الأربعاء، 28 سبتمبر 2016

لما دخل هولاكو الشام - خطبة ابن المنير الاسكندري


خطبة القاضي العلامة ناصر الدين أحمد بن محمد بن منصور ابن المُنَيِّر الإسكندراني المالكي المتوفى سنة 683 خطب بها لما دخل هولاكو الشام:


"الحمد لله الذي يرحم العيون إذا دمعت، والقلوبَ إذا خشعت، والنفوس إذا خضعت، والعزائمَ إذا اجتمعت، الموجود إذا الأسباب انقطعت، المقصود إذا الأبواب امتنعت، اللطيف إذا صدمت الخطوب وصدعت، رُب أقضيةٍ نزلت فما تقدمت حتى جاءت ألطاف دفعت، فسبحان من وسعِت رحمته كل شيء وحق لها إذا وسِعت، وسَعت إلى طاعته السماوات والأرض حين قال {ائتيا طوعا أو كرها} فأطاعت وسمعت، أحمده لصفات بهرت، وأشكره على نعم ظهرت، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عن اليقين صدرت، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه والفتنة قد احتدت، والحاجة قد اشتدت، ويد الضلال قد امتدت، وظلمات الظلم قد اسودت، والجاهلية قد أخذت نهايتها، وبلغت غايتها، فجاء بمحمد صلى الله عليه وسلم، فملك عِنانها وكبَتَ أعيانها, وظهرت آياته في الجبابرة فهلكت فرسانها، وفي القياصرة فنكَّست صلبانها، وفي الأكاسرة فصدَعت إيوانها، فأوضح على يده المحجة وأبانها، صلى الله عليه وعلى آله فروعِ الأصل الطيب، فما أثبتها شجرةً وأكرم أغصانها، أيها الناس، خافوا الله تأمنوا في ضمان وعده الوفي، ولا تخافوا الخلق وإن كثروا، فإن الخوف منهم شرك خفي، ألا وإن من خاف الله خاف منه كل شيء، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء, وإنما يخاف عز الربوبية من عرف من نفسه ذل العبودية، والاثنان لا يجتمعان في القلب، ولا تنعقد عليهما النية، فاختاروا لأنفسكم، إما اللهَ وإما هذه الدنيا الدنية، فمن كانت الدنيا أكبر همه لم يزل مهموما، ومن كانت زهرتها نصب عينه لم يزل مهزوما، ومن كانت جِدتها غاية وجْده لم يزل معْدِما حتى يصير معدوما، فاللهَ اللهَ عبادَ الله، الاعتبارَ الاعتبارَ، فأنتم السعداء إذا وُعظتم بالأغيار، أصلحوا ما فسد، فإن الفساد مقدمة الدمار، واسلكوا الجِد تنجُوا في الدنيا من العار وفي الآخرة من النار، اتقوا الله وأصلحوا تفلحوا، وسلموا تسلموا، وعلى التوبة صمموا واعزموا، فما أشقى مَن عقد التوبة بعد هذه العبر ثم حلها، ألا وإن ذنبا بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها".
[تاريخ الإسلام للإمام الذهبي]




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق