الأربعاء، 23 مايو 2018

خواطر حول مقالة عنوانها "أكثر من 183 سَنَة مفقودة من الإسلام .. أين هي؟"

وصلتني اليوم مقالة بعنوان "أكثر من 183 سَنَة مفقودة من الإسلام .. أين هي؟"، فأود أن أدلي بدلوي بين الدلاء، عسى أن يكون في بعض ما أكتب شيئا مفيدا، فأقول:
الأخ المتسائل الكريم حفظكَ الله ورعاكَ
السلام عليكم ورحمة الله
تقول في مقالتك بأن هناك أكثر من 183 سَنَة غائبة في تاريخ تراثنا الإسلامي، وأنها حقبة زمنية مفقودة في تاريخ نقل الحديث النبوي بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المحدثين الذين دونوا الأحاديث الشريفة في مصنفاتهم الحديثية، وأنه لا أحد يعلم عنها شيئا، وأن الإمام البخاري على سبيل المثال وُلد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ب 183 سَنَة، وتتساءل أين هي خطب الجمعة التي خطب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، وأن مصنفات البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه لا يُعتد بها وغير موثوق بها!!!.
أشكرك على ما بذلتَ من جهد في كتابة هذه المقالة وما جمعت من نبذ تاريخية حول الموضوع الذي تجشمت عناء كتابته.
أود أن تتقبل مني تسجيل بعض الملحوظات:
ـ أظن أنك تخاطب شريحة ما ممن يُقال عنهم علماء بالحديث الشريف والشريعة الإسلامية وهم من غير المتعمقين، وينبغي أن تُوجه لهم هذه التساؤلات ولمن يثقون بعلمهم وبحثهم ويقلدونهم فيه.
ـ لكن لعلماء الحديث منهجهم في معرفة صحة الحديث:
إذا وصلتني اليوم وثيقة قديمة وقيل فيها إنها بخط فلان ممن كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وهو من أصحابه فهل هذا هو المطلوب عندك؟!.
أنا لا أعتمدها مصدرا بحال من الأحوال، لأنني لا أعرف حقيقةً مَن كتبها ونسبَها لمن عُزيت إليه، ولأنني لو عرفت الكاتب فأنا أخشى أن تكون قد عبثت بها يد أحد العابثين فزاد فيها ونقص، ولذا فهذا عندي غير مقبول.
الوثيقة المقبولة هي التي تداولتها أيدي الثقات من زمن كتابتها إلى أن تصل إلى من وصلت إليه.
ـ المقبول عند أهل الحديث المدققين هو النقل من كتاب له نسخة خطية موثقة أو أكثر بخط أحد العلماء أو النساخ المشهود لهم بالصدق والضبط وكان قد ذكَر إسناده إلى المؤلف وكان الإسناد صحيحا، أي أن يذكر لنا أنه تلقى هذه النسخة من فلانٍ وأن فلانا تلقاها من فلان وهكذا حتى يصل الإسناد إلى المؤلف، ولا بد من مراجعة تاريخ كل واحد من أولئك المذكورين في سند النسخة وأنه مشهود له بالتوثيق.
ومِن توثيق النسخة معرفةُ نوع الورق والحبر المستخدم وطريقة الكتابة، مما يعرفه المشتغلون بتحقيق المخطوطات.
ـ أمهات كتب الحديث المشهورة كصحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم هي موثقة بهذه الطريقة العلمية، بحيث نعلم أن صحيح البخاري الموجود بأيدينا اليوم مثلا هو ما أملاه الإمام البخاري على طلابه، ومثله سائر الكتب التي نُقلت إلينا نقلا موثقا.
النقطة المهمة التي تأتي بعد هذه المرحلة هي التحقق من صحة الإسناد من المؤلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ـ ما هو الإسناد في تلك الكتب وكيف تتم دراسته؟:
كل حديثٍ حديثٍ في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن الترمذي وغيرها من أمهات كتب الحديث له إسناده، فإذا ذكَر أي إمام من أولئك الأئمة حديثا دون إسناد وعزاه للنبي صلى الله عليه وسلم فنقول إنه علق الإسناد، فإسناده ضعيف، وذلك الحديث ضعيف الإسناد.
وإذا ذكَر المؤلفُ مَن حدثه بذلك الحديث والشيخَ الذي سمع شيخُه الحديثَ منه وهكذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنقول هذا سندُ الحديث، أي إن السند أو الإسناد هو تلك السلسلة التي مر الحديث عبر حلقاتها ابتداء من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصنف، كالبخاري مثلا، ولا بد من دراسة إسناد كل حديث على حِدَة، لأن كل حديث قضية مستقلة وله ملفه الخاص به، فإذا تبين أن السند متصل دون انقطاع فيه وكان كل المذكورين فيه ثقات أي من أهل الصدق والضبط فنقول هذا إسناد صحيح بمعنى أنه ظاهره الصحة.
وعندنا فرْع من فروع دراسة الأسانيد هو علم علل الأسانيد، فقد يتبين أن السند ظاهره الصحة ولكن له علة تخفى على غير المتبحرين، وهنا نقول ظاهره الصحة ولكنه معلول، أي يغلب على الظن أن أحد الرواة المذكورين في السند قد وهِم وأخطأ في الرواية، والخطأ قد يعتري أي راو ثقة ـ مهما كان قوي الحفظ ـ ولو نادرا.
يأتي بعد ذلك المرحلةُ الأخيرة من الغربلة، وهي مقارنة رواية الراوي بنصوص القرآن الكريم ونصوص الحديث الشريف المتعددة والقرائن التاريخية الثابتة والأمور العلمية المقطوع بصحتها، فإذا وقفنا على رواية إسنادها ظاهره الصحة وليس معلولا وهي مخالفة لأيٍّ مما ذُكر حكمْنا عليها بالشذوذ.
ـ الرواة في سلسلة الإسناد كانوا يعتمدون غالبا على الحفظ، وأحيانا على الكتابة، وأحيانا يكتب الراوي ما يسمعه من شيوخه ويكرره ليحفظه فإذا حفظه محاه.
ليست قوة الحفظ التي نجدها عند معظم الناس اليوم تشبه القوة الحافظة التي كانوا يتمتعون بها، إذْ لم تخالط نفوسَهم مشاكل الحضارة المعاصرة وتشعباتها وتعقيداتها، وكانت لهم في قوة الحفظ قصص عجيبة.
والذي يقرب للأذهان ما بلغوه في ذلك هو أننا نشاهد اليوم تسجيلات بالصوت والصورة لأناس أعطاهم الله ذاكرة قوية مدهشة تفوق ما كان عليه السابقون إلى حد بعيد، بل قصص المعاصرين هي أغرب من الخيال.
فلمَ نصدق ما نشاهده اليوم ولا نصدق ما حُكي لنا عن الحفاظ من المحدثين والذي نشاهده اليوم هو أشد غرابة؟!.
ـ أستغربُ ممن لا يثق برجاحة عقل إنسان إلا إذا بلغ أربعين عاما، وكم من العلماء في القديم والحديث مَن بلغ رتبة علمية عالية وهو دون الأربعين.
البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه ليسوا من العرب، ولكنِ الإمامُ مسلمٌ عربي قشيري.
وقبلهم الإمام أحمد ابن حنبل المتوفى سنة 241 عربي، وغيره كثير.
وقبله الإمام مالك المتوفى سنة 179 عربي، وغيره كثير.
وقبله التابعون وفيهم الكثير الكثير من العرب، وقبلهم الصحابة والغالبية العظمى هم من العرب.
الإسلام دين لكل الناس، يتسابق في خدمته كل الأقوام والشعوب، وكان في الرواة العربي والفارسي والكردي والتركي والأرمني وغيرهم.
أستغربُ ممن يتوهم أن الحقبة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أصحاب المصنفات الحديثية حقبة زمنية مفقودة لا يعلم أحد عنها شيئا!، بل هي حقبة زمنية معلومة كان فيها الكثير من المشتغلين بالعلم والحريصين على لقاء الرواة لسماع الحديث وتدوينه، لا يريدون من أحد جزاء ولا شكورا.
إمام دار الهجرة مالك بن أنس هو من أتباع التابعين، ولقي جماعة كبيرة من التابعين الذين سمعوا الأحاديث النبوية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وصنَّف كتابه الموطأ الذي ما يزال موجودا حتى اليوم، وتلقاه عنه جماعة من الرواة وروَوْه لمَن بعدهم من المحدثين، وروى مالك أحاديث كثيرة سوى الأحاديث التي صنفها في الموطأ، وتلقاها عنه جماعة كبيرة من الرواة من مشارق الأرض ومغاربها، وقد أدرك البخاري ومسلم عددا من تلاميذ مالك.
وما مالكٌ إلا واحدا من أولئك الأئمة الأعلام الذين هم مِشعل فخر للإنسانية جمعاء، ومحل فخر واعتزاز حتى عند عدد من الدارسين والباحثين من غير المسلمين.
أستغربُ ممن يقول أين هي خطب الجمعة التي بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها العقائد والشرائع والأحكام للناس؟!.
أليست الأحاديث الصحيحة المروية في كتب الحديث الشريف هي مما قاله رسول الله عليه الصلاة والسلام في مجالسه وحلقاته وخُطَبه؟!.
أستغربُ ممن يقول أين كَتَبَة رسولنا عليه الصلاة والسلام؟ وأين ما كُتب ونُقل عن آل البيت عليهم السلام؟!، وأين ما كتبه صحابة رسولنا رضي الله عنهم؟!.
لقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عن كتابة أحاديثه فترة من الزمن حتى تترسخ آيات القرآن العظيم في قلوبهم وصدورهم، ثم أذن بالكتابة لعدد من الصحابة، فكتبوا أشياء مما سمعوه منه، ونُقلت لنا عبر كتب الحديث.
كما نُقلت لنا في كتب الحديث أحاديث مروية من طريق آل البيت.
إذا كانت روايات آل البيت قليلة في كتب الحديث فليبرزها من دوَّنوها من الذين كانوا قريبين منهم إذا كانت موجودة عندهم بأسانيد صحيحة.
المحدثون الصادقون ألهمهم الله تبارك وتعالى أن يحرِصوا على جمع الحديث وتدوينه، فرحلوا في طلبه في البلدان للسماع من الشيوخ، ودوَّنوا مختارات كثيرة مما سمعوه منهم، وبذلوا في سبيل ذلك نفائس الأوقات والأعمار، بعيدين عن الملوك والحكام الأمويين والعباسيين وعمن يغشى مجالس السلطان، لا يعينُهم أحد، ولا يهتم بهم أحد، وهم لا يطلبون من أحد جزاء ولا شكورا.
لقد قدموا ما عندهم وضحَّوْا في سبيل ذلك بالغالي والرخيص.
كثير من المحدثين كانوا أهل رواية، أي يجمعون ويصنفون بكل دقة وأمانة، وليس لهم باع واسع في عملية النقد والتمحيص، أو لم يشتغلوا بذلك اشتغالا واضحا ظاهرا، منهم أبو داود الطيالسي المتوفى سنة 204 صاحب مسند الطيالسي، وابن ماجه المتوفى سنة 273 صاحب سنن ابن ماجه.
وكثير منهم كان لهم اشتغال واضح بالنقد والتمحيص، وكتبهم اليوم وكتب تلاميذهم التي دونت إجاباتهم على ما وُجه لهم من السؤالات شاهدة على ذلك، منهم الأئمة مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان وأحمد ابن حنبل ويحيى بن معين والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن حبان والدارقطني وغيرهم، على تفاوت بينهم في الرتبة.
الإمامان البخاري ومسلم التزما أن يرويا في صحيحيهما ما وقع عليه اختيارهما من الحديث مما رأيا صحة إسناده عندهما، ورويا بعض الروايات مع إشارات إلى وقوع بعض الخلل فيها، لأنهما صنفا كتابيهما لخاصة الخاصة من علماء الحديث، ومَن لا يدركون ذلك يظنون أن كل رواية فيهما يجب أن تكون صحيحة سندا ومتنا.
الجهد الذي بذله الإمامان البخاري ومسلم في تمحيص الروايات وطرُقها جهد كبير، ويجب ـ من باب الاعتراف بالجميل لمن عمِلَ وأحسنَ ـ أن يكون ما عملاه مُقدَّرا مشكورا.
لكن الجهد البشري مهما وصل فيه العالم إلى درجة عالية من الدقة فمن الممكن أن يعتريه شيء من الخطأ والنسيان، وعلماء الحديث الذين جاؤوا بعد الإمامين رحمهما الله في هذه المسألة على رأيين:
رأى كثير منهم أن الأحاديث المروية في هذين الكتابين أو في أحدهما كلها صحيحة ولا يمكن أن يُحكم على أي منها بالتضعيف.
ورأى كثيرون آخرون أن الأصل في تلك الأحاديث الصحة، وأن هذا لا يمنع من أن يكون فيهما ما دون ذلك، وأن العالم الذي له اجتهاد في هذا العلم من الممكن أن يضعِّف ما رأى أنه لا يصل إلى درجة الصحة، لكن بشرطين: التمكن من هذا العلم ومن كل ما يؤهله للخوض في غماره والبعد عن الهوى.
كتبُ الحديث التي صنفها الأئمة مالكٌ وابن أبي شيبة وابن حنبل والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم كلها كتب موثقة معتمدة، وكل حديث فيها هو مروي بالسند الذي وصل الحديث بواسطته من النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصنفي تلك الكتب، ويبقى بعد ذلك مساحة للنظر والدراسة في السند من المصنف إلى الصحابي الذي روى الحديث.
أقول بكل صدق وأمانة: إن المنهج الذي سلكه كبار الأئمة الأعلام من علماء الحديث في النقد والتمحيص هو على درجة عالية من الدقة والموضوعية يستحق أن يفتخر به الفكر الإسلامي والعربي والإنساني، وقد أثنى عليه وأكبرَه وأعجِب به عدد من الباحثين والمؤرخين من غير المسلمين.
التكفيريون الذين يقتلون الأبرياء ويستبيحون الحرمات ليس لهم ما يؤيدهم من النصوص الثابتة إذا فُهمت بالفهم السليم، إنما يستندون إلى بعض النصوص المقتطعة من سياقها فيستدلون بها بما لا دليل لهم فيه، فالمشكلة هنا هي الفهم السقيم واتباع الهوى، أو يستندون إلى نصوص غير ثابتة، والمشكلة هنا هي الجهل بمناهج الأئمة التي يُميز بها بين الصحيح الثابت وبين الضعيف المعلول.
فما ذنب النصوص إذن؟!، وما ذنب العلماء أصحاب المناهج الدقيقة في البحث والنقد والتمحيص؟!.
لا يفوتني أن أشير إلى أن بعض المنتسبين للعلم الشرعي يسلكون في بحوثهم منهجا غير دقيق في العلم، وهم غير قادرين على التغلب على الهوى، فربما يجد في بحوثهم أهلُ القتل والإجرام مستنَدا يسوِّغ لهم تنفيذ مخططاتهم البعيدة عن روح الدين وتعاليمه السمحة.
أسأل المولى تعالى أن يبصرنا بحقائق العلم النافع كما جاء به رسول المرحمة محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 6/ 9/ 1439، الموافق 22/ 5/ 2018، والحمد لله رب العالمين.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق