الثلاثاء، 2 سبتمبر 2014

حديث "قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله"

--سلسلة أحاديث ظاهرها الصحة وهي معلولة بحسب منهج أئمة الحديث النقاد --

حديث "قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله"
قال الإمام البخاري في صحيحه: حدثنا خالد بن مخلد: حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله. فلم يقل، ولم تحمل شيئا إلا واحدا ساقطا إحدى شقيه". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو قالها لجاهدوا في سبيل الله". قال البخاري: قال شعيب وابن أبى الزناد "تسعين"، وهو أصح.
وقال البخاري: حدثني محمود: حدثنا عبد الرزاق: أخبرنا معْمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال سليمان بن داود عليهما السلام: لأطوفن الليلة بمئة امرأة تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله. فقال له الملك: قل إن شاء الله. فلم يقلْ ونسي، فأطاف بهن، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان أرجى لحاجته.
ورواه في مواضع أخرى بنحوه، وكذا رواه مسلم في صحيحه.
قبل البحث في مدى صحة هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بد لي من الإشارة إلى اختلاف ألفاظ الروايات في هذا الحديث في لفظة من الألفاظ التي لا ينبغي الوقوف عندها، وهي لفظة سبعين أو تسعين أو تسع وتسعين أو مئة، وذلك لأن مثل هذا الاختلاف في الحديث لا يهمنا أي الألفاظ هي الثابتة فيه.
ثم إن هذا الحديث يتألف من شطرين:
فالشطر الأول هو "قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله. فلم يقل، ولم تحمل شيئا إلا واحدا ساقطا إحدى شقيه".
والشطر الثاني هو "لو قالها لجاهدوا في سبيل الله".
وهذا بيان طرقه: فقد رواه ثلاثة من كبار الثقات عن أبي هريرة، وهم محمد بن سيرين وطاوس بن كيسان وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج:
ـ فأما طريق ابن سيرين عن أبي هريرة فرواه ثلاثة من الثقات عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفا. [صحيح البخاري. صحيح مسلم. المستخرج لأبي عوانة. عبد الرزاق في تفسيره].
ورواه أربعة عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا. [مسند أحمد. مصنف ابن أبي شيبة. المستخرج لأبي عوانة. الحلية لأبي نُعيم. تاريخ دمشق لابن عساكر]. ورواه الإمام أحمد في مسنده عن هشيم بن بشير عن هشام بن حسان به موقوفا.
[أيوب بن أبي تميمة السختياني ثقة ثقة. هشام بن حسان صدوق ثقة رفع موقوفات. هشيم بن بشير ثقة يدلس].
فالراجح في طريق ابن سيرين أن الحديث موقوف على أبي هريرة، لأن الراوي الذي رواه بالوقف هو من كبار الثقات، والراوي الآخر رواه مرات بالرفع ومرة بالوقف، وهو صدوق ثقة له روايات وهم فيها فرفعها وهي موقوفة، فيبدو أن هذه منها.
ـ وأما طريق طاوس عن أبي هريرة فرواه عبد الرزاق بن همَّام في تفسيره ورواه جماعة عنه عن معْمر عن ابن طاوس عن طاوس عن أبي هريرة موقوفا. [تفسير عبد الرزاق. صحيح البخاري. صحيح مسلم. المستخرج لأبي عوانة]. ورواه أحمد في مسنده والعباس بن عبد العظيم عند النسائي في السنن عن عبد الرزاق به مرفوعا، ورواية أحمد والنسائي هذه معلولة، لمخالفتها لما في تفسير عبد الرزاق ولما رواه الجماعة عنه.
ورواه جماعة عن سفيان بن عيينة عن هشام بن حُجير عن طاوس عن أبي هريرة مرفوعا. [صحيح مسلم. مسند الحميدي. المستخرج لأبي عوانة. ذم البغي لابن أبي الدنيا. الأسماء والصفات للبيهقي]. ورواه جماعة عن سفيان بن عيينة به موقوفا. [صحيح البخاري. الأسماء والصفات للبيهقي. مسند أبي يعلى. ولتوضيح الرواية في مسند أبي يعلى أقول: رواه في مسنده عن أبي معمر عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وعن هشام بن حجير عن طاوس عن أبي هريرة أحدهما روايةً. أي بالرفع. وحيث إن رواية سفيان عن أبي الزناد هي بالرفع فهذا يعني أن روايته عن هشام بن حجير هي بالوقف]. ورواه أبو يعلى في مسنده من طريق الحارث بن سُريج النقال وهو ضعيف متهم بأنه يسرق الحديث عن ابن عيينة وقال: يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكره مرة ولم يرفعه. ويبدو أن الحارث قد ضبط المسألة هنا، وليس هذا الموضع محلا لاتهامه.
[معْمر بن راشد ثقة فيه لين. عبد الله بن طاوس ثقة. سفيان بن عيينة ثقة. هشام بن حجير صدوق فيه لين].
فالراجح في طريق طاوس أن الحديث موقوف على أبي هريرة، لأن سند الطريق الموقوف جيد، وابن عيينة في الطريق الآخر رواه مرات بالرفع ومرات بالوقف، ثم إنه يرويه عن هشام بن حجير وهو صدوق فيه لين.
ـ وأما طريق الأعرج عن أبي هريرة فرواه ستة عن أبي الزناد، ورواه اثنان عن الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة، أبو الزناد وجعفر كلاهما عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا. [صحيح البخاري. صحيح مسلم. سنن النسائي. المستخرج لأبي عوانة. المستخرج لأبي نُعيم. مسند البزار. شرح مشكل الآثار للطحاوي. السنن الكبرى للبيهقي]. [أبو الزناد والليث بن سعد وجعفر بن ربيعة ثقات].
ـ خلاصة الأمر أن هذا الحديث رواه ابن سيرين وطاوس في الراجح عنهما عن أبي هريرة موقوفا عليه، ورواه الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا، فأقل ما يُقال فيه هو التوقف في صحته بالرفع، وهذا يعني أن الطريق المرفوع معلول بالطريقين الموقوفين، أي إنه ثابت من قول أبي هريرة، لا من قول النبي صلى الله عليه وسلم.
ـ هذا كله يتعلق فيما هو أصل القصة، وهو الشطر الأول منها.
ـ أما الشطر الثاني فتكاد الطرق تجمع على أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد يُقال: هذا دليل على أن القصة كلها مرفوعة.
فأقول: لو كانت القصة مرفوعة في الواقع لبيَّن أبو هريرة من بدايتها أنها من قوله عليه الصلاة والسلام، ولكن حيث إنه ابتدأها من قوله هو في رواية ابن سيرين وطاوس فهذا دليل واضح على أنه لم يسمعها من النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان قد سمعها منه لبيَّن.
ويبدو أنه قال في بداية الشطر الثاني "قال رسول الله" يقصد به الملكَ الذي قال لسليمان عليه السلام "قل إن شاء الله"، فإن الملك هو رسول من عند الله إلى أنبيائه، ففهم الرواة من ذلك أنه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فعبَّر كل واحد عما فهمه.
ولذا فإننا نجد في هذا الموضع في الروايات: "قال رسول الله"، "قال نبي الله"، "قال النبي"، مع ذكر الصلاة والسلام عليه، وذهب وَهْم بعضهم إلى أن في الكلام هنا قسَما فجعل في هذا الموضع "وايمُ الذي نفس محمد بيده". فهذا هو سبب الوهَم الذي وقع فيه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج الراوي عن أبي هريرة ومَن رواه عن ابن سيرين وعن طاوس عن أبي هريرة، والله أعلم.
ـ وخاتمة المطاف هي أن هذا الحديث ثابت من قول أبي هريرة، وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم، والظاهر أنه سمعه من بعض مسلمة أهل الكتاب. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ـ فإن قيل: فهل كان البخاري ومسلم اللذان رويا هذا الحديث بالرفع وبالوقف يرجحان فيه شيئا من حيث اختلاف الرواية رفعا ووقفا؟ وهل أشارا إلى ذلك في صحيحيهما؟.
والجواب: نعم، لهما ترجيح أشارا إليه، وهو أنهما يرجحان كونه موقوفا، أي من قول أبي هريرة، وليس مرفوعا من قول النبي صلى الله عليه وسلم.
ـ فأما الإمام البخاري رحمه الله فإن من عادته في صحيحه أن يروي الروايات المتعددة للحديث في أبواب مختلفة في أماكن متباعدة, ولا يجمعها في موضع واحد كما فعل مسلم, ولكنه لا يعدل عن الرواية الراجحة للباب الأكثر مناسبة لموضوع ذلك الحديث.
وقد روى البخاري هذا الحديث في صحيحه في ستة مواضع، تحت العناوين التالية: باب من طلب الولد للجهاد. باب قول الله تعالى ووهبنا لداود سليمان. باب قول الرجل لأطوفن الليلة على نسائه. باب كيف كانت يمين النبى صلى الله عليه وسلم. باب الاستثناء فى الأيمان. باب فى المشيئة والإرادة. وروى الرواية المرفوعة في الباب الأول والثاني والرابع من هذه الأبواب الستة, وروى الرواية الموقوفة في الباب الثالث والخامس والسادس من تلك الأبواب.
ولا شك في أن الباب الأكثر مناسبة لموضوع هذا الحديث هو الباب الثالث منها، وهو "باب قول الرجل لأطوفن الليلة على نسائه"، وقد اختار لهذا الباب الرواية الموقوفة, وهذا يعني أن الإمام البخاري يرجح في هذا الحديث أنه من قول أبي هريرة وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم. فرحمه الله رحمة واسعة.
ـ وأما الإمام مسلم رحمه الله فإن من عادته في صحيحه أن يروي الروايات المتعددة للحديث في مكان واحد, ولا يفرقها في أماكن متباعدة كما فعل البخاري، ويقدم الرواية المروية بالسند العالي على المروية بالسند النازل، فإذا كان عنده روايتان يبلغ عدد طبقات السند في إحداهما أربعة مثلا وفي الأخرى خمسة فإنه يقدم السند أو الطريق الرُباعي على الخُماسي، وإذا كانت الروايتان كلتاهما متماثلتين في العلو والنزول كأن تكونا خُماسيتين مثلا فإنه يقدم الأرجح.
وكان عنده في هذا الحديث ست روايات, ثلاث منها خُماسية وثلاث منها سُداسية، والروايات الخماسية واحدة منها بالوقف على الصحابي واثنتان بالرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والروايات السداسية كذلك، فبدأ بالطرق الخماسية قبل السداسية، وبدأ في كل منهما بالموقوفة قبل المرفوعة.
وهذه هي طرق هذا الحديث عند مسلم:
بدأ بالطرق الخماسية, وقدم منها طريق أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة موقوفا, ثم طريق هشام بن حُجير عن طاوس عن أبي هريرة مرفوعا، ثم طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا.
ثم انتقل إلى الطرق السداسية, وقدم منها طريق عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفا، ثم طريق ورقاء وطريق موسى بن عقبة, كلاهما عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا.
وتقديم الإمام مسلم في الطرق الخماسية والسداسية للرواية الموقوفة على المرفوعة يعني أنه يرجح في هذا الحديث أنه من قول أبي هريرة وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم. فرحمه الله رحمة واسعة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق