الثلاثاء، 1 أبريل 2014

بدع الاعتقاد

 

 

 

بدع الاعتقاد

 

بقلم

صلاح الدين بن أحمد الإدلبي

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وإخوانه.

وبعد، فقد يسر الله تبارك وتعالى لي أن أقرأ قدْرا ولو ضئيلا مما كتبه بعض العلماء السابقين رحمهم الله تعالى، فوجدت بعضهم يحث على اتباع الكتاب والسنة وينهى عن مخالفتهما ويحذر من البدع تحذيرا شديدا وعنده ـ إلى جانب ذلك ـ بدع في الاعتقاد، وأرى أن من الواجب الشرعي بيانَ ذلك، نصحا للأمة، وإبراء للذمة.

ـ أقول بادئ ذي بدء: روى الإمام مسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". ورواه البخاري بنحوه.

ومن التوادِّ والتراحم والتعاطفِ البعدُ عن كل ما يفرق جماعة المسلمين ويقطـِّع أوصالهم، وهذا يتطلب منا الاجتماع على ما اجتمعنا عليه والحوارَ العلمي الهادئ فيما اختلفنا فيه، من باب "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

ـ قد يقع في كلام بعض العلماء شيء من البدع، والواجب التحذير من الوقوع فيها مع الدعاء لمن وقعت في كلامه بأن يجعلها المولى جل جلاله مغفورة في جانب حسناته، بفضله وكرمه.

والواجب على من يحبون ذلك العالم الذي وقع في كلامه شيء منها أن لا تأخذهم العزة فيرفضوا الحق ويستمسكوا بما لا دليل له، بل عليهم أن يقبلوا النصح ويتجنبوا البدع ويصححوا مسار الفئة التي هم فيها.

ومن المؤسف أن بعض المحبين المغالين ربما يجره استمساكه بما هو عليه إلى التغاضي عما في كلام شيخه والانتقال إلى إيرادِ ما وقع فيه غيره من أخطاء!، وهذا من الخلل في المنهج، لأن الذي يريد الحق ينبغي أولا أن يقر بحكم ما هو أمامه ثم ينتقلَ إلى مسألة أخرى إذا أحب، وهذا برهان محبة الحق بالإخلاص.

ثم عليهم بعد ذلك أن لا يبخلوا بالنصح والتسديد لسائر المسلمين، بالحث على اتباع السنن وإماتة البدع من أي فريق كان.

ـ والمراد هنا التمسك بالسنن المتفق عليها، والرجوع عن البدع المتفق على بدعيتها، وإشاعة روح الحوار حول المختلف فيه بغية الوصول إلى ظهور ما يؤيده الدليل.

والبدعة المذمومة هي كل أمر مستحدث في الدين ليس له دليل يدل على صحته من نصوص الكتاب والسنة ولا يندرج تحت نص من تلك النصوص.

ـ وكل عالم من علماء المسلمين قد يكون أصاب في أشياء وأخطأ في أشياء، فلا عصمة عندنا ـ معشر أهل السنة ـ لغير الأنبياء، فكل واحد يُؤخذ من قوله ويُترك إلا من اصطفاهم الله تعالى بالنبوة والرسالة.

ـ وقبل عرض بعض النبذ من بدع الاعتقاد التي وقعت في كلام أحد العلماء الباحثين لا بد من الإشارة إلى أمر هام في غاية الخطورة، وهو بدعة اتخاذ عالم من علماء المسلمين حجة وميزانا يُوزن به غيره من العلماء، وقد وقع في هذا الأمر كثير من أتباعه الذين قلدوه على غير استبصار وكثيرٌ ممن قلدوا غيره كذلك.

وذلك أن الحجة ـ عند علماء المسلمين ـ هي في كلام الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه، وهما الميزان الذي تـُوزن به أقوال الناس وأفعالهم لتمييز ما فيها من خطأ وصواب.

والذي فعله كثير من أتباع ذلك الباحث رحمه الله هو أنهم استبدلوا كلامه بكلام الله تعالى وكلامِ رسوله، فلمعرفة ما إذا كان كلام أي عالم من علماء المسلمين خطأ أو صوابا فإنهم لا يقبلون بالرجوع إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله، ولا يرضَوْن إلا بأن تـُوزن الأقوال بما قاله هو، فمن وافق قولـُه قولـَه فهذا ـ عندهم ـ هو السنة وقولُ السلف والصوابُ المقبول، وما خالف قولـَه ـ عندهم ـ فهذا هو البدعة وقولُ أهل الأهواء والخطأ المردود!!.

فلمعرفة ما في كلام الطحاوي أو ابن حبان أو البيهقي مثلا من صواب فإنه يجب ـ عندهم ـ أن تـُعرض أقوال أي واحد من هؤلاء على كلامه!، فمن شهدت له نصوص ذلك الباحث فعقيدته سليمة!، ومن لم تشهد له فهو مبتدع أو فيه شيء من البدع!، وربما حكم بعض الذين يظنون أنهم أهل الفرقة الناجية من أتباعه ـ اليوم ـ على بعض العلماء بأنه مبتدع وضال ومن أهل النار!، وربما قالوا هو من أهل النار الذين تنالهم الشفاعة فيُخرَجون منها ولا يُخلدون فيها!، وربما قالوا عنه مشرك أو فيه رائحة الشرك!، لا لشيء سوى أنه مخالف لذلك الباحث في بعض مسائل العقيدة.

إنه خلل كبير في فهم العقيدة السليمة عند الذين يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، وإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ـ يحكم ذلك الباحث على الأشاعرة والماتريدية مثلا بأنهم مبتدعون، وقد أخذ مقلدوه هذه المقولة وتبنوها وأشاعوها، دون بحث ولا تمحيص، فمزقوا بذلك شمل الأمة وشتتوها، فخسرت ـ وما تزال ـ من جراء ذلك ما الله به عليم، ومن العجيب الغريب أن بعض من يريدون البحث في تمحيص هذه المسألة لا يرجعون إلى كتب الأشاعرة والماتريدية أنفسهم، ويعتمدون بالدرجة الأولى على كلام خصمهم عنهم!.

وكلامي هذا لا يعني أن هذه المذاهب يستحيل أن يكون فيها شيء من الخطأ، ولكن الذي أريده أمران:

أحدهما أن يتم توثيق الأقوال المردود عليها من كتب أصحابها وأهل مذاهبهم، لا من كتب مخالفيهم.

وثانيهما أن يُحتكـَم في مناقشتها لكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه وما انبثق عنهما، لا إلى ما قال الرجال.

ـ يأتي ذلك الباحث في كتبه ببعض الأقوال في العقيدة دون أن يذكر ما يشهد لصحتها من نصوص الكتاب والسنة الثابتة، وهو يردد القول مرارا وتكرارا أنه على منهج السلف وأنه لا يخرج عن أقوال السلف، وحيث إن فيها بعضَ ما يخالف منهج السلف وأقوال السلف فإنها بحاجة إلى مراجعة شاملة من قبل أهل العلم المنصفين، بحيث يتم تأكيدُ ما له دليل يثبته، وتزييفُ ما عليه دليل ينفيه، والتوقفُ فيما ليس له لا هذا ولا ذاك.

وهذه بعض النبذ من كلام ذلك الباحث ـ رحمه الله وغفر له ـ والتي أرى أنها مشتملة على خلل في العقيدة:

1 ـ أنكرَ الباحث أن الله تعالى لم يزل وحده ولا شيء غيره معه، فقد رأى قولَ ابنِ حزمٍ في كتاب مراتب الإجماع "وأن الله تعالى لم يزل وحده ولا شيء غيره معه"، فعلـَّق قائلاً: "هذه العبارة ليست في كتاب الله، ولا تـُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نعرف هذه العبارة عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين". [نقد مراتب الإجماع: 1/ 303].

وكلامه مخالف للحديث الصحيح، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كان الله ولم يكن شيء غيره".

كما انعقد إجماع العلماء على القول بمدلول هذا الحديث الصحيح قبل أن يجيء الباحث ويخرق الإجماع.

وهذه أسماء من وقفت على أقوالهم من العلماء القائلين بأن الله كان ولم يكن شيء غيره:

يزيد بن هارون من شيوخ الإمام أحمد والمتوفى سنة 206.

الإمام الكبير أحمد بن محمد بن حنبل إمام المذهب الحنبلي المتوفى سنة 241.

الإمام الترمذي صاحب السنن المتوفى سنة 279، حيث ذكر في سننه قول يزيد بن هارون الذي تقدم قريباً ولم يذكر له مخالفاً ولا تعقبه بشيء.

محمد بن جرير الطبري صاحب تفسير القرآن المتوفى سنة 310.

الإمام ابن خزيمة صاحب كتاب المسند الصحيح وكتاب التوحيد والمتوفى سنة 311، حيث روى الحديث في كتاب التوحيد بلفظ "كان الله ولا شيء غيره"، ولم يتعقبه بشيء.

أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية المتوفى سنة 321.

ابن حبان صاحب الصحيح والثقات المتوفى سنة 354.

الآجري صاحب كتاب الشريعة المتوفى سنة 360، حيث روى الحديث في كتاب الشريعة بلفظ "كان الله ولا شيء غيره"، ولم يتعقبه بشيء.

الفقيه الحنبلي ابن بطة صاحب الإبانة المتوفى سنة 387.

القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني صاحب كتاب التمهيد والإنصاف المتوفى سنة 403.

أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي المتوفى سنة 429.

الفقيه الشافعي أبو محمد الجويني عبد الله بن يوسف والد إمام الحرمين والمتوفى سنة 438.

الشيخ الزاهد أبو الحسن علي بن عمر القزويني المتوفى سنة 442.

أبو نصر الوائلي السجزي عبيد الله بن سعيد المتوفى سنة 444، في رسالة الرد على من أنكر الحرف والصوت والمعتمدة عند ذلك الباحث، وهذا إن ثبتت نسبتها إلى المؤلف أو كان النص على هذه المسألة من القسم الثابت.

ابن حزم الأندلسي صاحب المحلى ومراتب الإجماع والمتوفى سنة 456، ونقل عليه الإجماع.

البيهقي صاحب السنن الكبرى وشعب الإيمان المتوفى سنة 458.

القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين ابن الفراء شيخ الحنابلة المتوفى سنة 458، وقد قال في كتاب المعتمد: "والحوادث لها أول ابتدأت منه، خلافاً للملحدة".

ابن عبد البر الأندلسي صاحب كتاب التمهيد في شرح الموطأ المتوفى سنة 463.

البغوي صاحب شرح السنة المتوفى سنة 516.

أبو القاسم الأصبهاني إسماعيل بن محمد بن الفضل صاحب كتاب الحجة في بيان المحجة المتوفى سنة 535. وقال فيه: "مذهب أهل السنة والمقتدين بالسلف أن الله تعالى كان ولا شيء معه".

القاضي أبو بكر بن العربي صاحب عارضة الأحوذي المتوفى سنة 543.

أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر صاحب تاريخ دمشق المتوفى سنة 571.

ابن الجوزي الحنبلي صاحب زاد المسير وكتاب الموضوعات الكبرى المتوفى سنة 597.

الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي المتوفى سنة 600، فقد قال: كان الله ولا مكان. ذكره عنه الحافظ ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة والحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء وفي تاريخ الإسلام.

الفقيه الحنبلي أحمد بن حمدان المتوفى سنة 695.

ثم جاء ذلك الباحث رحمه الله وغفر له فأنكر أن الله كان ولم يكن شيء غيره، مخالفا لكل أولئك الأئمة الأعلام دون أن نجد لهم مخالفا قبله، وهذا يعني أنه يقول بأن الله تعالى ليس منفردا بالوجود في الأزل!!، وأنه يقول بالقدم النوعي لبعض المخلوقات!!.

2 ـ يرى الباحث أن الله تعالى يُقعِد نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم معه على العرش، فقد ذكر الأَثر الوارد في هذا عن مجاهدٍ رحمه الله ـ مع الإقرار والتسليم ـ من كتاب السُّنة لأَبي بكر بن أَبي عاصم، من روايته عن ابن فضيل عن ليث عن مجاهد أنه قال: "عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً: يُقعِده معه على العرش". ولم يذكر أنَّ ليثاً هذا هو ابن أَبي سُليم وأنَّه كان قد اختلط، ولم يتعقبه في المتن كما لم يتعقبه في السند. [الفتاوى الكبرى: 6/ 410. مجموع الفتاوى: 4/ 374. إقامة الدليل على إبطال التحليل: 5/ 88].

وقد أكد على القول بهذا الاعتقاد في موضع آخر إذ يقول: "حديث قعود الرسول صلى الله عليه وسلم على العرش رواه بعض الناس من طرق كثيرة مرفوعة، وهي كلها موضوعة، وإنما الثابت أنه عن مجاهد وغيره من السلف، وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه ويتلقونه بالقبول". [درء تعارض العقل والنقل: 3/ 19]. ولم يذكر أسماء السلف والأئمة الذين كانوا يروونه ولا ينكرونه ويتلقونه بالقبول!، ومن المعلوم عند أهل العلم أن رواية حديثٍ أو أثرٍ ما في كتب الرواية لا تعني تلقيَه بالقبول وعدمَ إنكاره.

3 ـ يقول الباحث بجواز التبعيض على الله تعالى، فقد وقف على بعض الآثار التي فيها القول عن الله تبارك وتعالى بأنه "أبدى عن بعضه"، فراح يثبتها ويدافع عنها، وقال: "وإن كان الإنكار لأنه لا يُقال في صفات الله لفظ البعض فهذا اللفظ قد نطق به أئمة الصحابة والتابعين وتابعيهم، ذاكرين وآثرين". [الفتاوى الكبرى: 6/ 409. إقامة الدليل على إبطال التحليل: 1/ 435]. ويذكر هذا دون دراسة للأسانيد!.

كما نقل عن القاضي أبي يعلى أنه قال: "أما قوله أبدى عن بعضه فهو على ظاهره، وإنه راجع إلى الذات، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا ما يخرجها عما تستحق، ولا يمتنع إطلاق هذه الصفة على وجه لا يفضي إلى التجزئة والتبعيض، كما أطلقنا تسمية يد ووجه لا على وجه التجزئة والتبعيض". [الفتاوى الكبرى: 6/ 413. إقامة الدليل على إبطال التحليل: 5/ 95]. ولم يعترض عليه.

ولا يمتنع عنده أن نقول "أبدى عن بعضه"، وأنه "على ظاهره"، وأنه "راجع إلى الذات"، وأنه "على وجه لا يفضي إلى التجزئة والتبعيض"، فتأمل واعجب!!.

والأثر المروي في هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما في سنده عمرو بن عثمان الكلابي، وهذا ذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ. وقال عنه أبو حاتم الرازي: كان شيخاً أعمى بالرقة يحدث الناس من حفظه بأحاديث منكرة. وضعفه العُقيلي والدارقطني، وقال النسائي والأزدي: متروك الحديث. ومثل هذا الإسناد عنده ـ سامحه الله ـ حجة في العقيدة!!!.

4 ـ لا يرى الباحث مانعا من ذكر رواية فيها تشبيه كلام الله تعالى بالأصوات المخلوقة مع الإقرار، فقد قال: "قال أحمد: وحديث الزهري أنه قال: لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الكلام الذي سمعتـُه هو كلامك؟. قال: نعم، يا موسى، هو كلامي، وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما تطيق، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمُِتَّ. قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا: صف لنا كلام ربك. قال: سبحان الله، وهل أستطيع أن أصفه لكم؟!. قالوا: فشبهْه لنا. قال: أسمعتم الصواعق التي تقبـِل في أحلى حلاوة سمعتموها؟ فكأنه مثله". [الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: 4/ 11. درء تعارض العقل والنقل: 1/ 377. 2/ 407. الفتاوى الكبرى: 6/ 431، 450. مجموع الفتاوى: 6/ 154].

وعلق الباحث على هذه الرواية مؤيدا ومؤكدا [في الفتاوى الكبرى: 6/  450] فقال: "هو صريح في أنه كلمه بصوت، وكان يمكنه أن يتكلم بأقوى من ذلك الصوت وبدون ذلك الصوت". كذا، ولعل النص أصله هكذا "وبأدنى من ذلك الصوت".

ومن الجدير بالتنبيه هنا هو أن موسى عليه السلام ـ حسب هذه الرواية ـ لم ينكر على من طلبوا منه أن يشبه لهم الصوت، بل وشبهه لهم ليتصوروه.

أقول:

ـ نسبة هذا الكلام للإمام أحمد رحمه الله غير ثابتة، وهذا الباحث لا يتبع طريقة المحدثين بذكر سنده إلى المؤلف، ولكنه ينقل كلام الأئمة جازما ـ دون إسناد ـ موهما صحة العزو إلى المنقول عنه.

وهذا الكلام المنقول عن أحمد موجود في النسخة المنسوبة إليه والمسماة بالرد على الزنادقة والجهمية، وهي مروية من طريق أبي بكر عبد العزيز بن جعفر غلام الخلال عن أبي بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال عن الخضر بن المثنى عن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه، والخضر بن المثنى ترجم له ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة بروايته عن عبد الله بن أحمد ورواية الخلال عنه فقط، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وقال عنه الإمام ابن رجب الحنبلي في القواعد: "مجهول تفرد عن عبد الله بن أحمد برواية المناكير التي لا يُتابع عليها". ويرى الإمام الذهبي أن هذا الكتاب موضوع على الإمام أحمد. [انظر: سير أعلام النبلاء: 11/ 286]. فخضِر بن مثنى مجهول وتفرد برواية المناكير عن الإمام الثقة عبد الله بن أحمد، فروايته ضعيفة تالفة.

قال الذهبي في السير عن الرسالة التي كتبها الإمام أحمد لعبيد الله بن يحيى بن خاقان: "فهذه الرسالة إسنادها كالشمس، لا كرسالة الإصطخري، ولا كالرد على الجهمية الموضوع على أبي عبد الله، فإن الرجل كان تقيا ورعا لا يتفوه بمثل ذلك، ولعله قاله، وكذلك رسالة المسيء في الصلاة باطلة".

ومن الواضح أن كلمة "ولعله قاله" الواردة هنا في كلام الذهبي هي مقحمة في النص، مناقضة لما جاء قبلها من أن كتاب الرد على الجهمية المنسوب للإمام أحمد موضوع عليه.

ومن الغريب أن يضرب بعض الناس عن الحجة الواضحة صفحا ويتعلقوا بأن غير واحد من العلماء صححوا نسبة هذا الكتاب إلى الإمام أحمد، وهذا لا يفيدهم في هذا الموضع، فإن ثبت أنهم نصوا على تصحيحه فهناك فرق بين تصحيح نسبة أصل الكتاب وبين تصحيح نسبة النسخة التي وصلتنا.

ومن الغريب أن يتعلقوا بما نقله ابن القيم في كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية عن الخلال أنه قال "كتبت هذا الكتاب من خط عبد الله بن أحمد وكتبه عبد الله من خط أبيه"، دون نص واضح صريح عما اشتمل عليه ذلك الكتاب الذي نقله الخلال من خط عبد الله بن أحمد!، ليُعرف هل كان فيه هذا الكلام أوْ لا؟.

ـ مرسل الزهري هذا رواه البيهقي في الأسماء والصفات، من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن جرير بن جابر الخثعمي عن كعب الأحبار.

وهذا النص الإسرائيلي المصدر كله إيحاء بأن كلام الله تعالى وإسماعَه لموسى عليه الصلاة والسلام هو بصوت مادي قوي، تبلغ قوته قوة عشرة آلاف لسان، وأن الله تعالى قادر على أن يتكلم بأقوى من ذلك الصوت، وأنه يمكن تشبيهه!، وذلك أنه يشبه صوت الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة!، وقد صار عند من يستدل به ـ دون التفات إلى معرفة مصدره ونقـْد سنده ـ  حجة في العقيدة على الرغم من كونه من الإسرائيليات!!!.

وقد روى البيهقي نحو تلك الرواية من طريقين عن علي بن عاصم عن الفضل بن عيسى عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي سند هذه الرواية علي بن عاصم الواسطي، وهو ضعيف، وكان يخطئ ويصرُّ على الخطأ فاتهمَه لذلك عدد من الأئمة بالكذب، وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، وقد اتفقوا على تضعيفه، وقيل فيه منكر الحديث، وقيل فيه ليس بثقة. فهذا إسناد تالف.

5 ـ يرى الباحث أن الأنبياء يجوز أن تقع منهم الذنوب كبيرُها وصغيرُها في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة لكن مع امتناع أن يُقروا عليها!.

قال في حديثه عن أنبياء الله ورسله الذين هم صفوة الخلق: "وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع؟، ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها، أم هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها لا في فعلها؟، أم لا يجب القول بالعصمة إلا في التبليغ فقط؟، وهل تجب العصمة من الكفر والذنوب قبل المبعث أم لا؟، والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع، والقولُ الذي عليه جمهور الناس ـ وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف ـ إثباتُ العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا والرد على من يقول إنه يجوز إقرارهم عليها، وحجج القائلين بالعصمة إذا حُررت إنما تدل على هذا القول، وحجج النفاة لا تدل على وقوع ذنب أقر عليه الأنبياء"!!. [الفتاوى الكبرى: 5/ 259. مجموع الفتاوى: 10/ 292 ـ 293].

أقول:

لم يبين الباحث مَن هم المتنازعون في جواز وقوع الكبائر من الأنبياء؟!!، وما المراد بالآثار المنقولة عن السلف في هذه المسألة!.

لا أدري مَن هم المعنيون بقوله "ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها، أم لا يجب القول بالعصمة إلا في التبليغ فقط؟"، هل هم من علماء المسلمين حقا؟!، وهل قال بعض علماء المسلمين بأن الرسل غير معصومين من الكبائر وهو معصومون من أن يُقروا عليها فقط؟!.

فالباحث لا يقول بعصمة الأنبياء من فعل الذنوب صغيرها وكبيرها، والعصمة الثابتة لهم ـ عنده ـ هي العصمة من أن يقرهم الله تعالى على فعلها، فقط!!.

والقول بعدم عصمة الأنبياء من الذنوب الكبائر هو ما اشتملت عليه أسفار اليهود المحرفة، فتأمل!.

6 ـ قال الباحث ناقلا عن عثمان بن سعيد الدارمي ـ مع الإقرار والاحتجاج ـ في معرِض حديثه عن الله تبارك وتعالى: "ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم أكبر من السموات والأرض؟"!!. [بيان تلبيس الجهمية: 1/ 568. 2/ 160. وفي الطبعة الأخرى: 3/ 113. 4/ 164].

وينبغي التنبه إلى أن هذا النص المنقول عن عثمان بن سعيد الدارمي ليس ثابتا عنه، لأنه من نسخة النقض على بشر المريسي، وفي سند النسخة من لم أجد له ترجمة. [انظر: عقائد الأشاعرة وجولة جديدة من الحوار: ص 127]. 

7 ـ يرى الباحث أنه يجوز أن نصفَ الله تعالى بأنه لا جوف له، وأن من لوازم هذه الصفة أنه يستحيل عليه التفرق وأن يخرج منه شيء، وهو يقر الاحتجاج بهذا على أنه جسم، ولكنه جسم مُصْمَت، كما يقول!!.

والقول بأنه له جوف أو لا جوف له هو من صفات الأجسام، والقائل بهذا أو ذاك غارق في بحر التجسيم لله تبارك وتقدس.

فقد قال سامحه الله: "والاسم الصمد فيه للسلف أقوال متعددة، قد يُظن أنها مختلفة، وليس كذلك، بل كلها صواب، والمشهور منها قولان: أحدهما أن الصمد هو الذي لا جوف له، والثاني أنه السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج، والأول هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة، والثاني قول طائفة من السلف والخلف وجمهور اللغويين، والاشتقاق يشهد للقولين جميعا وهو على الأول أدل"!!!. [مجموع الفتاوى: 17/ 214 ـ 215. بيان تلبيس الجهمية: 1/ 511، وفي الطبعة الأخرى: 3/ 54 ـ 55].

وقال: [وقد رووا بالأسانيد الثابتة عن الصحابة والتابعين في الصمد "الذي لا جوف له"، وهذه الصفة تستلزم امتناع التفرق عليه وأن يخرج منه شيء، إذ ذلك ينافي الصمدية، وهو ما احْتـُج به في أنه جسم مُصْمَت"]. [بيان تلبيس الجهمية: 1/ 48 ـ 49، وفي الطبعة الأخرى: 2/ 50 ـ 51].

ففيما تقدم من كلام الباحث نجد أنه يجوِّز أن نصف الله تعالى بأنه لا جوف له، وأن هذا هو أرجح الأقوال عنده في تفسير اسم الله الصمد، وأن هذا القول مروي بالأسانيد الثابتة عن الصحابة رغم أنه لم يصحَّ عن أي واحد من الصحابة!!، كما نجد عنده أن من لوازم هذه الصفة أنه يستحيل عليه التفرق وأن يخرج منه شيء، وكأنه ذرات مجتمعة لكنها غير قابلة للانفصال عن بعضها، ثم هو يقر الاحتجاج بهذا على أنه جسم!، ولكنه جسم مُصْمَت!، كما يقول. أليس هذا بتجسيم؟!!. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وقوله "والاشتقاق يشهد للقولين جميعا وهو على الأول أدل" جناية كبيرة على اللغة العربية ومعاجمها، لأن مشتقات لفظ الصمد تدل على أن المعنى هو السيد الذي تـُصمد إليه الحاجات، وليس فيها أي دلالة على معنى أنه لا جوف له البتة، فضلا عن أن تكون أكثر دلالة عليه.

وتفسير الصمد بأنه الذي لا جوف له تسرب إلى بعض التابعين رحمهم الله وغفر لهم، على خلاف الاشتقاق اللغوي، ثم تمَّ إقحامه على كتب اللغة، ثم تمَّ ترجيحه ـ عند بعض الناس ـ على المعنى الذي يشهد له الاشتقاق!!.

وقال الباحث سامحه الله: "أما القول بأنه سبحانه مركب مؤلف من أجزاء وأنه يقبل التجزؤ والانقسام والانفصال فهذا باطل شرعا وعقلا، فإن هذا ينافي كونه صمدا، وسواء أريد بذلك أنه كانت الأجزاء متفرقة ثم اجتمعت أو قيل إنها لم تزل مجتمعة لكن يمكن انفصال بعضها عن بعض، كما في بدن الإنسان وغيره من الأجسام، فإن الإنسان وإن كان لم يزل مجتمع الأعضاء لكن يمكن أن يُفرق بين بعضه من بعض، والله سبحانه منزه عن ذلك، ولهذا قدمنا أن كمال الصمدية له، فإن هذا إنما يجوز على ما يجوز أن يفنى بعضه أو يُعدم، وما قبـِل العدم والفناء لم يكن واجب الوجود بذاته ولا قديما أزليا، فإن ما وجب قِدمه امتنع عدمه، وكذلك صفاته التي لم يزل موصوفا بها وهي من لوازم ذاته، فيمتنع أن يُعدم اللازم إلا مع عدم الملزوم، ولهذا قال من قال من السلف الصمد هو الدائم وهو الباقي بعد فناء خلقه، فإن هذا من لوازم الصمدية، إذ لو قبـِل العدم لم تكن صمديته لازمة له بل جاز عدم صمديته فلا يبقى صمدا، ولا تنتفي عنه الصمدية إلا بجواز العدم عليه، وذلك محال، فلا يكون مستوجبا للصمدية إلا إذا كانت لازمة له، وذلك ينافي عدمه، وهو مستوجب للصمدية، لم يصرْ صمدا بعد أن لم يكن، تعالى وتقدس، فإن ذلك يقتضي أنه كان متفرقا فجُمع وأنه مفعول مُحْدَث مصنوع، وهذه صفة مخلوقاته، وأما الخالق القديم الذي يمتنع عليه أن يكون معدوما أو مفعولا أو محتاجا إلى غيره بوجه من الوجوه فلا يجوز عليه شيء من ذلك، فعُلم أنه لم يزل صمدا ولا يزال صمدا، فلا يجوز أن يقال كان متفرقا فاجتمع ولا أنه يجوز أن يتفرق، بل ولا أنْ يخرج منه شيء ولا يدخلَ فيه شيء، وهذا مما هو متفق عليه بين طوائف المسلمين". [مجموع الفتاوى: 17/ 297 ـ 298].

آثرتُ أن أنقل هذا النص بتمامه للتعريف بنوع من طريقته في التحدث عن عقيدته، فهو قد يبين بطلان أمر واضح قطعي البطلان بتطويل وإعادة وتكرار، ويسكت عن قرينه الباطل رغم كونه واضحا قطعي البطلان كذلك، وكأنه يشير بذلك إشارة خفية إلى ما يعتقده من صحته، على الرغم من أن المقام يتطلب البيان، والسكوت في معرِض البيان بيان.

فهو يعلن بوضوح أن "القول بأنه سبحانه مركـَّب مؤلـَّف من أجزاء وأنه يقبل التجزؤ والانقسام والانفصال فهذا باطل شرعا وعقلا، وسواء أريد بذلك أنه كانت الأجزاء متفرقة ثم اجتمعت أو قيل إنها لم تزل مجتمعة لكن يمكن انفصال بعضها عن بعض".

لكن لو قيل إنه غير قابل للتجزؤ والانقسام وإنه أجزاء مجتمعة مع عدم إمكان انفصال بعضها عن بعض فهل هذا جائز ـ عنده ـ في حق الله تعالى أو مستحيل؟!.

الواضح من أسلوبه وطريقة عرضه لعقيدته هو أنه يقول بجوازه على الله!، لأنه لو كان قائلا باستحالة هذا على الله تعالى لقال "إن القول بأنه سبحانه مركب مؤلف من أجزاء فهذا باطل شرعا وعقلا" دون أن يضع لها قيودا، لكنه قيد بطلان ذلك بما إذا قال القائل "وأنه يقبل التجزؤ والانقسام والانفصال"!!.

وفي هذا إشارة واضحة منه إلى أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ هو أجزاء لكن لا يقبل التجزؤ والانقسام والانفصال!، وأنه أجزاء لم تزل مجتمعة بحيث لا يمكن انفصال بعضها عن بعض!!!، وسيأتي في الفقرة التالية ما هو كالصريح في أنه يقول بذلك، حيث يقول: "بل هو عالٍ على كل موجود, ثم بعد ذلك إذا قدَّرْتَ أنه ما منه شيء إلا وغيره منه أعلى منه لم يقدحْ هذا في كماله, فإنه لم يَعـْلُ على شيء منه إلا ما هو منه, لا مِن غيره، ولا يقدح في العالي أن يكون بعضه أعلى من بعض إذا لم يكن غيره عاليا عليه".

ويبدو أن كل هذا من أجل تسويغ القول بالتجسيم، فقد قال في بيان رأيه في أن التجسيم غير مذموم: "ولم يذمَّ أحد من السلف أحدا بأنه مجسم، ولا ذموا المجسمة". [بيان تلبيس الجهمية: 1/ 100، وفي الطبعة الأخرى: 2/ 105].

والقول عن الله تبارك وتعالى إنه جسم مُصْمَت هو قول الرافضي المشبِّه هشام بن الحكم. قال المطهر بن طاهر المقدسي في كتاب البدء والتاريخ في معرِض كلامه عن الله تبارك وتعالى: "وزعم هشام بن الحكم وأبو جعفر الأحول الملقب بشيطان الطاق أنه جسم محدود متناه، وقال هشام هو جسم مُصْمَت، ليس بمجوَّف ولا متخلخل". تعالى ربنا وتقدس عن هذا علوا كبيرا.

8 ـ يرى الباحث أن الله تعالى عالٍ على كل موجود وبعضُه أعلى من بعض!!، قال في حديثه عن الله تبارك وتعالى: "فإن مقصودنا أن لا يكون غيرُه أعلى منه, بل هو عالٍ على كل موجود, ثم بعد ذلك إذا قدَّرْتَ أنه ما منه شيء إلا وغيره منه أعلى منه لم يقدحْ هذا في كماله, فإنه لم يَعـْلُ على شيء منه إلا ما هو منه, لا مِن غيره، وأيضا فإن مثل هذا لا بد منه، والواجب إثبات صفات الكمال بحسب الإمكان، وأيضا فإن مثل هذا كمال في العلو، ولا يقدح في العالي أن يكون بعضه أعلى من بعض إذا لم يكن غيره عاليا عليه". [درء تعارض العقل والنقل: 3/ 293].

فهو يتكلم عن الله جل وعلا وكأنه ذرات مجتمعة وبعضها أعلى من بعض، وأنه لا يعلو على شيء منه إلا ما هو منه!!، وتأمل قوله "ولا يقدح في العالي أن يكون بعضه أعلى من بعض إذا لم يكن غيره عاليا عليه". تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

9 ـ يذكر الباحث بعض الروايات التي تشتمل على تشبيه الخالق جل وعلا بخلقه في معرض القبول والاحتجاج، ومن ذلك نقله عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عن السماء والأرض "يقبـِض عليهما فما يُرى طرفاهما بيده". وفي لفظ عنه: "ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن بيد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم". ثم يقول: وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث!. [مجموعة الرسائل والمسائل: 4/ 117].

والقول الأول المنسوب لابن عباس "يقبض عليهما فما يُرى طرفاهما بيده" لم أقف عليه مرويا بسند، ووجدته في تفسير مقاتل بن سليمان البلخي بلا إسناد، قال مقاتل: قال ابن عباس: "يقبض على الأرض والسموات جميعاً فما يُرى طرفها من قبضته". وإيراد هذا الأثر من تفسير مقاتل بن سليمان الكذاب المتهم بالتشبيه وحشْرُه مع الصحاح ومحاولة تثبيته بقوله "وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث" أمر يدعو إلى العجب!!.

وأما القول الثاني المنسوب لابن عباس فرواه الطبري في التفسير عن محمد بن بشار عن معاذ بن هشام الدستوائي عن أبيه عن عمرو بن مالك النكري عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال: "ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم". معاذ بن هشام وعمرو بن مالك كل منهما صدوق ثقة فيه لين، فالسند لين، وهو بكلام أهل الكتاب أشبه.

ورواه ابن أبي شيبة عن الحسن بن موسى، وابنُ منده في الرد على الجهمية وابنُ شاذان في كتاب تفسير مجاهد من طريقين عن آدم بن أبي إياس، كلاهما عن حماد بن سلمة عن أبي سنان عيسى بن سنان عن وهب بن منبه أنه قال: " ما الخلق في قبضة الله إلا كخردلة ههنا من أحدكم". عيسى بن سنان ضعيف.

10 ـ يرى الباحث أن الذي يجب على كل مؤمن الإيمانُ به وإن لم يفهم معناه ليس مقتصرا على ما في الكتاب والسنة، وقال: "فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمانُ به وإن لم يفهم معناه، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يُوجد عامته منصوصا في الكتاب والسنة". [الرسالة التدمرية ص 45. مجموع الفتاوى: 3/ 41].

وهذا يعني أن العقيدة الإسلامية ليست مكتملة في الكتاب ولا في السنة، وأن من يقتصر على العقيدة الثابتة في الكتاب والسنة ليس محققا للإيمان بكل ما يجب عليه أن يؤمن به!، لأنه يرى أن ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها يجب على كل مؤمن الإيمانُ به وإن لم يفهم معناه وإن لم يكن منصوصا عليه في الكتاب والسنة!.

وهذا مخالف لقوله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم}، وإذا كانت العقيدة لم تكن قد اكتملت في ذلك اليوم فما الذي اكتمل؟!!.

ومثل هذا يفتح بابا واسعا للأقوال التي لا دليل عليها من نصوص الكتاب والسنة فيُقالَ فيها إن هذا قول السلف!.

ولعل مما يجب الإيمان به ـ عنده ـ وإن لم يكن ثابتا في الكتاب والسنة ما تقدم من المسائل التي يقول عنها بأنها من مذهب السلف، ومن ذلك:

أن يؤمن المسلم بأنه يوجد غيرُ الله معه في الأزل!، لأنه ينكر أن الله كان ولم يكن شيء غيره.

وأن يؤمن المسلم بمدلول الأثر ـ الذي يقبل الباحث سنده ولا يعترض عليه ـ وهو المروي عن مجاهد بن جبر رحمه الله، والذي ورد فيه أن الله تعالى يُقعِد نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم معه على العرش!، فقد قال: "وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه ويتلقونه بالقبول"!!.

وأن يؤمن المسلم بأن الله تعالى "أبدى عن بعضه"!.

وأن يؤمن المسلم بأن الله تعالى يتكلم بصوت مادي مسموع وأنه يمكن تشبيهه بصوت الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة!.

وأن يؤمن المسلم بأن الأنبياء والرسل ليسوا معصومين عن فعل الكبائر والصغائر باستثناء موضوع التبليغ عن الله تعالى!، لكن يقول إنهم لا يُقرون على ذلك.

وأن يؤمن المسلم بأن الله تعالى لو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته!.

وأن يؤمن المسلم بأن الله تعالى لا جوف له! وأنه جسم!، ولكنه جسم مُصْمَت، كما يقول!!.

وأن يؤمن المسلم بأن الله تعالى عالٍ على كل موجود وبعضه أعلى من بعض!!.

وأن يؤمن المسلم بأن الله تعالى يقبـِض على السموات والأرض فما يُرى طرفاهما بيده!. تعالى الله عن هذا كله علوا كبيرا.

ـ خلاصة البحث:

أن هذه الأقوال التي تقدمت هي من بدع الاعتقاد، وأنه يجب أن تـُجتنب.

وأنه يجب التريث في قبول أقوال الباحث الذي يوردها مع السكوت عنها وخاصة في العقيدة، بحيث لا يُقبل من أقواله شيء إلا إذا أيده دليل من كتاب الله تعالى أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه.

وأنه لا يجوز قبول حكمه على أحد بالابتداع، لأنه هو نفسَه عنده أقوال بدعية، إلا إذا ثبت ذلك بدليل من كتاب أو سنة ثابتة.

ـ وفي ختام هذا المبحث أقول: لعل الباحث كان يكتب ما يكتب وهو لا يقصد المدلولات الظاهرة من تلك البدع الاعتقادية، وأسأل الله تعالى المغفرة لي وله ولسائر المسلمين على حسن القصد وصلاح النية إن شاء الله.

ومن حقي على كل أخ عالم مخلص يظهر له في كلامي شيء من الخلل الذي لا يُحتمل أن ينصحني بما هو الحق المؤيد بالدليل، فإن الدين النصيحة.

وكتبه صلاح الدين الإدلبي في مجالس متباعدة، آخرها يوم الأحد 19/ 5/ 1434، الموافق 31/ 3/ 2013 سوى بعض الإضافات والتعديلات. والحمد لله الذي بنعمته وعونه وتوفيقه تتم الصالحات.

 

هناك تعليق واحد: