الحديث الوارد في مقدار
عمر السيدة عائشة
يوم العقد ويوم الزواج
بقلم
صلاح الدين بن أحمد الإدلبي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، رب تمم بالخير، واختم لنا بالخير، بفضلك ومَنِّك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
ورَدَ حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عقد على السيدة عائشة رضي الله عنها وسنُّها ست سنوات وتزوجها وسنُّها تسع سنوات، وهذا النص إذا نظرنا إليه من حيث الزوجةُ فهو رواية تاريخية في مقدار سنها يوم زواجها، ولا يعدو أن يكون شأنا من شؤون الأسرة، لكنْ إذا نظرنا إليه من حيث الزوجُ النبيُّ الأكرمُ خاتمُ النبيين وإمام المرسلين صلى الله عليه وسلم فهو حديث من الأحاديث الفعلية، وينبغي الاهتمام به من حيث ثبوتُه أو عدمُ ثبوته، لأن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي المَعين الذي تُستنبط وتُستلهم منه الدروس والعبر في حياتنا معشر المسلمين.
فهل صح هذا الحديث سندا ومتنا؟؟، لا بد من الدراسة فأقول:
كنتُ قد وقفتُ على مقالة حول هذا الموضوع كتبها أحد الباحثين في تضعيف الحديث المروي عن أم المؤمنين عائشة في مقدار عمرها من حيث السند والمتن، فقرأتها، ووجدت أن من الممكن الاستفادةَ منها في التقاط بعض القرائن وإعادة البحث فيها وكتابتها من جديد، للخروج بنتيجةٍ مؤسسةٍ على مجموعة من القرائن الموصلة إلى القول الصواب بإذن الله.
هذا بحث مدعَّم بالدليل في تاريخ ولادةِ السيدة عائشة رضي الله عنها وفي مقدار عُمُرِها وقت العقد عليها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرها وقت زفافها، وذلك لضرورة تجلية وجه الصواب في هذه المسألة المهمة من مسائل السيرة النبوية الشريفة والروايات الحديثية الواردة في هذه المسألة.
في هذه المسألة قولان:
* ـ القول الأول وهو المشهور: هو أنه عقد عليها وهي بنت ست سنين وتزوجها وهي بنت تسع، أخذا بما ثبت عنها من قولها في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من المصادر الحديثية والتاريخية، وهذا يعني أنها وُلدت بعد البعثة النبوية بأربع سنين.
قال ابن اسحق في السيرة: ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سودة بنتِ زمعة عائشةَ بنتَ أبي بكر بعد موت خديجة بثلاث سنين، وعائشة يومئذ ابنة ست سنين، وبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ابنة تسع سنين، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة ابنة ثماني عشرة سنة. [السيرة النبوية لابن إسحاق: ص 255]. وروى ابن سعد في الطبقات نحوه من طرق عن عائشة رضي الله عنها. [الطبقات الكبرى: 8/ 58].
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة، وهي بنت ست سنين، وقيل بنت سبع، وابتنى بها بالمدينة وهي ابنة تسع، لا أعلمهم اختلفوا في ذلك، وكانت تُذكر لجُبير بن مطعم، وتوفي عنها صلى الله عليه وسلم وهي بنت ثمان عشرة سنة. [4/ 1881].
وقال ابن حجر في فتح الباري: كان مولدها في الإسلام قبل الهجرة بثمان سنين أو نحوها، ومات النبي صلى الله عليه وسلم ولها نحو ثمانية عشر عاما. [7/ 107].
وهذا كله ـ والله أعلم ـ إنما أخذوه من الروايات المروية من قول السيدة عائشة رضي الله عنها عن نفسها.
* ـ دليل القول المشهور:
ـ روى البخاري [3894] من طريق عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا بنت ست سنين، فقدمْنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن خزرج، فوُعِكْتُ، فتمرق شعري، فوفَّى جُميمة، فأتتني أمي أم رومان وإني لفي أرجوحة ومعي صواحبُ لي، فصرختْ بي، فأتيتها، لا أدري ما تريد بي، فأخذتْ بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأَنْهَجُ، حتى سكن بعض نفَسي، ثم أخذتْ شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتْني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلنَ على الخير والبركة وعلى خير طائر، فأسلمَتْني إليهن، فأصلحْن من شأني، فلم يَرُعْني إلا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ضُحًى، فأسلمْنَني إليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين». [باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وقدومها المدينة وبنائه بها، من كتاب المناقب].
[وُعِكْتُ: أُصِبْتُ بالحرارة والحُمَّى. تمرَّق الشعر: انتثر وتساقط بسبب المرض. وَفَّى: طالَ وبلغ تلك الدرجة. جُميمة تصغير جُمَّة: وهي شعر الرأس إذا بلغ المنكبين. نَهِجَ ينهَج نهَجًا: انقطع نفَسُه من التعب والإعياء. فلم يَرُعْني إلا هذا الأمر: لم أشعرْ إلا وقد فاجأني هذا الأمر].
ورواه مسلم [3463] من طريق عروة كذلك عن عائشة أنها قالت: "تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لست سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين، فقدمنا المدينة، فوعكت شهرا، فوفى شعري جميمة، فأتتني أم رومان وأنا على أرجوحة ومعي صواحبي، فصرختْ بي، فأتيتُها وما أدري ما تريد بي، فأخذتْ بيدي، فأوقفتْني على الباب، فقلتُ هه هه، حتى ذهب نفَسي، فأدخلتْني بيتا، فإذا نسوة من الأنصار، فقلْنَ على الخير والبركة وعلى خير طائر، فأسلمتْني إليهن، فغسلنَ رأسي وأصلحْنني، فلم يرُعْني إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى ، فأسلمْنَني إليه".
ورواه ابن أبي شيبة [34564، 34628، 35023] وابن حنبل [24867، 26397] وابن سعد [8/ 58 ـ 65] وأبو عوانة في المستخرج على صحيح مسلم [4698، 4703 ـ 4709] وغيرهم من طرق متعددة بأسانيد صحيحة عن عدد من التابعين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت ست سنين، وفي بعض الطرق بنت سبع سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين.
كلمة "تزوجها" قد تَرِدُ بمعنى العقد، وهذا هو المقصود هنا.
فالحديث سنده عن عائشة رضي الله عنها صحيح، وقد أخطأ خطأً فاحشا مَن ظنَّ أن هشام بن عروة تفرد بروايته عنها وأنه من أوهامه.
* ـ هل رُوي هذا الحديث عن أحد من الصحابة غير عائشة؟
لا شك في أن الشواهد تقوي رواية الحديث الذي هو محل البحث، ولهذا الحديث رواية عن ابن مسعود رضي الله عنه، وقد يظن مَن لا علم له بالحديث الشريف وأسانيده أنها تشهد لحديث عائشة وتقوي ثبوته، لكن الواقع هو غير ذلك، وهذه دراسة إسناده:
روى الترمذي في العلل الكبير [296] وابن ماجه [1877] والنَسائيُّ في السنن الكبرى [5350] والعُقيليُّ في الضعفاء [1748] من ثلاثة طرق عن إسرائيل بن يونس عن جده أبي إسحاق السَبيعي عن أبي عُبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وهي ابنة ست سنين، ودخل بها وهي ابنة تسع سنين.
[إسرائيل بن يونس ثقة. أبو إسحاق السَبيعي عمرو بن عبد الله بن عبيد كوفي ثقة تغير حفظه بآخره، وقد يدلس الإسناد، ولد سنة 32 ومات سنة 127، ولم يصرح بالسماع، وحفيده إسرائيل هو ممن سمعوا منه قبل تغير حفظه وبعده. أبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود كوفي ثقة مات سنة 81، وليس له سماع من أبيه، فقد توفي والده وهو ابن سبع سنين]. فهذا الإسناد ضعيف.
ثم إنه معلول، لأن الثابت عن أبي إسحاق السَبيعي أنه رواه مرَّاتٍ إما عن أبي عبيدة عن عائشة، وإما عن أبي عبيدة مرسلا، وليس عن أبي عبيدة عن أبيه:
فقد رواه النسائي في السنن الكبرى [5349] عن قتيبة بن سعيد، والطبرانيُّ في المعجم الكبير [53 من الجزء 23] عن محمد بن عبد الله الحضرمي عن سعيد بن عمرو الأشعثي، كلاهما عن عبثر بن القاسم عن مطرف بن طريف عن أبي إسحاق السَبيعي عن أبي عبيدة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتسع سنين، وصحبْته تسْعًا».
[قتيبة بن سعيد ثقة. ومحمد بن عبد الله الحضرمي ثقة. وسعيد بن عمرو الأشعثي ثقة. عبثر بن القاسم ثقة. مطرف بن طريف ثقة]. فهذا إسناد صحيح ثابت عن أبي إسحاق السَبيعي عن أبي عبيدة عن عائشة رضي الله عنها، وليس عن غيرها من الصحابة.
ورواه الطبراني في المعجم الكبير [54 ـ 55 من الجزء 23] عن محمد بن عبد الله الحضرمي عن يحيى بن عبد الحميد الحماني عن شريك بن عبد الله النخعي، وعن محمد بن عبد الله الحضرمي عن أبي كريب عن معاوية بن هشام عن سفيان الثوري، كلاهما عن أبي إسحاق السَبيعي عن أبي عبيدة عن عائشة به.
[محمد بن عبد الله الحضرمي ثقة. يحيى بن عبد الحميد الحماني ذاهب الحديث. شريك بن عبد الله النخعي صدوق فيه لين. وأبو كريب محمد بن العلاء ثقة. ومعاوية بن هشام صدوق فيه لين. وسفيان بن سعيد الثوري ثقة]. الطريق الأول من هذين ضعيف جدا، والثاني منهما فيه لين، وهو يفيد في تقوية كون الرواية هي عن عائشة رضي الله عنها، وليست عن غيرها من الصحابة.
ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى [8/ 60] عن وكيع عن سفيان الثوري، وعن الفضل بن دُكين عن إسرائيل بن يونس، والطبرانيُّ في المعجم الكبير [56 من الجزء 23] عن حفص بن عمر الرقي عن قبيصة بن عقبة عن سفيان الثوري، والعُقيليُّ [1748] عن علي بن عبد العزيز البغوي عن عبد الله بن رجاء عن إسرائيل بن يونس، كلاهما عن أبي إسحاق السَبيعي عن أبي عبيدة مرفوعا مرسلا.
[وكيع بن الجراح ثقة إمام. سفيان بن سعيد الثوري ثقة إمام. الفضل بن دُكين ثقة. إسرائيل بن يونس ثقة. حفص بن عمر الرقي صدوق فيه لين. قبيصة بن عقبة صدوق فيه لين. علي بن عبد العزيز البغوي صدوق. عبد الله بن رجاء صدوق]. فهذان الطريقان صحيحان ثابتان عن أبي إسحاق السَبيعي عن أبي عبيدة مرفوعا مرسلا، ويؤكدان أن هذا الحديث ليس بثابت عن أبي عبيدة عن أبيه.
ـ هذا وقد أعلَّ الإمامُ البخاري ما رُوي عن أبي عبيدة عن أبيه فقال عنه: [هذا خطأ، إنما هو "أبو إسحاق عن أبي عبيدة أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة"]. [العلل الكبير للترمذي: 296].
وأعلَّه الإمام النَسائي في السنن الكبرى [5350] كذلك، فقد روى الحديثَ من طريق مطرف بن طريف عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عائشة، ومن طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه، وعلق على ذلك بقوله: "مطرف بن طريف الكوفي أثبتُ من إسرائيل، وحديثه أشبهُ بالصواب". أي إنه يرجح أن الحديث هو عن أبي عبيدة عن عائشة، وليس عن أبي عبيدة عن أبيه.
وأعله الدارقطني [901] كذلك، فقد سئل عن هذا الحديث فقال: يرويه إسرائيل ويونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله مرفوعا، ورواه غيرهما عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة مرسلا، والمرسل أشبه.
وكلام هؤلاء الأئمة يؤكد لنا أن الرواية التي جاءت في هذا الحديث معزيَّة لابن مسعود رضي الله عنه معلولة.
* ـ هل رُوي هذا الحديث عن أحد من التابعين مرسلا وهل يتقوى بالروايات المراسيل؟:
روى الحاكم [6714] عن يزيد بن جابر الأزدي الشامي أنه قال: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها ولها سبع سنين، ودخل بها ولها تسع سنين.
[يزيد بن جابر ذكره البخاري في التاريخ الكبير وابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل مجرد ذكر، وذكره ابن حبان في الثقات في التابعين].
وروى الطبراني في المعجم الكبير [40، 62، 71، من الجزء 23] عن قتادة بن دعامة وعن ابن أبي مليكة وعن ابن شهاب الزهري نحو ذلك، وروى ابن سعد [8/ 60] عن عروة بن الزبير نحو ذلك.
وهذه الروايات هي عن التابعين، وهؤلاء سمعوا هذه الرواية غالبا إما من عائشة نفسها أو ممن سمعه منها، فهي لا تفيد في تقويتها.
* ـ القول الثاني في مقدار عمر السيدة عائشة رضي الله عنها:
عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وهي ابنة أربع عشرة وتزوجها وهي ابنة ثماني عشرة، وهذا يعني أنها ولدت قبل البعثة بأربع سنين.
جاء فحوى هذا القول في أحد النصوص عند ابن إسحاق، وفي كلام الطبري في أحد الموضعين اللذين ذكر فيهما ولادة عائشة رضي الله عنها، كما سيأتي في الفقرة الرابعة والخامسة من القرائن الدالة على هذا القول، وكذا في كلام ابن عبد البر في كتابه الدرر في اختصار المغازي والسير في أسماء المسلمين الأوائل، وهذا بخلاف قوله الذي ذكره في الاستيعاب.
هنالك قرائن تدل على أن عائشة رضي الله عنها وُلدت قبل البعثة النبوية، وليس بعدها، وهي قرائن وليست أدلة، ومجموع القرائن ينتج دليلا.
وهذه إحدى عشرة قرينة تدل على أنها وُلدت قبل البعثة النبوية وليس بعدها:
1 ـ عائشة أصغر من أختها أسماء رضي الله عنهما بعشر سنين، وقد وُلدت أسماء قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، أي قبل البعثة النبوية بأربع عشرة سنة، وهذا يعني أن عائشة ولدت قبل البعثة بأربع سنوات.
روى ابن عبد البر في الاستيعاب [2/ 616] وابن عساكر في تاريخ دمشق [69/ 8] عن ابن أبي الزناد أنه قال: كانت أسماء بنت أبي بكر أكبر من عائشة بعشر سنين أو نحوها.
وقال أبو نُعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة [6/ 3253] وابن عساكر في تاريخ دمشق [69/ 9] في ترجمة أسماء: "وُلدتْ قبل التأريخ بسبع وعشرين سنة، وتوفيت سنة ثلاث وسبعين بمكة بعد قتْل ابنها عبد الله بن الزبير بأيام ولها مئة سنة". قبل التأريخ أي قبل الهجرة.
ومما يؤكد هذه الرواية في معرفة سنة ولادة أسماء رضي الله عنها ما رُوي عنها بالسند الصحيح أنها قالت: "رأيت زيد بن عمرو بن نفيل وهو مسند ظهره إلى الكعبة وهو يقول ما منكم اليوم أحد على دين إبراهيم غيري". [فضائل الصحابة للنسائي: 84. معجم الصحابة للبغوي: 822. معرفة الصحابة لأبي نعيم: 2843].
وقد توفي زيد بن عمرو وقريش تبني الكعبة قبل أن ينزل الوحي على رسول الله بخمس سنين، كما رواه ابن سعد في الطبقات عن سعيد بن المسيب، أي قبل الهجرة بثمانية عشر عاما، فيكون عمرها وقت سماعها إياه تسع سنين، وهذا معقول، لأن من يضبط مثل هذا السماع منه لا يكون دون تسع في الغالب. [الطبقات الكبرى لابن سعد: 3/ 381].
قال ابن الأثير في أسد الغابة [6/ 9] في ترجمة أسماء رضي الله عنها: [قال أبو نعيم: وُلدتْ قبل التاريخ بسبع وعشرين سنة. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: توفيت أسماء بمكة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وماتت وقد بلغت مئة سنة].
2 ـ روى البخاري [4876، 4993] عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعبُ {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده".
قال الواحدي في كتابه التفسير البسيط [21/ 121]: قال عطاء عن ابن عباس: "كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين". وذكره عدد من المفسرين من بعده منهم القرطبي في تفسيره. وإذا كان ذلك كذلك فهذا يعني أن هذه الآية نزلت قبل الهجرة بخمس سنين وبعد البعثة بثمان.
وقال ابن سيده في المحْكم وابن منظور في لسان العرب: الجارية: "الفتيَّة من النساء". والفـَتِـيَّة هي الشابّة. وكأنهم يطلقون لفظة الجارية على البنت في أول فـَتائها وشبابها حيث تجري جيئة وذهابا.
فكم كان عمر عائشة عند نزول قوله تعالى {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} الذي نزل بعد البعثة بثمان سنين؟!.
أما على القول المشهور فيكون عمرها أربع سنوات، ومن كانت في هذه السن فلا يُطلق عليها لفظ الجارية عند الإطلاق، أي في غير المقابلة بين الذكر والأنثى، فالظاهر أن عمرها كان وقت نزول الآية ثنتي عشرة سنة، وهذا هو المنسجم مع أصل معنى الجارية في اللغة.
3 ـ روى البخاري [بعد 2298، 3905] عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "لم أعقلْ أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمرَّ علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتـُلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قِبَل الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة ...". الحديثَ.
وجه الدلالة من هذه الرواية أمران:
أولهما أن الطفل لا يدرك في العادة تديُّنَ والديه بدين مغاير لدين أكثر الناس مِن حوله قبل سن الرابعة على الأقل، ولو كانت عائشة قد وُلدت في السنة الرابعة من البعثة وكان أول وعيها بما حولها في السنة الثامنة منها لكان قولها "لم أعقلْ أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين" تحصيلَ حاصل غيرَ ذي فائدة، لأن أبا بكر معلومٌ سبْقه إلى الإسلام، وأم رومان أسلمت بمكة قديما كذلك، كما قال ابن سعد.
لكن إذا كانت قد وُلدت قبل البعثة بأربع سنوات وكان أول وعيها بما حولها في السنة الأولى من البعثة فيكون لهذا القول فائدة، وهي أنها ـ أولَ ما بدأت تعي ما حولها ـ رأت والديها كليهما يدينان بدين الإسلام، وليس والدَها فقط.
وهذا دليل على أن ولادتها كانت قبل البعثة بنحو أربع سنوات، وهذا ما دلت عليه القرائن الأخرى.
وثانيهما أن قولها "فلما ابتـُلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قِبَل الحبشة" معطوفًا على إدراكها لأبويها وهما يدينان الدين فيه إشارة خفيفة إلى أنها كانت إذ ذاك واعية لهذا الحدث، وخروجُ الصحابة من مكة للهجرة قِبَل الحبشة كان في أواسط السنة الخامسة من البعثة، وهجرتهم الثانية إليها في أواخر الخامسة أو أوائل السادسة.
ولو كانت عائشة قد وُلدت في السنة الرابعة من البعثة لما كان ممكنا لها أن تدرك ما حدث في أوائل السادسة، لكن إذا كانت قد وُلدت قبل البعثة بأربع سنوات فهذا يعني إمكانَ إدراكها لذلك بوضوح.
4 ـ قال محمد بن إسحاق في السيرة النبوية [ص 143] في ذكْر أسماءِ أوائل من أسلموا: "ثم أسلم ناس من قبائل العرب، منهم سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وامرأته فاطمة بنت الخطاب، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة بنت أبي بكر وهي صغيرة، ثم إن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاء به".
ونقَله عن ابن إسحاق: ابنُ أبي خيثمة في التاريخ الكبير [1/ 168]، والبيهقي في دلائل النبوة [2/ 154]، وابن عبد البر في كتاب الدرر في اختصار المغازي والسير [ص 39]، والكَلاعي في الاكتفاء [1/ 173]، وابن كثير في البداية والنهاية [3/ 37]، والمقريزي في إمتاع الأسماع [9/ 99]، دون إنكار.
قال ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير [2/ 770] نقلا عن ابن إسحاق: أسلمتْ عائشة بنت أبي بكر الصديق بعد ثمانية عشر إنسانا ممن أسلم، أسلمتْ وهي صغيرة.
كلام ابن إسحاق يفيد أن عائشة كانت قد أسلمت بعد ثمانية عشر إنسانا ممن أسلموا، أي في فترة الدعوة الأولى بعد البعثة وقبل الجهر بالدعوة، وأنها كانت صغيرة، وإذا كانت عائشة قد وُلدت قبل البعثة بأربع سنين وأحضِرت إلى بعض تلك المجالس في تلك الفترة فهذا معقول ومقبول، أما على القول بأنها وُلدت بعد البعثة بأربع سنين فهذا لا يستقيم أصلا، إذ ما كانت ـ على هذا القول ـ قد وُلدت بعد، ولعل ابن إسحاق ذكرها في المسلمين الأولين رغم صغر سنها لمقام والدها أبي بكر رضوان الله عليه، ولتكون معطوفة على أختها أسماء التي هي أكبر منها بعشر سنوات.
5 ـ قال الطبري في تاريخه [3/ 425 ـ 426]: "تزوج أبو بكر في الجاهلية قـُتيلة ابنة عبد العُزَّى فولدت له عبد الله وأسماء، وتزوج أيضا في الجاهلية أم رومان بنت عامر فولدت له عبد الرحمن وعائشة، فكل هؤلاء الأربعة من أولاده وُلدوا من زوجتيه اللتين سميناهما في الجاهلية".
صرح الطبري بأن أبا بكر تزوج زوجته الأولى قـُتيلة ابنة عبد العُزَّى في الجاهلية، وأنه تزوج زوجته الثانية أم رومان بنت عامر في الجاهلية كذلك، ثم ذكر أولاده الأربعة وقال: "كل هؤلاء الأربعة من أولاده وُلدوا من زوجتيه اللتين سميناهما في الجاهلية".
فقوله هنا "في الجاهلية" إنما يعني به أن أولئك الأربعة من أولاده وُلدوا في الجاهلية، ويُستبعد أنه يريد به زوجتيه، لأنه كان قد نصَّ من قبلُ على أن كل واحدة من تينك الزوجتين قد تزوجها في الجاهلية.
وإذا كان ذلك كذلك فهذا نص تاريخي واضح صريح في أن عائشة رضي الله عنها وُلدت قبل البعثة النبوية.
6 ـ روى ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني [3006] والطبراني في المعجم الكبير [57 من الجزء 23] والحاكم في المستدرك [2738، 4494] عن عائشة رضي الله عنها أن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون رضي الله عنهما قالت بمكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيْ رسولَ الله، ألا تتزوج؟!. قال: ومَن؟. قالت: إن شئتَ بكرا وإن شئتَ ثيبا. قال: فمَن البكر؟. قالت: بنتُ أحب خلق الله إليك، عائشة بنت أبي بكر. قال: ومَن الثيب؟. قالت: سودة بنت زمعة. قال: فاذهبي فاذكريهما عليَّ. وكان هذا بعد وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها، كما بينتْه الروايات الأخرى.
يدل السياق على أن خولة رضي الله عنها أرادت أن تخطِب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة السيدة خديجة لأنه أصبح بدون زوجة، وفي غاية البعد أن تخطِب له في هذه الحال مَن لها من العمر ست سنوات!. لكن إذا كانت بنت أربع عشرة سنة فهذا معقول.
وذلك لأن مَن بلغ الخمسين من العمر وتُوُفيت زوجته الوحيدة فليس من الوارد البتة أن تخيره الخاطبة بين بنت عمرها ست سنوات وبين امرأة مكتملة.
ـ لا شك في أن اجتماع هذه القرائن على القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم عقَد عقْد النكاح على عائشة وعمرها أربعة عشر عاما وتزوجها وعمرها قرابة ثمانية عشر عاما يدل دلالة قوية على أن هذا هو الصحيح.
ـ وأما ما ثبت عن عائشة من أن رسول الله تزوجها وهي ابنة تسع سنين فلا بد أن يكون وهَما، وقد عاشت رضي الله عنها ـ على القول المرجَّح هنا ـ خمسة وسبعين عاما، فلعلها قد أصابها شيء من النسيان في هذا الأمر فروتْه على التوهم.
ويبدو أن توهيم القول المروي عن عائشة رضي الله عنها لا مناص عنه، وذلك لاجتماع تلك القرائن التي تقدم ذكرُها على خلافه.
ـ خلاصة البحث:
ترجح من اجتماع عدد من القرائن أن السيدة عائشة رضي الله عنها وُلدت قبل البعثة بأربع سنوات، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عقد عليها في السنة العاشرة من البعثة وعمرها أربعة عشر عاما، قبل الهجرة بثلاث سنوات، وتزوجها في أواخر السنة الأولى بعد الهجرة وعمرها يقرُب من ثمانية عشر عاما.
الحديث الوارد في تحديد عمر عائشة بست سنوات يوم العقد وبتسع سنوات يوم الزواج مروي عنها بعدة أسانيد صحيحة، لكنه مخالف للقرائن التاريخية الثابتة، فهو شاذ، ومحمول على أنه من الأوهام.
هذا وقد ذكر الأئمة رحمهم الله تعالى أن الحديث إذا خالف متنـُه ما هو أقوى ثبوتا منه فإنه يُرد، لأن ذلك يدل على أنه قد تطرق إليه الخلل بسبب وقوع أحد رواته في الوهَم. والله أعلم.
أقول: وهذه قرينة جديدة وقفتُ عليها بعد تلك القرائن الست:
7 ـ روى الطحاوي في أحكام القرآن [409] عن علي بن عبد الرحمن عن المنجاب بن الحارث التميمي، وعن فهد بن سليمان عن محمد بن سعيد الأصبهاني، كلاهما عن علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "ما عِلـْمُ أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!، وإنما كانا غلامين صغيرين".
[علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة كوفي نزيل مصر، ثقة مات سنة 272. المنجاب بن الحارث كوفي ذكره ابن حبان في الثقات وروى عنه مسلم روايات عديدة في صحيحه، ووثقه الذهبي وابن حجر، ومات سنة 231. وفهد بن سليمان كوفي قدم مصر ثقة مات سنة 275. ومحمد بن سعيد الأصبهاني كوفي ثقة مات سنة 220. علي بن مسهر كوفي ثقة مات سنة 189. هشام بن عروة بن الزبير مدني قدم العراق، ثقة ربما دلس الإسناد عن أبيه بالعراق، ومات سنة 146. عروة بن الزبير ثقة مات سنة 94 تقريبا]. فهذا إسناد جيد.
ورواه الطبراني في المعجم الكبير [711] عن محمد بن عبد الله الحضرمي عن منجاب بن الحارث عن علي بن مسهر عن هشام بن عروة أنه قال قالت عائشة. فذكره. [محمد بن عبد الله الحضرمي مطيَّن كوفي ثقة حافظ مات سنة 297 وعاش 95 سنة]. وهذا الطريق منقطع بين هشام بن عروة وعائشة.
ورواه ابن عساكر [20/ 393 ـ 394] عن أبي الحسن علي بن الحسن الموازيني عن أبي الحسين بن أبي نصر عن أبي بكر يوسف بن القاسم عن أحمد بن محمد بن ساكن عن علي بن الهيثم عن المعلى بن منصور عن علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
[علي بن الحسن الموازيني دمشقي ثقة مات سنة 514. محمد بن عبد الرحمن بن أبي نصر دمشقي عدل مأمون مات سنة 446. يوسف بن القاسم الميانجي ثقة ولد قبل سنة 290 ومات سنة 375. أحمد بن محمد بن ساكن الزنجاني صدوق مات قبل سنة 300. علي بن الهيثم بغدادي روى عنه البخاري حديثا في صحيحه، وقال عنه ابن حجر مقبول. المعلى بن منصور رازي نزيل بغداد ثقة فيه لين مات سنة 211]. وعلقه ابن عبد البر في جامع بيان العلم [2146، 1196] عن علي بن مسهر به متصل الإسناد، فلعل الراجح أن هذا القول ثابت عن عائشة رضي الله عنها.
وإذا كان ذلك كذلك فمن المهم معرفة سنة ولادة أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك رضي الله عنهما لتتم المقارنة بينهما وبين عائشة في السن، وكلاهما ولدا قبل الهجرة بعشر سنوات تقريبا، وعائشة ـ على القول المشهور ـ أصغر من هذين الصحابيين بسنة، فلا يستقيم ـ إذا كانت أصغرَ منهما سنا ـ أن تقول عنهما "وإنما كانا غلامين صغيرين".
لكنها ـ على القول الثاني ـ أكبر منهما بسبع سنوات، فكل منهما ـ يوم زواجها الذي كان بعد الهجرة بقرابة عام ـ كان عمره أحد عشر عاما وهي بنت ثمانية عشر عاما، فهي أكثر منهما وعْيا للأحداث، فمن المعقول أن تقول عنهما بأنهما كانا غلامين صغيرين. فالحمد لله على توفيقه.
أقول: وهذه قرينة جديدة وقفت عليها بعد ذلك:
8 ـ روى البخاري [6285] من طريق مسروق عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: إنا كنا أزواجَ النبي صلى الله عليه وسلم عنده جميعا، لم تغادر منا واحدة، فأقبلت فاطمة عليها السلام تمشي، فلما رآها قال «مرحبا بابنتي»، ثم سارَّها، فبكتْ بكاء شديدا، فلما رأى حُزنها سارَّها الثانية، فإذا هي تضحك. الحديثَ.
ورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني [2970] والدولابي في الذرية الطاهرة [194] والطحاوي في مشكل الآثار [146] والطبراني في المعجم الكبير [1031 من الجزء 22] والبيهقي في دلائل النبوة [7/ 165] من طريق محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن أمه فاطمة ابنة الحسين عن عائشة به نحوه. [محمد بن عبد الله بن عمرو ضعيف].
في هذه الرواية زيادة ليست في الرواية الأولى، هي أن عائشة قالت لفاطمة: "أيْ بُنية، أخبريني ماذا ناجاك أبوك؟". والزيادة هنا ليست مظِنة للخطأ أو الوهَم.
ـ وجه الدلالة هو أن عائشة خاطبت فاطمة رضي الله تعالى عنهما في هذه الرواية بقولها لها "أيْ بنية"، وقد وُلدت فاطمة ـ على الأشهَر ـ قبل البعثة النبوية بخمس سنوات، أو قـُبيل البعثة أو بُعيدها بقليل.
وإذا كانت عائشة قد وُلدت بعد البعثة بأربع سنوات فهذا يعني أن فاطمة أكبر منها سنًّا بتسع سنوات أو بأربع على الأقل!، ومن المستغرب والمستبعد جدا أن تقول الصغيرة لمن هي أكبر منها بمثل هذا القدر "أيْ بنية"، حتى لو كانت القائلة زوجةَ أبيها.
أما إذا كانت عائشة قد وُلدت قبل البعثة بأربع سنوات فهذا يعني أن فاطمة أكبرُ سنًّا منها بسنة وربما ببضعة أشهر أو أصغرُ منها بثلاث سنوات أو أربع.
فمن رجَّح أن فاطمة أصغر بثلاث سنوات أو أربع فليس من المستبعد أن تقول الكبيرة للصغيرة "أيْ بنية"، ومن رجَّح أن فاطمة أكبر بسنة أو ببضعة أشهر ـ وهو القول الأشهَر ـ فليس لهذا الفرق الضئيل تأثير يمنع أن تقول الصغيرة للكبيرة "أيْ بنية" إذا كانت الصغيرةُ هي زوجةَ أبيها والكبيرةُ هي ربيبتَها.
ففي هذه الرواية قرينة واضحة على أن عائشة قد وُلدت قبل البعثة النبوية، ولعلها بأربع سنوات، وليس بعدها بأربع سنوات، وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة الإسناد فإنها لا بأس بها في الشواهد، فالقرائن بابها واسع.
أقول: وهذه قرينة جديدة ترجحت لي دلالتها الآن:
9 ـ روى ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني [3006، 3061] وابن راهويه [1164] وابن حنبل [25769] والطبري في التاريخ [3/ 162] والطبراني في الكبير [57، 80 من الجزء 23] والحاكم [2738، 4494] والبيهقي [14118] من طرق عن محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة أنها قالت: لما تُوفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون: أيْ رسول الله ألا تَزَوَّجُ؟!. قال: ومَن؟. قالت: إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا. قال: فمَن البكر؟. قالت: ابنة أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر. قال: ومَن الثيب؟. قالت: سودة بنت زمعة.
قولها ألا تَزَوَّجُ: أي ألا تتزوج؟!.
وفي هذا الحديث أن خولة بنت حكيم قالت لأبي بكر: أرسلَني رسولُ الله أخطِب عليه عائشة. فقال لها انتظري، وخرج، وقالت لها أم رومان والدة عائشة: إن مطعمَ بنَ عدي قد كان ذكرَها على ابنه، فوالله ما وعد أبو بكر وعدا قط فأخلفه. فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الفتى، فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مصْبِئٌ صاحبَنا مُدْخِلُه في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك؟!. قال أبو بكر للمطعم بن عدي: أقوْلَ هذه تقول؟!. قال: إنها تقول ذلك. فخرج من عنده وقد أذهب الله عز وجل ما كان في نفسه من عِدَتِه التي وعده.
عائشة لم تكن مخطوبة لجبير بن مطعم، وإنما كان المطعم بن عدي قد ذكرها مجرد ذكْر لتكون مخطوبة لابنه وأخذ وعْدًا من أبي بكر بالموافقة، ومثل هذا كثيرا ما يقع بين الناس حتى وإن كانت المخطوبة ومن خُطبت له طفلين صغيرين، وقد تكون بنت عام أو عامين.
سياق القصة يشير إلى أن المطعم بن عدي وزوجته كانا متمسكين بالشرك ويكرهان الدخول في الإسلام، كما يكرهان أن يتحول ابنهما إلى هذا الدين الجديد إذا تمَّ زواجه بعائشة، ومن المعلوم ما كان عليه أبو بكر رضي الله عنه من الحرص الشديد على دعوة الناس إلى الدخول في هذا الدين، فمن المستبعد جدا إذا كانت عائشة رضي الله عنها قد وُلدت بعد البعثة النبوية بأربع سنوات أن يذكرها المطعم بن عدي ـ مع شدة تمسكه بالشرك ـ خاطبا إياها على ابنه وأن يوافقَ أبو بكر على ذلك.
فلم يبق سوى أنَّ ذكْرَ المطعم بن عدي لعائشة كي تكون مخطوبة لابنه وأخْذَ الوعد بذلك من أبي بكر إنما كان قبل البعثة النبوية، وهذا يعني أن عائشة كانت قد ولدت قبل البعثة النبوية، وليس بعدها.
وهذه قرينة جديدة:
10 ـ روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه قال: لما كان يومُ أحد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سُليم تزفران القِرَب على متونهما، ثم تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم. [2880، 3811، 4064]. الذي جاء عنده في النص "تنقُزان القِرَب"، ويبدو أن هذا تصحيف.
قال الخطابي في كتابه أعلام الحديث [646]: [قوله "تنقـُزان" معنى النقْز الوثْب، وأحسبه "تزفِران"، والزَفْر: حَمْل القِرَب الثقال، ويقال للقِربة نفسها الزِفْر].
أقول: "تنقـُزان القِرَب" لا معنى له هنا، وقد أحسن الخطابي رحمه الله إذ فسر الزَفْر بحمل القِرَب الثقال، وفي لسان العرب لابن منظور ما يدل على أن الاشتقاق يشهد لذلك.
وإذا كان الأمر كذلك فهذا لا يستقيم على القول المشهور، لأن مَن كان لها من العمر أحد عشر عاما واشْتَهَر عنها أنها في صِغرها كانت نحيفة لم تحمل اللحم فهي لا تقوى غالبا على حمل قِرب الماء الثقال لتفرغها في أفواه الجرحى ثم ترجعَ فتملأها ماء وتعودَ بها من جديد، بخلاف من كان لها تسعة عشر عاما، وهذا يعني أن هذا هو القول الراجح.
11 ـ وههنا قرينة أراها في غاية الوضوح للدلالة على حصول خلل ما في هذه الرواية، هي في الطريقة التي تمَّ بها انتقال عائشة إلى بيت الزوجية، وقد رواها البخاري ومسلم عن عائشة نفسها.
[ذكرتُ نص الرواية التي نقلها البخاري ومسلم من طريق عروة بن الزبير عن خالته عائشة في أوائل هذا البحث، فارجعْ إليه].
فحْوى الرواية أن عائشة كانت في أرجوحة ومعها صواحبُها، فجاءت والدتُها، فصرختْ بها تناديها، فانطلقتْ إلى والدتها وهي لا تدري ما الذي تريده منها، فأخذتْ الوالدة بيد ابنتها، وكان نبض القلب عند عائشة يضرب بسرعة شديدة، وربما كان ذلك من الإجهاد في اللعب على الأرجوحة، حتى أوقفتْها والدتها على باب الدار، وأخذتْ شيئا من ماء فمسحت به وجهها ورأسها، ثم أدخلتْها الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، وإذا بهن يباركن لها، فأسلمَت الوالدة ابنتها إليهن، فأصلحْن من شأنها، وربما كان من ذلك تسريح الشعر مثلا، وكان الوقت ضُحًى، وإذا بها تُفاجأ بأن هذا اللقاء هو حفلة عُرْسها!.
ينبغي الإشارة هنا إلى أن عائشة رضي الله عنها لم تُفاجأ برسول الله صلى الله عليه وسلم زوجًا، لأن عقد الزواج قد تمَّ قبل ثلاث سنوات على الأقل، لكن المفاجأة كانت من حيث لم تكن تعلم أنها تُزف إليه في ذلك اليوم.
هل كانت الأعراس في العهد النبوي تتم هكذا؟!، وهل مثل هذا كان معهودا في عادات العرب؟!.
* ـ هذه إحدى عشرة قرينة تدل على أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قد حصل عندها في أواخر العمر شيء من النسيان، وليست كل واحدة من القرائن المتقدمة دليلا كافيا على حصول الوَهَم، لكن اجتماع تلك القرائن يشكل دليلا قويا على ذلك.
* ـ تعليقات موجزة مما يتعلق بهذا البحث:
ـ يرى بعض أهل العلم أن في القرآن الكريم دلالةً على أن تزويج الصغيرةِ غيرِ البالغة لا شيء فيه، وذلك في قوله تعالى في عدة الطلاق {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضْن}، وكأنه يرى أن اللائي لم يحضْن هن اللائي لم يبلغن ذلك السن لِصِغَرهن!، لكن الآية الكريمة تحتمِل ما ذكره وتحتمِل البوالغ بالسن ولم يحضْن، ولعل سياقها أوضح دلالة على هذا المعنى، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال.
فإن قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرَّ تزويج الصغيرات فيما رواه عنه أُبَي بن كعب.
قلت: روى الطبري في التفسير [23/ 451] من طريق مطرف بن طريف عن عمرو بن سالم عن أُبَي بن كعب أنه قال: يا رسول الله، إن عددا من عِدد النساء لم تُذكر في الكتاب، الصغار والكبار وأولات الأحمال، فأنزل الله تعالى {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن}.
[عمرو بن سالم أو عمر بن سالم: ذكره ابن حبان في الثقات في أتباع التابعين، وهم الذين ليس لهم رواية عن أحد من الصحابة، وقال الذهبي في الميزان: لا يكاد يُدرى من هو. وقال أبو أحمد الحاكم: روى عن أبي بن كعب مرسلا]. فهذا الإسناد ضعيف، فلا حجة لهم فيه.
ـ السؤال الذي ربما يثار الآن هو: هل زواج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة وهي في سن صغيرة فيه مثلبة ونقص نريد ـ بترجيح القول الثاني هنا ـ تنزيهَ مقامه صلى الله عليه وسلم عنهما؟!.
أقول:
ليس في زواج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها قبل البلوغ بالحيض ـ إن ثبت وقوعه ـ مثلبة ونقص أصلا، وأعوذ بالله تعالى أن يخطُر هذا أو مثقال ذرة منه ببال مسلم يؤمن بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم، ولو صحَّ وثبتَ وقوعُه فالواجب التسليم التام والإيمان الجازم بأنه كان لحكمة ربانية سواء فهمناها وأدركتْها عقولنا أو لم نفهمها.
مَن توهم أن توثيق هذا الخبر التاريخي يُراد له أن يحمل دلالاتٍ تناقض فحوى نص القرآن الكريم فقد أبعد النُجْعة، ومسألة البحث في مقدار عمر السيدة عائشة وقت الزواج ليست من هذا الباب، وإنما هي مسألة تاريخية، قد تصح وقد لا تصح، وشتان بين جواز وقوع الشيء وبين تحقق وقوعه، وبينهما فرق كبير.
هذا الموضوع التاريخي لا ينبغي البحث فيه من باب أن الثقافة المعاصرة لم تعدْ تستوعب مثل هذه الفوارق العُمْرية بين الزوجين، فما ثبت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله هو الميزان الذي توزن به الأفكار والآراء، لا العكس.
قال ربنا جل وعلا {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيتَ ويسلموا تسليما}.
الروايات التاريخية في أن سن عائشة رضي الله عنها وقت الزواج كان أكثر من تسعٍ ببضع سنوات هي روايات متعددة في كتب الحديث وكتب التاريخ، وهي قرائن لا يمكن أن نسمي أي واحدة منها دليلا مستقلا، ومَن ذهب وهْمه إلى أن القرينة دليل فليراجعْ فهْمه باللغة والفقه وأصوله، لكنْ من الممكن أن تكون القرينة جزءا من الدليل وأن يشكل مجموع القرائن دليلا مكتمِلا، أي أن يشكل مجموعها دليلا واضحا قويا لا يجوز تجاهله.
وإذا كان ذلك كذلك فلا يمكن ترجيح ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها من قولها على مجموع تلك القرائن، لأن القرائن المتعددة إذا بلغت مثل ذلك المبلغ فهي أقوى من قول صحابي واحد غير معصوم عن الذهول والخطأ والنسيان.
عائشة رضي الله عنها لا يمكن أن تغفـُل عن مثل هذا الأمر المهم في حياتها والذي يخصها في شخصها، لكنْ إذا اعتراها النسيان لكِبَر السن فهذا لا يمكن أن يُستبعد.
كتبُ الحديث أقوى في الموثوقية من كتب التاريخ، والمدار على صحة الأسانيد السالمة من العلل القادحة ومن الشذوذ، وعلى معرفةِ ما تفرد به راويه وما وقع فيه تعدد الطرق، وهذا من المتفق عليه، والمسألة هنا ليست المقارنة بين كتب الحديث وكتب التاريخ، لكنها المقارنة بين حديث فعْلي ثبت من طريق صحابي واحد في كتب الحديث وبين إحدى عشرة قرينة من كتب الحديث وكتب التاريخ، والذي أراه هنا هو أنه لا بد من ترجيح مجموع تلك القرائن. والله أعلم.
أنهيت كتابة أصل البحث بقرائنه الست الأولى منذ سنوات، ثم أتممت كتابته في 18/ 6/ 1436، الموافق 7/ 4/ 2015، سوى بعض الإضافات والتعديلات، وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
* ـ ملحوظة:
وقفتُ على نبذة مهمة بتاريخ 21/ 9/ 1444، الموافق 12/ 4/ 2023، فأرى أن أدوِّنها هنا، فقد روى ابن عساكر من طريق الحُميدي عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: "ما ماتت عائشة حتى تركتُها قبل ذلك بثلاث سنين". [تاريخ دمشق: 40/ 249. سير أعلام النبلاء للذهبي: 4/ 424]. ورواها عبد الله بن أحمد ابن حنبل عن أبيه عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة أنه قال في حديثه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: لقد تركتُها قبل أن تموت بسنتين ما أسألها عن شيء. [العلل عن ابن حنبل رواية ولده عبد الله: 191]. وسقط من كتاب العلل أن هشام بن عروة روى هذا عن أبيه، فهو قد وُلد بعد وفاة عمته عائشة.
وليس وقوع الوهَم الذي حصل عندها في مسألة مقدار عمرها هو الأمرَ الوحيد، بل هنالك غيره كذلك، فقد حصل لها رضي الله عنها وهَم في مسألة الركعتين بعد صلاة العصر، فانظره إذا شئت.
أزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذفA Modern Matn Criticism on the Tradition on ‘Ā’īsha's Age of Marriage: Translation and Analysis
ردحذفIn public criticisms on the Prophet Muḥammad among non-Muslims in the West two main issues are focused on; that he fought battles, which according to many makes him a barbarian warlord, and that he married a young girl, making him a pedophile according to modern standards. These two issues are used to criticize Islam as a backward and violent religion, but also to portray Muslims as naïve, backwards, or even potential suspects because they adhere to the teachings of such a man. Much has been written on Muḥammad's actions and ideas of war of which many show that the Qur'an teachings on war and Muḥammad's actions are very ethical and even in line with modern international law. But there has been a common acceptance of Muḥammad's marriage contract to ‘Ā’īsha while she being six years old, and her joining his house hold and consummating the marriage at the age of nine, as these ages are stated clearly in several historical sources.
Thus, the historical truth of her age is rarely challenged, but how to understand this within today's modern ethical framework has generated several responses which can be typified as: Approvalism; Cultural-contextual apologism; Modern projectionism apologism. It is an essay from the latter category written by a modern Ḥadīth scholar, the Syrian shaykh Ṣalāḥ al-Dīn al-’idlibī, which I will discuss here. In it he points out that because the Aisha-age-traditions are of authentic (ṣaḥīḥ) status, there is no avoiding in studying it. In his ’usūlī methodology it means that the ṣaḥīḥ status of the chain of transmission (isnād) demands that the contents (matn) must also be checked for an error (wahm), so that its probability status (ẓann) can be judged. He does this by using both graded and ungraded narrations, thus collecting as much evidence to prove there is a conflict between the gathered evidences and the original narration under question. Part of his argument is also based on the idea that it is unreasonable that she was four or younger at certain events and when she was proposed to the Prophet, which uses assumptions about a child's capability and the way seventh century culture discussed possible spouses. It thus not simply an argument based on clear textual and linguistic comparison, but also involves the idea of what is reasonable. All this taken together is enough proof for al-’idlibī to declare the Aisha-age-traditions as containing an error (wahm), and thus being defective (ma‘lūl
https://www.academia.edu/12866608/A_Modern_Matn_Criticism_on_the_Tradition_on_%C4%80_%C4%ABshas_Age_of_Marriage_Translation_and_Analysis