعض التعديلات الخفيفة، في 1/ 5/ 1440، الموافق 7/ 1/ 2019، والحمد لله رب العالمين.

الثلاثاء، 1 يناير 2019

* من روائع الإمام البخاري رحمه الله: - 14 -


* ـ روى الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله من طريق الليث بن سعد ويونس بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: مَن يكلم فيها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟!، ومَن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!. فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتشفع في حد من حدود الله؟!". ثم قام فاختطب، ثم قال: "إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايْمُ الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
ورواه النسائي من طريق شعيب بن أبي حمزة ومن طريق إسحاق بن راشد، والطبرانيُّ في الأوسط من طريق عمر بن قيس الماصر وفيه وهَمٌ في اسم الصحابي، ثلاثتهم عن الزهري به، وإسناد الطريق الأول من هذه الطرق الثلاثة صحيح، والثاني جيد، والثالث ضعيف لا بأس به في المتابعات.
ورواه النسائي كذلك عن محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة، وفيه: "إنما هلكتْ بنو إسرائيل حين كانوا إذا أصاب الشريفُ فيهم الحدَّ تركوه ولم يقيموا عليه، وإذا أصاب الوضيع أقاموا عليه". وهذا إسناد صحيح.
* ـ ورواه البخاري عن علي بن المديني عن سفيان بن عيينة أنه قال: وجدتُ في كتاب كان كتبه أيوب بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة أن امرأة من بني مخزوم سرقت، فقالوا: من يكلم فيها النبي صلى الله عليه وسلم؟. فلم يجترئ أحد أن يكلمه، فكلمه أسامة بن زيد، فقال: "إن بني إسرائيل كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه".
ورواه كذلك عبدُ الرزاق عن معْمرِ بنِ راشد، والنسائيُّ من طريق ابنِ عيينة ومن طريق إسماعيل بن أمية، ثلاثتهم عن الزهري به بلفظ "قطعوه".
* ـ الحديث واحد، والقصة واحدة، فلا بد أن يكون اللفظ النبوي واحدا.
اللفظ الأول رواه ستة عن الزهري عن عروة عن عائشة، فهو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
اللفظ الثاني رُوي من أربعة طرق عن الزهري:
رواه البخاري عن علي بن المديني عن ابن عيينة عن أيوب بن موسى باللفظ الثاني، لكن رواه النسائي عن محمد بن منصور المكي الثقة عن ابن عيينة عن أيوب بن موسى كذلك باللفظ الأول، وهذا الاختلاف في لفظ الرواية هنا هو من ابن عيينة، لأنه كان يروي بالمعنى، واللفظ الأول موافق لرواية الجماعة، فهو الأصل.
ورواه عبدُ الرزاق عن معْمرِ بنِ راشد باللفظ الثاني، وقد انفرد به معْمر عن سائر الثقات الذين رووا هذا الحديث عن الزهري.
ورواه النسائيُّ من طريق ابنِ عيينة عن الزهري، وابنُ عيينة لم يسمعه منه، وإنما نقله من كتاب أيوب بن موسى عنه، كما تقدم في رواية البخاري السابقة، فرجع هذا الطريق إلى طريق أيوب بن موسى عن الزهري.
ورواه النسائيُّ من طريق إسماعيل بن أمية عن الزهري، وفي السند إليه راو له أوهام وراو سيئ الحفظ، فهو إسناد ضعيف.
فلا شك في أن الرواية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم هي أنه قال "وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد"، وأن من رواه "وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه" فقد وهِم، وأن هذه اللفظة معلولة.
* ـ الحديث باللفظ الثابت الصحيح رواه البخاري في باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان من كتاب الحدود، وهذا الباب مناسب لمعنى الحديث.
وأما باللفظة المعلولة غيرِ الثابتة فرواه البخاري في باب ذكر أسامة بن زيد من كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الباب المناسب لجزء آخر في الحديث، وهو مكانة أسامة بن زيد حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلله در هذا الإمام الكبير، ورحمه الله رحمة واسعة.
* ـ وههنا مسألة في غاية الأهمية:
المشهور في عقوبة السارق عند أكثر الذين كانوا قبلنا هو أنه يُقتل أو يُحكم عليه بدفع غرامة مالية تبلغ عدة أضعاف قيمة المسروق.
وجاء الحكم الرباني في هذه الشريعة المحمدية بقطع يد السارق، لا بقتله ولا بغرامة مالية، وفي هذا حِكَم جليلة في الردع عن هذه الجريمة التي تقوض أمن المجتمعات.
أرى أنه لا ينبغي الاستشهاد بالرواية الثانية منسوبةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم معزوةً لصحيح البخاري في موضوع حد السرقة عند الذين من قبلنا وخاصة أهل الكتاب، ففيها لفظة غير ثابتة في الحديث، وهذه الرواية وإن كانت مروية في صحيح البخاري فعلا فإن الإمام البخاري رحمه الله قد أوردها في بابٍ غيرِ الباب الملائم لهذه المسألة.
أود أن أشير بهذه المناسبة إلى أنه قد وقع أحيانا في بعض مصنفات الأئمة استشهادٌ بحديث مشتملٍ على عدة نقط في مسألة ما، وهذا يعني أن المصنف يرى صحة الجزء الذي يتعلق بالموضوع الذي هو محل الشاهد على الأقل، لكنه لا يعنى بالضرورة أنه يرى صحة الحديث بكل ألفاظه، وهذا كما وقع للإمام البخاري رحمه الله في عدد من المواضع في صحيحه.
ـ وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 16/ 4/ 1440، الموافق 23/ 12/ 2018، والحمد لله رب العالمين.



الاثنين، 31 ديسمبر 2018

* من روائع الإمام البخاري رحمه الله: - 13 -


هذه النبذة من روائع البخاري تتعلق بحديث رافع بن خديج في المزارعة أو فيما يسمى كراء المزارع. وأقدمُ له بمقدمة:
المزارعة لفظة واضحة بنفسها تمام الوضوح في أذهان علماء اللغة الذين شاهدوا العرب الذين ينطقون بها، فلا يفسرونها ولكن يفسرون بها الكلمات الغامضة المعنى.
المزارعة نوع من أنواع المشاركة، وهي أن يعطي صاحب الأرض الزراعية الأرضَ لمن يقوم بزراعتها على أن يقتسما المحصول بينهما على نسبة يتفقان عليها.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم جواز المزارعة على النصف، أي ونحو ذلك كالثلث مثلا، وكذا عدمُ جواز أن يشترط أحد المتعاملين بها لنفسه قدرا محددا مما تنبته الأرض أو محصولَ بقعة محددة منها، كأن يكون له عشرة أوسق أو ما أنبتته هذه البقعة مثلا.
وضع البخاري بابا في صحيحه سماه باب المزارعة بالشطر ونحوه، وذكر فيه عن أبي جعفر الباقر رحمه الله أنه قال: "ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع". وروى فيه عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم عاملَ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.
* ـ حديث رافع بن خديج في المزارعة:
ـ روى البخاري في صحيحه من طريق حنظلة بن قيس الأنصاري عن رافع بن خديج أنه قال: كنا أكثر أهل المدينة حقلا، وكان أحدنا يكري أرضه فيقول: هذه القطعة لي وهذه لك، فربما أخرجت ذه ولم تخرج ذه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم.
ولفظه في رواية أخرى عنه: كنا أكثر الأنصار حقلا، فكنا نكري الأرض، فربما أخرجت هذه ولم تخرج ذه، فنُهينا عن ذلك، ولم نُنه عن الورِق.
وهاتان الروايتان في باب ما يُكره من الشروط في المزارعة، وفي باب الشروط في المزارعة. وهذان البابان مناسبان للمعنى الصحيح الذي يريد الإمام البخاري أن يؤكده من خلال المرويات الحديثية، وهو جواز المزارعة على النصف أو الثلث ونحو ذلك، وعدم جوازها إذا اشترط أحد المتعاملين بها لنفسه قدرا محددا أو ما أنبتته بقعة محددة.
ـ وروى البخاري من طريق نافع عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن كراء المزارع، ومن طريق سالم بن عبد الله عن رافع بن خديج بنحوه.
وهاتان الروايتان في باب إذا استأجر أرضا فمات أحدهما، وفي باب ما كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يواسي بعضهم بعضا في الزراعة، وفي بابٍ يلي باب شهود الملائكة بدرا.
وحيث إن هذا المعنى لا يصح بهذا الإطلاق، فلذلك رواهما البخاري في ثلاثة أبواب بعيدة عما يشير إلى صحة المزارعة أو عدم صحتها.
ـ ورواه البخاري بألفاظ أخرى في باب كراء الأرض بالذهب والفضة، وفي باب ما كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يواسي بعضهم بعضا في الزراعة.
ـ وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 17/ 3/ 1440، الموافق 25/ 11/ 2018، والحمد لله رب العالمين.




الخميس، 27 ديسمبر 2018

هل يصح أن نعلم العقيدة دون المقدمات الكلامية ؟


السلام عليكم ورحمة الله سعادة الشيخ صلاح الدين. حفظكم الله وبارك في سعيكم للإسلام.. لدي سؤلات..
 وصل الإسلام إلى الجاوة منذ الزمان واعتنق أهلها عقائد الإسلام على طريقة الأشاعرة. وحتى الآن لا تزال كثيرة من مراكز الدروس الإسلامية باقية على هذه الطريقة في تعليم طلبتها العقيدة. كذلك العوام يتلقونها في المساجد.
 إلا أن لدى العوام -وربما بعض الطلبة أيضا- نفورا أثناء متابعتهم لبعض القضايا العقدية التي يتدخلها المسائل العقلية -لو صح التعبير-. يبدو أن تفهمها يشق عليهم ويقع بعيدا عن توقعاتهم مع أنهم أخبروا بأن عقائد الإسلام عقائد بسيطة يستطيع تفهمها كل ناس.
 فمثلا -في أوائل بحث في العقائد- شكواهم من صعوبة تفهم ما هي الوجودية؟ وما السلبية؟ وما المعاني؟ وما المعنوية؟.. إلخ. فحصل الإعراض عن دروس العقيدة وبالتالي باقي قضاياها وفي رؤوسهم أن تفهم العقائد صعب.
 فهل بإمكاننا تجاوز هذه 'العقليات' أثناء تناول العقائد وتعلمها بدون مرور بتلك العقليات؟ أم تفهم العقائد الإسلامية لمرهون بتلك العقليات؟؟
الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
دخل الناس في دين الإسلام في كل مناطق العالم الإسلامي عندما دعاهم العلماء والدعاة بالأدلة العقلية السهلة من النظر في خلق الإنسان والمنافع المبثوثة وفي النظر في آفاق السماوات والأرض
وكذلك مَن قبلهم في القرون المفضلة
الاستدلالات الكلامية ليست أدلة عقلية وبينها وبين الأدلة العقلية فرق كبير جدا،  وهي مجرد طريقة عقيمة لرد كلام الخصم وتخطئته للرد والرد المضاد إذا كان الخصم على طريقة فلاسفة علم الكلام اليونانيين
لقد حذر إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني المتوفى سنة 478 والإمام أبو حامد الغزالي المتوفى سنة 505 والإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة 606 رحمهم الله كل واحد في آخر عمره من علم الكلام وأعلن توبته منه، ولكن الأشاعرة بعدهم مع الأسف الشديد بقوا مستمسكين بعلم الكلام، وهو كالسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا
ظن الأشاعرة بعد أولئك الأئمة أن ما حذروا منه هو استعمال تلك الاستدلالات لنقض عقائد الدين وأن استخدامها لنصرة الدين هو أمر محمود
ومن وقف على كلام أولئك الأئمة وجدهم يصرحون بإبطال هذا الفهم
ينبغي أن يكون علم الكلام محصورا في زاوية ضيقة جدا جدا جدا للرد على من يستخدم علم الكلام للتشويه بهذا العلم الفاسد فيكون رد الفاسد بالفاسد
يا عباد الله
اتركوا علم الكلام واهجروه ونقوا كتب العلوم الشرعية منه وخاصة علم العقيدة
أتمنى أن تتطلعوا على بحث صغير كتبه أخوكم الصغير بعنوان "علم الكلام في حوار هادئ" ثم تنطلقوا إلى تقرير الحقائق الإيمانية بالأدلة العقلية الواردة في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة وليس بالاستدلالات الكلامية
يا عباد الله
يا علماء الأشاعرة والماتريدية
خسرتم بسبب تمسكم بعلم الكلام الكثير الكثير الكثير وما زلتم تخسرون كل يوم
ارجعوا إلى ما نصحكم به إمام الحرمين والإمام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي فالساحة واسعة والفرص كبيرة وإذا عدتم للحق والرشد فسترون أن الله جل وعلا يفتح لكم به من لدنه فتحا مبينا إن شاء الله
حفظكم المولى بحفظه وجعلكم هداة مهتدين

الأربعاء، 12 ديسمبر 2018

حوار 3 حول كلام الشيخ الكشميري عن حديث إلصاق المنكب بالمنكب


هذه كلمات لا بد منها في الجواب عن تعليقات أحد الإخوة:
* ـ الشيخ الكشميري كلامه عن حديث إلصاق المنكب بالمنكب مخالف لكلام العلماء السابقين في هذه المسألة وليس له عليه دليل، بل هو مخالف فيه للدليل، فقد قال فيها قولا لم أجد من سبقه إليه، وذلك إذ قال: [قال الحافظ: المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله. قلت: وهو مراده عند الفقهاء الأربعة، أي أنْ لا يترك في البين فرجة تسع فيها ثالثا]. هذا نص كلامه بحروفه.
فهو يبين ـ حسب رأيه ـ المرادَ من الحديث الذي يشرحه بأن المراد منه أن لا يترك المصلي بينه وبين جاره في الصلاة فرجة تتسع لشخص ثالث!.
ـ علق الأخ الكريم على كلام الشيخ هذا بقوله [أين في هذا الكلام للامام الكشميري انه يجب ان تكون المناكب متباعدة؟ لعل الكاتب التبس عليه لفظ "في البين فرجة تسع فيها ثالثا"، ألم يرد في الحديث صراحة أن لا تتركوا فرجات للشيطان؟ ألا يكون الشيطان ثالثا إذا تركت الفرجة ولو قليلا؟].
أقول:
الكشميري كان يتحدث عن الإنسان، وليس عن الشيطان، لأنه لا يغيب عنه أن الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم لا يحتاج لفرجة تسع فيها ثالثا.
* ـ ثم قال الكشميري: "الحاصل أنا لما لم نجد الصحابة والتابعين يفرقون في قيامهم بين الجماعة والانفراد علمنا أنه لم يرد بقوله إلزاق المنكب إلا التراصَّ وترك الفرجة".
وهذا تناقض، إذ يشرح الحديث بأن المراد منه أن لا يترك المصلي بينه وبين جاره في الصلاة فرجة تتسع لثالث!، ثم يشرحه بأن المراد منه هو التراصُّ وترك الفرجة!.
فإذا كان الشيخ الكشميري يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم "لم يرد بقوله إلزاق المنكب إلا التراص وترك الفرجة" ويدرك معنى التراص فهذا ينهي الخلاف، لكنه يقول في صفحة واحدة القولَ ونقيضه!.
* ـ قال الأخ المحاور: [لماذا التنازل الآن من تلاصق الكعوب وهو مذكور صراحة في رواية النعمان بن بشير؟، وهل قال من قال بالصعوبة الا في الجمع بين الصاق الكعبين والصاق المناكب في آن واحد؟، لقد كان أساس الطعن والتشنيع على الكشميري وابن حجر وغيرهم أنهم تركوا وتجاهلوا كلام الراوي، وكلام النعمان بن بشير نقله الامام البخاري: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه" فكيف تقول الآن "هذا اللفظ ليس في الصحيحين وفي ثبوته نظر"؟!، فما نقله الامام البخاري وكان هو الى جانب قول أنس أساس استدلالكم أصبح الآن ثبوته محل نظر عندكم؟].
أقول:
ـ قول الكاتب "لماذا التنازل الآن من تلاصق الكعوب" يدل على أنه لم يقرأ كلامي الذي يحاول أن يرد عليه، وإذا كان قد قرأه فعلا فلعلها قراءة سريعة جعلته لا يستوعب ما فيه، فكلامه هذا غير صحيح البتة، وهو مجرد توهم، فلم أقل أصلا باستحباب تلاصق الكعوب ثم تركته وتنازلت عنه!، وذلك لأنني لا أراه ولا أقول به، ولا أقول بثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ـ هذا اللفظ "قال النعمان بن بشير رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه" ليس مرويا في الصحيحين ولا في أحدهما، أي ليس مرويا في واحد من الصحيحين رواية مسندة، وذكره البخاري تعليقا. [راجع في كتب علوم الحديث بحث تعليق الإسناد ومعلقات البخاري].
ـ قول القائل "وهل قال من قال بالصعوبة الا في الجمع بين الصاق الكعبين والصاق المناكب في آن واحد؟" شيء غريب، لأنه إذا كان ذلك كذلك فعليك أن تصب غضبك على من يقول به، لا على من لا يقول به أصلا، وعليك أن تتجنب التوهمات التي تجرك إلى إلزام إنسان بقول لا يقول به. والملتقى بين يدي أحكم الحاكمين.
ـ لم أطعن في ابن حجر ولم أشنع عليه، وهذا بخلاف ما يقوله كاتب المقالة، ولا أدري لم يقحم ابنَ حجر في مقالته عدة مرات بهذا المعنى؟!، كأنه يريد أن يقول للناس إنني طعنت فيه وشنعت عليه!.
ـ قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: "باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف، وقال النعمان بن بشير: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه". ثم أتبعه بالرواية بإسناده عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري". وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه.
شتان بين ما يرويه البخاري في صحيحه بسنده وبين ما يذكره تعليقا بدون إسناد.
حديث النعمان بن بشير لم يروه البخاري في صحيحه، وإنما ذكره تعليقا، ورواه ابن حنبل وابن خزيمة وابن حبان وعدد من أصحاب السنن، وراويه عن النعمان بن بشير ذكره ابن حبان في الثقات، فهذا عندي لا يصل لدرجة الصحة وإن كان صحيحا على مذهب كثير من الناس، وذلك لأن ابن حبان من المتساهلين في التوثيق.
لعلك تتساءل عن سبب عدم تصحيح حديث الراوي الذي ذكره ابن حبان في الثقات، فإليك طرفا من الجواب:
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في مقدمة لسان الميزان: "هذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات".
ـ ما نقله الإمام البخاري من قول النعمان بن بشير إلى جانب رواية أنس ليس هذا أساسَ استدلالي البتة، وأساس استدلالي هو رواية أنس، ولم أذكر قول النعمان بن بشير لا تصريحا ولا تلميحا، لأنه ليس بثابت عنه، وهذا بخلاف ما يتوهمه القائل وينسبه إلي!!. والله حسيبه.
* ـ قال الأخ المحاور عني: "ادعى ان الشيخ تجاهل ما قاله الراوي مع ان كلام الشيخ الذي نقله للنقد ليس الا في شرح كلام الراوي في ضوء الأحاديث النبوية الثابتة، فهل يعرف الكاتب ما معنى التجاهل؟".
أقول في بيان معنى التجاهل وبيان السبب الداعي لقولي فيه هذه الكلمة:
ـ تجاهل فلان الشيءَ: تركه وأظهر أنه جاهل به وهو ليس كذلك، هذا أصل معنى هذه الكلمة في لغة العرب، ومن الممكن استعمالها في حقيقة أصل المعنى فيكون فاعل ذلك متعمدا لهذا الفعل لا لأي سبب آخر، ومن الممكن استعمالها استعمالا مجازيا بحيث يكون فاعل ذلك تاركا للشيء لسبب آخر جعله يرجح ترك الشيء على إظهاره.
لقد قلت في التعقبات على كلام الشيخ الكشميري حول هذا الحديث: "تجاهلَ الشيخ سامحه الله ما نقله الصحابي راوي الحديث من فعل الصحابة وما فهموه من الحديث".
الذي قصدته من لفظة التجاهل عند الشيخ هنا هو المعنى الثاني، وذلك لأنني أستبعد استبعادا شديدا أن يتجاهل أي عالم من علماء المسلمين نصا من النصوص الشرعية دون أن يكون لديه سبب يجعله يرجح ترك ذلك النص على إظهاره، سواء أكان السبب وجيها أو غير ذلك.
ـ لكن ما السبب الذي يدعو لأن تُقال عن الشيخ هذه الكلمة؟:
قال الشيخ الكشميري في شرح هذا الحديث في بيان عمل الأمة في مسألة إلصاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم: [بقي الفصل بين الرِجلين: ففي شرح الوقاية أنه يفصل بينهما بقدر أربع أصابع، وهو قول عند الشافعية، وفي قول آخر: قدر شبر. قلت: ولم أجد عند السلف فرقا بين حال الجماعة والانفراد في حق الفصل بأن كانوا يفصلون بين قدميهم في الجماعة أزيد من حال الانفراد، ثم إن الأمر لا ينفصل قط إلا بالتعامل، والحاصل أنا لما لم نجد الصحابة والتابعين يفرقون في قيامهم بين الجماعة والانفراد علمنا أنه لم يرد بقوله إلزاق المنكب إلا التراصَّ وترك الفرجة، وتلخص أن الصف بين القدمين سنة لا غير، لأنهم لا يذكرون ولا يتعرضون إلى غيره، فحسْبهم قدوة].
أما قول أنس بن مالك "وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه" وهو الذي رواه البخاري بإسناده والذي كان الكشميري بصدد شرحه فإنه لم يذكره خلال شرح الحديث، ولم يشر إليه في مسألة ما جرى عليه العمل مطلقا، وكأن العمل الذي كان يعمله الصحابة حالة اقتدائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن لا يُذكر عند الكلام عن عمل الأمة!.
فهذا ما دعاني لقول هذه الكلمة عن الشيخ إذ وصفته بأنه تجاهلَ ما نقله الصحابي راوي الحديث من فعل الصحابة وما فهموه من الحديث.
ـ بقيت أشياء ينبغي التعليق عليها لكن أكتفي بهذا، وأظن أنه يكفي لمن يقرأ ويعيد القراءة بتدبر.
ـ مسألة إلصاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصلاة هي هيئة مستحبة من هيئات الصلاة، ليست من الفرائض ولا الواجبات، ولا من أركان الإسلام ولا من أركان الإيمان.
كتبتُ وأكتب هذه الحوارات في الوقت الذي يتفلت فيه كثير من أبناء المسلمين من دينهم ويخرجون من إيمانهم جماعات جماعات!.
كان ينبغي بذل الجهد الأكبر في بيان حقائق الإيمان والدفاع بالأدلة العلمية عن حقائق هذا الدين.
لكن عندما يرى الإنسان بعض المنتسبين للعلم الشرعي يقدسون مشايخهم ويتعاملون مع كلامهم كأنهم في مقام العصمة فالواجب البيان وعدم السكوت، وهذه معركة لا بد منها لأسباب: من أهمها صيانة منهج التفكير من أن يتطرق إليه الخلل.
كثيرون من طلاب العلم يعلمون أن مَن دون الأنبياء ليسوا معصومين عن الخطأ ولكنهم ـ عند التعامل مع كلامهم ـ يجعلونه في مقام العصمة والتقديس!.
* ـ أما ما قاله الكاتب عني فلا أقول له سوى أن محكمة الجزاء أمامك يوم العرض الأكبر عند مليك مقتدر.
* ـ وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 1/ 4/ 1440، الموافق 8/ 12/ 2018، والحمد لله رب العالمين.

الثلاثاء، 27 نوفمبر 2018

حوار حول كلام الشيخ الكشميري عن حديث إلصاق المنكب بالمنكب ـ 2 ـ

 بسم الله الرحمن الرحيم
كتب أحد الإخوة الباحثين تعليقا على الحوار الذي كتبته(https://salahsafa.blogspot.com/2018/10/blog-post_22.html)  حول كلام الشيخ الكشميري عن حديث إلصاق المنكب بالمنكب، فأجبت بقولي: "أتمنى أن يعود الكاتب إلى كلامي ويعيد القراءة بهدوء وتأمل مرة أو مرتين، وأن يخبرني بعد ذلك: هل كلام الشيخ الكشميري رحمه الله متوافق مع كلام النبي صلى الله عليه وسلم في المسألة التي هي محل البحث أو لا، وأتمنى أن يتأمل الفرق بين كلام الكشميري وكلام الذين يرد عليهم وكلامي".
أجاب ـ حفظه الله بخير وعافية ـ بهذا الجواب:
[قبل أعيد قراءة مقال الكاتب الكريم مرة أو مرتين  بهدوء كما تمني ذلك أتمني أن يقرأ هو نفسه مقاله ويسائل نفسه هل كل الناس متساوون في القامات  والأقدام ؟ فكيف يمكن الصاق المنكب  بالمنكب والقدم بالقدم بالمعني الحقيقي؟ وهل يمكن أن يأمر الشارع بما لا يمكن تحقيقه للمكلف ولو بشق الأنفس الا لبعض الأفراد؟ واذا كان  هذا هو مقصود الشارع الحكيم كما يفهمه الكاتب فما معني "حاذوا بين المناكب والأقدام ؟ وهل الإلصاق والمحاذاة  بمعني واحد  حقيقة لامجازا؟ هذه هي الاشكالية الحقيقية عند ائمة الحديث  والفقهاء وأراد حلها الحافظ ابن حجر  والعلامة العيني  والقسطلاني  وجري علي منوالهم الإمام الكشميري ولا غرابة في كلامهم اطلاقا يقول  العلامة المحدث محمد زكريا الكندهلوي : "في كتابه البديع "الأبواب والتراجم اعلم أنه لا يتصور الصاق الكعبين والمنكبين من الجانبين الا لبعض الناس بتكلف وهيئة غير هيئة الصلاة والخضوع فالمراد القرب والمحاذاة في الكعبين وكذا المراد في المنكبين  ألا تري البعض لا تكون قدمه متساويتين بقدمي  صاحبه وكذا المراد من الصاق القدم  وبهذا قال الجمهور ان المراد شدة القرب لا الإلصاق الحقيقي  قال الحافظ المراد بذلك  المبالغة في تعديل الصف وسد خلله  وهكذا قال العيني  والقسطلاني  ويقول  الكاندهلوي:  وأبدع  عندي  الإمام البخاري في الترجمة  اذ ترجم " بالزاق المنكب  والقدم "-(لابالمنكب -) لأن حقيقة الإلصاق لا يتصور في المناكب الا أن يكون كل الصف متساوي القامة وكذا الصاق القدم لا يمكن الا ان يكونوا كلهم متساوي الأقدام وهذان ممتنعان عادة فترجم بهما البخاري  اشارة الي انه لا يمكن فيهما الا المبالغة  في القرب  والمحاذاة  لا الإلصاق الحقيقي   ثم ذكر حديث النعمان تعليقا للإشارة الي أن ما هو المراد في الأولين هو المراد في الثالث  لإتحاد سياق الروايات  (الأبواب والتراجم 1/851 مع أزكي التحيات].
أقول:
أعدت قراءة مقالي كما تمنى الأخ الباحث سلمه الله.
لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم بإلصاق المنكب بالمنكب، ولكنه أقرهم على ذلك حين رآهم يفعلون ذلك، فهو يرى عليه الصلاة والسلام صفوفهم في الصلاة من وراء ظهره، وإنما أمرهم بالتراصِّ حيث قال "أقيموا صفوفكم وتراصُّوا فإني أراكم من وراء ظهري"، والتراص أن يلصَق بعضُهم ببعض حتى لا يكون بينهم خلل، فكانوا ينضمون إلى بعضهم ويتلاصقون، ولا شك في أنهم إذا فعلوا ذلك فإنهم يلصقون المنكب بالمنكب في حالة التساوي في الطول. ومنكِب الشخص مجتمع عظم العضد والكتف.
أما إذا انضم بعضهم إلى بعض وتلاصقوا وتراصوا وكانوا غير متساوين في الطول فإن المناكب لا تتلاصق وتكون على سمت واحد. وهذا في غاية السهولة.
لكن لا ينبغي أن تكون متباعدة، وهذا بخلاف ما فهمه الشيخ الكشميري من الحديث حيث قال: [قال الحافظ: المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله. قلت: وهو مراده عند الفقهاء الأربعة، أي أنْ لا يترك في البين فرجة تسع فيها ثالثا]. هذا نص كلامه بحروفه.
التلاصق والتراص في الأقدام ممكن جدا إذا لم ندخل فيه التلاصق في الكعوب، وهو في غاية السهولة.
لم أذكر في كلامي إلصاق الكعب الكعب، وهذا اللفظ ليس في الصحيحين، وفي ثبوته نظر.
لا يمكن أن يأمر الشارع بما لا يمكن تحقيقه للمكلف ولو بشق الأنفس إلا لبعض الأفراد، ومن نسب إلي متسرعا أن هذا المعنى هو الذي فهمتُه من الحديث فقد أدى به تسرعُه إلى أن ينسُب إلي ما لم أقله ولم يخطـُر لي على بال.
لم يكن ـ حسب علمي ـ قبل ظهور جماعة الفهم المتطرف إشكالٌ عند المحدثين والفقهاء في فهم الأحاديث الواردة في هذه المسألة، ويبدو أنهم كانوا يقفون عند إلصاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم ولا يعيرون إلصاق الكعب بالكعب أي اهتمام.
قال الأخ الباحث: [يقول  الكاندهلوي:  وأبدع  عندي  الإمام البخاري في الترجمة  اذ ترجم " بالزاق المنكب  والقدم "- (لا بالمنكب -)].
أقول: قول الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي "وأبدعَ عندي الإمامُ البخاري في الترجمة اذ ترجم بالزاق المنكب والقدم لا بالمنكب" قول غريب جدا، فعنوان الباب عند البخاري هو "باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف"، وهذا بخلاف ما نقله الشيخ محمد زكريا عن البخاري. وانظر: صحيح البخاري وعددا من شروحه للتحقق من عنوان الباب الذي عنون به البخاري، ومنها شرح صحيح البخاري لابن بطال، والكواكب الدراري للكرماني، وفتح الباري لابن رجب، والتوضيح لابن الملقن، ومصابيح الجامع للدماميني، واللامع الصبيح للبرماوي، وفتح الباري لابن حجر، والكوثر الجاري للكوراني، وإرشاد الساري للقسطلاني، وفيض الباري للكشميري. فسقط بذلك كلامه الذي قاله في توجيه عنوان الباب عند البخاري من أصله.
حفظ الله الأخ الباحث بخير وعافية، وجمعنا على محبته سبحانه ومحبةِ حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم ومحبةِ سنته الشريفة وتوقيرِ سلفنا الصالحين.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 18/ 3/ 1440، الموافق 26/ 11/ 2018، والحمد لله رب العالمين.



الجمعة، 23 نوفمبر 2018

* من روائع الإمام البخاري رحمه الله: - 12 -

هذه الرواية رواها البخاري ومسلم من خمسة طرق عن أبي إسحاق الشيباني عن ابن أبي أوفى، وفيها "فلما غربت الشمس"، وهذا يعني أن الشمس كانت قد غابت وأن ذلك الرجل الذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيجدح لهم إنما أراد الانتظار بعد غياب قرص الشمس لمزيد التحقق من الغروب، وذلك بسبب بقاء شيء من ضوء النهار، حتى أعْلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن الأفضل تعجيل الفطر بعد تحقق الغروب وإقبال الليل من الجهة المقابلة وإن كان قد بقي شيء من ضوء النهار.
ـ ورواه البخاري من طريق سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق الشيباني عن ابن أبي أوفى أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقال لرجل: "انزل فاجدحْ لي". قال: يا رسول الله، الشمس!. قال: "انزل فاجدح لي". قال: يا رسول الله، الشمس!. قال: "انزل فاجدح لي". فنزل فجدح له، فشرب، ثم رمى بيده ههنا، ثم قال: "إذا رأيتم الليل أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم".
في هذه الرواية أن الرجل كان ما يزال يرى شيئا من قرص الشمس، وليس فيها أن الشمس كانت قد غربت، فهي من باب الخطأ الواضح، وقد أشار البخاري رحمه الله إلى إعلالها حيث رواها في باب الصوم في السفر والإفطار ولم يروها في أحد البابين اللذين روى فيهما الرواية الصحيحة.
ـ وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 9/ 4/ 1440، الموافق 17/ 11/ 2018، والحمد لله رب العالمين.