الخميس، 16 أكتوبر 2014

حوار حول أحاديث فضائل الشام


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى آله وأصحابه وإخوانه أجمعين.

وبعد، فقد تحدثت بكلمة متلفزة عن أحاديث فضائل الشام وقلت هي ضعيفة من حيث النظر في أسانيدها.
علق عدد من الإخوة باستغراب، وهذا من حقهم، وطالبوا بالدليل على ضعف تلك الأحاديث، لأنه لا يجوز أن نقبل قولا بغير دليل.
قبل أن أذكر شيئا عن الأدلة أحب أن أقول: اقرؤوا كتابي "أحاديث فضائل الشام" فقد ذكرت فيه هذه الأحاديث ودرست أسانيدها دراسة إسنادية فاحصة، على منهج أئمة علم الحديث النقاد الكبار كالإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني وغيرهم، لا على مذهب المتساهلين.
من يدرس أسانيد تلك الروايات على مذهب المتساهلين فستكون النتيجة هي تصحيح كثير من تلك المرويات، ولكني لا أرى صحة هذا المنهج التساهلي.
وهذه بعض الأحاديث الواردة في فضائل الشام:

*
حديث "طوبى للشام إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها":
ـ هذا الحديث رواه أحمد وابن أبي شيبة والترمذي ويعقوب بن سفيان البسوي وابن حبان والطبراني في المعجم الكبير والحاكم وغيرهم من ثلاثة طرق عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شِماسة عن زيد بن ثابت أنه قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال: "طوبى للشام". قيل: ولم ذلك يا رسول الله؟. قال: "إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها". [يزيد بن أبي حبيب مصري ثقة مات سنة 128. عبد الرحمن بن شِمَاسة مصري وثقه العجلي ويعقوب بن سفيان وابن حبان في صحيحه، ومات سنة 101].
ـ اختلف الرواة عن يزيد بن أبي حبيب في كيفية تحمل عبد الرحمن بن شِماسة لهذا الحديث عن زيد بن ثابت وفي لفظ الأداء: فرواه يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب ولم يذكر السماع بين ابن شماسة وزيد رضي الله عنه، وقال "عن زيد بن ثابت"، وكذا رواه ابن لهيعة من ثلاثة طرق عنه عن يزيد بن أبي حبيب، ورواه ابن لهيعة من طريق ابن وهب عنه عن يزيد بن أبي حبيب، وقال في روايته "أنه سمع زيد بن ثابت أو حدثه من سمعه"، هكذا على الشك، ورواه عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب وقال في روايته "أنه سمع زيد بن ثابت".
فهل سمع ابن شماسة هذا الحديث من زيد بن ثابت أو حدثه به رجل عنه؟! أي هل كان عمرو بن الحارث هنا أضبط لهذه اللفظة من يحيى بن أيوب وابنِ لهيعة؟!.
ـ يرِد هنا أولا هذا السؤال: هل أدرك عبد الرحمن بن شِمَاسة زيدَ بن ثابت؟؟ وللإجابة لا بد من محاولة التعرف على سنة ولادة ووفاة ابن شِمَاسة وسنة وفاة زيد بن ثابت، ولا بد من معرفة سنـَوَات وفـَيَات مَن أدركهم ابن شِمَاسة:
أما عن النقطة الأولى فلا نعرف سنة ولادة عبد الرحمن بن شِمَاسة، وذكرت المصادر أنه مات سنة 101.
وأما زيد بن ثابت الأنصاري المدني ففي سنة وفاته اختلاف، ويبدو أنه مات سنة خمس وأربعين، هكذا قال التابعي المدني أبو الزناد عبد الله بن ذكوان رحمه الله، وهذا ما جزم به الإمام الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام.
وأما عن النقطة الثانية فهذه سنـَوَات وفـَيَات من عرفت تواريخ وفياتهم من شيوخ ذلك التابعي: 58، 60، 62، 65، 73، 90.
ـ يستفاد مما تقدم أن عبد الرحمن بن شِمَاسة مات بعد زيد بن ثابت بأكثر من خمس وخمسين سنة، وأن زيدا أقدمُ وفاة من أقدم شيوخه وفاة بثلاث عشرة سنة، وهذه من القرائن على أنه لم يدركه.
ثم إن أبا حاتم الرازي ذكر أن عبد الرحمن بن شماسة روى عن زيد بن ثابت ولم يذكر سماعه منه، وذكر أنه روى عن عائشة، وأن هذا مرسل، وإذا كانت روايته ـ وهو مصري ـ عن عائشة التي توفيت بالمدينة سنة 58 مرسلة فروايته عن زيد بن ثابت الذي توفي بالمدينة سنة 45 مرسلة من باب أولى.
وبالتالي فإن عمرو بن الحارث قد وهِم في ذكر السماع، فالسند منقطع، والمنقطع ضعيف.
ومن أراد مزيدا من المناقشة فليقرأ البحث بتمامه في كتابي أحاديث فضائل الشام.

*
حديث "عليك بالشام"، أو "عليكم بالشام":
رُوي هذا الحديث من حديث عبد الله بن حوالة ورجلٍ عند معاوية بن أبي سفيان وواثلة بن الأسقع وأبي الدرداء والعرباض بن سارية، وله شواهد من حديث عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ومعاوية بن حيدة وأبي أمامة وعبد الله بن يزيد ومن مرسل أبي قلابة ومرسل أبي طلحة دَرْع الخولاني:
ـ فأما حديث ابن حوالة فرواه أحمد في المسند وفي فضائل الصحابة وأبو داود وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني والطحاوي في مشكل الآثار وابن حبان والطبراني في مسند الشاميين والحاكم والبيهقي وابن عساكر في تاريخ دمشق وغيرهم، من أحد عشر طريقا عن عبد الله بن حوالة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستـُجنـَّدون أجنادا، جندا بالشام وجندا بالعراق وجندا باليمن". فقمت فقلت: خِرْ لي يا رسول الله. فقال: "عليك بالشام، فمن أبى فليحلق بيمنه ولـْيَسْتـَقِ من غُدُره، فإن الله تبارك وتعالى قد تكفل لي بالشام وأهله".
[عبد الله بن حوالة قال فيه البخاري في التاريخ الكبير وأبو حاتم في الجرح والتعديل: له صحبة. وذكره ابن حبان في طبقة الصحابة من كتاب الثقات].
لكن مثل هذه الصحبة يذكرونها لكل من وجدوا له رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا القدر من الصحبة لم تتفق أقوال العلماء على أنه كافٍ في إثبات الصحبة المقتضية للعدالة. [كتبت مزيدا من التوضيح لهذه النقطة من علوم الحديث في كتابي متنزه الأنظار في شرح منتخب الأفكار].
فقد نقل الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية في مبحث معرفة الصحابي عن الباقلاني رحمه الله أنه قال: [ومن الطريق إلى معرفة كونه صحابيا تظاهرُ الأخبار بذلك، وقد يُحكم بأنه صحابي إذا كان ثقة أمينا مقبول القول إذا قال "صحبتُ النبي صلى الله عليه وسلم"، فيُحكم بأنه صحابي في الظاهر لموضع عدالته وقبول خبره وإن لم يُقطع بذلك]. ولم يعترض عليه.
وقال ابن الصلاح في المقدمة والنووي في التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير والجعبري في رسوم التحديث وابن جماعة في المنهل الروي وابن كثير في اختصار علوم الحديث والأبناسي في الشذا الفياح والحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة رحمهم الله في مبحث معرفة الصحابي: "ثم إن كون الواحد منهم صحابيا تارة يُعرف بالتواتر، وتارة بالاستفاضة القاصرة عن التواتر، وتارة بأن يُروى عن آحاد الصحابة أنه صحابي، وتارة بقوله وإخباره عن نفسه - بعد ثبوت عدالته - بأنه صحابي".
فعبد الله بن حوالة لم تثبت صحبته، لا بالتواتر، ولا بالاستفاضة والشهرة، ولا بإخبار بعض الصحابة عنه أنه صحابي، فلم يبق إلا إخباره هو عن نفسه بذلك، وهذا لا يُقبل إلا إذا كانت عدالته ثابتة بغير ذلك الإخبار، ولم يذكر ابن حجر رحمه الله في كتاب الإصابة في ترجمة ابن حوالة هذا عن أحد ممن عاصروه كلمة واحدة في تزكيته والثناء عليه، ولا ما يدل على صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم سوى أنه روى عنه، وهذا ليس كافيا في إثبات الصحبة المقتضية للعدالة.
وبالتالي فهذا السند ليس بقوي، وبذلك يكون هذا الحديث ليس ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ـ وأما حديث الرجل الذي كان عند معاوية بن أبي سفيان فرواه الطبراني في مسند الشاميين ـ ومن طريقه ابن عساكر ـ من طريق صدقة بن عبد الله السمين، وهو ضعيف منكر الحديث.
ـ وأما حديث واثلة فرواه الطبراني في الكبير وفي مسند الشاميين وابن عساكر من طريق المغيرة بن زياد ومن طريق بكار بن تميم ومن طريق العلاء بن كثير، ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية من طريق محمد بن كثير الكوفي عن موسى بن عمير، أربعتهم عن مكحول عن واثلة بن الأسقع. [المغيرة بن زياد لين، وبكار بن تميم مجهول، والعلاء بن كثير منكر الحديث، ومثله محمد بن كثير وموسى بن عمير]. فالسند لين، ثم إنه لا يصح من حديث واثلة، لأن سعيد بن عبد العزيز ومكحول بن راشد وغيرهما رووه عن مكحول وجعلوه من مسند عبد الله بن حوالة، فرجع هذا الطريق إلى حديث ابن حوالة.
ـ وأما حديث أبي الدرداء فرواه البزار والطبراني في مسند الشاميين وعبد الجبار الخولاني في تاريخ داريا من طريق سليمان بن عتبة عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء به مرفوعا. [سليمان بن عتبة صدوق فيه لين]. ثم إنه لا يصح من حديث أبي الدرداء، لأن مكحولا رواه عن أبي إدريس عن عبد الله بن حوالة، وطريق مكحول أقوى من طريق سليمان بن عتبة عن يونس بن ميسرة. فرجع هذا الطريق إلى حديث ابن حوالة.
ـ وأما حديث العرباض بن سارية فرواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني والطبراني في الكبير من طريق فضالة بن شريك عن خالد بن معدان عن العرباض بن سارية. [فضالة بن شريك شاعر لم أجد له ترجمة في رجال الحديث]، فالسند ضعيف، وهو خطأ، والصواب ما رواه أحمد وأبو داود من طريق بَحير بن سعد عن خالد بن معدان عن أبي قـُتيلة مَرْثد بن وَدَاعة عن عبد الله بن حوالة، فرجع هذا الطريق إلى حديث ابن حوالة.
ـ وأما حديث ابن عباس فرواه الطبراني في الكبير ويعقوبُ بن سفيان من طريق يحيى بن سليمان المديني عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس. [يحيى بن سليمان المديني ضعفه العُقيلي، وقال عنه الذهبي: مجهول].
ـ وأما حديث ابن عمر فقد جاء عنه نصان فيهما هذا الحديث:
أما النص الأول عنه فرواه البزار والطبراني في الأوسط وفي مسند الشاميين وابن عساكر من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبي العوام عن عبد الله بن مساحق عن ابن عمر. [عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان صدوق فيه لين وتغير عقله في آخر حياته. أبو العوام سادن بيت المقدس لم أجد له ترجمة]. فهذا إسناد ضعيف.
وأما النص الثاني عن ابن عمر فرواه أحمد في مسنده وابن أبي شيبة والترمذي والبسوي في المعرفة والتاريخ وابنُ حبان من طريق سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستخرج نار قبل يوم القيامة من بحر حضرموت"، أو "من حضرموت، تحشر الناس". قالوا: فبمَ تأمرنا يا رسول الله؟. قال: "عليكم بالشام". وهذا السند معلول، لأنه مما سمعه ابن عمر من كعب الأحبار، كما في الرواية التالية.
فقد رواه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن كعب أنه قال: "يوشك نار تخرج من اليمن تسوق الناس، تغدو معهم إذا غَدَوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتروح معهم إذا راحوا، فإذا سمعتم فاخرجوا إلى الشام".
وحديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قد أعله من قبلُ إمامان من أئمة علم العلل، هما الإمام النـَّسائي والإمام الدارقطني.
ـ وأما حديث معاوية بن حيدة فرواه الطبراني في الكبير وابن عساكر من طريق حماد بن سلمة عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عليكم بالشام.
ورواه ابن أبي شيبة وابن حنبل والترمذي والبسوي في المعرفة والتاريخ والروياني والحاكم وابن عساكر من ثمانية طرق عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده أنه قال: قلت: يا رسول الله خِرْ لي. فأومأ بيده نحو الشام.
فاللفظ الأول المصرح بقوله "عليكم بالشام" تفرد به حماد بن سلمة عن بهز بن حكيم، وهو معلول، لأنه مخالف لرواية الجماعة وهم ثمانية، واللفظ الثاني الذي رواه الجماعة ليس فيه سوى مجرد الإيماء نحو الشام، وقد رووه عن بهز بن حكيم، وبهز وإن وثقه بعض الأئمة فهو لا يُحتج به عند الشافعي وأبي حاتم الرازي وصالح جزرة، فلا يُستبعد أن تكون هذه الرواية مما وهم فيه.
وفي ذلك اللفظ من الغرابة أن الإشارة إلى جهة ما لا تعني إقليما أو بلدا بعينه، لأنها تشمل كل ما كان على خط تلك الجهة، فمن أين للراوي أن يفهم منه أن المراد هو الإقليم الشامي دون غيره؟!. فهذا الحديث ضعيف.
ـ وأما حديث أبي أمامة فرواه ابن حنبل ونعيم بن حماد في الفتن وابن عساكر من طريق لقيط بن المشاء ـ أو لقيط بن المثنى ـ عن أبي أمامة. [لقيط بن المثنى ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ ويخالف]. فهذا السند ضعيف.
ـ وأما حديث عبد الله بن يزيد الخثعمي فرواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني من طريق إسحاق بن إدريس عن أبان بن يزيد العطار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد. [إسحاق بن إدريس بصري متروك الحديث] فهذا السند تالف.
ـ وأما مرسل التابعي أبي قلابة عبد الله بن زيد فقد رواه عبد الرزاق في المصنف وأحمد في فضائل الصحابة والطبري في التفسير من طريقين عن أبي قلابة عبد الله بن زيد مرفوعا مرسلا. والمرسل ضعيف.
وأبو قلابة هو من الرواة عن أبي إدريس الخولاني، وأبو إدريس سمعه من عبد الله بن حوالة، فيبدو أن أصله هو رواية ابن حوالة.
ـ وأما مرسل التابعي أبي طلحة دَرْع الخولاني فرواه الطبراني في الكبير من طريق حماد بن سلمة عن أبي سنان عيسى بن سنان عن أبي طلحة الخولاني مرفوعا مرسلا. [عيسى بن سنان فلسطيني سكن البصرة وهو ضعيف]. فالسند ضعيف، ثم هو مرسل، والمرسل ضعيف، فصار أشد ضعفا.
ـ درجة الحديث:
هذا الحديث من رواية عبد الله بن حوالة: ليس بثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن ابن حوالة هذا لا يوجد ما يثبت له الصحبة المقتضية للعدالة.
وروايات الرجل الذي عند معاوية وواثلة بن الأسقع وأبي الدرداء والعرباض بن سارية ترجع إلى رواية ابن حوالة.
والحديث من رواية عبد الله بن عباس: فيه يحيى بن سليمان المديني، ضعفه العُقيلي وقال عنه الذهبي مجهول.
والحديث من رواية عبد الله بن عمر له عنه نصان: الأول منهما فيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وهو صدوق فيه لين وتغير عقله في آخر حياته، وفيه أبو العوام سادن بيت المقدس ولم أجد له ترجمة. والثاني منهما معلول، وهو مما رواه ابن عمر عن كعب الأحبار وليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن رواية معاوية بن حيدة ورد بلفظ "عليكم بالشام"، وورد بلفظ "وأشار بيده نحو الشام"، والأول معلول، لمخالفته لثمانية طرق ليس فيها هذا التصريح، والثاني هو مجرد إشارة إلى جهةٍ ما فهمَ منها الراوي أنها إلى الشام، وهذا غير كاف في الدلالة. ثم إن اللفظين هما من طريق بهز بن حكيم، وهو وإن وثقه جماعة من الأئمة فقد قال فيه ثلاثة آخرون لا يُحتج به.
ومن رواية أبي أمامة فيه لقيط بن المثنى لم أجد فيه سوى أن ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ ويخالف.
ومن رواية عبد الله بن يزيد الخثعمي: فيه إسحاق بن إدريس، وهو متروك الحديث.
ومرسل أبي قلابة من المراسيل، والمرسل ضعيف، فضلا عن أن أبا قلابة قد حمل العلم عمن سمع هذا الحديث من ابن حوالة.
وهو من مرسل أبي طلحة دَرْع الخولاني فيه عيسى بن سنان وهو ضعيف.
يتبين من هذا العرض أن حديث "عليكم بالشام" طرقه ضعيفة، وأنها لا ترتقي لدرجة الحسن.

* هذه بعض النماذج من دراسة أسانيد تلك الروايات، فمن كان عنده علم فليخرجه لنا، مشكورا مأجورا إن شاء الله.

*
 بعد الجولة الواسعة في أحاديث فضائل الشام ودراسة أسانيدها وطرقها وبيان ضعفها وإعلالها بإيجاز فإنه لا بد من الإشارة إلى مسألة هامة، وهي اعتراض وجواب.
سيقول كثير ممن درسوا علوم الحديث في كتب المتأخرين: هذه الأحاديث ـ وإن سلمنا بضعف آحادها وبإعلالها ـ فهي متواترة، والمتواتر مقطوع بصحته فضلا عن كونه صحيحا!، فهي ـ في أدنى الدرجات ـ لا تنزل عن مرتبة الصحيح لغيره!.
وأقول في الجواب:
لا ارتباط بين صحة الحديث وعدد الطرق التي رُوي بها، لأن مجرد كثرة الطرق لا تفيد الصحة.
وقد أشار الإمام أحمد ابن حنبل عليه رحمة الله إلى هذا المعنى إذ قال: "يطلبون حديثاً من ثلاثين وجهاً!! أحاديثُ ضعيفة". وجعل ينكر طلب الطرق نحو هذا وقال: "شيء لا ينتفعون به".
والذي أقول به وأؤكده هو أنه لا ارتباط بين عدد الطرق التي يُروى بها الحديث وبين الصحة، فقد يكون للحديث عشرة طرق أو عشرون أو ثلاثون ويبقى ضعيفا، وقد يكون له طريق واحد ويكون صحيحا، والمعوَّل عليه هو عدالة الرواة وضبطهم مع اتصال السند وسلامة الحديث من العلل ومن الشذوذ.
ولو نظرنا إلى مجرد كثرة الطرق من مثل ما تقدم ـ بقطع النظر عن الإعلال والشذوذ ـ فما من شك في أننا نصحح أصل المسألة، وهي أن النبي صلى عليه وسلم قد أخبر بأن للشام فضلا خاصا لا تدانيها فيه سائر بلاد الله، ولكن لا بد من وقفة تأمل عند القرائن التي تحول دون ذلك.
فمن تلك القرائن أن كثيرا من تلك الروايات المروية في فضل الشام هي مروية كذلك عن كعب الأحبار:
فقد رُوي عن كعب أنه قال: "أحب البلاد إلى الله تعالى الشام، وأحب الشام إلى الله تعالى القدس، وأحب القدس إلى الله تعالى جبل نابلس".
ورُوي عن كعب أنه قال: "عليك بالشام، فإنه ما نقص من بركة الأرضين يُزاد بالشام".
ورُوي عن كعب أنه قال: "إني لأجد في كتاب الله المنزل أن خراب الأرض قبل الشام بأربعين عاما".
ورُوي عن كعب أنه قال: "يوشك نار تخرج من اليمن تسوق الناس، تغدو معهم إذا غَدَوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتروح معهم إذا راحوا، فإذا سمعتم فاخرجوا إلى الشام".
ورُوي عن كعب أنه قال: "معقل المسلمين من الملاحم دمشق، ومن الدجال نهر أبي فـُطـْرُس، ومن يأجوج ومأجوج الطور".
ورُوي عن كعب أنه قال: "دمشق معقل المسلمين من الروم، ومربض ثور فيها أفضل من دار عظيمة بحمص، ومن أراد النجاة من الدجال فنهر أبي فطرس، وإن أردت منزل الخلفاء فعليك بدمشق، وإن أردت الجهد والجهاد فعليك بحمص".
ورُوي عن كعب أنه قال: "كل بناء يبنيه العبد في الدنيا يُحاسب به يوم القيامة إلا بناء في دمشق".
ورُوي عن كعب أنه قال: "إني أجد في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله من أرضه وبها كنزه من عباده".
ورُوي عن كعب أنه كان يقول: "يا أهل الشام، إن الناس يريدون أن يضعوكم والله يرفعكم، والله تعالى يتعاهدكم كما يتعاهد الرجل نبله في كنانته، لأنها أحب أرضه إليه، يسكنها أحب خلقه إليه، من دخلها مرحوم، ومن خرج منها فهو مغبون".
ورُوي عن كعب أنه قال: "مكتوب في التوراة إن الشام كنز الله عز وجل يسكنها كنزه من عباده".
ورُوي عن كعب أنه قال: "الخير عشرة أجزاء، فتسعة أجزاء الخير في الشام، وجزء في سائر الأرضين".
ورُوي عن كعب أنه قال: "أهل الشام سيف من سيوف الله، ينتقم الله بهم ممن عصاه في أرضه".
ورُوي عن كعب أنه قال: "ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق".
ورُوي عن كعب أنه قال: "يهبط المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام عند القنطرة البيضاء على باب دمشق الشرقي إلى طرف الشجر، تحمله غمامة، واضع يديه على منكب ملكين، عليه ريطتان، مؤتزر بإحداهما مرتد بالأخرى، إذا أكبَّ رأسه قطر منه كالجمان، فيأتيه اليهود فيقولون: نحن أصحابك. فيقول: كذبتم. ثم يأتيه النصارى فيقولون: نحن أصحابك. فيقول: كذبتم، بل أصحابي المهاجرون بقية أصحاب الملحمة. فيأتي مجمعَ المسلمين حيث هم، فيجد خليفتهم يصلي بهم، فيتأخر للمسيح حين يراه، فيقول: يا مسيح الله صل لنا. فيقول: بل أنت فصل لأصحابك، فقد رضي الله عنك، فإنما بُعثتُ وزيرا ولم أبعث أميرا. فيصلي لهم خليفة المهاجرين ركعتين مرة واحدة وابن مريم فيهم، ثم يصلي لهم المسيح بعده وينزع خليفتهم".
ورُوي عن كعب أن رجلا لقيه فسلم عليه ودعا له، فسأله كعب ممن هو؟ قال: من أهل الشام. قال: لعلك من الجند الذين يدخل الجنة منهم سبعون ألفا بغير حساب ولا عذاب. قال: ومن هم؟. قال: أهل حمص. قال: لستُ منهم. قال: فلعلك من الجند الذين يُعرفون في الجنة بالثياب الخضر. قال: ومن هم؟. قال: أهل دمشق. قال: لست منهم. قال: فلعلك من الجند الذين هم تحت ظل عرش الرحمن. قال: ومن هم؟. قال: أهل أردن. قال: لست منهم. قال: فلعلك من الجند الذين ينظر الله إليهم في كل يوم مرتين. قال: ومن هم؟. قال: أهل فلسطين. قال: نعم أنا منهم.
ورُوي عن كعب أنه كان يقول في مقبرة باب الفراديس: "يُبعث منها سبعون ألف شهيد، يشفع كل إنسان في سبعين".
ورُوي عن كعب أنه قال: "أجد في التوراة: عبدي أحمد المختار، لا فظ ولا غليظ، مولده مكة ومهاجره المدينة وملكه بالشام".
ورُوي عن كعب في تاريخ دمشق أنه قال: "إن الله تبارك وتعالى بارك في الشام من الفرات إلى العريش".  
ورُوي عن كعب في تاريخ دمشق أنه قال: "تعال حتى أريك موضعا في هذا المسجد مسجد دمشق من صلى فيه فكأنما صلى في بيت المقدس".
ورُوي عن كعب في تاريخ دمشق أنه قال في تفسير قول الله تعالى {والتين والزيتون}: "التين مسجد دمشق والزيتون بيت المقدس".
ورُوي عن كعب في تاريخ دمشق أنه قال: "خمس مدائن من مدائن الجنة: بيت المقدس وحمص ودمشق وبيت جبرين وظفار اليمن".
ورُوي عن كعب في تاريخ دمشق أنه قال: "قـُدست ميسرة الشام مرتين وقـُدست سائر الشام مرة واحدة".
فهذه الروايات الكثيرة التي يرويها كعب الأحبار مشيرًا إلى أنها في صحف أهل الكتاب تثير الشك وتدعو إلى التوقف، وهذا ما وصلنا منها، وأما ما لم يصل فالله أعلم به، فهل هي أصل كل تلك الروايات التي ينسُبها الرواة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!. الله أعلم.

*
 وفي الختام هذه بعض الملحوظات السريعة:
ـ بعض الناس يسيؤون الظن، ويقولون ما ليس لهم به علم، وأذكرهم وأذكر نفسي بالموقف المهيب يوم القيامة بين يدي العظيم الجليل، وهو القائل تبارك وتعالى {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن، إن بعض الظن إثم}.
ـ قال بعض الإخوة: هذه الأحاديث كلها صحيحة. وقال بعض الإخوة: هذه الأحاديث أنا تابعتها وتحققت منها، وكلها كانت صحيحة.
أقول: القائل أدرى بنفسه، إما أن يكون مجتهدا في هذا الباب وإما أن يكون مقلدا لغيره، فإن كان مجتهدا فعليه أن يقابل الحجة بالحجة، وإن كان مقلدا فليقلد من يغلب على ظنه أنه أعلم، ولكن لا يجوز له الجزم بتخطئة غيره من أهل العلم، وقد قال الله جل وعلا {أتقولون على الله ما لا تعلمون}.
وهذا يعني أن العبد مسؤول عن كل كلمة قالها، وخاصة فيما يتعلق بدين الله عز وجل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب".
ـ قال بعض الإخوة: إن كان هذا الكلام صحيحا فلم الآن ولمَ لمْ يكن من قبل؟.
أقول: هل سألتني عنها من قبلُ وكتمتُ عنك العلم؟!، ثم إن نشر العلم مطلوب ومرغب فيه في كل وقت، ولا يتقيد نشره بزمان دون زمان ولا مكان دون مكان.
ـ قال بعض الإخوة: الشام صفوة بلاد الله في الأرض رغم أنف الجميع.
أقول: تمنيت أنك ذكرت مكة المكرمة أو المدينة المنورة أو إقليم الحجاز الذي جمع هاتين المدينتين المباركتين، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الشام صفوة بلاد الله في الأرض.
ـ قال بعض الإخوة: ما الهدف من الطعن بأحاديث فضائل الشام؟.
أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار".
ـ لقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا"، والظاهر أنه دعا لإقليم الحجاز شامه ويمنه، ولم يقل "الله بارك لأهل الشام واليمن في شامهم ويمنهم".
ـ قال بعض الإخوة: ما سمعنا أحدا من العلماء طعن بهذه الأحاديث!.
أقول: ليس من شرط صحة العلم أن يكون مما سمعه الناس اليوم، ولكن من شرطه أن يكون مؤسسا على القواعد التي وضعها الأئمة العلماء الكبار في عصور السلف الصالحين.
ـ قال أحد الإخوة: ثم فلنفترض أنها أحاديث ضعيفة والناس تشتمُّ من خلالها رائحة الأمل، والناس تريد شيئا يريحها و يطمئنها، فهل القضاء على نوافذ الأمل سنة مستحبة في ظل هذه الأمواج المدلهمة؟!، وهل وظيفتنا زرع الذعر والخوف في قلوب الناس؟!.
أقول: إذا كانت هذه الأحاديث التي عاش الناس من خلالها على الأمل ضعيفة حقا فلا بد من البيان، للأسباب التالية:
لا ينفعنا العيش على أمل غير مبني على حقائق.
هذه الأحاديث ـ مع الأسف الشديد ـ زرعت في الكثيرين من أهل الشام روح التواكل، لأن تلك الروايات تقول لهم "طوبى للشام إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها"، وتقول لهم "إن الله قد تكفل بالشام وأهله"، فيعلق أحد التابعين الصلحاء رحمه الله "ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه"!!.
وربما زرعت في قلوب بعضهم الغرور.
الواجب علينا ـ معشر أهل الشام ـ أن ننفض عنا غبار الكسل والتواكل، وأن نشمر عن ساعد الجد والعمل، وعلينا أن نعلم أن لله في خلقه سننا كونية ربانية يجب العمل من خلالها، وأننا لسنا مميزين عن غيرنا، فما نحن إلا بشر ممن خلق، فينا الصالحون وفينا الطالحون.
أسأل الله العلي العظيم أن يجمعنا على الحق والهدى والتقى، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يسدد خطانا، وأن يكشف عنا هذه الغمة، وأن يرفع الكرب والشدائد عن أمة محمد أجمعين، بفضله ومنه وكرمه.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 18/ 12/ 1435، الموافق 12/ 10/ 2014.

هناك تعليق واحد: