الخميس، 2 أبريل 2020

حديث "فـُقدت أمة من بني إسرائيل لا يُدرى ما فعلتْ، وإني لا أراها إلا الفأر"



هذا الحديث مداره فيما أعلم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورُوي في بعض الطرق عن ابن سيرين موقوفا على أبي هريرة من قوله، وفي بعضها عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا، ولا بد من البحث والدراسة ـ حسب منهج الأئمة المتقدمين رحمهم الله ـ لمعرفة هل صح الإسناد بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أوْ لا؟، أي هل الراجح فيه أنه مرفوع أو موقوف؟.
* ـ الروايات الموقوفة:
ـ روى مسلم هذا الحديث عن محمد بن العلاء عن حمادِ بن أسامة [7607]، وعبدُ الرزاق في المصنف [8399]، وابن حنبل عن عبد الرزاق وعن محمد بن جعفر وعن يزيد بن هارون [7750، 9326، 10594]، أربعتهم عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أنه قال: "الفأرة مسخ، وآية ذلك أنه يُوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه، ويُوضع بين يديها لبن الإبل فلا تذوقه". فقال له كعب: أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!. فقال: أفأنزِلت علي التوراة؟!.
[هشام بن حسان بصري مات سنة 148، ثقة فيما روى عن ابن سيرين، وهو ثقة فيه لين فيما روى عن غيره، وخاصة في روايته عن الحسن وعطاء. محمد بن سيرين بصري ثقة ثقة مات سنة 110]. هذا الطريق صحيح الإسناد.
ـ ورواه ابن حنبل [7882] عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه عن أيوب السَخْتِياني عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنه قال: فقِد سبط من بني إسرائيل. وذكر الفأرة، فقال: ألا ترى أنك إذا أدنيت منها لبن الإبل لم تقربه، وإن قربتَ إليها لبن الغنم شربته؟!. فقال: أكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. قال: أفأقرأ التوراة؟!.
[عبد الصمد بن عبد الوارث بصري ثقة فيه لين مات سنة 207. عبد الوارث بن سعيد بصري ثقة مات سنة 180. أيوب بن أبي تميمة السَخْتِياني بصري ثقة ثبت، مات سنة 131]. هذا الطريق جيد وإن كان عبد الصمد فيه لين، لأنه يعضده طريق هشام بن حسان.
* ـ الروايات المرفوعة:
ثم إن هذا الحديث رواه البخاري [3305] ومسلم [7606] وابن حنبل [7197] وأبو يعلى [6031] والطحاوي في مشكل الآثار [3273] وابن حبان [6258] من طرق عن خالد بن مهران الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظه عند البخاري: "فـُقدتْ أمة من بني إسرائيل لا يُدرى ما فعلتْ، وإني لا أراها إلا الفأر، إذا وُضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وُضع لها ألبان الشاء شربت". الشاء: الغنم.
[خالد بن مهران الحذاء بصري ثقة فيه لين تغير حفظه بآخره ومات سنة 141]. فهذا الطريق فيه لين.
ـ الرواية عند ابن حنبل ومسلم والبخاري فيها زيادة تشتمل على التصريح بأن أبا هريرة سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، وهي: قال أبو هريرة: فحدثتُ كعبا، فقال: أنت سمعت النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقوله؟!. قلت: نعم. قال لي مرارا، فقلت: أفأقرأ التوراة؟!.
في ثبوت هذه الزيادة بهذا اللفظ نظر، ويبدو أن التبِعة فيها على مَن دون خالد الحذاء، وذلك أن رواية ابن حنبل هي عن عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء به، ورواية مسلم هي عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب الثقفي به، ورواية البخاري هي عن موسى بن إسماعيل عن وُهيب بن خالد عن خالد الحذاء.
[عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي بصري اختلط قبل موته بثلاثِ أو أربعِ سنين. وُهيب بن خالد بصري ثقة تغير حفظه بآخره]. فلا يصح الاعتماد على الروايات التي فيها جواب أبي هريرة هنا بقوله نَعم.
وتلك الزيادة مروية عند أبي يعلى كذلك، وهي عن عبد الأعلى بن حماد عن وُهيب بن خالد عن خالد الحذاء به، لكن ليس فيها أن أبا هريرة أجاب كعبا بقوله نعم، وهي هذه: قال أبو هريرة: فحدثتُ بهذا الحديث كعبا، فقال: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!. فقال له مرارا، فقال أبو هريرة: فنزلتْ علي التوراة؟!. فهي بمثل رواية هشام بن حسان وأيوب السختياني.
ويبدو أن عبد الأعلى بن حماد سمع هذا الحديث مع هذه الزيادة من وُهيب قبل أن يتغير حفظه.
ـ وروى ابن حنبل هذا الحديث [10452] عن محمد بن عبد الله عن الأشعث عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمة من الأمم فُقدت، فالله أعلم: الفأر هي أم لا؟، ألا ترى أنها إذا وضِع لها ألبان الإبل لم تطعَمه؟".
[محمد بن عبد الله الأنصاري بصري ثقة ثم تغير حفظه لما كبر، مات سنة 215. أشعث بن عبد الملك الحُمْراني البصري ثقة مات سنة 142]. فهذا الطريق فيه لين.
ـ ورواه الطبراني في الصغير [886] والأوسط [6662] عن محمد بن إبراهيم بن سارية العكاوي المقرئ عن موسى بن أيوب النصيبي عن بقية بن الوليد عن إسماعيل بن عياش عن ابن عون عن ابن سيرين به مرفوعا.
[محمد بن إبراهيم بن سارية العكاوي المقرئ لم أجد له ترجمة، مجهول الحال، ولا ينفعه كونه مقرئا، فكم مِن أمثاله مَن يروي الأحاديث وهو لا يدري ما يحدث به. موسى بن أيوب النصيبي الأنطاكي صدوق. بقية بن الوليد صدوق فيه لين، وقد يدلس الإسناد عن الضعفاء وقد يسويه. إسماعيل بن عياش مخلط في روايته عن غير الحمصيين، وشيخه في هذه الرواية بصري. عبد الله بن عون بصري ثقة مات سنة 151]. فهذا الطريق شديد الضعف.
ـ ورواه أبو يعلى [6061] عن سُويد بن سعيد عن زياد بن الربيع اليَحْمَدي عن هشام بن حسان عن ابن سيرين به مرفوعا.
[سويد بن سعيد الهروي الحَدَثاني: قال ابن حجر: صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه]. فهذا الطريق ضعيف، ثم إنه منكر، لمخالفة راويه لأربعة من الرواة رووه عن هشام بن حسان به موقوفا.
أي إن الراوي هنا جعل الرواية عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواها حماد بن أسامة وعبد الرزاق الصنعاني ومحمد بن جعفر ويزيد بن هارون عن أبي هريرة من قوله، كما تقدم في الروايات الموقوفة. فهذا الطريق شديد الضعف.
ـ وهنالك حديث بعيد عن الحديث الذي هو محل الدراسة وإن كان أصله منه، ولا يفيد في مسألة الترجيح بين الرفع والوقف لاضطراب راويه فيه، ويحسُن إيراده للمعرفة:
رواه البزار [9986] عن محمد بن بشار عن إبراهيم بن الفضل بن أبي سُوَيد عن حماد بن سلمة عن أيوب السَخْتِياني وحبيب بن الشهيد وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الفأرة يهودية، ألا ترون أنها لا تشرب ألبان الإبل". ورواه أبو يعلى [6060] عن عبد الأعلى بن حماد عن حماد بن سلمة عن حبيب وهشام وأيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، أحسبه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الفأرة يهودية، وإنها لا تشرب ألبان الإبل". وذكره الدارَقطني في العلل [1836] وقال: رواه الحسن بن موسى عن حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد وهشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفا.
من هذه الروايات الثلاث يظهر أن حماد بن سلمة لم يضبط متن الحديث ولا إسناده، حيث رواه بلفظ بعيد عن اللفظ الذي رواه به جماعة من الرواة، ورواه مرة مرفوعا ومرة على الشك في رفعه ومرة موقوفا، والرواة عنه ثقات، فالظاهر أن عدم الضبط منه.
ـ هل صرح أبو هريرة بسماعه لهذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم؟:
تقدم ذكر هذا التصريح فيما رواه البخاري ومسلم وابن حنبل من طريق خالد الحذاء عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، وهذا لفظ الرواية الذي جاء عند البخاري عقب الحديث: قال أبو هريرة: فحدثتُ كعبا، فقال: أنت سمعت النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقوله؟!. قلت: نعم. قال لي مرارا، فقلت: أفأقرأ التوراة؟!. [وفي الرواية عند ابن حنبل "فقال لي ذلك مرارا"، وهذا اللفظ أوضح من "قال لي مرارا"، ومن المعلوم شدة حرصهم على الاختصار في الكتابة]. وتقدم ذكر ما يتعلق بإسناد هذه الرواية مما يدل على عدم قوة الإسناد.
قول أبي هريرة "أفأنزِلت علي التوراة؟!" ليس نصا في أنه سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان السؤال وقع من كعب مرة واحدة وأجابه أبو هريرة بهذا الجواب فهو في دائرة الاحتمال، لكن مما يجعل هذا الاحتمال بعيدا أن كعبا يكرر السؤال عليه مرارا فيجيبه بعد تكرار السؤال بهذا الجواب، وهذا يُبْعِدُ حمْله على معنى أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم لو تأملنا هذا النص مليا لوجدناه يحمل إشارتين واضحتين على عدم صحته:
الأولى في قوله "قلت: نعم. فقال لي مرارا، فقلت"، إذ لو كان أبو هريرة قد أجاب بقوله نعم لما كان كعب بحاجة إلى أن يعيد السؤال مرارا.
الثانية أنه لو كان أبو هريرة قد أجاب بقوله نعم لما كان لقوله "أفأقرأ التوراة؟!" معنى، وحيث إنه من الثابت عنه أنه قال "أفأقرأ التوراة؟!" فهذا يعني أنه لم يقع منه الجواب بنعم.
ثم إنه لو كان هذا الحديث مما سمعه أبو هريرة من النبي صلى الله عليه وسلم لصرح بذلك عندما سئل في أول مرة، بل لو كان قد سمعه منه عليه الصلاة والسلام أو ممن رواه له عنه لعزاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مُفتتح الحديث كما هو المعهود فيما كان يرويه عنه، وجوابه عن السؤال بقوله "أفأنزِلت علي التوراة؟!" يفهمنا أنه لا يريد أن يصرح بمصدر الخبر، وليس فيه أكثر من أنه ليس منقولا عن التوراة، والظاهر أنه سمعه من رجل ما، ويحتمِل أن يكون المسموع منه صحابيا وأن يكون تابعيا، والقضية فيها احتمالات، وليس بمثل هذا تثبت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
* ـ خلاصة الكلام في هذا الحديث من حيث الرفعُ والوقفُ:
هذا الحديث رواه هشام بن حسان وأيوب السَختِياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة موقوفا عليه من قوله، وطريق هشام صحيح وطريق أيوب جيد، فهو ثابت عن أبي هريرة من قوله، ورواه خالد الحذاء وأشعث بن عبد الملك عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطريق خالد الحذاء وطريق الأشعث كل واحد منهما فيه لين، والرواية المرفوعة ـ حسب منهج الأئمة النقاد ـ معلولة بعلة الوقف على الصحابي.
ويزيد الأمرَ تأكيدا قولُ أبي حاتم الرازي عن هشام بن حسان: كان صدوقا، وكان يتثبت في رفع الأحاديث عن محمد بن سيرين. وقولُ ابن حجر عنه: بصري ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين. وقولُ علي بن المديني في أيوب السَختِياني: أيوب أثبتُ في ابن سيرين من خالد الحذاء. وقولُ أبي حاتم عنه: هو أحب إلي في كل شيء من خالد الحذاء.
أي إن هذا الحديث لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ثابت من قول أبي هريرة، فلعله سمعه من بعض أهل الكتاب. والله أعلم.
وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدْلِبي، والحمد لله رب العالمين.
تتميم في إجابات عن بعض الأسئلة والتساؤلات:
ـ قلتُ في خالد بن مهران الحذاء "بصري ثقة فيه لين تغير حفظه بآخره"، ويميل بعض الباحثين الأفاضل إلى توثيقه دون تليين، وإلى أن كلام من تكلم فيه من أئمة الجرح والتعديل هو في رواية الشاميين عنه بأخرة، وليس في رواية البصريين عنه!.
أقول:
خالد الحذاء وثقه جماعة من النقاد وأشار بعضهم إلى تليينه، فقد قال فيه أبو حاتم الرازي "يُكتب حديثه ولا يُحتج به"، وروى العُقيلي في كتاب الضعفاء [402] عن يحيى بن آدم أنه قال: قلت لحماد بن زيد: ما لخالد الحذاء في حديثه؟!. فقال: قدِمَ علينا قدمة من الشام فكأنا أنكرنا حفظه. وروى العُقيلي كذلك عن عبد الله بن أحمد ابن حنبل عن أبيه أن إسماعيل ابن عُلية قيل له في حديث فقال: كان خالد يرويه فلم نكن نلتفت إليه. ضعَّف ابنُ علية أمْره. يعني خالد الحذاء. كذا في كتاب الضعفاء للعقيلي.
كلمة "ضعَّف ابنُ علية أمره" لعلها من قول الإمام أحمد أو من قول ولده عبد الله، والله أعلم، وحماد بن زيد وإسماعيل ابن عُلية كلاهما من الأئمة الحفاظ من أهل البصرة.
وقال ابن حجر عن خالد الحذاء في تقريب التهذيب: "هو ثقة يرسل، أشار حماد بن زيد إلى أن حفظه تغير لما قدم من الشام، وعاب عليه بعضهم دخوله في عمل السلطان".
فمثل هذا الراوي لا يُوثـَّق بإطلاق، ولكنه ثقة فيه لين.
ولم أجد من قيَّد التليين المذكور في خالد الحذاء بأنه في رواية الشاميين عنه، بل الظاهر أنه في رواية البصريين عنه قبل غيرهم، لأن اختلال حفظه كان بعد قدومه إلى البصرة من الشام، وقد قال عنه الإمام الحافظ حماد بن زيد وهو بصري: قدمَ علينا قدمة من الشام فكأنا أنكرنا حفظه.
وإذا كان هذا كذلك فلا ينفع هذا الحديثَ أنه رُوي عن خالد من طريق بعض البصريين عنه.
ـ هذا الحديث سئل عنه الإمام الدارقطني في العلل [1836] فتكلم على الخلاف في رفعه ووقفه بكلام ليس على المعهود في عادته، وكأنه لم يستحضر وقت السؤال ما ينبغي إيرادُه، فلم يرجح فيه شيئا.
ـ فإن قيل: لو ترجح عند الدارقطني القولُ بالوقف لأورده في الجزأين اللذين خصصهما للكلام على أحاديث الصحيحين.
قلت: الجزآن اللذان خصصهما الدارقطني رحمه الله للكلام على أحاديث الصحيحين أحدهما في الإلزام والآخر في الإعلال، فأما الأول فلا يعنينا هنا، وأما الآخر ففيه تتبع لبعض ما رأى فيه إعلالا، وقد ظن بعض الناس أنه سماه بالتتبع، وبنَوا على ذلك أن الحديث إذا كان في أحد الصحيحين ولم يذكره في الجزء المسمى بالتتبع فلا إعلال فيه عنده!، وهذا غير صحيح البتة، لأن تسمية ذلك الجزء بالتتبع ليست من كلام الدارقطني ولا من فحوى كلامه، وقد قال في مستهل ذلك الجزء: "ابتداءُ ذكْرِ أحاديثَ معلولةٍ اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو أحدهما بينت عللها والصواب منها".
ـ الغرابة في متن هذا الحديث:
قال الله تعالى {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين}، وقال تعالى {فلما عَتَوْا عما نُهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين}، وقال تعالى {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله؟:، مَن لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل}.
فقد ذكر ربنا عز وجل الذين مسخهم من بني إسرائيل وأنه إنما مسخهم قردة وخنازير، وهدَّد نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أقواما يبيتون على معصية الله عز وجل بأن الله تعالى يمسخهم قردة وخنازير، وذكر بعض الصحابة ومَن بعدهم القومَ الذين مسخهم الله وأنه مسخهم قردة وخنازير، ولم أجد في أي من النصوص ذكْر الفأر مع القردة والخنازير.
مَن أمعن النظر في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد أنه في كل قول من أقواله يوجه رسالة لأصحابه أو للأمة كافة من بعده، فإنه يطلب منهم فعل شيء أو تركه أو يرغبهم فيه أو يحذرهم منه أو يقترح شيئا أو يخبرهم عن شيء، وهكذا، فالحديث لا بد له من مدلول يدل عليه.
فما الذي يريد أن يقول لنا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إن صح عنه؟، يخبرنا هذا النص المروي عن أمة من بني إسرائيل "فـُقدتْ"، وإذا تساءلنا ما شأنها؟، فنجد أنه يقول حسب الرواية "لا يُدرى ما فعلتْ"، ثم يخبر عن ظن يظنه "وإني لا أراها إلا الفأر". وهذا غريب.
قال بدر الدين الدماميني المتوفى سنة 827 في كتابه مصابيح الجامع والبرماوي في اللامع الصَبيح والقسطلاني في إرشاد الساري: "لا أراها": بضم الهمزة. أي: لا أظنها إلا الفأر.
تتمة النص المروي "إذا وُضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وُضع لها ألبان الشاء شربت"، ومُفاده ـ كما يقول الشراح ـ أن بني إسرائيل حُرمت عليه لحوم الإبل وألبانها، والفأر مِسخ من بني إسرائيل، ولذلك تشرب الفأرة لبن الشاء ولا تشرب لبن الإبل، وهذا يعني أن الفأر الذي كان متناسلا حتى العهد النبوي هو من نسل الذين مُسخوا من بني إسرائيل فأرا.
فإن قيل: روى مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن أم حبيبة رضي الله عنها زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: قال رجل: يا رسول الله، القردة والخنازير هي مما مُسخ؟. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل لم يجعل لمِسْخ نسلا ولا عقِبا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك".
قالوا: لقد ظن النبي صلى الله عليه وسلم أن الفأر من نسل أولئك الممسوخين، وهذا في حديث أبي هريرة، ثم أعلمه الله تعالى أن الذين مُسخوا ليس لهم نسل، وهذا في حديث أم حبيبة.
وهنا يأتي السؤال:
إذا كان هذا الفأر ليس من نسل مَن مُسخوا من بني إسرائيل حسبما يقوله شراح الحديث استدلالا بحديث أم حبيبة فما بال الفأرة "إذا وُضع لها ألبان الإبل لم تشرب وإذا وُضع لها ألبان الشاء شربت"؟!!.
وإذا افترضنا أن حديث أم حبيبة ضعيف الإسناد وأن هذا الفأر هو من نسل مَن مُسخوا من عصاة بني إسرائيل فما باله يحافظ على ترك المحرمات التي لم يُمسخ أسلافه إلا لاجترائهم على اقتراف ما حرم الله عليهم؟!، ألأنهم تابوا من العصيان بعدما مُسخوا فهم الآن يلتزمون بعدم شرب ألبان الإبل؟!!.
بل هل الفأرة أصلا إذا وُضع لها ألبان الإبل لم تشرب وإذا وُضع لها ألبان الشاء شربت؟!.
لذلك أقول: مثل هذه التساؤلات تجعل متن هذا الحديث شاذا غريبا.
ـ أيها الإخوة الكرام:
من كان منكم مقلدا فالواجب عليه أن يقلد من يغلب على ظنه أنه أعلم، وكل واحد من المقلدين له شيخ يثق بعلمه فالواجب عليه أن يقلده.
ليس عليك من حرج أيها الأخ الكريم إذا كنت مقلدا أن تُعْرِضَ عن الكلام الذي يخالف ما أنت عليه وتتمسك بقول من تثق بقوله من أهل العلم، ولكن لا يجوز لك الكلام في مسائل العلم ما دمت مقلدا، لا إثباتا ولا نفيا ولا ترجيحا بدون دليل، لأنك ستُسأل عن ذلك يوم القيامة وأنت لست من أهل الدليل والاستدلال.
أما إذا كنتَ من أهل الاجتهاد في المسألة التي هي محل البحث فعليك أن تدلي برأيك مؤيدا بالحجة التي تنقض استدلالات الطرف الآخر، والعلم رحم بين أهله، فإن عجَزت عن أن تنقضها بالحجج العلمية فعليك القبول والإذعان للحق، أو أن تلزَم السكوت، ولا يجوز التمادي في الرد والإنكار بدون دليل.
أنصح من يريد قراءة مثل هذا البحث للمحاورة فيه أن يبدأ بقراءة مجموعة من الكتب المتخصصة في علوم الحديث الشريف، وأقترح على سبيل المثال الكتب والأبحاث التالية:
معرفة أنواع علوم الحديث لابن الصلاح.
النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر.
نزهة النظر لابن حجر.
كتاب العلل الكبير للترمذي.
علل الحديث لابن أبي حاتم.
كتاب العلل للدارقطني. وهو كتاب كبير فالرجاء قراءة بعض الأجزاء منه.
شرح العلل لابن رجب.
متنزه الأنظار في علوم الحديث.
منهج الإمامين البخاري ومسلم في إعلال المرويات الحديثية.
أحاديث الصحيحين هل ضعَّف بعض العلماء بعضها؟.
رتبة الاجتهاد ورتبة التقليد.
اللهم إنا نعوذ بك من الهوى ومن مضلات الفتن، اللهم اجعلنا وإخواننا وأحبابنا ممن بَرَّ واتقى وصدَّق بالحسنى ونهى النفس عن الهوى.
كتبَ أصلَ هذا البحث صلاحُ الدين بن أحمد الإدلبي قبل أكثر من سنتين، وتمَّ مع التنقيح والزيادات في 7/ 8/ 1441، الموافق 31/ 3/ 2020، والحمد لله رب العالمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.