الأربعاء، 3 سبتمبر 2014

حديث "قالت بنو إسرائيل إن موسى آدر" سلسلة أحاديث ظاهرها الصحة وهي معلولة بحسب منهج أئمة الحديث النقاد

رُوي هذا الحديث عن أبي هريرة وله عنه ثلاثة طرق:
ـ الطريق الأول رواه البخاري ومسلم وابن حبان في صحاحهم وأحمد في مسنده وأبو عوانة وأبو نعيم في مستخرجيهما على صحيح مسلم وابن المنذر في الأوسط والبيهقي في السنن وغيرهم عن سبعة عن عبد الرزاق، وهو في تفسير عبد الرزاق، عن معمر عن همَّام بن منبه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففرَّ الحجر بثوبه، فخرج موسى في إثره يقول ثوبي يا حجر، حتى نظرتْ بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربا".
همَّام بن منبه وإن وثقه جماعة من الأئمة فيبدو أن الإمام الناقد عليَّ بنَ المديني كان قد تنبه إلى مخالفة بعض رواياته لروايات أقرانه، فكان له فيه قول آخر، وذلك إذ يقول: "أصحاب أبي هريرة هؤلاء الستة: سعيد بن المسيب وأبو سلمة والأعرج وأبو صالح ومحمد بن سيرين وطاوس، وكان همام بن منبه يشبه حديثه حديثهم إلا أحرفا". [سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة. ومن طريقه رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد في ترجمة محمد بن سيرين، ويبدو أن الخطيب البغدادي كان يعتمد نسخة ابن أبي شيبة هذا في تاريخ الرواة، وأنه لم يتهمه في نقل الأقوال في الرواة رغم أنه كان يأخذ كتب الناس فيروي منها وكان يغير في الأسانيد].
وقال المزي في تهذيب الكمال في ترجمة همَّام: قال أبو الحسن الميموني: قال لي أحمد ابن حنبل: "همَّام بن منبه روى عنه أخوه وهب بن منبه، وكان رجلا يغزو, وكان يشتري الكتب لأخيه وهب، وجالس أبا هريرة بالمدينة فسمع منه أحاديث، وكان قد أدرك المُسَوِّدة وسقط حاجباه على عينيه، وهي نحو من أربعين ومئة حديث بإسناد واحد، ولكنها مقطعة في الكتب، وفيها أشياء ليست في الأحاديث". المسوِّدة هم العباسيون، وفي هذا النص إشارة إلى أن تلك الأحاديث التي رواها همام عن أبي هريرة هي في أبواب شتى من العلم، وأن فيها أشياء يتفرد بها عنه ليست بمعروفة، وهذا يؤيد ما صرح به ابن المديني، ويشير إلى أن الإمام أحمد مع توثيقه لهمَّام فإنه قد تنبه إلى أن بعض مروياته عن أبي هريرة لا توجد فيما سواها من الأحاديث.
وعلى كل حال فإن نتيجة مقارنة مرويات همام بن منبه بروايات أقرانه الأثبات عن أبي هريرة عند ابن المديني وابن حنبل مفيدة جدا، وهي أن حديثه عنه يشبه حديثهم عنه إلا في بعض الأحاديث، وهذا تصريح في غاية الوضوح والأهمية، لأن الأئمة إذا قالوا في بعض الروايات إنها لا تشبه أحاديث الثقات فهذا يعني طعنهم فيها، ولذا فهمَّام بن منبه هو في أحسن أحواله ثقة فيه لين، أي لا بد من التوقف فيما ينفرد به دون سائر الثقات. فهذا الطريق فيه لين.
ـ الطريق الثاني رواه البخاري عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، والترمذيُّ عن عبد بن حميد، كلاهما عن رَوْح بن عبادة عن عوف بن أبي جميلة عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين وخلاس بن عمرو عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن موسى كان رجلا حييا سِتِّيرا ...". الحديثَ بنحوه. ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده وعنه النسائي في السنن الكبرى عن روح بن عبادة عن عوف عن خلاس عن أبي هريرة به، ورواه الطبري والطحاوي في مشكل الآثار عن اثنين عن روح عن عوف عن ابن سيرين به نحوه. ورواه أحمد عن روح قال حدثنا عوفٌ عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وخِلاسٌ ومحمدٌ عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه أحمد والطبري من طريقين عن قتادة أنه قال: حدَّث الحسن عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة ...". الحديث به نحوه.
رَوْح بن عبادة بصري صدوق ثقة فيه لين مات سنة 205، وثقه جماعة، وقال فيه أبو حاتم: صالح محله الصدق. وقال النسائي في السنن الكبرى: ليس بالقوي. عوف بن أبي جميلة بصري صدوق ثقة فيه لين مات سنة 146، وثقه جماعة، وقال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: "وفي مثل مجرى هؤلاء إذا وازنتَ بين الأقران كابن عون وأيوب السختياني مع عوف بن أبى جميلة وأشعث الحمراني وهما صاحبا الحسن وابن سيرين كما أن ابن عون وأيوب صاحباهما، إلا أن البون بينهما وبين هذين بعيد في كمال الفضل وصحة النقل وإن كان عوف وأشعث غير مدفوعين عن صدق وأمانة عند أهل العلم". وقال الدارقطني في سؤالات الحاكم: ليس بذاك.
وأيًّا ما كان الحال فهذا الطريق عن روح عن عوف عن الحسن وابن سيرين وخلاس بن عمرو عن أبى هريرة معلول، فقد رواه ابن أبي شيبة عن أبي أسامة عن عوف عن الحسن وخلاس بن عمرو ومحمد عن أبي هريرة به موقوفا. [أبو أسامة حماد بن أسامة كوفي ثقة مات سنة 201]. وربما كان قد اضطرب حفظ عوف لهذا الحديث فكان يرويه مرة مرفوعا ومرة موقوفا.
ومما يؤكد إعلاله أن ابن أبي حاتم روى في مقدمة الجرح والتعديل عن صالح بن أحمد ابن حنبل عن علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: كان معي أطراف عوف عن الحسنِ عن النبي وخلاسٍ ومحمدٍ عن أبي هريرة أن موسى عليه السلام كان رجلا حييا فقال بنو إسرائيل هو آدر، فسألت عوفا، فترك محمدا وقال "خلاس"، مرسل. وهذا يعني أن يحيى بن سعيد القطان كانت معه نسخة فيها أحاديث من أحاديث عوف بن أبي جميلة، وكان فيها رواية عوف لحديث أن موسى عليه السلام كان رجلا حييا، وكان السند فيها هو عوف عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعوف عن خلاس ومحمد بن سيرين عن أبي هريرة غير مرفوع، فسأله عن هذا الحديث ليختبر حفظه، فروى له الحديث عن خلاس عن النبي صلى الله عليه وسلم، أي إنه كان قد اضطرب حفظه لهذا الحديث، وكان في الأصل عن الحسن مرسلا وعن خلاس عن أبي هريرة موقوفا فجعله عن خلاس مرسلا.
ـ الطريق الثالث رواه أحمد ومسلم من طريقين عن عبد الله بن شقيق وهو ثقة عن أبي هريرة به موقوفا.
ـ ورُوي هذا الحديث عن ابن عباس موقوفا، وله عنه طريقان:
رواه ابن أبي شيبة والطبري والحاكم من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به موقوفا. وهذا سند جيد.
ورواه الطبري عن محمد بن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه عن أبيه عن ابن عباس به موقوفا. [محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي: قال الدارقطني لا بأس به، وقال الخطيب كان لينا في الحديث، مات سنة 276. سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي روى عن أبيه وعمه الحسين، قال أحمد: لم يكن ممن يستأهل أن يُكتب عنه ولا كان موضعا لذاك. الحسين بن الحسن بن عطية العوفي الكوفي قاضي بغداد متفق على تضعيفه ومات سنة 201. الحسن بن عطية العوفي ضعيف مات بعد سنة 140. عطية بن سعد بن جنادة العوفي لين مدلس ومات سنة 111]. وهذا سند ضعيف يتقوى بما قبله.
ـ ومن الجدير بالذكر أن الإمام البخاري لم يرو في صحيحه سوى الرواية المرفوعة, وربما لم يقف على الطريق الموقوف، وأن الإمام مسلمًا روى الروايتين المرفوعة والموقوفة، والإسناد عنده في كل منهما خماسي، وقدَّم الرواية المرفوعة، مما يعني أنه يرجح تصحيح الحديث من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا غريب.

ـ وخلاصة القول في هذا الحديث أنه رواه أبو هريرة وله عنه ثلاثة طرق:
فالطريق الأول طريق همَّام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا سند لين.
والطريق الثاني رواه راوٍ من أتباع التابعين هو عوف بن أبي جميلة عن ثلاثة من التابعين عن أبي هريرة مرفوعا كذلك، وقد اضطرب عوف في حفظه لهذا الحديث، والأصح فيه أنه من رواية الحسن البصري مرسلا، ومراسيله ضعيفة، ومن رواية ابن سيرين وخلاس بن عمرو عن أبي هريرة موقوفا، فوهِم عوف فأسنده عن الثلاثة عن أبي هريرة مرفوعا.
والطريق الثالث طريق عبد الله بن شقيق عنه موقوفا، وهذا يؤكد أن الثابت في رواية أبي هريرة لهذا الحديث أنه من قوله, وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم.
ـ وأما الحديث عن ابن عباس فهو موقوف. والظاهر أنه مما سمعه أبو هريرة وابن عباس من أهل الكتاب، والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق