الثلاثاء، 27 نوفمبر 2018

حوار حول كلام الشيخ الكشميري عن حديث إلصاق المنكب بالمنكب ـ 2 ـ

 بسم الله الرحمن الرحيم
كتب أحد الإخوة الباحثين تعليقا على الحوار الذي كتبته(https://salahsafa.blogspot.com/2018/10/blog-post_22.html)  حول كلام الشيخ الكشميري عن حديث إلصاق المنكب بالمنكب، فأجبت بقولي: "أتمنى أن يعود الكاتب إلى كلامي ويعيد القراءة بهدوء وتأمل مرة أو مرتين، وأن يخبرني بعد ذلك: هل كلام الشيخ الكشميري رحمه الله متوافق مع كلام النبي صلى الله عليه وسلم في المسألة التي هي محل البحث أو لا، وأتمنى أن يتأمل الفرق بين كلام الكشميري وكلام الذين يرد عليهم وكلامي".
أجاب ـ حفظه الله بخير وعافية ـ بهذا الجواب:
[قبل أعيد قراءة مقال الكاتب الكريم مرة أو مرتين  بهدوء كما تمني ذلك أتمني أن يقرأ هو نفسه مقاله ويسائل نفسه هل كل الناس متساوون في القامات  والأقدام ؟ فكيف يمكن الصاق المنكب  بالمنكب والقدم بالقدم بالمعني الحقيقي؟ وهل يمكن أن يأمر الشارع بما لا يمكن تحقيقه للمكلف ولو بشق الأنفس الا لبعض الأفراد؟ واذا كان  هذا هو مقصود الشارع الحكيم كما يفهمه الكاتب فما معني "حاذوا بين المناكب والأقدام ؟ وهل الإلصاق والمحاذاة  بمعني واحد  حقيقة لامجازا؟ هذه هي الاشكالية الحقيقية عند ائمة الحديث  والفقهاء وأراد حلها الحافظ ابن حجر  والعلامة العيني  والقسطلاني  وجري علي منوالهم الإمام الكشميري ولا غرابة في كلامهم اطلاقا يقول  العلامة المحدث محمد زكريا الكندهلوي : "في كتابه البديع "الأبواب والتراجم اعلم أنه لا يتصور الصاق الكعبين والمنكبين من الجانبين الا لبعض الناس بتكلف وهيئة غير هيئة الصلاة والخضوع فالمراد القرب والمحاذاة في الكعبين وكذا المراد في المنكبين  ألا تري البعض لا تكون قدمه متساويتين بقدمي  صاحبه وكذا المراد من الصاق القدم  وبهذا قال الجمهور ان المراد شدة القرب لا الإلصاق الحقيقي  قال الحافظ المراد بذلك  المبالغة في تعديل الصف وسد خلله  وهكذا قال العيني  والقسطلاني  ويقول  الكاندهلوي:  وأبدع  عندي  الإمام البخاري في الترجمة  اذ ترجم " بالزاق المنكب  والقدم "-(لابالمنكب -) لأن حقيقة الإلصاق لا يتصور في المناكب الا أن يكون كل الصف متساوي القامة وكذا الصاق القدم لا يمكن الا ان يكونوا كلهم متساوي الأقدام وهذان ممتنعان عادة فترجم بهما البخاري  اشارة الي انه لا يمكن فيهما الا المبالغة  في القرب  والمحاذاة  لا الإلصاق الحقيقي   ثم ذكر حديث النعمان تعليقا للإشارة الي أن ما هو المراد في الأولين هو المراد في الثالث  لإتحاد سياق الروايات  (الأبواب والتراجم 1/851 مع أزكي التحيات].
أقول:
أعدت قراءة مقالي كما تمنى الأخ الباحث سلمه الله.
لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم بإلصاق المنكب بالمنكب، ولكنه أقرهم على ذلك حين رآهم يفعلون ذلك، فهو يرى عليه الصلاة والسلام صفوفهم في الصلاة من وراء ظهره، وإنما أمرهم بالتراصِّ حيث قال "أقيموا صفوفكم وتراصُّوا فإني أراكم من وراء ظهري"، والتراص أن يلصَق بعضُهم ببعض حتى لا يكون بينهم خلل، فكانوا ينضمون إلى بعضهم ويتلاصقون، ولا شك في أنهم إذا فعلوا ذلك فإنهم يلصقون المنكب بالمنكب في حالة التساوي في الطول. ومنكِب الشخص مجتمع عظم العضد والكتف.
أما إذا انضم بعضهم إلى بعض وتلاصقوا وتراصوا وكانوا غير متساوين في الطول فإن المناكب لا تتلاصق وتكون على سمت واحد. وهذا في غاية السهولة.
لكن لا ينبغي أن تكون متباعدة، وهذا بخلاف ما فهمه الشيخ الكشميري من الحديث حيث قال: [قال الحافظ: المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله. قلت: وهو مراده عند الفقهاء الأربعة، أي أنْ لا يترك في البين فرجة تسع فيها ثالثا]. هذا نص كلامه بحروفه.
التلاصق والتراص في الأقدام ممكن جدا إذا لم ندخل فيه التلاصق في الكعوب، وهو في غاية السهولة.
لم أذكر في كلامي إلصاق الكعب الكعب، وهذا اللفظ ليس في الصحيحين، وفي ثبوته نظر.
لا يمكن أن يأمر الشارع بما لا يمكن تحقيقه للمكلف ولو بشق الأنفس إلا لبعض الأفراد، ومن نسب إلي متسرعا أن هذا المعنى هو الذي فهمتُه من الحديث فقد أدى به تسرعُه إلى أن ينسُب إلي ما لم أقله ولم يخطـُر لي على بال.
لم يكن ـ حسب علمي ـ قبل ظهور جماعة الفهم المتطرف إشكالٌ عند المحدثين والفقهاء في فهم الأحاديث الواردة في هذه المسألة، ويبدو أنهم كانوا يقفون عند إلصاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم ولا يعيرون إلصاق الكعب بالكعب أي اهتمام.
قال الأخ الباحث: [يقول  الكاندهلوي:  وأبدع  عندي  الإمام البخاري في الترجمة  اذ ترجم " بالزاق المنكب  والقدم "- (لا بالمنكب -)].
أقول: قول الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي "وأبدعَ عندي الإمامُ البخاري في الترجمة اذ ترجم بالزاق المنكب والقدم لا بالمنكب" قول غريب جدا، فعنوان الباب عند البخاري هو "باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف"، وهذا بخلاف ما نقله الشيخ محمد زكريا عن البخاري. وانظر: صحيح البخاري وعددا من شروحه للتحقق من عنوان الباب الذي عنون به البخاري، ومنها شرح صحيح البخاري لابن بطال، والكواكب الدراري للكرماني، وفتح الباري لابن رجب، والتوضيح لابن الملقن، ومصابيح الجامع للدماميني، واللامع الصبيح للبرماوي، وفتح الباري لابن حجر، والكوثر الجاري للكوراني، وإرشاد الساري للقسطلاني، وفيض الباري للكشميري. فسقط بذلك كلامه الذي قاله في توجيه عنوان الباب عند البخاري من أصله.
حفظ الله الأخ الباحث بخير وعافية، وجمعنا على محبته سبحانه ومحبةِ حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم ومحبةِ سنته الشريفة وتوقيرِ سلفنا الصالحين.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 18/ 3/ 1440، الموافق 26/ 11/ 2018، والحمد لله رب العالمين.



الجمعة، 23 نوفمبر 2018

* من روائع الإمام البخاري رحمه الله: - 12 -

هذه الرواية رواها البخاري ومسلم من خمسة طرق عن أبي إسحاق الشيباني عن ابن أبي أوفى، وفيها "فلما غربت الشمس"، وهذا يعني أن الشمس كانت قد غابت وأن ذلك الرجل الذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيجدح لهم إنما أراد الانتظار بعد غياب قرص الشمس لمزيد التحقق من الغروب، وذلك بسبب بقاء شيء من ضوء النهار، حتى أعْلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن الأفضل تعجيل الفطر بعد تحقق الغروب وإقبال الليل من الجهة المقابلة وإن كان قد بقي شيء من ضوء النهار.
ـ ورواه البخاري من طريق سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق الشيباني عن ابن أبي أوفى أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقال لرجل: "انزل فاجدحْ لي". قال: يا رسول الله، الشمس!. قال: "انزل فاجدح لي". قال: يا رسول الله، الشمس!. قال: "انزل فاجدح لي". فنزل فجدح له، فشرب، ثم رمى بيده ههنا، ثم قال: "إذا رأيتم الليل أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم".
في هذه الرواية أن الرجل كان ما يزال يرى شيئا من قرص الشمس، وليس فيها أن الشمس كانت قد غربت، فهي من باب الخطأ الواضح، وقد أشار البخاري رحمه الله إلى إعلالها حيث رواها في باب الصوم في السفر والإفطار ولم يروها في أحد البابين اللذين روى فيهما الرواية الصحيحة.
ـ وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 9/ 4/ 1440، الموافق 17/ 11/ 2018، والحمد لله رب العالمين.



الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

* من روائع الإمام البخاري رحمه الله: - 11 -


روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه من طريق عبد الرزاق عن معْمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: أرسِل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام، فلما جاءه صكه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت؟!. فرد الله عليه عينه وقال: ارجع فقل له يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة. قال: أي رب، ثم ماذا؟. قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل اللهَ أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلو كنتُ ثَم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر".
رواه في باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة هكذا موقوفا من قول أبي هريرة ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم سوى الجزء المرفوع في آخر الحديث، ورواه كذلك في باب وفاة موسى عليه السلام، وعقب عليه في الموضع الثاني بقوله: [قال: وأخبرنا معْمر عن همَّام قال حدثنا أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه]. أي إن عبد الرزاق بن همَّام راوي الرواية الموقوفة عن معْمر رواها كذلك عنه عن همَّام بن منبه عن أبي هريرة مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الرواية المرفوعة من طريق همَّام بن منبه عن أبي هريرة رواها ابن حنبل في مسنده ومسلم وابن حبان في صحيحيهما، وهي معروفة مشهورة من صحيفة همام بن منبه، وقد روى البخاري في صحيحه عشرات الأحاديث المسندة من هذه الصحيفة.
فعدوله ـ وهو الإمام الحافظ الناقد ـ عن سياقتها مساق الروايات المسندة واكتفاؤه بسياقة الرواية الموقوفة مع ذكر إسناد المرفوعة دون المتن في ذيل رواية أخرى دليل واضح على أنه يصحح الرواية الموقوفة هنا ويعل المرفوعة.
ومن كان في شك من هذا فليقرأ ـ متكرما ـ كتاب منهج الإمامين البخاري ومسلم في إعلال المرويات الحديثية.
ـ وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 8/ 4/ 1440، الموافق 16/ 11/ 2018، والحمد لله رب العالمين.




الثلاثاء، 20 نوفمبر 2018

* من روائع الإمام البخاري رحمه الله: - 10 -


ـ روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، وأهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج. وعن ابن عباس أنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج. وعن جابر بن عبد الله أنه حج مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد أهلوا بالحج مفردا. رواهن في باب التمتع والإقران والإفراد بالحج، وروى في باب آخر عن ابن عمر أنه قال: أهلَّ النبي صلى الله عليه وسلم بالحج وأهللنا به معه.
ـ وروى عن أنس أنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا والعصرَ بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء، حمد اللهَ وسبح وكبر ثم أهلَّ بحج وعمرة، وأهلَّ الناس بهما. وعن أنس أنه قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة الظهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين، وسمعتهم يصرخون بهما جميعا. وعن أنس أنه قال: كنت رديف أبي طلحة وإنهم ليصرخون بهما جميعا الحج والعمرة. رواهن في باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال عند الركوب على الدابة، وفي باب رفع الصوت بالإهلال، وفي باب الارتداف في الغزو والحج.
وحيث إن هذه الرواية عن أنس في أن النبي صلى الله عليه وسلم أهلَّ بحج وعمرة تخالف الروايات الثابتة عن عدد من الصحابة فإن البخاري لم يروها في باب التمتع والإقران والإفراد بالحج، ورواها في الأبواب الثلاثة المذكورة البعيدة عن موضوع القِران.
ـ وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 7/ 4/ 1440، الموافق 15/ 11/ 2018، والحمد لله رب العالمين.



الاثنين، 19 نوفمبر 2018

* من روائع الإمام البخاري رحمه الله: - 9 -


ـ روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عن أنس بن مالك أنه قال: "قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا". ورواه عنه كذلك أنه قال: "قنت النبي صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على رعل وذكوان". وهذا في باب القنوت قبل الركوع وبعده، وفي باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان، وفي أبواب أخرى.
وحيث إنه قنت بعد الركوع شهرا يدعو على هذه الأحياء من العرب الذين قتلوا القراء فهذان البابان مناسبان لهذا الحديث.
ـ وروى عن أنس أنه دعا عليهم أربعين صباحا.
وحيث إن هذه الرواية قد وقع فيها خلل في عدد الأيام فإنه لم يروها في أحد ذينك البابين المناسبين، ورواها في باب آخر بعيد عن معناهما، وهو باب من يُنكب في سبيل الله.
ـ وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 6/ 3/ 1440، الموافق 14/ 11/ 2018، والحمد لله رب العالمين.




الجمعة، 26 أكتوبر 2018

حديث "خيركم من طال عمره وحسن عمله"


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، رب تمم بالخير، واختم لنا بالخير، بفضلك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
رُوي هذا الحديث من رواية أبي بكرة وعبد الله بن بسر وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك:
ـ فأما حديث أبي بكرة فرواه أبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وابن حنبل والدارمي والترمذي والبزار والطحاوي في مشكل الآثار من طرق عن علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أنه قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس خير؟. فقال: "مَن طال عمره وحسن عمله". ورواه ابن حنبل والطحاوي في مشكل الآثار والحاكم من طرق عن الحسن عن أبي بكرة به.
وروى ابن عدي في الكامل بسند صحيح عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد أنه قال: ربما حدث الحسنُ بالحديث أسمعه منه، فأقول يا أبا سعيد أتدري من حدثك؟!، فيقول لا أدري إلا أنه سمعته من ثقة، فأقول أنا حدثتك.
والظاهر أن الحسن البصري كان قد سمع هذا الحديث من علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فرواه عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من تدليس الإسناد.
[علي بن زيد بصري ضعيف مات سنة 131، قال الترمذي في السنن: علي بن زيد صدوق إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره. عبد الرحمن بن أبي بكرة ثقة. الحسن البصري لم يثبت أنه سمع من أبي بكرة، وهو قد يدلس الإسناد ولم يصرح بالسماع]. فهذا الإسناد ضعيف.
ـ وأما حديث عبد الله بن بسر فرواه ابن أبي شيبة وابن حنبل والترمذي والطبراني في مسند الشاميين وابن المقرئ والبيهقي من طريق معاوية بن صالح، وابنُ حنبل وأبو زرعة الدمشقي في الفوائد المعللة والطبراني في مسند الشاميين من طريق حسان بن نوح، والطبرانيُّ في مسند الشاميين من طريق محمد بن الوليد الزبيدي ومن طريق صبيح بن محرز، والخطيبُ البغدادي في تلخيص المتشابه من طريق عمر بن جُعْثُم، خمستهم عن عمرو بن قيس السَكوني، ورواه الضياء المقدسي في المختارة من طريق أبي أحمد الحاكم بسنده عن أرطاة بن المنذر، كلاهما عن عبد الله بن بسر أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس خير؟. فقال: "مَن طال عمره وحسن عمله".
[عمرو بن قيس السَكوني حمصي ثقة مات سنة 136 تقريبا. أرطاة بن المنذر حمصي ثقة مات سنة 162]. طريق أبي أحمد الحاكم عن أرطاة بن المنذر سنده جيد، فإسناد هذا الحديث صحيح عن عبد الله بن بسر.
ورواه علي بن الجعد وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني وأبو نعيم في الحلية من طريق إسماعيل بن عياش، والطبرانيُّ في الأوسط من طريق الحارث بن يزيد السَكوني الحمصي، كلاهما عن عمرو بن قيس السَكوني عن عبد الله بن بسر المازني.
من هو عبد الله بن بسر؟ هل هو عبد الله بن بسر المازني أو غيره:
أكثر الرواة لهذا الحديث لم يذكروا عبد الله بن بسر منسوبا، فيحتمِل أن يكون هو المازنيَّ الحمصي، وهذا صحابي مات سنة 88 وهو ابن 94 سنة، وقال أبو القاسم عبد الصمد بن سعيد مات سنة 96 وهو ابن مئة سنة، وقال الخطيب البغدادي في تلخيص المتشابه بلغ مئة سنة، ويحتمِل أن يكون هو النصريَّ الدمشقي، وهذا ذكره ابن عبد البر وابن حجر في الصحابة ولا تثبت صحبته، ويحتمِل أن يكون هو الحُبْرانيَّ، وهذا حمصي نزل البصرة مات قرابة سنة 135، وهو ضعيف.
إسماعيل بن عياش الذي قال هو المازني لا يُحتج به لما فيه من ضعف، وكذا الحارث بن يزيد السَكوني، فهو وإن ذكره ابن حبان في الثقات فقد قال فيه أبو حاتم مجهول. فإسناد هذا الحديث عن عبد الله بن بسر المازني ضعيف.
ـ وأما حديث أبي هريرة فرواه ابن المبارك في الزهد وفي المسند عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم به نحوه. [يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب التيمي مدني منكر الحديث متروك]. فهذا الطريق تالف.
ورواه ابن أبي شيبة وابن حنبل والبزار وابن حبان والبيهقي من ثلاثة طرق عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خيركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا". محمد بن إسحاق قد يدلس الإسناد ولم يصرح بالسماع، فهذا الطريق ضعيف.
ورواه ابن حبان من طريق محمد بن عثمان العقيلي عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق أنه قال حدثني محمد بن إبراهيم التيمي. [محمد بن عثمان العقيلي ذكره ابن حبان في الثقات وقال يغرب]. فهذا الطريق لا يُعتمد عليه.
ـ وأما حديث جابر فرواه عبد بن حُميد من طريق عبد الله بن عامر عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا". [عبد الله بن عامر القارئ مدني ضعيف في رواية الحديث، مات سنة 151].
ورواه الحاكم والبيهقي من طريق أيوب بن سليمان بن بلال عن أبي بكر عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله به نحوه. [أيوب بن سليمان بن بلال مدني، وثقه أبو داود وغيره، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو الفتح الأزدي والساجي: يحدث بأحاديث لا يُتابع عليها. وضعفه ابن عبد البر، فهو صدوق فيه لين، مات سنة 224].
ورواه قوام السنة في الترغيب والترهيب من طريق عاصم بن علي عن أبي معشر عن محمد بن المنكدر عن جابر. [عاصم بن علي بن عاصم الواسطي صدوق فيه لين مات سنة 221. أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي مدني ضعيف واختلط بآخره، مات سنة 170].
وقال الدارقطني: اختُلف فيه على ابن المنكدر: فروي عن زيد بن أسلم وأبي معشر عن ابن المنكدر عن جابر، ورواه عبد العزيز بن الماجشون عن ابن المنكدر مرسلا. قلت: فحديث جابر ضعيف الإسناد.
ـ وأما حديث أنس فرواه أبو يعلى من طريق سهيل عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا أنبئكم بخياركم؟!". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "خياركم أطولكم أعمارا إذا سددوا". [سهيل بن أبي حزم بصري ضعيف مات قبل سنة 175]. فهذا الإسناد ضعيف.
ثم إنه لو لم يكن ضعيفا لما كان فيه حجة لمن يريد أن يحتج به، لأن البزار رواه في مسنده بالإسناد عينه بلفظ مغاير، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أنبئكم بخياركم؟!". قالوا: بلى. قال: "أحاسنكم أخلاقا".
* ـ هل تتقوى هذه الطرق الضعيفة ببعضها؟:
اشترط الإمام الترمذي رحمه الله في ترقية الأسانيد الضعيفة أن لا يكون الحديث شاذا، والمتأخرون يرون أن الحديث الذي تعددت طرقه وكان ضعفها ليس شديدا يرتقي لمرتبة الحسن، وأهملوا الشرط الثالث إهمالا تاما.
هل هذا الحديث فيه شذوذ؟:
آيات القرآن الكريم تربط الفضل ورفعة الدرجة بالعمل الصالح، فقد قال الله تعالى {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما}.
هذا ما يقوله لنا ربنا عز وجل، أما الحديث المروي عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فهو في واد آخر، إذ يُنسب لطلحة رضي الله عنه أن رجلين قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسلامهما جميعا، وكان أحدهما أشد اجتهادا من صاحبه، فغزا المجتهدُ منهما فاستُشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي، قال طلحة فيما نُسب إليه: فرأيت فيما يرى النائم كأني عند باب الجنة، إذا أنا بهما وقد خرج خارج من الجنة فأذن للذي تُوفي الآخِرَ منهما، ثم خرج فأذن للذي استُشهد، ثم رجعا إلي فقالا لي ارجع فإنه لم يأنِ لك بعد. فأصبح طلحة يحدث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مِن أي ذلك تعجبون؟!". قالوا: يا رسول الله، هذا كان أشدَّ اجتهادا ثم استُشهد في سبيل الله ودخل هذا الجنة قبله؟!. فقال: "أليس قد مكث هذا بعده سنة؟!". قالوا: بلى. قال: "وأدرك رمضانَ فصامه؟". قالوا: بلى. قال: "وصلى كذا وكذا سجدة في السنة؟". أو قال: "وصلى بعده ستة آلاف ركعة؟!". قالوا: بلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَلَمَا بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض".
وهذا يعني أن من صحب النبي صلى الله عليه وسلم وطال عمره فصلى عددا كثيرا من الصلوات وصام عددا كثيرا من الرمضانات هو أفضل عند الله تعالى ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم وجاهد واستُشهد وكان أشد اجتهادا في العبادة!، وأنه أفضل من معظم الصحابة الذين استُشهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم!، وأنه أفضل ممن بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة!. وهذا الحديث مخالف لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من فضل طلحة رضي الله عنه وبشارته له بالجنة.
ـ ثم إن المعهود في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يربط الخيرية والأفضلية بطول العمر:
فمن ذلك ما رواه البخاري عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
ومن ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن خياركم أحاسنكم أخلاقا".
ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة والخرائطي في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم".
ومن ذلك ما رواه محمد بن نصر في كتاب تعظيم قدر الصلاة عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا أخبركم بأكملكم إيمانا؟!: أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون".
ومن ذلك ما رواه ابن حنبل عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خياركم من أطعم الطعام ورد السلام".
ـ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الهرم، والهرم كِبَر السن:
فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر".
وروى البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والمغرم، ومن فتنة القبر وعذاب القبر، ومن فتنة النار وعذاب النار".
وروى مسلم نحوه من حديث زيد بن أرقم وعبد الله بن مسعود.
ـ الخلاصة:
حديث "خيركم من طال عمره وحسن عمله" أسانيده ضعيفة، ولا تتقوى ببعضها لشذوذ المتن، والله أعلم.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 8/ 10/ 1439، الموافق 22/ 6/ 2018، سوى بعض الإضافات اليسيرة، والحمد لله رب العالمين.



الأربعاء، 24 أكتوبر 2018

* من روائع الإمام البخاري رحمه الله: - 8 -


ـ روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه من طريق شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحُد رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين: فرقة تقول نقاتلهم، وفرقة تقول لا نقاتلهم، فنزلت {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنها طيبة، تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة". ورواه بلفظ "إنها تنفي الرجال كما تنفي النار خبث الحديد". ورواه بلفظ "إنها طيبة، تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة".
المعنى المقصود هو أن المدينة المنورة نفت وأبعدت كتلة المنافقين الخبثاء عن أن يدخلوا في صفوف المؤمنين ويجاهدوا العدو معهم.
ـ اللفظ الأول "تنفي الخبث" رواه البخاري ومسلم وأبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وابن حنبل والترمذي وغيرهم من طريق جماعة عن شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، وهذا اللفظ هو الثابت، وهو الصواب، فرواه البخاري في الباب المناسب له، وهو باب {فما لكم في المنافقين فئتين} من كتاب تفسير القرآن.
ـ اللفظ الثاني "تنفي الرجال" رواه البخاري عن رجل واحد عن شعبة به، وهذا اللفظ ليس بعيدا عن المعنى إذا فُهم على معنى أنها تنفي الرجال الخبثاء، فرواه البخاري في باب المدينة تنفي الخبث من كتاب فضائل المدينة، وهو مناسب له كذلك.
فرحم الله الإمام البخاري ما أدق نظره في هذا التبويب!.
* ـ وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 14/ 2/ 1440، الموافق 23/ 10/ 2018، والحمد لله رب العالمين.