الثلاثاء، 12 يناير 2016

حديث "إن الله وعدني أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفا بغير حساب، مع كل ألف سبعون ألفا وزادني ثلاث حَثَيَات"

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وله الحمد في الأولى والآخرة.

حديث "إن الله وعدني أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفا بغير حساب، مع كل ألف سبعون ألفا وزادني ثلاث حَثَيَات"
الحَثْيَة: مقدار ما يُغترف بكلتا اليدين.

هذا الحديث له رواية تقتصر على الجزء الأول منه، وهي الصحيحة، وله رواية بالتمام الوارد هنا، وهي محل البحث.
* الرواية التي فيها الجزء الأول:
ـ روى البخاري ومسلم وابن حنبل والترمذي والنسائي في الكبرى عن ابن عباس أنه قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: "عُرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد، ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل هذا موسى وقومه، ثم قيل لي انظر، فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق، فقيل: "هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون".
ـ وروى عبد الرزاق والطيالسي وابن حنبل من طريق معْمر وهشام الدستوائي عن قتادة عن الحسن عن عمران بن الحصين عن ابن مسعود نحوه. [معْمر بن راشد بصري سكن اليمن ثقة فيه لين مات سنة 154. هشام الدستوائي بصري ثقة ثقة مات سنة 153. قتادة بن دعامة بصري ثقة يدلس الإسناد ويرسل مات سنة 117. الحسن البصري ثقة يدلس الإسناد مات سنة 110. عمران بن الحصين صحابي سكن البصرة مات سنة 53. عبد الله بن مسعود صحابي سكن الكوفة مات سنة 32].
وروى الطيالسي وابن أبي شيبة في مسنده وابن حنبل والبخاري في الأدب المفرد وأبو يعلى وابن حبان من طريق حماد بن سلمة وهمَّام بن يحيى عن عاصم ابن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود نحوه. [حماد بن سلمة بصري ثقة فيه لين مات سنة 167. همَّام بن يحيى بصري صدوق ثقة في حفظه لين ومات سنة 164. عاصم ابن بهدلة كوفي صدوق ثقة فيه لين اختلط في آخر عمره ومات سنة 128. زر بن حُبيش كوفي ثقة مات سنة 82]. السند عن ابن مسعود صحيح باجتماع الطريقين.
ـ وروى ابن أبي شيبة وابن المبارك في مسنده والطيالسي وابن حنبل وابن ماجه وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني وابن حبان من طرق عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن رفاعة بن عرابة الجهني. هذه الرواية تتقوى بما قبلها.

* الرواية التي فيها الحديث بتمامه:
ـ هذا الحديث رواه ابن حنبل وابن أبي عاصم في السنة وفي الآحاد والمثاني وابن حبان والطبراني في الكبير ومسند الشاميين، من طرق عن صفوان بن عمرو عن سُليم بن عامر الخبائري وأبي اليمان الهوزني عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله وعدني أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفا بغير حساب". فقال يزيد بن الأخنس السلمي: والله ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذِبَّان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن ربي قد وعدني سبعين ألفا مع كل ألف سبعون ألفا، وزادني ثلاث حثيات". قال: فما سَعة حوضك يا نبي الله؟. قال: "كما بين عدن إلى عمان وأوسع وأوسع". يشير بيده. قال: فيه مَثْعَبَانِ من ذهب وفضة. قال: فما حوضك يا نبي الله؟. قال: "ماء أشد بياضا من اللبن، وأحلى مذاقة من العسل، وأطيب رائحة من المسك، من شرب منه لم يظمأ بعدها ولم يسودَّ وجهه أبدا". الأصهب: لونه يضرب إلى شيء من الحمرة. الذِبَّان: جمع ذُباب. المَثْعَب: مسيل الماء.
[صفوان بن عمرو بن هرِم السكسكي حمصي ثقة فيه لين مات سنة 155. سُليم بن عامر الخبائري حمصي ثقة مات بعد سنة 112 ويقال سنة 130. أبو اليمان الهوزني عامر بن عبد الله بن لـُحَي حمصي ذكره ابن حبان في الثقات. أبو أمامة الباهلي صُدي بن عجلان صحابي نزل حمص مات سنة 86 أو قبلها]. هذا الطريق ظاهره الصحة.
ورواه الطبراني في الكبير وفي مسند الشاميين وأبو نعيم في معرفة الصحابة والبيهقي في كتاب البعث والنشور وبقي بن مخلد في كتاب الحوض والكوثر من طرق عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن سليم بن عامر عن أبي أمامة.
ورواه ابن أبي شيبة وابن حنبل والترمذي وابن ماجه وابن أبي عاصم في السنة والمحاملي في أماليه وابن حبان والطبراني في الكبير ومسند الشاميين والبيهقي في الأسماء والصفات، من طرق عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد الألهاني أنه قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا, مع كل ألف سبعون ألفا, لا حساب عليهم ولا عذاب, وثلاثَ حَثَيَات من حثيات ربي". قال الترمذي: حسن غريب.
ورواه الطبراني في الكبير من طريقين عن بقية بن الوليد عن محمد بن زياد به نحوه.
[إسماعيل بن عياش حمصي صدوق فيه لين في روايته عن أهل بلده ضعيف في غيرهم مات سنة 181. بقية بن الوليد حمصي صدوق فيه لين ويدلس عن الضعفاء ويسوي، مات سنة 198. محمد بن زياد الألهاني حمصي ثقة فيه لين مات قبل سنة 140]. هذا الطريق يؤكد صحة الرواية عن أبي أمامة، ويضيف أن أبا أمامة سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربما كان ذكر السماع هنا من أوهام إسماعيل بن عياش.
ـ ورواه ابن أبي عاصم في السنة وفي الآحاد والمثاني والبغوي في معجم الصحابة والطبراني في الكبير والأوسط ومسند الشاميين وابن منده وأبو نعيم كلاهما في معرفة الصحابة، من طرق عن أبي توبة الربيع بن نافع عن معاوية بن سلّام عن أخيه زيد بن سلّام عن أبي سلّام عن عبد الله بن عامر أن قيس بن الحارث الكندي حدَّث الوليدَ بنَ عبد الملك عن أبي سعد الأنصاري ـ أو عن أبي سعيد الحُبْراني الأنماري ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، ويشفع كل ألف لسبعين ألفا، ثم يحثيَ لي ثلاث حثيات بكفه". قال قيس: فأخذت بتلابيب أبي سعيد، فجذبته جذبة وقلت: أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!. قال: نعم، بأذني، ووعاه قلبي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ذلك يستوعب إن شاء الله مهاجري أمتي، ويوفينا الله بشيء من أعرابنا".
[أبو توبة الربيع بن نافع حلبي ثقة ولد سنة 150 تقريبا ومات سنة 241. معاوية بن سلّام حمصي دمشقي ثقة مات قبل سنة 170. زيد بن سلّام دمشقي صدوق ثقة مات قرابة سنة 125. أبو سلّام ممطور الحبشي صدوق ثقة يرسل مات قرابة سنة 105. عبد الله بن عامر بن يزيد اليحْصَبي المقرئ دمشقي صدوق ثقة معمر مات سنة 118. قيس بن الحارث الكندي الأزدي الغامدي حمصي صدوق. أبو سعيد الحُبراني الأنماري تابعي، وقد تصحف ـ على ما يبدو ـ عن أبي سعد الخير، وهذا شامي قيل اسمه عامر بن سعد وقيل عمرو بن سعد، وقيل فيه له صحبة، ولكن هو شبه مجهول]. فهذا الإسناد لا يحتج به.
ـ ورواه ابن أبي شيبة وابن الجعد والآجري في الشريعة عن أبي معاوية عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة بنحوه. [إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة مدني متروك الحديث واتهم بالكذب مات سنة 144]. فهذا إسناد تالف.
ـ ورواه ابن حنبل عن هاشم بن القاسم عن المسعودي عن بكير بن الأخنس عن رجل عن أبي بكر الصديق بنحوه. [هاشم بن القاسم بغدادي ثقة مات سنة 207. المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة كوفي ثقة ثم اختلط ومات سنة 160. بكير بن الأخنس كوفي ثقة مات قرابة سنة 115]. هاشم بن القاسم سمع من المسعودي بعد اختلاطه، وفي السند راو مبهم، فهذا إسناد تالف.
ـ ورواه ابن حنبل والبزار عن عبد الله بن بكر السهمي عن هشام بن حسان عن القاسم بن مهران عن موسى بن عبيد عن ميمون بن مهران عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بنحوه. [عبد الله بن بكر السهمي بصري ثقة مات سنة 188. هشام بن حسان بصري صدوق ثقة فيه لين مات سنة 147. القاسم بن مهران مجهول. موسى بن عبيد مجهول. ميمون بن مهران الجزري الكوفي الرقي ثقة مات سنة 117]. فهذا إسناد تالف.
ـ ورواه الطبراني في مسند الشاميين عن الحسن بن العباس الرازي عن عبد السلام بن عاصم عن أبي زهير عن عبد الملك بن أبي سليمان عن هشام القردوسي عن ميمون بن مهران عن مكحول عن عاصم بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب بنحوه. [الحسن بن العباس الرازي ثقة مات سنة 289. عبد السلام بن عاصم قال أبو حاتم شيخ، فهو مجهول الحال. أبو زهير عبد الرحمن بن مَغْراء الكوفي الرازي صدوق فيه لين وفي روايته عن الأعمش مناكير، ومات قبل سنة 200. عبد الملك بن أبي سليمان كوفي ثقة فيه لين مات سنة 145]. هذا الإسناد فيه عبد السلام بن عاصم وهو مجهول الحال، وقد رواه الراوي الثقة عن هشام بن حسان عن القاسم بن مهران عن موسى بن عبيد عن ميمون بن مهران، كما في الرواية السابقة، والقاسم بن مهران وموسى بن عبيد مجهولان، وحذف الراوي المجهولُ الحالِ الراويين المجهولين وسوَّى إسناده وجعله عن هشام بن حسان عن ميمون بن مهران، فهذا إسناد تالف.
ـ ورواه ابن حنبل عن حسن بن موسى عن عبد الله بن لهيعة عن أبي قبيل عن عبد الله بن ناشر من بني سريع عن أبي رهم قاص أهل الشام عن أبي أيوب الأنصاري بنحوه. [حسن بن موسى البغدادي ثقة مات سنة 209. عبد الله بن لهيعة مصري يخطئ من حفظه وكتبه متقنة ويدلس عن المتروكين وكل ما دُفع إليه قرأه، ومات سنة 174. أبو قبيل المعافري حيي بن هانئ مصري صدوق ثقة فيه لين مات سنة 128. عبد الله بن ناشر مجهول. أبو رهم ذكره ابن حبان في الثقات]. فهذا إسناد تالف.

* درجة الحديث:
الأحاديث الصحيحة تقصُر عدد الذين يدخلون الجنة بغير حساب على سبعين ألفًا، وتحدد لهم صفاتٍ بها يستأهلون هذه المرتبة العالية، "هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون"، والروايات التي بعدها لا تقصُر العدد على حد، ولا تحدد لهم صفاتٍ بها يستأهلون هذه المرتبة العالية!.
قال الله تعالى {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطوياتٌ بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون}، وأقول قبل الاستنباط من الآية الكريمة: جلَّ ربنا وتعالى وتقدس عن مشابهة المخلوقين، فلا يجوز أن يكون في البال شيء من تشبيه المولى تعالى بخلقه.
ثم أقول: إذا كانت الحَثْيَة الواحدة تستوعب الأرض والسماوات فهذا يعني أن المؤمنين كلهم مشمولون بها، لأنهم ليسوا بخارجين عن أقطار السماوات والأرض، وأن المؤمنين جميعا يدخلون الجنة بغير حساب!، وإذا كان ذلك كذلك فمَن المؤمنون الذين يدخلون الجنة بعد أن يحاسبوا؟!، ومَن المؤمنون الذين يدخلون الجنة بعد أن يدخلوا النار ويُخرَجوا منها؟!.
ـ فالحديث بهذا اللفظ "سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" صحيح، وهذا مقام عالٍ في التوكل.
ـ والحديث بلفظ "إن الله وعدني أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفا بغير حساب مع كل ألف سبعون ألفا وزادني ثلاث حثيات" غريب لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال الإمام الترمذي رحمه الله بعد تخريجه في كتاب السنن: حسن غريب. وفي هذا إشارة إلى تضعيفه من حيث المعنى.
إشكال وجواب حول هذا الحديث:
إذا كان إسناد اللفظ الثاني صحيحا عن أبي أمامة الباهلي وعن أبي سعد الأنصاري فمن أين يأتيه الخلل؟.
الذي يظهر لي أن أبا أمامة الباهلي سمعه من أبي سعد الأنصاري، وأن هذا سمعه من أحد المجاهيل الذين يريدون إشاعة بدعة الإرجاء في هذه الأمة، وهي القول بأن كل المؤمنين ناجون من العذاب، وأنهم لا يدخلون النار مَن عمل الصالحات ومَن لم يعمل، وأن العمل الصالح هو من باب النافلة!.
وهذا باب خطير، وشر مستطير، تدخل منه البدع على هذه الأمة، وقد قال ابن تيمية رحمه الله: [فلهذا عَظـُم القولُ في ذم الإرجاء، حتى قال إبراهيم النخعي: "لفتنتـُهم أخوفُ على هذه الأمة من فتنة الأزارقة". وقال الزهري: "ما ابتـُدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء". وقال الأوزاعي: "كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان ليس شيء من الأهواء أخوفَ عندهم على الأمة من الإرجاء". وقال شريك القاضي: "هم أخبث قوم، حسبك بالرافضة خبثا، ولكن المرجئة يكذبون على الله". وقال سفيان الثوري: "تركتِ المرجئة الإسلام أرق من ثوبٍ سابـِري"]. والسابـِريّ ضرْب رقيق من الثياب يُعمل بِسابور، موضعٍ بفارس.
والله أعلم.

وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 30/ 3/ 1437، الموافق 10/ 1/ 2015، والحمد لله رب العالمين. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق