الأربعاء، 21 ديسمبر 2016

كلمة عن بعض أحاديث فضائل الشام

بسم الله الرحمن الرحيم


وصلني من بعض الإخوة تعليق منقول حول ما قلته عن أحاديث فضائل الشام، فأنا أرى عدم ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمعلق يرى غير ذلك، ووصلني من بعض الإخوة صفحات مصورة مما كتبه بعض المشتغلين بالحديث النبوي الشريف تختلف عما قلته في هذه الروايات. 
لا بد لي من كتابة كليمات تشرح موقفي من موضوع التصحيح والتضعيف في هذه المسألة. 
كل من اجتهد واشتغل بخدمة السنة النبوية بإخلاص وعلم فله أجره إن شاء الله، إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد. 
وأنا أَعرض هنا بعض ما كتبه ذلك المؤلف وأكتب قولي بعده، لينظر فيه أهل العلم بعين الإنصاف إن شاء الله، وأما من ليس من أهل العلم بهذا العلم فلا ينبغي له أن يخوض فيما هو بعيد عنه، والسكوت عما لا يعلمه ـ قبل دخول ميدان هذا العلم ـ فيه السلامة. 
وأكتفي بمثالين، ففيهما كفاية إن شاء الله. 
* قال المؤلف: الحديث الأول:
[عن زيد بن ثابت الأنصاري -رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه سلم يقول: "يا طوبَى للشام، يا طوبَى للشام، يا طوبَى للشام1, قالوا: يا رسول الله! وبِمَ ذلك؟ قال: تلك ملائكة الله باسطو أجنحتها على الشام". قلت: هو حديث صحيح, أخرجه الترمذي "2/ 331, طبع بولاق"، وقال: "حديث حسن", وزاد في بعض النسخ: "صحيح". والفسوي في "التاريخ" "2/ 301"، وابن حبان في "صحيحه" "2311, موارد الظمآن"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 229"، وأحمد في "المسند" "5/ 184"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "1/ 112-115", وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين", ووافقه الذهبيّ، وهو كما قالَا, وقال المنذري في "الترغيب" "4/ 63": رواه ابن حبان في "صحيحه"، والطبراني بإسناد صحيح]. 
* قال صلاح الدين: 
ليس فيه دراسة للإسناد، فضلا عن أي إشارة لمسألة الانقطاع في السند، ومن رغب في معرفة ضعف هذا الحديث وانقطاع سنده فليقرأ الحديث الثالث من كتابي "أحاديث فضائل الشام". 
* قال المؤلف: الحديث الثاني:
[عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله عليه وسلم: "ستنجدون أجنادًا، جُنْدًا بِالشَّامِ، وجُنْدًا بِالْعِرَاقِ، وَجُنْدًا باليَمَنِ", قال عبد الله: فقمت، قلت: خِرْ لي يا رسول الله! فقال: "وعليكم بِالشَّامِ، فَمَنْ أَبَى فَلْيَلْحَقْ بِيَمَنِهِ، وَلْيَسْتَقِ مِنْ غُدُرِه، فَإِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ تكفَّل لِي بالشام وأهله". قال ربيعة: فسمعت أبا إدريس يحدث بهذا الحديث، يقول: وَمَنْ تكفَّل اللَّهُ بِهِ فَلا ضيعة عليه. قلت: حديث صحيح جدًّا؛ فإن له أربعة طرق: الأولى: طريق المُصنف، وهي من طريق مكحول, عن ابن حوالة, على خلافٍ عليه فيه. أخرجه الحاكم "4/ 510"، وأحمد "5/ 33"، وابن عساكر "1/ 47-56", وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي. والطريق الثاني: أخرجه أبو داود "1/ 388"، وأحمد "4/ 110" من طريق أبي قتيلة, عن ابن حوالة. وإسناده صحيح. والثالث: أخرجه أحمد أيضًا "5/ 288" من طريق سليمان بن شمير عنه. والرابع: أخرجه الطحاوي في "مُشْكَل الآثار" "2/ 35", عن جبير بن نفير عنه. وله طريق خامس رواه المُصنّف، وسيأتي الكلام عليه في الحديث التاسع. وله شواهد من حديث أبي الدرداء وغيره]. 
ثم قال المؤلف: الحديث التاسع:
[عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ أنه قال: يا رسول الله! اكتب لي بلدًا أكون فيه، فلو أعلم أنك تبقى لم أختر على قربك. قال: "عليك بالشام "ثلاثًا". وقد رُوِيَ من حديث أبي أمامة عند الحاكم:4/ 509"، وصححه، وخُولِفَ، والطبراني، ومن حديث العرباض بن سارية, رواه الطبراني، ورواته ثقات؛ كما قال المنذري "4/ 62", والهيثمي "10/ 59", ومن حديث ابن حوالة نفسه بلفظ: " ... عليك بالشام، فإنه خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده". رواه أبو داود وأحمد بسندٍ صحيح؛ كما تقدَّم في تخريج الحديث الثاني]. 
* قال صلاح الدين: 
ـ أما حديث عبد الله بن حوالة فليس الضعف من الطرق عنه، بل من ابن حوالة نفسه، فقد قال ابن الصلاح في المقدمة والنووي في التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير والجعبري في رسوم التحديث وابن جماعة في المنهل الروي وابن كثير في اختصار علوم الحديث والأبناسي في الشذا الفياح والحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة رحمهم الله: "ثم إن كون الواحد منهم صحابيا تارة يُعرف بالتواتر، وتارة بالاستفاضة القاصرة عن التواتر، وتارة بأن يُروى عن آحاد الصحابة أنه صحابي، وتارة بقوله وإخباره عن نفسه - بعد ثبوت عدالته - بأنه صحابي". 
وعبد الله بن حوالة لم تثبت صحبته، لا بالتواتر، ولا بالاستفاضة والشهرة، ولا بإخبار بعض الصحابة عنه أنه صحابي، فلم يبق إلا إخباره هو عن نفسه بذلك، وهذا لا يُقبل إلا إذا كانت عدالته ثابتة بغير ذلك الإخبار، وحيث إننا لم نجد قولا بتزكيته عن أحد المزكين من الصحابة أو التابعين فهذا يعني أنه ليس صحابيا بالمعنى المقتضي للعدالة. 
ـ وأما حديث أبي أمامة فرواه ابن حنبل ونعيم بن حماد في الفتن وابن عساكر عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن حماد بن سلمة عن سعيد بن إياس الجُريري عن لقيط بن المشاء ـ أو لقيط بن المثنى ـ عن أبي أمامة أنه قال: لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام ويتحولَ شرار أهل الشام إلى العراق، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالشام". سعيد بن إياس كان قد اختلط قبل موته بثلاث سنين، لكن رواية حماد بن سلمة عنه مقبولة، لأنه سمع منه قبل الاختلاط. لقيط بن المثنى لم أجد فيه سوى أن ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ ويخالف. فهذا السند ضعيف. 
ـ وأما حديث العرباض بن سارية فرواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني والطبراني في الكبير من طريق فضالة بن شريك عن خالد بن معدان عن العرباض به مرفوعا. فضالة بن شريك شاعر لم أجد له ترجمة في رجال الحديث، فالسند ضعيف، وهو خطأ، والصواب ما رواه أحمد وأبو داود من طريق بَحير بن سعد عن خالد بن معدان عن أبي قـُتيلة مَرْثد بن وَدَاعة عن عبد الله بن حوالة، وكذا رواه الطبراني في مسند الشاميين من طريق ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي قـُتيلة وأبهم الصحابي. فرجع هذا الطريق إلى حديث ابن حوالة، وهذا ليس بشاهد له. 
ـ وأما حديث أبي الدرداء فرواه البزار والطبراني في مسند الشاميين وعبد الجبار الخولاني في تاريخ داريا من طريق سليمان بن عتبة عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء به مرفوعا. سليمان بن عتبة صدوق فيه لين. ثم إنه لا يصح من حديث أبي الدرداء، لأن مكحولا رواه عن أبي إدريس عن عبد الله بن حوالة، وطريق مكحول أقوى من طريق سليمان بن عتبة عن يونس بن ميسرة. فرجع هذا الطريق إلى حديث ابن حوالة، وهذا ليس بشاهد له. 
ـ فإن قيل: لم لا يكون حديث العرباض بن سارية وحديث أبي الدرداء شاهدين لحديث عبد الله بن حوالة؟. 
فأقول: هذا هو منهج أئمة علماء الحديث ومنهم الإمامان البخاري ومسلم رحمهم الله تعالى جميعا، ومن كان من هذا في شك فليقرأ النوع الثالث من القسم الأول والنوع الأول من القسم الثاني من كتابي "منهج الإمامين البخاري ومسلم في إعلال المرويات الحديثية". 
وكتبه صلاح الدين الإلبي في 15/ 3/ 1438، والحمد لله رب العالمين. 

هناك تعليق واحد: