الجمعة، 5 سبتمبر 2014

حديث "فلطم موسى عينَ ملك الموت" سلسلة أحاديث ظاهرها الصحة وهي معلولة بحسب منهج أئمة الحديث النقاد

حديث "فلطم موسى عينَ ملك الموت"

الحديث الذي فيه مجيءُ ملك الموت إلى موسى عليه السلام وضرْبُ موسى للصورة التي نزل بها الملك رُوي عن أبي هريرة من أربعة طرق: من طريق طاوس وأبي يونس سُليم بن جُبير وهمَّام بن منبه وعمار بن أبي عمار، ووقع فيه اختلاف من حيث الوقفُ والرفعُ، هل هو عن أبي هريرة من قوله أو عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟:
وهذا بيان طرقه واختلافِها:
ـ فأما الطريق الأول فهو طريق طاوس، وقد رواه سبعة من الثقات عن عبد الرزاق عن معْمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفا.
رواه البخاري عن محمود بن غيلان ويحيى بن موسى، ومسلمٌ عن محمد بن رافع وعبد بن حميد، والنسائيُّ عن محمد بن رافع، وابنُ أبي عاصم في السنة عن سلمة بن شبيب، والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق أحمد بن منصور الرمادي، ستتهم عن عبد الرزاق بن همَّام، ورواه أحمد عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: [أُرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام، فلما جاءه صكَّه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت؟!. فرد الله عليه عينه وقال: ارجع فقل له يضع يده على متن ثور، فله بكل ما غطت به يدُه بكل شعرة سنة. قال: أيْ رب ثم ماذا؟. قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل اللهَ أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر]. قال: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلو كنت ثـَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر]. [صحيح البخاري، باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة من كتاب الجنائز رقم 1339, وباب وفاة موسى عليه السلام من كتاب أحاديث الأنبياء رقم 3407. صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم رقم 2372. مسند الإمام أحمد 13 / 84 رقم 7646. السنة لابن أبي عاصم 2/ 123 رقم 486. سنن النسائي، كتاب الجنائز رقم 2089. الأسماء والصفات للبيهقي، باب ما جاء في التردد صفحة 454].
هذا الحديث فيه جزآن: الجزء الأول هو قصة موسى عليه السلام وملك الموت، وهو المراد في هذا البحث، والجزء الثاني هو "فلو كنتُ ثـََمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر"، وهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن في حديثٍ غير هذا.
وقد روى أولئك الثقات هذا الحديث من طريق طاوس فجعلوا الجزء الأول منه موقوفا والثاني مرفوعا.
وطاوس كان ممن يعد الحروف حرفا حرفا، من شدة عنايته بضبط الألفاظ.
ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الطريق رواه اثنان بخلاف رواية أولئك الثقات السبعة، فجعلا الحديث مرفوعا كله:
فقد رواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الأزدي عن إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق بالرفع، وهذا وهَم، لأن الرواية التي يخالف فيها الراوي سبعة من الرواة الثقات لا شك في أنها معلولة. شيخ ابن حبان عبد الله بن محمد الأزدي: الظاهر أنه عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن شيرويه، كما أشار إليه ابن حبان في صحيحه في باب فضل الصحابة والتابعين من ترتيب ابن بلبان، وهو ثقة توفي سنة 305. وشيخه هو إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه إمام حافظ. ولا يبعُد أن يقع الوهَم في هذا لأحدهما، والأقرب أن يكون من ابن شيرويه.
والحديث في نسخة مصنف عبد الرزاق مرفوع كله كذلك، ولكن لا يُعوَّل على نسخة مصنَّف عبد الرزاق ولا يُعتمد عليها إذا خالفت ما رواه جماعة من الثقات عنه، فراوي النسخة عن المؤلف هو إسحاق بن إبراهيم الدَبَري، وقد تكلموا في روايته عنه لصغر سنه. وذكر ابن الصلاح في كتاب علوم الحديث عبدَ الرزاق بنَ همام صاحب المصنف فيمن رُمي بالاختلاط وقال: "ذكر أحمد ابن حنبل أنه عمي في آخر عمره فكان يُلقن فيتلقن، فسماع من سمع منه بعد ما عمي لا شيء". وعقـَّب ابن الصلاح على ذلك بقوله: [قد وجدتُ فيما رُوي عن الطبراني عن إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق أحاديثَ استنكرتها جدا، فأحلت أمرها على ذلك، فإن سماع الدبري منه متأخر جدا، قال إبراهيم الحربي: مات عبد الرزاق وللدبري ست سنين أو سبع سنين].
فعُلم من هذا أن الثابت في رواية طاوس هو أن تلك القصة موقوفة من قول أبي هريرة وليست مرفوعة، وأن الرواية المرفوعة من هذا الطريق خطأ محض، حيث إنها تخالف ما رواه سبعة من الثقات.
ـ وأما الطريق الثاني فهو طريق أبي يونس سُليم بن جُبير، وقد رواه الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا حسن: حدثنا ابن لهيعة: حدثنا أبو يونس عن أبي هريرة أنه قال: "جاء ملك الموت إلى موسى ...". الحديثَ به نحوه، ولم يرفعه. [مسند الإمام أحمد 14/ 264 رقم 8616]. [حسن بن موسى الأشيب بغدادي صدوق ثقة توفي سنة 209. عبد الله بن لهيعة مصري كتبه مضبوطة ولكنه كان إذا لـُقـِّن يتلقن، وكان يدلس إلا أنه صرح هنا بالسماع، وتوفي سنة 174. أبو يونس سُليم بن جُبير مولى أبي هريرة مصري صدوق ثقة يُقال توفي سنة 123]. هذا إسناد ضعيف، ولكن الرواية بوقف الحديث دون رفعه ليست مظِنة الوهَم أو التلقين، لشدة رغبتهم في المرفوع، فيتقوى بما قبله.
ـ وأما الطريق الثالث فهو طريق همَّام بن منبه، وقد رواه خمسة عن عبد الرزاق عن معْمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام ...". الحديثَ به نحوه، مرفوعا كله. [صحيح البخاري، باب وفاة موسى عليه السلام من كتاب أحاديث الأنبياء رقم 3407. صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم رقم 2372. مسند الإمام أحمد 14/ 264 رقم 8166. السنة لابن أبي عاصم 2/ 123 رقم 486. صحيح ابن حبان 14/ 116 رقم 6224. الأسماء والصفات للبيهقي باب ما جاء في التردد صفحة 454]. هذا ولم يروه البخاري بذكر السند متبوعا بالمتن على عادته في رواية الأحاديث المسندة، ولكن ذكره بعد أن روى الحديث من طريق طاوس عن أبي هريرة موقوفا كما تقدم، فأتبع ذلك بقوله: "قال وأخبرنا معمر عن همام حدثنا أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه".
همَّام بن منبه ثقة فيه لين، وتقدم الكلام عليه في الحديث السابق, فينبغي التوقف في بعض ما يرويه وخاصة إذا خالف ما يرويه غيره أو إذا لم يتابعه عليه غيره من الثقات.
ومما يُلاحظ أن الطريقين الأول والثالث كليهما يرويهما عبد الرزاق عن معمر، ولم أجدهما من طريق آخر، والظاهر أن هذا ليس من باب اختلاف الرواية، لأن عبد الرزاق ومعمرا من المشهورين بكثرة جمع الطرق.
ـ وأما الطريق الرابع فهو طريق عمار بن أبي عمار، وقد رواه جماعة عن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كان ملك الموت يأتي الناس عيانا فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه ...". [مسند أحمد 16/ 525 ـ 526 رقم 10904 ـ 10905. المستدرك للحاكم 2/ 577]. حماد بن سلمة ثقة تغير حفظه بآخره. عمار بن أبي عمار صدوق ثقة فيه لين. ولا يبعُد أن يقع الوهَم في رفع هذا الحديث لأحدهما.
- خلاصة الأمر في طرق هذا الحديث أن الجزء الذي فيه مجيءُ ملك الموت إلى موسى عليه السلام وضرْبُ موسى للصورة التي نزل بها الملك: رواه طاوس وسُليم بن جُبير عن أبي هريرة موقوفا من قوله، ورواه همام بن منبه وعمار بن أبي عمار عن أبي هريرة مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمرجَّح في ميزان النقد الحديثي أنه موقوف من قول أبي هريرة وأن من جعله مرفوعا فقد وهِم، ولعل منشأ الوهَم هو أن آخر الحديث "فلو كنتُ ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر" مرفوع، فقد يسمع السامع هذا من أبي هريرة مع تصريحه برفع هذا الجزء فيظن أن ما مضى من الحديث مرفوع كذلك.
والجزء الثاني من الحديث منقول من حديث الإسراء، ووصَله أبو هريرة بقصة موسى وملك الموت ، فأدى ذلك للالتباس.
وهذا يعني أن من رواه بالرفع فروايته معلولة بعلة الوقف على الصحابي.
ـ ومن الجدير بالذكر أن البخاري ومسلما لم يرويا هذا الحديث في الصحيحين كمساق الأحاديث التي يريان لها الرجحان:
فأما البخاري فلم يروه بالسند متبوعا بالمتن على عادته في معظم أحاديث الكتاب، واكتفى بالإشارة إليه في التعقيب على ما قبله، فإنه روى الطريق الموقوف وعقـَّب عليه بقوله: "قال وأخبرنا معمر عن همام قال حدثنا أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه". [صحيح البخاري باب وفاة موسى عليه السلام من كتاب أحاديث الأنبياء رقم 3226].
وأما مسلم فمن طريقته أن يبدأ بالطريق الأقوى ويتـْبـِعه بما هو دونه أو بما فيه وقفة، وأن يقدم الطريق الذي يقِلُّ فيه عدد طبقات السند على غيره، أي أن يقدم الطريق العالي على النازل.
والذي عنده هنا طريقان، أحدهما سداسي موقوف، والآخر خماسي مرفوع، والذي فعله هنا هو أنه روى الطريق الموقوف أولا مع أن إسناده نازل ثم أتبعه بالطريق المرفوع مع أن إسناده عالٍ.
وهذا يعني أن الإمامين البخاري ومسلما يرجحان أن هذا الحديث من قول أبي هريرة، وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم.
ـ ولا بد من التذكير هنا بما رواه الإمام مسلم رحمه الله في كتاب التمييز، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: حدثنا مروان الدمشقي عن الليث بن سعد: حدثني بكير ابن الأشج قال: قال لنا بسر بن سعيد: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتـُنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم، فأسمعُ بعضَ من كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. [الدارمي ثقة إمام توفي سنة 255. مروان بن محمد الطاطري الدمشقي ثقة توفي سنة 210. الليث بن سعد المصري ثقة إمام توفي سنة 175. بكير بن عبد الله بن الأشج المدني نزيل مصر ثقة ثقة توفي سنة 122 تقريبا. بسر بن سعيد المدني ثقة ولد سنة 22 وتوفي سنة 100. فهذا إسناد صحيح].
ـ وخلاصة القول أن هذا الحديث - في ميزان النقد الدقيق - ليس بثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه من قول أبي هريرة، ولعله مما سمعه من بعض أهل الكتاب، والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق