الأربعاء، 28 سبتمبر 2016

حديث قالت بنو إسرائيل إن موسى آدر


رُوي هذا الحديث من رواية أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم:

ـ فأما حديث أبي هريرة فله عنه خمسة طرق:

ـ الطريق الأول رواه البخاري ومسلم وابن حبان في صحاحهم وأحمد في مسنده وأبو عوانة وأبو نعيم في مستخرجيهما على صحيح مسلم وابن المنذر في الأوسط والبيهقي في السنن وغيرهم عن سبعة عن عبد الرزاق، وهو في تفسير عبد الرزاق، عن معمر عن همَّام بن منبه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدَر، فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففرَّ الحجر بثوبه، فخرج موسى في إثره يقول ثوبي يا حجر، حتى نظرتْ بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربا". معنى آدَر: أي أصابه انتفاخ شديد في خصيتيه.
همَّام بن منبه:
وثقه جماعة من الأئمة، ولكن الإمام الناقد عليَّ بنَ المديني كان قد تنبه إلى مخالفة بعض رواياته لروايات أقرانه، فقال فيه قولا مختلفا، وذلك إذ يقول: "أصحاب أبي هريرة هؤلاء الستة: سعيد بن المسيب وأبو سلمة والأعرج وأبو صالح ومحمد بن سيرين وطاوس، وكان همام بن منبه يشبه حديثه حديثهم إلا أحرفا". [سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة. ومن طريقه رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد في ترجمة محمد بن سيرين مع الإقرار، ويبدو أن الخطيب كان يعتمد نسخة ابن أبي شيبة هذا في تاريخ الرواة].
وقال المزي في تهذيب الكمال في ترجمة همَّام بن منبه: قال أبو الحسن الميموني: قال لي أحمد ابن حنبل: "همَّام بن منبه روى عنه أخوه وهب بن منبه، وكان رجلا يغزو, وكان يشتري الكتب لأخيه وهب، وجالس أبا هريرة بالمدينة فسمع منه أحاديث، وكان قد أدرك المُسَوِّدة وسقط حاجباه على عينيه، وهي نحو من أربعين ومئة حديث بإسناد واحد، ولكنها مقطعة في الكتب، وفيها أشياء ليست في الأحاديث". المسوِّدة هم العباسيون، وفي هذا النص إشارة إلى أن تلك الأحاديث التي رواها همام عن أبي هريرة هي في أبواب شتى من العلم، وأن فيها أشياء يتفرد بها عنه ليست بمعروفة، وهذا يؤيد ما صرح به ابن المديني، ويشير إلى أن الإمام أحمد مع توثيقه لهمَّام فإنه قد تنبه إلى أن بعض مروياته عن أبي هريرة لا توجد فيما سواها من الأحاديث.
وعلى كل حال فإن نتيجة مقارنة مرويات همام بن منبه بروايات أقرانه الأثبات عن أبي هريرة عند ابن المديني وابن حنبل مفيدة جدا، وهي أن حديثه عنه يشبه حديثهم عنه إلا في بعض الأحاديث، وهذا تصريح في غاية الوضوح والأهمية، لأن الأئمة إذا قالوا في بعض الروايات إنها لا تشبه أحاديث الثقات فهذا يعني طعنهم فيها، ولذا فهمَّام بن منبه هو في أحسن أحواله ثقة فيه لين، أي لا بد من التوقف فيما ينفرد به دون سائر الثقات. فهذا الطريق فيه لين.

ـ الطريق الثاني رواه البخاري عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، والترمذيُّ عن عبد بن حميد، كلاهما عن رَوْح بن عبادة عن عوف بن أبي جميلة عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين وخلاس بن عمرو عن أبى هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن موسى كان رجلا حييا سِتِّيرا". الحديثَ بنحوه. [رَوْح بن عبادة بصري، صدوق ثقة فيه لين مات سنة 205، وثقه جماعة، وقال فيه أبو حاتم: صالح محله الصدق. وقال النسائي في السنن الكبرى: ليس بالقوي. عوف بن أبي جميلة بصري، صدوق ثقة فيه لين مات سنة 146، وثقه جماعة، وقال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: "إذا وازنتَ بين الأقران كابن عون وأيوب السختياني مع عوف بن أبى جميلة وأشعث الحمراني وهما صاحبا الحسن وابن سيرين كما أن ابن عون وأيوب صاحباهما، إلا أن البون بينهما وبين هذين بعيد في كمال الفضل وصحة النقل وإن كان عوف وأشعث غير مدفوعين عن صدق وأمانة عند أهل العلم". وقال الدارقطني في سؤالات الحاكم: ليس بذاك. الحسن بن أبي الحسن البصري ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيرا ويدلس الإسناد ومات سنة 110، كما قال ابن حجر. محمد بن سيرين بصري ثقة مات سنة 110. خلاس بن عمرو بصري ثقة من كبار التابعين وكان يرسل، كما قال ابن حجر].
ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده وعنه النسائي في السنن الكبرى عن روح بن عبادة عن عوف عن خلاس عن أبي هريرة به مرفوعا. ورواه الطبري في التفسير والطحاوي في مشكل الآثار عن اثنين عن روح عن عوف عن ابن سيرين به مرفوعا. ورواه أحمد عن روح قال حدثنا عوفٌ عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وخِلاسٌ ومحمدٌ عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه الطبري عن محمد بن بشار عن محمد بن إبراهيم بن أبي عدي عن عوف عن الحسن أنه قال "بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال". ورواه أحمد والطبري من طريقين عن قتادة أنه قال: حدَّث الحسن عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة ...". [محمد بن بشار بصري ثقة ولد سنة 167 ومات سنة 252، كما قال ابن حجر. محمد بن إبراهيم بن أبي عدي بصري ثقة فيه لين مات سنة 194. قتادة بن دعامة بصري ثقة كان يدلس الإسناد، ولد سنة 61 ومات سنة 117].
وروى ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل عن صالح بن أحمد ابن حنبل عن علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: كان معي أطراف، "عوف عن الحسنِ عن النبي وخلاسٍ ومحمدٍ عن أبي هريرة أن موسى عليه السلام كان رجلا حييا فقال بنو إسرائيل هو آدر"، فسألت عوفا، فترك محمدا وقال "خلاس"، مرسل. وهذا يعني أن يحيى بن سعيد القطان كانت معه نسخة فيها أطراف أحاديث عوف بن أبي جميلة، وكان فيها رواية عوف لحديث أن موسى عليه السلام كان رجلا حييا، وكان السند فيها هو: عوف عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعوف عن خلاس ومحمد بن سيرين عن أبي هريرة غير مرفوع، فسأله عن هذا الحديث ليختبر حفظه، فروى له الحديث عن خلاس عن النبي صلى الله عليه وسلم، أي إنه كان قد اضطرب حفظه لهذا الحديث، وكان في الأصل عن الحسن مرسلا وعن خلاس عن أبي هريرة موقوفا فجعله عن خلاس مرسلا.
ـ يتبين مما رواه ابن أبي حاتم عن يحيى بن سعيد القطان ومن مقارنة الروايات المتقدمة أن أصل هذا الحديث هو من رواية عوف عن الحسن البصري مرفوعا مرسلا وعن خلاس ومحمد بن سيرين عن أبي هريرة موقوفا، وأنه قد وقع وهَم في الرواية عند عوف بن أبي جميلة عندما روى الحديث من حفظه وعند روح بن عبادة كذلك عندما رواه عن عوف.
وإذا كان ذلك كذلك فطريق روح عن عوف عن الحسن البصري معلول بالإرسال وعن محمد بن سيرين وخلاس بن عمرو معلول بالوقف على الصحابي، ومما يؤكد إعلاله أن ابن أبي شيبة رواه في المصنف عن أبي أسامة حماد بن أسامة ـ وهو كوفي ثقة مات سنة 201 ـ عن عوف عن الحسن وخلاس بن عمرو ومحمد بن سيرين عن أبي هريرة به موقوفا. والسند المعلول ضعيف.

ـ الطريق الثالث: رواه الطبري في التفسير من طريق سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن عكرمة عن أبي هريرة به مرفوعا. [جابر بن يزيد الجعفي كوفي ضعيف مات سنة 128]. فهذا الطريق ضعيف.


ـ الطريق الرابع: رواه ابن عساكر من طريق أحمد بن عبد الجبار العطاردي عن محمد بن فضيل عن محمد بن سعد الأنصاري عن حبيب بن سالم عن أبي هريرة به مرفوعا.
[أحمد بن عبد الجبار العطاردي كوفي، قال ابن حجر: ضعيف وسماعه للسيرة صحيح. ولد سنة 177 ومات سنة 272. محمد بن فضيل بن غزوان كوفي صدوق ثقة مات سنة 194. محمد بن سعد الأنصاري كوفي صدوق. حبيب بن سالم كوفي صدوق]. فهذا الطريق ضعيف.

ـ الطريق الخامس: رواه مسلم عن يحيى بن حبيب الحارثي عن يزيد بن زريع عن خالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة أنه قال: "كان موسى عليه السلام رجلا حييا، فكان لا يُرى متجردا". الحديث.
ورواه أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه عن سعيد بن إياس الجريري عن عبد الله بن شقيق أنه قال: أقمت بالمدينة مع أبي هريرة سنة، فقال لي ذات يوم: من أين أقبلت؟. قلت: من الشام. فقال لي: هل رأيت حَجَر موسى؟. قلت: وما حجر موسى؟. قال: إن بني إسرائيل قالوا لموسى قولا تحت ثيابه في مذاكيره. الحديث.
[يحيى بن حبيب بن عربي الحارثي بصري صدوق ثقة مات سنة 248. يزيد بن زريع بصري ثقة ثقة ولد سنة 101 ومات سنة 182. خالد بن مهران الحذاء بصري ثقة تغير حفظه بآخره وكان يرسل، ومات سنة 142. عبد الله بن شقيق بصري ثقة مات سنة 108. عبد الصمد بن عبد الوارث بصري ثقة فيه لين مات سنة 207. أبوه عبد الوارث بن سعيد بصري ثقة مات سنة 180. سعيد بن إياس الجريري بصري ثقة لكنه اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين ومات سنة 144]. فالسند بمجموع الطريقين صحيح.

ـ خلاصة القول في رواية أبي هريرة لهذا الحديث أن له عنه أربعة طرق مرفوعة وطريقا موقوفا عليه:
فالطريق الأول من الطرق الأربعة سنده فيه لين، والطريق الثاني معلول، والطريقان الثالث والرابع ضعيفان، والطريق الخامس موقوف على أبي هريرة وسنده صحيح.

ـ وأما حديث ابن عباس فله عنه طريقان:

ـ الطريق الأول: رواه ابن أبي شيبة والطبري والحاكم من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به موقوفا. وهذا سند جيد.

ـ الطريق الثاني: رواه الطبري في التفسير عن محمد بن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه عن أبيه عن ابن عباس به موقوفا. [محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي: قال الدارقطني لا بأس به، وقال الخطيب كان لينا في الحديث، مات سنة 276. سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي روى عن أبيه وعمه الحسين، قال أحمد: لم يكن ممن يستأهل أن يُكتب عنه ولا كان موضعا لذاك. الحسين بن الحسن بن عطية العوفي الكوفي قاضي بغداد متفق على تضعيفه ومات سنة 201. الحسن بن عطية العوفي ضعيف مات بعد سنة 140. عطية بن سعد بن جنادة العوفي لين مدلس ومات سنة 111]. فهذا سند ضعيف إلا أنه يتقوى بما قبله.

ـ خلاصة القول في هذا الحديث أنه ليس ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه من قول أبي هريرة وابن عباس, والظاهر أنه مما سمعاه من بعض أهل الكتاب.


وكتبه صلاح الدين الإدلبي، والحمد لله رب العالمين. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق