الثلاثاء، 4 نوفمبر 2014

حديث عاشوراء



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد، فحديث عاشوراء له طرق كثيرة جدا، وأرى أن تتبعها في أهم مصادر السنة النبوية يغني عما سواها.
وهذه الروايات تختلف ألفاظها باختلاف طرقها، فمنها السليمة، ومنها الضعيفة والمعلولة، ولذا فأجعل هذا البحث في مطلبين:

المطلب الأول في الروايات السليمة
رُوي هذا الحديث عن عبد الله بن عباس وعلي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عمر وسلمة بن الأكوع وعبد الله بن مسعود والرُبَيـِّع بنت مُعَوِّذ ومعاوية بن أبي سفيان وجابر بن سمرة وقيس بن سعد بن عبادة وغيرهم:
ـ فأما حديث ابن عباس فرواه البخاري ومسلم وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن حنبل والدارمي والنسائي في الكبرى من طريقين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال "ما هذا؟"، فقالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يومُ نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى شكرا لله، ونحن نصومه تعظيما له. فقال: "فأنا أحق بموسى منكم". فصامه وأمر بصيامه. سنده صحيح.
ـ وأما حديث علي فرواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والبزار والشجري في أماليه من طريقن عن جابر بن يزيد الجعفي عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم عاشوراء ويأمر به. جابر الجعفي كوفي ضعيف مدلس مات سنة 128 تقريبا.
وروى ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب أنه كان يأمر بصوم يوم عاشوراء.
وروى أبو داود الطيالسي عن شعبة أنه قال: أخبرني أبو إسحاق قال: سمعت الأسود بن يزيد يقول: ما رأيت أحدا كان آمَرَ بصوم عاشوراء من علي بن أبي طالب وأبي موسى رحمهما الله. ورواه عبد الرزاق وابن الجعد وابن أبي شيبة عن أربعة آخرين عن أبي إسحاق عن الأسود، ولكن ليس عندهم التصريح بسماعه إياه منه.
ـ وأما حديث أبي موسى الأشعري فرواه البخاري ومسلم وابن حنبل من طرق عن حماد بن اسامة عن أبي عميس عتبة بن عبد الله بن عتبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وإذا أناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه، فقال: "نحن أحق بصومه". فأمر بصومه. سنده صحيح.
ـ وأما حديث عبد الله بن عمر فرواه البخاري عن مسدد عن إسماعيل ابن علية عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فـُرض رمضان ترك. ورواه ابن حنبل عن ابن علية به، ورواه البزار من طريق سلمة بن علقمة وكذا الطبريُّ في تهذيب الآثار من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، كلاهما عن نافع عن ابن عمر به نحوه. سنده صحيح.
ـ وأما حديث سلمة بن الأكوع فرواه البخاري ومسلم وابن حنبل من طرق عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنه قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم أنْ أذنْ في الناس أنَّ من كان أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء. سنده صحيح.
ـ وأما حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فرواه مسلم وابن أبي شيبة وابن حنبل من طرق عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد بن قيس أنه قال: دخل الأشعث بن قيس على عبد الله وهو يتغدى، فقال: يا أبا محمد ادن إلى الغداء. فقال: أوليس اليوم يوم عاشوراء؟!. فقال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ إنما هو يوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان، فلما نزل شهر رمضان تركه. ورواه البخاري ومسلم من طريق آخر عن ابن مسعود به نحوه. سنده صحيح.
ـ وأما حديث الربيع بنت معوذ فرواه البخاري ومسلم وابن راهويه وابن حنبل من طرق عن خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ أنها قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار من أصبح مفطرا فليتمَّ بقية يومه ومن أصبح صائما فليصم. سنده جيد.
ـ وأما حديث معاوية فرواه مالك والشافعي والبخاري ومسلم من ثلاثة طرق عن ابن شهاب الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يوم عاشوراء عام حجَّ وهو على المنبر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهذا اليوم: "هذا يوم عاشوراء ولم يُكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر". سنده صحيح، وأما المتن ففيه جزء معلول بعلة الوقف على الصحابي، وهو قوله "وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر".
فقد رواه النسائي في السنن الكبرى عن أبي داود عن يعقوب عن أبيه عن صالح عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يخطب الناس بالمدينة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه". وإني صائم، معاوية يقول ذلك، فمن أحب أن يصوم فليصم، ومن أحب أن يفطر فليفطر. [أبو داود سليمان بن سيف الحراني ثقة مات سنة 272. يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم مدني نزيل بغداد ثقة مات سنة 208. أبوه مدني نزيل بغداد ثقة مات سنة 184. صالح بن كيسان مدني ثقة مات بعد سنة 140. ابن شهاب الزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله مدني ثقة إمام مات سنة 124. حميد بن عبد الرحمن بن عوف مدني ثقة مات سنة 95]. فهذا السند صحيح، وفيه التصريح بأن هذا الجزء هو من قول معاوية.
ـ وأما حديث جابر بن سَمُرة فرواه مسلم من طريق جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده، فلما فـُرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده. [جعفر بن أبي ثور ذكره ابن حبان في الثقات وقال عنه علي بن المديني مجهول]. سنده ليس بقوي، ولكنه لا بأس به في الشواهد.
ـ وأما حديث قيس بن سعد بن عبادة فرواه الطيالسي والبزار والنسائي في الكبرى عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن القاسم بن مخيمرة عن عمرو بن شرحبيل عن قيس بن سعد بن عبادة أنه قال: كنا نصوم عاشوراء ونعطي زكاة الفطر قبل أن ينزل علينا صوم رمضان والزكاة، فلما نزلا لم نـُؤمر بهما ولم نـُنه عنهما، وكنا نفعله. سنده صحيح.
ورواه ابن حنبل والبزار والنسائي في الكبرى والطبراني في الكبير من طرق عن سفيان الثوري عن القاسم بن مخيمرة عن أبي عمار الهمداني عريب بن حميد عن قيس بن سعد أنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام يوم عاشوراء. [عريب بن حميد ثقة]، فإن كان في الإسناد علة فليست بقادحة.
ـ وروى ابن حنبل وغيره أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تثبت مشروعية صيام عاشوراء والأمر به، من حديث أبي هريرة وجابر ومعاذ بن جبل وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن بدر الجهني ومحمد بن صيفي وأسماء بن حارثة.
ـ ولحكمة لا نعلمها فقد وقع مقتلُ سبطِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الإمامِ الشهيد الحسينِ بن علي رضي الله عنهما في يوم عاشوراء، وعلى هذا فإن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك ـ يا ريحانة رسول الله من الدنيا ـ لمحزونون.
هذا وقد وقفت على بعض الروايات في بعض كتب الشيعة الإمامية تدل على أن استحباب صيام يوم عاشوراء كان معروفا عندهم وأنهم كرهوه بعد ذلك لوع مقتل الإمام الحسين في مثل هذا اليوم:
جاء في كتاب الكافي للكليني:
عن أبي الجارود أنه قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: فرض الله عز وجل على العباد خمسا، ... ثم نزل الصوم، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان يومُ عاشوراء بعث إلى ما حوله من القرى فصاموا ذلك اليوم، فنزل شهر رمضان بين شعبان وشوال، ...  .
عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قال: وأما الصوم الذي صاحبه فيه بالخيار فصوم يوم الجمعة والخميس و صوم البيض وصوم ستة أيام من شوال بعد شهر رمضان وصوم يوم عرفة وصوم يوم عاشوراء، فكل ذلك صاحبه فيه بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر.
عن أبي جعفر عليه السلام أنه سئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: صوم متروك بنزول شهر رمضان، والمتروك بدعة.
وأسانيد هذه الروايات عندهم ضعيفة.
ـ خلاصة المسألة أن حديث صيام يوم عاشوراء صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا يومٌ يُصام استحبابا لأن النبي صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه، لكن ليس فيه شيء من مظاهر الفرح والتوسعة في المأكل والمشرب.
ومن قال بأن هذا الحديث هو من وضع الأمويين ومن شايعهم فكلامه مجانب للحقيقة المتواترة بالأسانيد الصحيحة.
والحمد لله رب العالين. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق