الاثنين، 30 أغسطس 2021

العقلية العلمية والعقلية الآبائية

 

العقلية العلمية تعني أن العقل يسعى إلى العلم والمعرفة ويتخطى الحواجز والعراقيل، وهذا يعنى الحركة الدؤوب والتصحيح والارتقاء المستمر وتشجيع البحث والاستمرار في الإبداع.  

العقلية الآبائية تعني أن العقل يميل إلى التمسك بما كان عليه الآباء ويقف عند الذي وصلوا إليه، وهذا يعني الجمودَ والقبول بما هو موجود وإيثار التقليد وتثبيط همم من يفكرون بالبحث، كما يعني قتل روح الإبداع.  

قد يقول قائل: هذا صحيح ومفيد في العلوم الدنيوية، كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والميكانيك والطب ونحوها، لكن علوم الشريعة التي تُتلقى بالوحي لا يمكن أن يتطرق إليها مثل هذا.  

أقول وبالله تعالى أستعين:  

كلام الله عز وجل كله حقائق قطعية لا شك فيها.  

وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الناطقِ بالوحي المبلغِ عن الله تعالى في أمور الشريعة هو كذلك إذا كان ثابتا عنه، وكذلك أفعاله وإقراراته.  

لكن كيف نصل إلى أن ما نُقل عنه هو ثابت عنه أو لا إذا لم نكن في زمنه المبارك ولم نسمع منه صلى الله عليه وسلم؟، لا بد من منهج علمي نستند إليه، وهو المنهج الذي أسهم في استلهامه من نصوص الكتاب والسنة كبارُ الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين في كل علوم الشريعة، ثم لا بد من جمع كتب التراث والنظر فيها بتأمل واع وتدقيق.  

لا بد من الحذر الشديد مما يحاول العالَمانيون والحِداثيون إدخاله وإقحامه في منهج التفكير، فقد قال الله عز وجل {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}. وقال سبحانه {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}. فالحذرَ الحذرَ.  

استنباط الأحكام الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية لا بد فيه من منهج علمي، وهذا المنهج اجتهادي، والأحكام المستنبطة من الأصول على ذلك المنهج اجتهادية، وقد تكون القواعد الأصولية والأحكام الفرعية المستنبطة مما يحتاج لمراجعة.  

مرتْ على الأمة فتراتُ ازدهارٍ علميةٌ نبغ فيها علماءُ كبار في شتى فروع المعارف الإسلامية، لكن سنة الله في خلقه قضت أنه يتلو أزمنةَ الازدهار والتقدم فتراتٌ من الركود.  

الحوادث المتجددة عبر العصور والمتسارعةُ في عصرنا الحاضر هي بحاجة لمن يتكلم فيها من فقهاء الشريعة ويستنبط لها الأحكام.  

بعض الناس يتصورون أن ما توارثته الأجيال عبر القرون الإسلامية من كتب التفسير والحديث والعقيدة والأصول والفقه والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي هو على التمام والكمال، وأن فيها ما يكفي لتصحيح الصحيح وتضعيف الضعيف، وأن فيها ما يغني عن مزيد من النظر للإضافة والمراجعة.  

وبعض الناس يتصورون أن ما توارثته الأجيال من تلك الكتب هو على نقيض التمام والكمال، وأن معظمه أخطاء، وأن الحاجة ماسة لإعادة النظر فيه جملة وتفصيلا لأنه ـ بزعمهم ـ لا يصح فيه إلا القليل.  

الذي أراه ـ والله أعلم ـ هو لا هذا ولا ذاك، أعني أن التراث الإسلامي في مجمله ناصع مشرق، وأن فيه الكثير من الفحص والتقعيد والتأصيل والمراجعات، وأن فيه بعض الهَنَات التي ينبغي أن تُستكمل، وأن من ينظرون إليه في مجمله أنه على نقيض التمام والكمال هم إما أناس تنقصهم المعرفة أو ينقصهم العدل والإنصاف أو ينقصهم الإيمان واليقين.  

نحن بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن نستفيد من البرامج المعلوماتية التي وضعت أمامنا كتبَ التراث الإسلامي وأتاحت لنا من تسهيل سبل البحث الشيء الكثير مما لم يكن يخطر على بال، وهذا نعمة كبرى من الله عز وجل، والنعمة تقتضي شكر المنعم، والشكر المطلوب منا هو أن نستخدم هذه النعمة في البحث العلمي الذي يرضي اللهَ تعالى وأن نحْمَده على ذلك.  

اللهم وفقنا لما تحب وترضى، واجعلنا هادين مهديين، والحمد لله رب العالمين. 

الأربعاء، 24 فبراير 2021

مَن جهل شيئا عاداه‎

نقل الإمام أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي المتوفى سنة 427 رحمه الله في تفسيره المسمى بالكشف والبيان عن تفسير القرآن عن الإمام أبي علي الحسين بن الفضل النيسابوري المتوفى سنة 283 رحمه الله أنه سئل: هل تجد في القرآن مَن جهل شيئا عاداه؟. فقال: "نعم، موضعين، قوله {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه}، وقوله {وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم}".  


أقول:  


الثعلبي لمن لا يعرفه قال عنه الإمام الذهبي رحمه الله: كان أوحدَ زمانه في علم القرآن. والحسين بن الفضل النيسابوري قال عنه الذهبي: إمام عصره في معاني القرآن. 


هذا المعنى القرآني غفَل عنه كثير من الناس، وغفَلوا عما هو المطلوب منا إذا عقلناه. 


قوله تعالى {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه} خبر، وقوله تعالى {وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} هو خبر كذلك، ونحن نصدق الله جل جلاله فيما أخبر، لكن الخبر قد يتضمن شيئا آخر غير الإخبار. 


المعنى المتضمَّن ـ والله أعلم ـ هو التحذير لنا من أن نكون كذلك، أي التحذير من أن نكون من الذين يكذِّبون بأي شيء لا يحيطون بعلمه، ومن أن نكون من الذين إذا لم يدركوا الاهتداء بشيء تعجلوا ونبزوه بأه إفك قديم!. 


ما المراد إذن؟: 


يرشدنا ربنا تبارك وتعالى إلى التدبر والتأني وعدم التسرع في الإنكار، وإلى أن الواجب علينا هو سلوك سبيل العلم والبحث عن الدليل، فما قام الدليل على صحته قبلناه وما قام الدليل على بطلانه أنكرناه وما لم نجد الدليل على صحته ولا على بطلانه سكتنا. 


الله علمنا جميعا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. 


 

الأربعاء، 3 فبراير 2021

الدخول على السلطان الصالح أو السلطان

 الدخول على السلطان الصالح أو السلطان الذي هو قابل للنصح وللمشي في طريق الصلاح والإصلاح هو من الفضائل، وفيه خير كبير.  

وقد روى مسلم عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة". قال: قلنا: لمن؟. قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".  

أما الدخول على السلطان البعيد عن طريق الصلاح والإصلاح فهذا ما حذر منه العلماء الصادقون، وخاصة إذا دخل عليه العالم لينال لديه حظا من الدنيا، من المال أو الوجاهة، لا للنصح والإصلاح.  

استشار أبو وائل شقيقُ بن سلمة علقمةَ بن قيس رحمهما الله في الدخول على عبيد الله بن زياد فقال له: "لن تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك مثله".  

فأولئك الذين حذر السلف من الدخول عليهم.  

قال أبو حامد الغزالي المتوفى سنة 505 رحمه الله: "الدخول على الأمراء والعمال الظلمة مذموم جدا في الشرع، وفيه تغليظات وتشديدات تواردتْ بها الأخبار والآثار، فمن نابذهم نجا، ومن اعتزلهم سلم أو كاد أن يسلم، ومن وقع معهم في دنياهم فهو منهم" 


أبو حامد الغزالي

قال أبو حامد:

أصل المحاسدات العداوة، وأصل العداوة التزاحم على غرض واحد، ومنشأ جميع ذلك حب الدنيا، فإن الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين، أما الآخرة فلا ضيق فيها، فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة، لأن مقصدهم معرفة الله تعالى، وهو بحر واسع لا ضيق فيه، وغرضهم المنزلة عند الله، ولا ضيق فيما عند الله تعالى، لأن أجلَّ ما عند الله سبحانه من النعيم لذة لقائه، وليس فيها ممانعة ومزاحمة، ولا يضيّق بعض الناظرين على بعض، فإذا قصد العلماء بالعلم المالَ والجاهَ تحاسدوا.

قلت: أي فلذلك لا يكون بين علماء الدين الحقيقيين محاسدة، ولا يقصد بكلمته هذه علماءَ الدين الذين ليس لهم منه حظ سوى الطلاء الخارجي.

الله إني أعوذ برضاك من سخطك يا رب العالمين.

•••••••••••••••••••••••••••••

قال أبو حامد:

المحسود ينتفع بحسدك أيها الحاسد في الدين والدنيا، أما منفعته في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك، لا سيما إذا أخرجك الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك ستره وذكر مساويه، فهذه هدايا تهديها إليه، أعني أنك بذلك تهدي إليه حسناتك، وتكون سببا في زيادة نعم الله عليه، إذ وفقك الله للحسنات فنقلتها إليه، فأضفتَ إليه نعمة إلى نعمة، وأضفتَ إلى نفسك شقاوة إلى شقاوة، وأما منفعته في الدنيا فهو أن أهم أغراض الخلق مساءةُ الأعداء وغمهم وشقاوتهم وكونهم معذبين مغمومين، ولا عذاب أشد مما أنت فيه من ألم الحسد، وغاية أماني أعدائك أن يكونوا في نعمة وأن تكون في غم وحسرة بسببهم، وقد فعلت بنفسك ما هو مرادهم، فما أنت فيما تلازمه من غم الحسد إلا كما يشتهيه عدوك، فإذا تأملتَ هذا عرفتَ أنك عدو نفسك، إذ تعاطيت ما تضررت به في الدنيا والآخرة وانتفع به عدوك في الدنيا والآخرة، وصرت مذموما عند الخالق والخلائق، شقيا في الحال والمآل.

•••••••••••••••••••••••••••••

قال أبو حامد:

من أسباب حسد الحاسد حب الرياسة وطلب الجاه لنفسه من غير توصل إلى مقصود، وذلك كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون، إذا غلبَ عليه حبُّ الثناء واستفزه الفرح بما يُمدح به من أنه واحد الدهر وفريد العصر في فنه وأنه لا نظير له، فإنه لو سمع بنظيرٍ له في أقصى العالم ساءه ذلك وأحب موته أو زوال النعمة عنه التي بها يشاركه المنزلة، وهذا وراء ما بين آحاد العلماء من طلب الجاه والمنزلة في قلوب الناس.

قلت: حب الشهرة مثل حب الرياسة، والمقصود من قوله “العلماء” هنا: العلماء الذين يتعلمون العلم الشرعي للدنيا، لا للآخرة.

•••••••••••••••••••••••••••••

قال أبو حامد:

أسباب الحسد إنما تكثر بين أقوام تجمعهم روابط يجتمعون بسببها في مجالس المخاطبات ويتواردون على الأغراض، فإذا خالف واحد منهم صاحبه في غرض من الأغراض نفر طبعه عنه وأبغضه وثبت الحقدُ في قلبه، فعند ذلك يريد أن يستحقره ويتكبر عليه، ويكرهُ تمكنَه من النعمة التي توصله إلى أغراضه، فإذا تجاورا في مسكن أو سوق أو مدرسة أو مسجد تواردا على مقاصدَ تتناقض فيها أغراضهما، فيثور من التناقض التنافرُ والتباغضُ، ومنه تثور بقية أسباب الحسد، ولذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد، والعابد يحسد العابد دون العالم، والتاجر يحسد التاجر، بل الإسْكاف يحسد الإسْكاف، وكذلك يحسد العالمُ العالمَ ولا يحسدُ الشجاعَ، ثم حسد الواعظ للواعظ أكثر من حسده للفقيه والطبيب، لأن التزاحم بينهما على مقصود واحد أخص.

•••••••••••••••••••••••••••••

  

الثلاثاء، 19 يناير 2021

تسمية أتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالمسلمين

 

  

قال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون. وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم، وما جعل عليكم في الدين من حرج، ملة أبيكم إبراهيم، هو سَمَّاكم المسلمين من قبل وفي هذا، ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله، هو مولاكم، فنعم المولى ونعم النصير}.  

من الذي سمانا المسلمين؟:  

قال جمهور أهل التفسير هو الله عز وجل، منهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد وقتادة ويحيى بن سلام والضحاك بن مزاحم، ومحمد بن جرير الطبري وأبو جعفر النحاس وأبو الليث السمرقندي وابن أبي زمنين ومكي بن أبي طالب وأبو القاسم القشيري والواحدي وفخر الدين الرازي وأبو عبد الله القرطبي وحافظ الدين النسفي وابن كثير وغيرهم، وقال ابن كثير رحمه الله: "هذا هو الصواب".  

وقال بعض أهل التفسير هو إبراهيم عليه السلام، منهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبو المظفر السمعاني وأبو حيان.  

ولو كانت التسمية باسم المسلمين تشمل اليهود والنصارى لما كان الخطاب في الآية الكريمة {هو سَمَّاكم المسلمين} موجها من الله عز وجل لهذه الأمة المحمدية.  

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في التفسير: "الإسلام العام هو دين الله الذي كان عليه جميع الرسل، وحقيقة الإسلام الاستسلام لله تعالى والانقياد لطاعته، وأما الإسلام الخاص فهو دين محمد صلى الله عليه وسلم، ومنذ بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم لم يقبل من أحد دينا غير دينه وجعل بقية الأديان كفرا، لِـما تضمن اتباعُها من الكفرِ بدين محمد والمعصيةِ لله في الأمر باتباعه".  

وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 6/ 6/ 1442، الموافق 19/ 1/ 2021، والحمد لله رب العالمين.  

الأحد، 17 يناير 2021

هل اليهود والنصارى دينهم هو الإسلام؟

 

الإسلام بالمعنى اللغوي:

الإسلام في لغة العرب هو الخضوع والانقياد، وكل الأنبياء والمرسلين من الله جل وعلا كانوا خاضعين لله منقادين لحكمه، وفي هذا السياق تأتي الآيات القرآنية الكريمة التالية وغيرها:

قال الله عز وجل: {وله أسلم مَن في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون}.

وقال تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام}.

وقال تعالى: {واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبُر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، ثم اقضوا إلي ولا تنظِرونِ. فإن توليتم فما سألتكم من أجر، إن أجري إلا على الله، وأمِرتُ أن أكون من المسلمين}.

وقال تعالى إرشادا للحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم أن يقول: {إنما أمِرتُ أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء، وأمِرتُ أن أكون من المسلمين، وأن أتلوَ القرآن، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فقل إنما أنا من المنذِرين}.

وقال تعالى: {ومن يرغبُ عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسَه، ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين. إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت لرب العالمين. ووصى بها إبراهيمُ بنيه ويعقوبُ يا بني إن الله اصطفى لكم الدين، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوبَ الموت، إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي؟، قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون}.

وقال تعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام: {أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين}.

وقال تعالى: {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين}.

وقال تعالى: {فلما أحس عيسى منهم الكفر قال مَن أنصاري إلى الله؟، قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون، ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين}.

وقال تعالى: {قولوا آمنا بالله وما أنزِل إلينا وما أنزِل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون}.

وقال تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر، فأتبعهم فرعونُ وجنوده بغيا وعَدْوا، حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين}.

قال الإمام الطبري المتوفى سنة 310 رحمه الله في تفسيره موضحا قولَ فرعون: "آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنتْ به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين له، المنقادين بالذلة له، المعترفين بالعبودية".

فالأنبياء والرسل كلهم كانوا يدْعون إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وعبادة الله عز وجل والخضوع له والانقياد لحكمه.

فمن قال إنهم كانوا مؤمنين مسلمين بمعنى الخضوع لرب العالمين ومن أهل الجنة فهذا صحيح، لكن هل يُسمون مسلمين بالمعنى الاصطلاحي؟!، هذه نقطة اختلاف، ولكنه لا يضر، لأنه مجرد اختلاف في التسمية، ولكن الراجح أنهم مسلمون بالمعنى اللغوي، وأما بالمعنى الاصطلاحي فلا.

متى يتحقق معنى الإسلام لله؟:

الذين آمنوا بالله جل جلاله وبرسله الذين وصلتْ إليهم رسالاتهم وبالكتب الإلهية المنزلة على أولئك المرسلين عليهم صلوات ربي وسلامه مع العمل بما فيها هم مستسلمون لله خاضعون له منقادون لحكمه.

فاليهود الذين آمنوا بالله وبرسله وبسيدنا موسى عليه السلام وبالتوراة التي أنزلها الله عليه مع العمل بما فيها هم من المستسلمين لله الخاضعين له المنقادين لحكمه، ويستمر هذا الحكم لهم إلى مجيء سيدنا عيسى عليه السلام ورسالته، فمن آمن به وبالإنجيل الذي أنزله الله عليه فهو مؤمن، ومن كفر به وبرسالته فليس بمؤمن، لأنه لا يتحقق فيه أنه آمن برسل الله تعالى وكتبه.

وبعد بعثة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام لا يتحقق إيمان أحد وإسلامه ـ إذا بلغتْه الدعوة ـ إلا أن يؤمن به نبيا ورسولا للعالمين وبالقرآن كتابا منزلا من الله تعالى عليه مع العمل بما فيه.

قال الله تعالى في كتابه الكريم: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا، وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار}.

فالذي أدركتْه رسالة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به نبيا رسولا من عند الله وخاتم النبيين والمرسلين فلا ينطبق عليه أنه آمن برسل الله، لأنه استثنى منهم واحدا، وهو إمامهم وأفضلهم.

وقال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لـَمَا آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري؟، قالوا أقررنا، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين}.

وقال تعالى مخاطبا الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم: {قل أي شيء أكبر شهادة؟، قل الله شهيد بيني وبينكم، وأوحِي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومَن بلغ، أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟، قل لا أشهد، قل إنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون. الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم}.

قف عند الآية الكريمة {لأنذركم به ومن بلغ}، فكل من بلغه القرآن وبلغتْه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم صافية غير مشوهة ولم يؤمن به صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا إليه ولم يؤمن بالقرآن كتابا منزلا من عند الله فليس بمؤمن، لأنه ليس مستسلما لله جل وعلا وليس خاضعا له ولا منقادا لحكمه.

وقال تعالى: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت، وكان أمر الله مفعولا}.

فأهل الكتاب الذين آمنوا بكتب الله المنزلة على المرسلين صلوات الله عليهم ولم يؤمنوا بالكتاب المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن الكريم لا ينطبق عليهم أنهم آمنوا بكتب الله المنزلة، لأنهم استثنوا منها واحدا، ألا وهو القرآن الكريم، وهو المصدق لما بين يديه من الكتب الإلهية والمهيمن عليها.

وقال تعالى: {كنتم خير أمة أخرِجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله، ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم، منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون}.

قف عند قوله تعالى {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم}، ولو كانوا بعد بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يُعدون مؤمنين إيمانا صحيحا لكان يكفيهم ما هم عليه من الإيمان ولَمَا قال ربنا عز وجل {ولو آمن أهل الكتاب}.

وقال تعالى {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله}، أي على كل الأديان، وقد أيَّد الله تعالى المؤمنين بالنصر وأظهر دين الإسلام على الأديان كلها، ومن تلك الأديان اليهودية والنصرانية. فتلك أديان مغايرة لدين الإسلام.

وقال تعالى: {اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام دينا}.

وقال تعالى: {ورحمتي وسعتْ كل شيء، فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون}.

وهذه بعض الأحاديث النبوية في هذا المعنى:

روى البخاري [3456، 7320] ومسلم [6875] عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لتتبعُنَّ سَنَن مَن قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جُحر ضب لسلكتموه". قلنا: يا رسول الله!، اليهود والنصارى؟!. قال: "فمن؟!".

وروى البخاري [3167] ومسلم [4613] عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: بينما نحن في المسجد خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "انطلقوا إلى يهود". فخرجنا، حتى جئنا بيت المدراس فقال: «أسلموا تسلموا". لو كانوا مسلمين فلمَ قال لهم "أسلموا"؟!.

وروى مسلم في صحيحه [303] وابن حنبل في مسنده [8203] من طريقين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسِلت به إلا كان من أصحاب النار".

ورواه البزار [3050] والرُّوياني [526] عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم به نحوه.

وروى عبد الرزاق في المصنف [9985، 19365] وابن حنبل [201] ومسلم في صحيحه [4616] عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما». لو كانوا مسلمين فلمَ قال إنه سيخرجهم من جزيرة العرب؟!.

فمن قال إن أهل الكتاب بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم الذين بلغتهم دعوته نقية صافية ولم يؤمنوا بنبوته ورسالته وبالقرآن الكريم، من قال إن هؤلاء مؤمنون إيمانا صحيحا مقبولا عند الله فقد خالف كلام الله تعالى وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام وخرج من دين الإسلام.

ألا هل بلغت،؟!، اللهم فاشهد.

وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 3/ 6/ 1442، الموافق 16/ 1/ 2021، والحمد لله رب العالمين.