الخميس، 6 نوفمبر 2014



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
وبعد فهذا جزء من كتابي الذي سميته "كشف المعلول مما سُمي بسلسلة الأحاديث الصحيحة"، يتعلق برواية "مخافة أن يفوتني 
عاشوراء":

الحديث الثاني والثلاثون:
روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن عشت إن شاء الله إلى قابل صمت التاسع، مخافة أن يفوتني عاشوراء».
خرجه بعض الناس من المعجم الكبير للطبراني [10: 401 ـ 402] عن اثنين من شيوخه، عن أحمد ابن يونس، عن ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن عبد الله بن عمير، عن ابن عباس، مرفوعاً، وصحح إسناده، وأدخله في الصحاح، وفي هذا نظر.
ـ هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن أربعة من شيوخه، وابنُ أبي شيبة عن واحد منهم، وعنه الإمام مسلم في صحيحه، أربعتهم عن ابن أبي ذئب، به نحوه، دون قوله في آخر الحديث «مخافة أن يفوتني عاشوراء». [مسند الإمام أحمد 1: 224 ـ 225، 236، 345. المصنف لابن أبي شيبة 3: 58. صحيح مسلم 8: 13]. [وبعض هذه الطرق في مسند عبد بن حميد وسنن ابن ماجه والبيهقي، ورواه عن ابن أبي ذئب كرواية الجماعة: محمد بن إسماعيل بن أبي فديك كما في السنن المأثورة للشافعي ومعرفة السنن والآثار للبيهقي، وعلي بن الجعد كما في مسنده].
ويبعد في العادة أن يروي [سبعة] عن شيخ واحد خبراً فينفردَ أحدهم بمثل هذه الزيادة التي تبين سبب العزم على صيام اليوم التاسع مع العاشر ويغفلَ الآخرون جميعاً عن الاهتمام بحفظ السبب.
[وههنا إضافة هامة، وهي أن تلك الزيادة التي جاءت في المعجم الكبير للطبراني ليست ثابتة عن أحمد ابن يونس، وإنما هي من باب الوهَم، وذلك أن البيهقي روى هذا الحديث في معرفة السنن والآثار وشعب الإيمان وفضائل الأوقات من ثلاثة طرق عن أحمد ابن يونس وليس في واحد منها «مخافة أن يفوتني»، بل فيها عقب الحديث «مخافة أن يفوته يوم عاشوراء» ، أو «مخافة أن يفوته »، وهذا يعني أن هذه الإضافة هي تعليل من أحد الرواة، وليست من قول النبي ﷺ، والطريقان الأولان قويان].
ـ ثم إن مما يضعّف هذه الزيادة مخالفتَها لما رواه مسلم وأبو داود من طريق أبي غطفان بن طريف المري أنه قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى ؟!. فقال رسول الله ﷺ: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع». [صحيح مسلم 8: 12. سنن أبي داود 11: 317 ـ 318]. ومخالفتَها لما رواه الإمام أحمد [1: 241] من طريق ابن أبي ليلى، عن داود بن علي [بن عبد الله بن عباس]، عن أبيه، عن جده ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يوماً أو بعده يوماً». ومخالفتَها لما رواه عبد الرزاق [4: 287] قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول في يوم عاشوراء: «خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر».
فتبين من هذه الروايات التي أوردتها أن تلك الزيادة مخالفة لما رواه تابعيان عن ابن عباس مرفوعاً، ولما رواه تابعي ثالث عن ابن عباس موقوفاً، وهذه الروايات تفيد أن صيام التاسع مع العاشر من أجل مخالفة اليهود، لا من مخافة أن يفوتهم عاشوراء، فالرواية المشتملة على تلك الزيادة منكرة، والله أعلم.
ـ هذا وقد روى ابن أبي شيبة من طريق ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس ـ وهو ضعيف ـ عن ابن عباس أنه كان يصوم عاشوراء في السفر ويوالي بين اليومين مخافة أن يفوته، كما روَى عن طاوس أنه كان يصوم قبله وبعده يوماً مخافة أن يفوته. [المصنف لابن أبي شيبة 3: 58، 59]. [ويبدو أن أصل تلك الزيادة هو ما ذكره شعبة مولى ابن عباس توهماً، ثم أضافه ابن أبي ذئب بناء على ما سمعه من شعبة مولى ابن عباس، ثم وهم بعض الرواة فحرّف «مخافة أن يفوته يوم عاشوراء» وجعلها «مخافة أن يفوتني يوم عاشوراء» ، فصارت جزءً من الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ، ثم جاء من لا يفقه علم العلل فصحح الحديث بتلك الزيادة المنكرة]. والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق