الجمعة، 26 أكتوبر 2018

حديث "خيركم من طال عمره وحسن عمله"


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، رب تمم بالخير، واختم لنا بالخير، بفضلك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
رُوي هذا الحديث من رواية أبي بكرة وعبد الله بن بسر وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك:
ـ فأما حديث أبي بكرة فرواه أبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وابن حنبل والدارمي والترمذي والبزار والطحاوي في مشكل الآثار من طرق عن علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أنه قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس خير؟. فقال: "مَن طال عمره وحسن عمله". ورواه ابن حنبل والطحاوي في مشكل الآثار والحاكم من طرق عن الحسن عن أبي بكرة به.
وروى ابن عدي في الكامل بسند صحيح عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد أنه قال: ربما حدث الحسنُ بالحديث أسمعه منه، فأقول يا أبا سعيد أتدري من حدثك؟!، فيقول لا أدري إلا أنه سمعته من ثقة، فأقول أنا حدثتك.
والظاهر أن الحسن البصري كان قد سمع هذا الحديث من علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فرواه عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من تدليس الإسناد.
[علي بن زيد بصري ضعيف مات سنة 131، قال الترمذي في السنن: علي بن زيد صدوق إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره. عبد الرحمن بن أبي بكرة ثقة. الحسن البصري لم يثبت أنه سمع من أبي بكرة، وهو قد يدلس الإسناد ولم يصرح بالسماع]. فهذا الإسناد ضعيف.
ـ وأما حديث عبد الله بن بسر فرواه ابن أبي شيبة وابن حنبل والترمذي والطبراني في مسند الشاميين وابن المقرئ والبيهقي من طريق معاوية بن صالح، وابنُ حنبل وأبو زرعة الدمشقي في الفوائد المعللة والطبراني في مسند الشاميين من طريق حسان بن نوح، والطبرانيُّ في مسند الشاميين من طريق محمد بن الوليد الزبيدي ومن طريق صبيح بن محرز، والخطيبُ البغدادي في تلخيص المتشابه من طريق عمر بن جُعْثُم، خمستهم عن عمرو بن قيس السَكوني، ورواه الضياء المقدسي في المختارة من طريق أبي أحمد الحاكم بسنده عن أرطاة بن المنذر، كلاهما عن عبد الله بن بسر أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس خير؟. فقال: "مَن طال عمره وحسن عمله".
[عمرو بن قيس السَكوني حمصي ثقة مات سنة 136 تقريبا. أرطاة بن المنذر حمصي ثقة مات سنة 162]. طريق أبي أحمد الحاكم عن أرطاة بن المنذر سنده جيد، فإسناد هذا الحديث صحيح عن عبد الله بن بسر.
ورواه علي بن الجعد وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني وأبو نعيم في الحلية من طريق إسماعيل بن عياش، والطبرانيُّ في الأوسط من طريق الحارث بن يزيد السَكوني الحمصي، كلاهما عن عمرو بن قيس السَكوني عن عبد الله بن بسر المازني.
من هو عبد الله بن بسر؟ هل هو عبد الله بن بسر المازني أو غيره:
أكثر الرواة لهذا الحديث لم يذكروا عبد الله بن بسر منسوبا، فيحتمِل أن يكون هو المازنيَّ الحمصي، وهذا صحابي مات سنة 88 وهو ابن 94 سنة، وقال أبو القاسم عبد الصمد بن سعيد مات سنة 96 وهو ابن مئة سنة، وقال الخطيب البغدادي في تلخيص المتشابه بلغ مئة سنة، ويحتمِل أن يكون هو النصريَّ الدمشقي، وهذا ذكره ابن عبد البر وابن حجر في الصحابة ولا تثبت صحبته، ويحتمِل أن يكون هو الحُبْرانيَّ، وهذا حمصي نزل البصرة مات قرابة سنة 135، وهو ضعيف.
إسماعيل بن عياش الذي قال هو المازني لا يُحتج به لما فيه من ضعف، وكذا الحارث بن يزيد السَكوني، فهو وإن ذكره ابن حبان في الثقات فقد قال فيه أبو حاتم مجهول. فإسناد هذا الحديث عن عبد الله بن بسر المازني ضعيف.
ـ وأما حديث أبي هريرة فرواه ابن المبارك في الزهد وفي المسند عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم به نحوه. [يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب التيمي مدني منكر الحديث متروك]. فهذا الطريق تالف.
ورواه ابن أبي شيبة وابن حنبل والبزار وابن حبان والبيهقي من ثلاثة طرق عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خيركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا". محمد بن إسحاق قد يدلس الإسناد ولم يصرح بالسماع، فهذا الطريق ضعيف.
ورواه ابن حبان من طريق محمد بن عثمان العقيلي عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق أنه قال حدثني محمد بن إبراهيم التيمي. [محمد بن عثمان العقيلي ذكره ابن حبان في الثقات وقال يغرب]. فهذا الطريق لا يُعتمد عليه.
ـ وأما حديث جابر فرواه عبد بن حُميد من طريق عبد الله بن عامر عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا". [عبد الله بن عامر القارئ مدني ضعيف في رواية الحديث، مات سنة 151].
ورواه الحاكم والبيهقي من طريق أيوب بن سليمان بن بلال عن أبي بكر عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله به نحوه. [أيوب بن سليمان بن بلال مدني، وثقه أبو داود وغيره، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو الفتح الأزدي والساجي: يحدث بأحاديث لا يُتابع عليها. وضعفه ابن عبد البر، فهو صدوق فيه لين، مات سنة 224].
ورواه قوام السنة في الترغيب والترهيب من طريق عاصم بن علي عن أبي معشر عن محمد بن المنكدر عن جابر. [عاصم بن علي بن عاصم الواسطي صدوق فيه لين مات سنة 221. أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي مدني ضعيف واختلط بآخره، مات سنة 170].
وقال الدارقطني: اختُلف فيه على ابن المنكدر: فروي عن زيد بن أسلم وأبي معشر عن ابن المنكدر عن جابر، ورواه عبد العزيز بن الماجشون عن ابن المنكدر مرسلا. قلت: فحديث جابر ضعيف الإسناد.
ـ وأما حديث أنس فرواه أبو يعلى من طريق سهيل عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا أنبئكم بخياركم؟!". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "خياركم أطولكم أعمارا إذا سددوا". [سهيل بن أبي حزم بصري ضعيف مات قبل سنة 175]. فهذا الإسناد ضعيف.
ثم إنه لو لم يكن ضعيفا لما كان فيه حجة لمن يريد أن يحتج به، لأن البزار رواه في مسنده بالإسناد عينه بلفظ مغاير، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أنبئكم بخياركم؟!". قالوا: بلى. قال: "أحاسنكم أخلاقا".
* ـ هل تتقوى هذه الطرق الضعيفة ببعضها؟:
اشترط الإمام الترمذي رحمه الله في ترقية الأسانيد الضعيفة أن لا يكون الحديث شاذا، والمتأخرون يرون أن الحديث الذي تعددت طرقه وكان ضعفها ليس شديدا يرتقي لمرتبة الحسن، وأهملوا الشرط الثالث إهمالا تاما.
هل هذا الحديث فيه شذوذ؟:
آيات القرآن الكريم تربط الفضل ورفعة الدرجة بالعمل الصالح، فقد قال الله تعالى {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما}.
هذا ما يقوله لنا ربنا عز وجل، أما الحديث المروي عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فهو في واد آخر، إذ يُنسب لطلحة رضي الله عنه أن رجلين قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسلامهما جميعا، وكان أحدهما أشد اجتهادا من صاحبه، فغزا المجتهدُ منهما فاستُشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي، قال طلحة فيما نُسب إليه: فرأيت فيما يرى النائم كأني عند باب الجنة، إذا أنا بهما وقد خرج خارج من الجنة فأذن للذي تُوفي الآخِرَ منهما، ثم خرج فأذن للذي استُشهد، ثم رجعا إلي فقالا لي ارجع فإنه لم يأنِ لك بعد. فأصبح طلحة يحدث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مِن أي ذلك تعجبون؟!". قالوا: يا رسول الله، هذا كان أشدَّ اجتهادا ثم استُشهد في سبيل الله ودخل هذا الجنة قبله؟!. فقال: "أليس قد مكث هذا بعده سنة؟!". قالوا: بلى. قال: "وأدرك رمضانَ فصامه؟". قالوا: بلى. قال: "وصلى كذا وكذا سجدة في السنة؟". أو قال: "وصلى بعده ستة آلاف ركعة؟!". قالوا: بلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَلَمَا بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض".
وهذا يعني أن من صحب النبي صلى الله عليه وسلم وطال عمره فصلى عددا كثيرا من الصلوات وصام عددا كثيرا من الرمضانات هو أفضل عند الله تعالى ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم وجاهد واستُشهد وكان أشد اجتهادا في العبادة!، وأنه أفضل من معظم الصحابة الذين استُشهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم!، وأنه أفضل ممن بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة!. وهذا الحديث مخالف لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من فضل طلحة رضي الله عنه وبشارته له بالجنة.
ـ ثم إن المعهود في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يربط الخيرية والأفضلية بطول العمر:
فمن ذلك ما رواه البخاري عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
ومن ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن خياركم أحاسنكم أخلاقا".
ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة والخرائطي في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم".
ومن ذلك ما رواه محمد بن نصر في كتاب تعظيم قدر الصلاة عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا أخبركم بأكملكم إيمانا؟!: أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون".
ومن ذلك ما رواه ابن حنبل عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خياركم من أطعم الطعام ورد السلام".
ـ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الهرم، والهرم كِبَر السن:
فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر".
وروى البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والمغرم، ومن فتنة القبر وعذاب القبر، ومن فتنة النار وعذاب النار".
وروى مسلم نحوه من حديث زيد بن أرقم وعبد الله بن مسعود.
ـ الخلاصة:
حديث "خيركم من طال عمره وحسن عمله" أسانيده ضعيفة، ولا تتقوى ببعضها لشذوذ المتن، والله أعلم.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 8/ 10/ 1439، الموافق 22/ 6/ 2018، سوى بعض الإضافات اليسيرة، والحمد لله رب العالمين.



الأربعاء، 24 أكتوبر 2018

* من روائع الإمام البخاري رحمه الله: - 8 -


ـ روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه من طريق شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحُد رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين: فرقة تقول نقاتلهم، وفرقة تقول لا نقاتلهم، فنزلت {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنها طيبة، تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة". ورواه بلفظ "إنها تنفي الرجال كما تنفي النار خبث الحديد". ورواه بلفظ "إنها طيبة، تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة".
المعنى المقصود هو أن المدينة المنورة نفت وأبعدت كتلة المنافقين الخبثاء عن أن يدخلوا في صفوف المؤمنين ويجاهدوا العدو معهم.
ـ اللفظ الأول "تنفي الخبث" رواه البخاري ومسلم وأبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وابن حنبل والترمذي وغيرهم من طريق جماعة عن شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، وهذا اللفظ هو الثابت، وهو الصواب، فرواه البخاري في الباب المناسب له، وهو باب {فما لكم في المنافقين فئتين} من كتاب تفسير القرآن.
ـ اللفظ الثاني "تنفي الرجال" رواه البخاري عن رجل واحد عن شعبة به، وهذا اللفظ ليس بعيدا عن المعنى إذا فُهم على معنى أنها تنفي الرجال الخبثاء، فرواه البخاري في باب المدينة تنفي الخبث من كتاب فضائل المدينة، وهو مناسب له كذلك.
فرحم الله الإمام البخاري ما أدق نظره في هذا التبويب!.
* ـ وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 14/ 2/ 1440، الموافق 23/ 10/ 2018، والحمد لله رب العالمين.


الاثنين، 22 أكتوبر 2018

تعقيبات على كلام الشيخ محمد أنور الكشميري حول حديث إلصاق المنكب بالمنكب

بسم الله الرحمن الرحيم أبتدئ وبه أستعين


روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري". وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه.
وقف بعض الإخوة على ما كتبه الشيخ محمد أنور الكشميري رحمه الله أحد شراح صحيح البخاري في القرن الرابع عشر الهجري في شرح هذا الحديث، فاستحسنه.
قرأت ما قاله الشيخ في شرح هذا الحديث فوجدت أكثره بخلاف ذلك تماما، سواء في ذلك ما قاله فيما يتعلق بشرح الحديث أو ما ذكره استطرادا، وشرعت في كتابة بعض التعقبات، ومنها تعقبات لغوية، إلا أن الأمر طال، فآثرت أن أقتصر على بعض ما أراه مهما.
* ـ قال الشيخ محمد أنور الكشميري المتوفى سنة 1353 في كتابه فيض الباري على صحيح البخاري في شرح هذا الحديث: [قال الحافظ: المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله. قلت: وهو مراده عند الفقهاء الأربعة، أي أن لا يترك في البين فرجة تسع فيها ثالثا. بقي الفصل بين الرِجلين: ففي شرح الوقاية أنه يفصل بينهما بقدر أربع أصابع، وهو قول عند الشافعية، وفي قول آخر: قدر شبر. قلت: ولم أجد عند السلف فرقا بين حال الجماعة والانفراد في حق الفصل بأن كانوا يفصلون بين قدميهم في الجماعة أزيد من حال الانفراد، وهذه المسألة أوجدها غير المقلدين فقط، وليس عندهم إلا لفظ الإلزاق، وليت شعري، ماذا يفهمون من قولهم الباء للإلصاق، ثم يمثلونه: مررت بزيد، فهل كان مروره به متصلا بعضه ببعض، أم كيف معناه؟!، ثم إن الأمر لا ينفصل قط إلا بالتعامل، وفي مسائل التعامل لا يؤخذ بالألفاظ، كلفظ "فوق الصدر" عند ابن خزيمة، فإنه من توسعِ الرواة قطعا، لأنه لم يعمل به أحد من الأئمة، وليس الطريق أن يُبنى الدين على كل لفظ جديد بدون النظر إلى التعامل، ومن يفعل ذلك لا يثبت قدمه في موضع ويخترع كل يوم مسألة، فإنَّ توسع الرواة معلوم، واختلاف العبارات والتعبيرات غير خفي، فاعلمه، وهذا الذي عرض للمحدثين، فإنهم ينظرون إلى حال الإسناد فقط، ولا يراعون التعامل، فكثيرا ما يصح الحديث على طورهم ثم يفقدون به العمل فيتحيرون، وكذلك قد يضعفون حديثا من حيث الإسناد مع أنه يكون دائرا سائرا فيما بينهم ويكون معمولا به فيتضرر هناك من جهة أخرى، فلا بد أن يُراعى مع الإسناد التعامل أيضا، فإن الشرع يدور على التعامل والتوارث، والحاصل أنا لما لم نجد الصحابة والتابعين يفرقون في قيامهم بين الجماعة والانفراد علمنا أنه لم يرد بقوله إلزاق المنكب إلا التراصَّ وترك الفرجة، ثم فكر في نفسك ولا تعجل أنه هل يمكن إلزاق المنكب مع إلزاق القدم إلا بعد ممارسة شاقة، ولا يمكن بعده أيضا، فهو إذن من مخترعاتهم، لا أثر له في السلف، وعند أبي داود في باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة "صف القدم ووضع اليد على اليد من السنة". قلت: ومراده استواء القدمين مع التجافي، فلا يبحثون عن إلزاق الكعبين أصلا، ولا يذكرون فيه إلا الصف، ثم في النسائي في باب الصف بين القدمين أن رجلا صف بين القدمين فقال له ابن مسعود رضي الله عنه "خالف السنة، لو راوح كان سنة". ومراده بعكس ما هناك، أي يضم بين قدميه، ولا يترك فرجة بينهما، وأراد بالمراوحة التفريج بين القدمين، فالصف عند أبي داود بعكس ما في النسائي فتنبه، فإنه ليس من المصطلحات ليلزم بالمخالفة، ولا تتوهم أن بين اللفظين تناقضا، فإنه يُبنى على تعدد المعنيين، فالصف بمعنى التفريج والاستواءِ سنة، وهو بمعنى الضم بينهما مخالف للسنة، وتلخص أن الصف بين القدمين سنة لا غير، لأنهم لا يذكرون ولا يتعرضون إلى غيره، فحسبهم قدوة].
* ـ أقول:
فهمَ الشيخ المؤلف رحمه الله من حديث "أقيموا صفوفكم" أن المراد تسوية الصفوف وتعديلها بعيدا عما يظهر مما قاله راوي الحديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وكلامه يدور حول هذا، وعليه فيه مؤاخذات، وهذه بعضها:
المؤاخذة الأولى:
تجاهل الشيخ سامحه الله ما نقله الصحابي راوي الحديث من فعل الصحابة وما فهموه من الحديث، ولذا فإنه لم يبين معنى الإلزاق في اللغة العربية!، واكتفى بما نقل عن الحافظ ابن حجر أنه قال "المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله".
كلام ابن حجر هنا هو ما فهمه من قول النبي صلى الله عليه وسلم "أقيموا صفوفكم"، لكن الراوي أنس بن مالك رضي الله عنه ذكر عقب الحديث ما فهمه الصحابة منه وقال "كان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه"، ولا يصح أن نتجاهل ما نقله الصحابي راوي الحديث من فعل الصحابة.
الإلزاق والإلصاق هما بمعنى واحد، وهو في لغة العرب أن يُقرن شيء بشيء حتى ينضم إليه دون فاصل بينهما.
كلمة "ألصق" معناها ظاهر معروف، وبها وبنحوها يفسرون الكلمات الغامضة المعنى، أما هي ونحوها فلا تكاد تجد لها تفسيرا في معاجم اللغة.
وددتُ لو أن المؤلف نظر في بعض الروايات الواردة في الصحيحين مما جاءت فيه كلمة الإلصاق ليتبين معناها، وهذه بعض النصوص الواردة فيهما لمن أراد أن يقف على معنى الإلصاق في اللغة:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهُدم فأدخلتُ فيه ما أخرِج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابين". وفي رواية: "وأن ألصق بابه بالأرض".
جُرح وجه النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكُسرت رَبَاعِيَته وهُشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة عليها السلام تغسل الدم وكان علي رضي الله عنه يختلف بالماء في المِجَن، فلما رأت أن الدم لا يزيد إلا كثرة أخذت حصيرا فأحرقته حتى صار رمادا ثم ألزقته، فاستمسك الدم. وفي رواية: فلما رأت الدم يزيد على الماء كثرة عمَدت إلى حصير فأحرقتها وألصقتها على جرحه.
قدِمَ على النبي صلى الله عليه وسلم سبيٌ، فإذا امرأة من السبي وجدت صبيا فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته.
"غزا نبي من الأنبياء، فجمعوا ما غنموا، فأقبلت النار لتأكله، فأبت أن تطْعَمه، فقال فيكم غلول، فلـْيبايعني من كل قبيلة رجل، فبايعوه، فلصِقت يد رجل بيده، فقال فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك، فبايعته، فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة، فقال فيكم الغلول".
وهذا يوضح معنى الالتصاق، ويشير إلى أنه اقتران شيء بشيء وانضمامه إليه دون فاصل بينهما.
المؤاخذة الثانية:
وقف الشيخ رحمه الله على كلام علماء النحو في أن حرف الباء للإلصاق وعلى مثال ذكروه وهو قولهم "مررت بزيد"، ووجد أن الذي يمر بزيد لا يُشترط فيه لصحة هذا القول أن يكون ملاصقا له بجسمه حال المرور به، وكأنه استنبط منه أن الإلصاق لا يُشترط فيه الملاصقة والانضمام بدون فاصل!، فقال: "ليس عندهم إلا لفظ الإلزاق، وليت شعري، ماذا يفهمون من قولهم الباء للإلصاق، ثم يمثلونه: مررت بزيد، فهل كان مروره به متصلا بعضه ببعض، أم كيف معناه؟!".
وهذا خلل في فهم اللغة، لأن قولك "مررت بزيد" يعني التصاق المرور به، وليس التصاق المار به.
قال أبو الحسن ابن الوراق المتوفى سنة 381 في كتابه علل النحو: الباء للإلصاق، كقولك مررت بزيد، أي ألصقت مروري به.
المؤاخذة الثالثة:
إذا كان الشيخ قد فهم من حديث "أقيموا صفوفكم" الفهم الذي رآه فله ذلك، لكن كان عليه أن ينظر في طرق الحديث الأخرى، ومنها ما رواه البخاري من طريق آخر، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أقيموا صفوفكم، وتراصُّوا، فإني أراكم من وراء ظهري". تراصوا: انضموا وتلاصقوا.
وهذا يدل على أن فعل الصحابة رضي الله عنهم من إلصاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم ليس مما فهموه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "أقيموا صفوفكم" فقط، بل من قوله كذلك "وتراصوا".
المؤاخذة الرابعة:
قال الشيخ في تأكيد عدم استحباب إلصاق المنكب بالمنكب: "وهو مراده عند الفقهاء الأربعة، أي أن لا يترك في البين فرجة تسع فيها ثالثا".
عزا الشيخ المعنى الذي فهمه من الحديث للفقهاء الأربعة، وأظنه يعني فقهاء المذاهب الأربعة، وهذا العزو غير صحيح، وهذه أقوال بعض علماء المذاهب الأربعة:
روى أبو يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة في كتاب الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول: "سووا صفوفكم، سووا مناكبكم، تراصوا". ولم يعلق عليه بشيء.
وروى محمد بن الحسن تلميذ الإمام أبي حنيفة في كتاب الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه كان يقول: "سووا صفوفكم، وسووا مناكبكم، تراصوا". قال محمد: وبه نأخذ، لا ينبغي أن يُترك الصف وفيه الخلل حتى يسووا، وهو قول أبي حنيفة.
وقال مجد الدين ابن الأثير المتوفى سنة 606 في كتاب الشافي في شرح مسند الشافعي بعد ذكر حديث "أقيموا صفوفكم وتراصوا": قال الشافعي في رواية حرملة: هذا ثابت عندنا، وبهذا نقول.
وقال الخطابي المتوفى سنة 388 في كتابه أعلام الحديث: قوله "تراصوا" معناه تدانوا وتضامُّوا حتى يتصل ما بينكم ولا ينقطع، ومنه قول الله تعالى {كأنهم بنيان مرصوص}.
وقال ابن بطال المتوفى سنة 449 في شرح صحيح البخاري بعد ذكر عدة روايات ومنها "كان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه": هذه الأحاديث تفسر قوله عليه السلام "تراصوا في الصف"، وهذه هيئة التراصِّ.
وقال الباجي المتوفى سنة 474 في المنتقى: تسوية الصفوف من هيئات الصلاة، وهو يتصل بمقام المأمومين من الإمام، فإذا كانوا عددا لزم فيهم إقامة الصفوف وهو تقويمها ونماؤها والتراص فيها.
وقال التوربشتي المتوفى سنة 661 في كتاب الميسر في شرح مصابيح السنة: ومنه حديث "أقيموا صفوفكم وتراصوا": أي تلاصقوا حتى لا يكون بينكم فُرَج. الفُرْجة: انفتاح بين شيئين.
وقال النووي في شرح صحيح مسلم: قوله صلى الله عليه وسلم "أقيموا الصف في الصلاة": أي سووه وعدلوه وتراصوا فيه.
وقال مظهِر الدين حسين بن محمود الزيداني الحنفي المتوفى سنة 727 في كتابه المفاتيح في شرح المصابيح: قوله "أقيموا صفوفكم": أي سووا وأتموا صفوفكم، "وتراصوا": أي ليقرُبْ كلُّ واحد منكم بجنب صاحبه بحيث تتصل مناكبكم، تراصَّ الشيئان إذا انضما ولزق أحدهما بالآخر.
وقال العيني المتوفى سنة 855 في عمدة القاري: قوله "وتراصوا" معناه تضامُّوا وتلاصقوا حتى يتصل ما بينكم ولا ينقطع، وأصله من الرص، يقال رص البناءَ يرصه رصا إذا لصق بعضه ببعض، ومنه قوله تعالى {كأنهم بنيان مرصوص}.
وأما ابن حجر فخالف الجمهور في هذه المسألة، حيث أورد احتمالا في معنى "تراصوا" يخرجها عن المعنى اللغوي، فقال في فتح الباري: قوله "وتراصوا" بتشديد الصاد المهملة: أي تلاصقوا بغير خلل، ويحتمِل أن يكون تأكيدا لقوله "أقيموا"، والمراد بِ "أقيموا" سووا.
المؤاخذة الخامسة:
قول الشيخ "أي أن لا يترك في البين فرجة تسع فيها ثالثا" غريب جدا مصادم للأحاديث الصحيحة التي تأمر بالتقارب والتراص في الصلاة، وكأنه يرى استحباب المباعدة!، لكن لا لدرجة أن يترك المصلون بين كل اثنين فراغا يسع رجلا ثالثا بينهما!!.
شيء غريب جدا!.
كأن الشيخ يرى أن كل رجلين ممن خلف الإمام في الصلاة إذا اقتربا وتراصَّا وألصق كل واحد منهما منكبه بمنكب الآخر فصلاتهما مخالفة للسنة!، وأنهما إذا تباعدا بحيث لا يتركان بينهما فُرْجة تسع فيها رجلا ثالثا فصلاتهما غير مخالفة للسنة!، وهذا بخلاف ما ثبت في السنة وبخلاف ما كان يفعله الصحابة وبخلاف أقوال جمهور أهل العلم.
المؤاخذة السادسة:
قال الشيخ: "ثم إن الأمر لا ينفصل قط إلا بالتعامل، وفي مسائل التعامل لا يؤخذ بالألفاظ، وليس الطريق أن يُبنى الدين على كل لفظ جديد بدون النظر إلى التعامل، ومن يفعل ذلك لا يثبت قدمه في موضع، فلا بد أن يُراعى مع الإسناد التعامل أيضا، فإن الشرع يدور على التعامل والتوارث".
أقول:
مراد الشيخ بلفظة التعامل هنا العمل، ولم يبين مرادَه: عمَلَ مَن يريد؟!، أيريد بالعمل عمل الصحابة والتابعين؟!، أو عمل الأئمة المجتهدين في عصور الاجتهاد؟!، أو عمل أئمة المذهب الحنفي؟!، أو عمل مشايخ الحنفية الذين أدركهم في أوائل القرن الرابع عشر الهجري؟!.
ثم إن العمل إذا كان مرويا عن الصحابة والتابعين بالسند فهذه الرواية لا يهملونها، وهي حديث موقوف أو مقطوع، وله مكانته في الاستنباط.
أما المسألة التي هي محل البحث هنا فقد روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن الصحابة كان الواحد منهم يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه، فهل عمل الصحابة عنده مقبول أو لا؟!.
يبدو أن مثل هذا العمل عنده غير مقبول حتى ولو عمل به الإمام الشافعي رحمه الله وأيده كلام كثير من أهل العلم الذين تقدم ذكر بعضهم في المؤاخذة الرابعة، ومنهم الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمام أبي حنيفة وقال إنه قول أبي حنيفة.
المؤاخذة السابعة:
قال الشيخ: "والحاصل أنا لما لم نجد الصحابة والتابعين يفرقون في قيامهم بين الجماعة والانفراد علمنا أنه لم يرد بقوله إلزاق المنكب إلا التراصَّ وترك الفرجة".
أقول:
إلزاق المنكب بالمنكب يقع به التراص، وإلزاق القدم بالقدم يقع به ترك الفرجة، فكلام الشيخ هنا متناقض.
المؤاخذة الثامنة:
قال الشيخ: "ثم فكر في نفسك ولا تعجلْ أنه هل يمكن إلزاق المنكب مع إلزاق القدم إلا بعد ممارسة شاقة، ولا يمكن بعده أيضا، فهو إذن من مخترعاتهم، لا أثر له في السلف".
أقول:
إذا فهمنا الحديث كما جاء في الحديث فهو أمر سهل جدا، ليس فيه سوى الاقتراب وترك الفرجة بين المصلي وبين جاره الذي هو من جهة الإمام، وإذا كان بعض من يدَّعون العمل بالحديث يشوهون صورة العمل به فلا يجوز أن يكون هذا مانعا من الأخذ به بالصورة السالمة من التشويه.
قوله "فهو إذن من مخترعاتهم لا أثر له في السلف" بعد ذكر إلزاق المنكب بالمنكب وإلزاق القدم بالقدم غير صحيح.
لا يجوز أن يُقال مثل هذا إلا عن الصورة المشوهة التي أحدثها بعض الناس.
من الصور المشوهة التي أحدثها بعض الناس أنهم لما وجدوا أن المصلي لا يمكنه أن يلزق منكبه بمنكب جاره من الجانبين جعلوا الاهتمام بإلزاق القدم بالقدم من الجانبين، فصار بعضهم يباعد بين قدميه مباعدة فاحشة ويلاحق جاريه من اليمين والشِمال لإلصاق القدم بالقدم!، بل والإلصاق الحقيقي لإلصاق الكعب بالكعب!، ويبدو أنهم لم يقرؤوا في كتب اللغة شيئا عن الإلصاق المجازي، ولو وقفوا عليه فربما كانوا ممن ينفون المجاز في لغة العرب!، وكثيرا ما يكون هذا مع الانشغال المتكرر بذلك في الصلاة.
ثم سرى هذا الحال إلى أن يتصور بعضهم أن السنة في قيام الإمام أو المنفرد للصلاة هي مباعدة القدمين عن بعضهما مباعدة شديدة تزيد عن مسافة ما بين منكبي الشخص!.
* ـ تلخيصا لما ينبغي فعله في هذه المسألة أقول:
يُسن للمصلي أن يلصق منكبه بمنكب جاره وقدمه بقدمه من كلا الجهتين، والذي أراه هو أن هذا لا يتحقق إلا إذا كان الآخرون حريصين على إقامة هذه السنة كذلك، فإن لم يكونوا حريصين فيُسن له أن يلصق منكبه بمنكب جاره من الجهة التي فيها الإمام وأن تأخذ قدماه على الأرض مسافة مساوية للمسافة التي بين منكبيه، وأن تكون القدمان متجهتين للقبلة على سمْت المنكبين، فإذا فعل الآخرون مثل ذلك اتصل الصف واستوى وسُدت الفُرج بين كل مصلٍّ وجاره.
أما المصلي الذي يكون خلف الإمام ولو إلى آخر الصفوف فينبغي له أن يقف كما يقف الإمام، أي أن تأخذ قدماه على الأرض مسافة مساوية للمسافة التي بين منكبيه، وأن تكون القدمان متجهتين للقبلة على سمْت المنكبين، لأنه هو المعيار، وعلى الآخرين من كلتا الجهتين أن يقتربوا إلى جهته، وليس هو الذي يقترب إلى جهتهم، ـ والله أعلم ـ.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 5/ 2/ 1440، الموافق 14/ 10/ 2018، والحمد لله رب العالمين.

الأربعاء، 17 أكتوبر 2018

كلام الشيخ محمد أنور الكشميري حول حديث إلصاق المنكب بالمنكب

بسم الله الرحمن الرحيم أبتدئ وبه أستعين



روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري". وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه.
وقف بعض الإخوة على ما كتبه الشيخ محمد أنور الكشميري رحمه الله أحد شراح صحيح البخاري في القرن الرابع عشر الهجري في شرح هذا الحديث، فاستحسنه.
قرأت ما قاله الشيخ في شرح هذا الحديث فوجدت أكثره بخلاف ذلك تماما، سواء في ذلك ما قاله فيما يتعلق بشرح الحديث أو ما ذكره استطرادا، وشرعت في كتابة بعض التعقبات، ومنها تعقبات لغوية، إلا أن الأمر طال، فآثرت أن أقتصر على بعض ما أراه مهما.
* ـ قال الشيخ محمد أنور الكشميري المتوفى سنة 1353 في كتابه فيض الباري على صحيح البخاري في شرح هذا الحديث: [قال الحافظ: المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله. قلت: وهو مراده عند الفقهاء الأربعة، أي أن لا يترك في البين فرجة تسع فيها ثالثا. بقي الفصل بين الرِجلين: ففي شرح الوقاية أنه يفصل بينهما بقدر أربع أصابع، وهو قول عند الشافعية، وفي قول آخر: قدر شبر. قلت: ولم أجد عند السلف فرقا بين حال الجماعة والانفراد في حق الفصل بأن كانوا يفصلون بين قدميهم في الجماعة أزيد من حال الانفراد، وهذه المسألة أوجدها غير المقلدين فقط، وليس عندهم إلا لفظ الإلزاق، وليت شعري، ماذا يفهمون من قولهم الباء للإلصاق، ثم يمثلونه: مررت بزيد، فهل كان مروره به متصلا بعضه ببعض، أم كيف معناه؟!، ثم إن الأمر لا ينفصل قط إلا بالتعامل، وفي مسائل التعامل لا يؤخذ بالألفاظ، كلفظ "فوق الصدر" عند ابن خزيمة، فإنه من توسعِ الرواة قطعا، لأنه لم يعمل به أحد من الأئمة، وليس الطريق أن يُبنى الدين على كل لفظ جديد بدون النظر إلى التعامل، ومن يفعل ذلك لا يثبت قدمه في موضع ويخترع كل يوم مسألة، فإنَّ توسع الرواة معلوم، واختلاف العبارات والتعبيرات غير خفي، فاعلمه، وهذا الذي عرض للمحدثين، فإنهم ينظرون إلى حال الإسناد فقط، ولا يراعون التعامل، فكثيرا ما يصح الحديث على طورهم ثم يفقدون به العمل فيتحيرون، وكذلك قد يضعفون حديثا من حيث الإسناد مع أنه يكون دائرا سائرا فيما بينهم ويكون معمولا به فيتضرر هناك من جهة أخرى، فلا بد أن يُراعى مع الإسناد التعامل أيضا، فإن الشرع يدور على التعامل والتوارث، والحاصل أنا لما لم نجد الصحابة والتابعين يفرقون في قيامهم بين الجماعة والانفراد علمنا أنه لم يرد بقوله إلزاق المنكب إلا التراصَّ وترك الفرجة، ثم فكر في نفسك ولا تعجل أنه هل يمكن إلزاق المنكب مع إلزاق القدم إلا بعد ممارسة شاقة، ولا يمكن بعده أيضا، فهو إذن من مخترعاتهم، لا أثر له في السلف، وعند أبي داود في باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة "صف القدم ووضع اليد على اليد من السنة". قلت: ومراده استواء القدمين مع التجافي، فلا يبحثون عن إلزاق الكعبين أصلا، ولا يذكرون فيه إلا الصف، ثم في النسائي في باب الصف بين القدمين أن رجلا صف بين القدمين فقال له ابن مسعود رضي الله عنه "خالف السنة، لو راوح كان سنة". ومراده بعكس ما هناك، أي يضم بين قدميه، ولا يترك فرجة بينهما، وأراد بالمراوحة التفريج بين القدمين، فالصف عند أبي داود بعكس ما في النسائي فتنبه، فإنه ليس من المصطلحات ليلزم بالمخالفة، ولا تتوهم أن بين اللفظين تناقضا، فإنه يُبنى على تعدد المعنيين، فالصف بمعنى التفريج والاستواءِ سنة، وهو بمعنى الضم بينهما مخالف للسنة، وتلخص أن الصف بين القدمين سنة لا غير، لأنهم لا يذكرون ولا يتعرضون إلى غيره، فحسبهم قدوة].
* ـ أقول:
فهمَ الشيخ المؤلف رحمه الله من حديث "أقيموا صفوفكم" أن المراد تسوية الصفوف وتعديلها بعيدا عما يظهر مما قاله راوي الحديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وكلامه يدور حول هذا، وعليه فيه مؤاخذات، وهذه بعضها:
المؤاخذة الأولى:
تجاهل الشيخ سامحه الله ما نقله الصحابي راوي الحديث من فعل الصحابة وما فهموه من الحديث، ولذا فإنه لم يبين معنى الإلزاق في اللغة العربية!، واكتفى بما نقل عن الحافظ ابن حجر أنه قال "المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله".
كلام ابن حجر هنا هو ما فهمه من قول النبي صلى الله عليه وسلم "أقيموا صفوفكم"، لكن الراوي أنس بن مالك رضي الله عنه ذكر عقب الحديث ما فهمه الصحابة منه وقال "كان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه"، ولا يصح أن نتجاهل ما نقله الصحابي راوي الحديث من فعل الصحابة.
الإلزاق والإلصاق هما بمعنى واحد، وهو في لغة العرب أن يُقرن شيء بشيء حتى ينضم إليه دون فاصل بينهما.
كلمة "ألصق" معناها ظاهر معروف، وبها وبنحوها يفسرون الكلمات الغامضة المعنى، أما هي ونحوها فلا تكاد تجد لها تفسيرا في معاجم اللغة.
وددتُ لو أن المؤلف نظر في بعض الروايات الواردة في الصحيحين مما جاءت فيه كلمة الإلصاق ليتبين معناها، وهذه بعض النصوص الواردة فيهما لمن أراد أن يقف على معنى الإلصاق في اللغة:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهُدم فأدخلتُ فيه ما أخرِج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابين". وفي رواية: "وأن ألصق بابه بالأرض".
جُرح وجه النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكُسرت رَبَاعِيَته وهُشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة عليها السلام تغسل الدم وكان علي رضي الله عنه يختلف بالماء في المِجَن، فلما رأت أن الدم لا يزيد إلا كثرة أخذت حصيرا فأحرقته حتى صار رمادا ثم ألزقته، فاستمسك الدم. وفي رواية: فلما رأت الدم يزيد على الماء كثرة عمَدت إلى حصير فأحرقتها وألصقتها على جرحه.
قدِمَ على النبي صلى الله عليه وسلم سبيٌ، فإذا امرأة من السبي وجدت صبيا فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته.
"غزا نبي من الأنبياء، فجمعوا ما غنموا، فأقبلت النار لتأكله، فأبت أن تطْعَمه، فقال فيكم غلول، فلـْيبايعني من كل قبيلة رجل، فبايعوه، فلصِقت يد رجل بيده، فقال فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك، فبايعته، فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة، فقال فيكم الغلول".
وهذا يوضح معنى الالتصاق، ويشير إلى أنه اقتران شيء بشيء وانضمامه إليه دون فاصل بينهما.
المؤاخذة الثانية:
وقف الشيخ رحمه الله على كلام علماء النحو في أن حرف الباء للإلصاق وعلى مثال ذكروه وهو قولهم "مررت بزيد"، ووجد أن الذي يمر بزيد لا يُشترط فيه لصحة هذا القول أن يكون ملاصقا له بجسمه حال المرور به، وكأنه استنبط منه أن الإلصاق لا يُشترط فيه الملاصقة والانضمام بدون فاصل!، فقال: "ليس عندهم إلا لفظ الإلزاق، وليت شعري، ماذا يفهمون من قولهم الباء للإلصاق، ثم يمثلونه: مررت بزيد، فهل كان مروره به متصلا بعضه ببعض، أم كيف معناه؟!".
وهذا خلل في فهم اللغة، لأن قولك "مررت بزيد" يعني التصاق المرور به، وليس التصاق المار به.
قال أبو الحسن ابن الوراق المتوفى سنة 381 في كتابه علل النحو: الباء للإلصاق، كقولك مررت بزيد، أي ألصقت مروري به.
المؤاخذة الثالثة:
إذا كان الشيخ قد فهم من حديث "أقيموا صفوفكم" الفهم الذي رآه فله ذلك، لكن كان عليه أن ينظر في طرق الحديث الأخرى، ومنها ما رواه البخاري من طريق آخر، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أقيموا صفوفكم، وتراصُّوا، فإني أراكم من وراء ظهري". تراصوا: انضموا وتلاصقوا.
وهذا يدل على أن فعل الصحابة رضي الله عنهم من إلصاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم ليس مما فهموه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "أقيموا صفوفكم" فقط، بل من قوله كذلك "وتراصوا".
المؤاخذة الرابعة:
قال الشيخ في تأكيد عدم استحباب إلصاق المنكب بالمنكب: "وهو مراده عند الفقهاء الأربعة، أي أن لا يترك في البين فرجة تسع فيها ثالثا".
عزا الشيخ المعنى الذي فهمه من الحديث للفقهاء الأربعة، وأظنه يعني فقهاء المذاهب الأربعة، وهذا العزو غير صحيح، وهذه أقوال بعض علماء المذاهب الأربعة:
روى أبو يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة في كتاب الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول: "سووا صفوفكم، سووا مناكبكم، تراصوا". ولم يعلق عليه بشيء.
وروى محمد بن الحسن تلميذ الإمام أبي حنيفة في كتاب الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه كان يقول: "سووا صفوفكم، وسووا مناكبكم، تراصوا". قال محمد: وبه نأخذ، لا ينبغي أن يُترك الصف وفيه الخلل حتى يسووا، وهو قول أبي حنيفة.
وقال مجد الدين ابن الأثير المتوفى سنة 606 في كتاب الشافي في شرح مسند الشافعي بعد ذكر حديث "أقيموا صفوفكم وتراصوا": قال الشافعي في رواية حرملة: هذا ثابت عندنا، وبهذا نقول.
وقال الخطابي المتوفى سنة 388 في كتابه أعلام الحديث: قوله "تراصوا" معناه تدانوا وتضامُّوا حتى يتصل ما بينكم ولا ينقطع، ومنه قول الله تعالى {كأنهم بنيان مرصوص}.
وقال ابن بطال المتوفى سنة 449 في شرح صحيح البخاري بعد ذكر عدة روايات ومنها "كان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه": هذه الأحاديث تفسر قوله عليه السلام "تراصوا في الصف"، وهذه هيئة التراصِّ.
وقال الباجي المتوفى سنة 474 في المنتقى: تسوية الصفوف من هيئات الصلاة، وهو يتصل بمقام المأمومين من الإمام، فإذا كانوا عددا لزم فيهم إقامة الصفوف وهو تقويمها ونماؤها والتراص فيها.
وقال التوربشتي المتوفى سنة 661 في كتاب الميسر في شرح مصابيح السنة: ومنه حديث "أقيموا صفوفكم وتراصوا": أي تلاصقوا حتى لا يكون بينكم فُرَج. الفُرْجة: انفتاح بين شيئين.
وقال النووي في شرح صحيح مسلم: قوله صلى الله عليه وسلم "أقيموا الصف في الصلاة": أي سووه وعدلوه وتراصوا فيه.
وقال مظهِر الدين حسين بن محمود الزيداني الحنفي المتوفى سنة 727 في كتابه المفاتيح في شرح المصابيح: قوله "أقيموا صفوفكم": أي سووا وأتموا صفوفكم، "وتراصوا": أي ليقرُبْ كلُّ واحد منكم بجنب صاحبه بحيث تتصل مناكبكم، تراصَّ الشيئان إذا انضما ولزق أحدهما بالآخر.
وقال العيني المتوفى سنة 855 في عمدة القاري: قوله "وتراصوا" معناه تضامُّوا وتلاصقوا حتى يتصل ما بينكم ولا ينقطع، وأصله من الرص، يقال رص البناءَ يرصه رصا إذا لصق بعضه ببعض، ومنه قوله تعالى {كأنهم بنيان مرصوص}.
وأما ابن حجر فخالف الجمهور في هذه المسألة، حيث أورد احتمالا في معنى "تراصوا" يخرجها عن المعنى اللغوي، فقال في فتح الباري: قوله "وتراصوا" بتشديد الصاد المهملة: أي تلاصقوا بغير خلل، ويحتمِل أن يكون تأكيدا لقوله "أقيموا"، والمراد بِ "أقيموا" سووا.
المؤاخذة الخامسة:
قول الشيخ "أي أن لا يترك في البين فرجة تسع فيها ثالثا" غريب جدا مصادم للأحاديث الصحيحة التي تأمر بالتقارب والتراص في الصلاة، وكأنه يرى استحباب المباعدة!، لكن لا لدرجة أن يترك المصلون بين كل اثنين فراغا يسع رجلا ثالثا بينهما!!.
شيء غريب جدا!.
كأن الشيخ يرى أن كل رجلين ممن خلف الإمام في الصلاة إذا اقتربا وتراصَّا وألصق كل واحد منهما منكبه بمنكب الآخر فصلاتهما مخالفة للسنة!، وأنهما إذا تباعدا بحيث لا يتركان بينهما فُرْجة تسع فيها رجلا ثالثا فصلاتهما غير مخالفة للسنة!، وهذا بخلاف ما ثبت في السنة وبخلاف ما كان يفعله الصحابة وبخلاف أقوال جمهور أهل العلم.
المؤاخذة السادسة:
قال الشيخ: "ثم إن الأمر لا ينفصل قط إلا بالتعامل، وفي مسائل التعامل لا يؤخذ بالألفاظ، وليس الطريق أن يُبنى الدين على كل لفظ جديد بدون النظر إلى التعامل، ومن يفعل ذلك لا يثبت قدمه في موضع، فلا بد أن يُراعى مع الإسناد التعامل أيضا، فإن الشرع يدور على التعامل والتوارث".
أقول:
مراد الشيخ بلفظة التعامل هنا العمل، ولم يبين مرادَه: عمَلَ مَن يريد؟!، أيريد بالعمل عمل الصحابة والتابعين؟!، أو عمل الأئمة المجتهدين في عصور الاجتهاد؟!، أو عمل أئمة المذهب الحنفي؟!، أو عمل مشايخ الحنفية الذين أدركهم في أوائل القرن الرابع عشر الهجري؟!.
ثم إن العمل إذا كان مرويا عن الصحابة والتابعين بالسند فهذه الرواية لا يهملونها، وهي حديث موقوف أو مقطوع، وله مكانته في الاستنباط.
أما المسألة التي هي محل البحث هنا فقد روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن الصحابة كان الواحد منهم يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه، فهل عمل الصحابة عنده مقبول أو لا؟!.
يبدو أن مثل هذا العمل عنده غير مقبول حتى ولو عمل به الإمام الشافعي رحمه الله وأيده كلام كثير من أهل العلم الذين تقدم ذكر بعضهم في المؤاخذة الرابعة، ومنهم الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمام أبي حنيفة وقال إنه قول أبي حنيفة.
المؤاخذة السابعة:
قال الشيخ: "والحاصل أنا لما لم نجد الصحابة والتابعين يفرقون في قيامهم بين الجماعة والانفراد علمنا أنه لم يرد بقوله إلزاق المنكب إلا التراصَّ وترك الفرجة".
أقول:
إلزاق المنكب بالمنكب يقع به التراص، وإلزاق القدم بالقدم يقع به ترك الفرجة، فكلام الشيخ هنا متناقض.
المؤاخذة الثامنة:
قال الشيخ: "ثم فكر في نفسك ولا تعجلْ أنه هل يمكن إلزاق المنكب مع إلزاق القدم إلا بعد ممارسة شاقة، ولا يمكن بعده أيضا، فهو إذن من مخترعاتهم، لا أثر له في السلف".
أقول:
إذا فهمنا الحديث كما جاء في الحديث فهو أمر سهل جدا، ليس فيه سوى الاقتراب وترك الفرجة بين المصلي وبين جاره الذي هو من جهة الإمام، وإذا كان بعض من يدَّعون العمل بالحديث يشوهون صورة العمل به فلا يجوز أن يكون هذا مانعا من الأخذ به بالصورة السالمة من التشويه.
قوله "فهو إذن من مخترعاتهم لا أثر له في السلف" بعد ذكر إلزاق المنكب بالمنكب وإلزاق القدم بالقدم غير صحيح.
لا يجوز أن يُقال مثل هذا إلا عن الصورة المشوهة التي أحدثها بعض الناس.
من الصور المشوهة التي أحدثها بعض الناس أنهم لما وجدوا أن المصلي لا يمكنه أن يلزق منكبه بمنكب جاره من الجانبين جعلوا الاهتمام بإلزاق القدم بالقدم من الجانبين، فصار بعضهم يباعد بين قدميه مباعدة فاحشة ويلاحق جاريه من اليمين والشِمال لإلصاق القدم بالقدم!، بل والإلصاق الحقيقي لإلصاق الكعب بالكعب!، ويبدو أنهم لم يقرؤوا في كتب اللغة شيئا عن الإلصاق المجازي، ولو وقفوا عليه فربما كانوا ممن ينفون المجاز في لغة العرب!، وكثيرا ما يكون هذا مع الانشغال المتكرر بذلك في الصلاة.
ثم سرى هذا الحال إلى أن يتصور بعضهم أن السنة في قيام الإمام أو المنفرد للصلاة هي مباعدة القدمين عن بعضهما مباعدة شديدة تزيد عن مسافة ما بين منكبي الشخص!.
* ـ تلخيصا لما ينبغي فعله في هذه المسألة أقول:
يُسن للمصلي أن يلصق منكبه بمنكب جاره وقدمه بقدمه من كلا الجهتين، والذي أراه هو أن هذا لا يتحقق إلا إذا كان الآخرون حريصين على إقامة هذه السنة كذلك، فإن لم يكونوا حريصين فيُسن له أن يلصق منكبه بمنكب جاره من الجهة التي فيها الإمام وأن تأخذ قدماه على الأرض مسافة مساوية للمسافة التي بين منكبيه، وأن تكون القدمان متجهتين للقبلة على سمْت المنكبين، فإذا فعل الآخرون مثل ذلك اتصل الصف واستوى وسُدت الفُرج بين كل مصلٍّ وجاره.
أما المصلي الذي يكون خلف الإمام ولو إلى آخر الصفوف فينبغي له أن يقف كما يقف الإمام، أي أن تأخذ قدماه على الأرض مسافة مساوية للمسافة التي بين منكبيه، وأن تكون القدمان متجهتين للقبلة على سمْت المنكبين، لأنه هو المعيار، وعلى الآخرين من كلتا الجهتين أن يقتربوا إلى جهته، وليس هو الذي يقترب إلى جهتهم، ـ والله أعلم ـ.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 5/ 2/ 1440، الموافق 14/ 10/ 2018، والحمد لله رب العالمين.

الثلاثاء، 2 أكتوبر 2018

من التوجيهات النبوية للمصلين:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول
الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من
وراء ظهري". رواه البخاري ومسلم.
وفي إحدى روايات البخاري زيادة: قال أنس: وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب
صاحبه وقدمه بقدمه.
شيء من فقه الحديث:
هذا الحديث مع فعل الصحابة الذين حدثنا عنهم أنس رضي الله عنه يعني أن
من السنة في الصلاة أن تكون القدمان على سَمْت المنكبين، أي على مقابلة ومحاذاة
الكتفين، وأنَّ من المكروه مباعدةَ القدمين عن بعضهما أكثر أو أقل من ذلك.
كثير من المصلين اليوم مَن لا يلزق منكبه بمنكب صاحبه ولا قدمه بقدمه،
وكثير منهم يتباعد بالمنكبين ويلزق القدم بالقدم من الجانبين، فيحول هيئة الصلاة
عن وقارها.
إذا كان المصلي خلف الإمام بالضبط ـ في الصف الأول أو فيما يليه إلى آخر
الصفوف ـ فعليه أن يثبّت وقوفه خلف الإمام وقدماه على سَمْت منكبيه دون النظر
إلى مَن على يمينه أو يساره.
وإذا كان على ميمنة الصف فعليه أن يقترب إلى الجهة اليسرى، وهي التي
فيها الإمام، فيلزق منكبه بمنكب صاحبه الذي هو في جهة الإمام، ويجعل قدميه على
سَمْت منكبيه.
وإذا كان على ميسرة الصف فعليه أن يقترب إلى الجهة اليمنى، وهي التي
فيها الإمام، فيلزق منكبه بمنكب صاحبه الذي هو في جهة الإمام، ويجعل قدميه على
سَمْت منكبيه.
بعض الناس يباعد بين قدميه ـ سواء في صلاته منفردا وفي صلاته مع
الجماعة ـ ويبالغ في ذلك، وبعضهم يبالغ في ذلك مبالغة فاحشة، وهذا من البدع
المنكرة المكروهة، لكن لا يصح أن نقول هي بدعة ضلالة، فالمبتدعات لها مراتب
ودرجات.
وبعض الناس يلصق كتفه بكتف صاحبه ويقارب بين قدميه ولا يجعلهما على
مقابلة ومحاذاة الكتفين، وهذا خلاف الأَولى.

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018

أحاديث صيام يوم عاشوراء - نسخه جديده

 


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

وبعد، فقد وردت روايات كثيرة عن نبينا صلى الله عليه وسلم في صيام يوم عاشوراء، وهي بحاجة لبحث وتمحيص، فرأيت أن أتتبع ما رُوي منها في أهم مصادر السنة النبوية وأمحص طرقها سندا ومتنا، بتوفيق الله عز وجل.

وهذه الروايات تختلف ألفاظها باختلاف طرقها، ومنها الروايات السليمة ومنها الضعيفة والمعلولة، وأجعلها هنا في إجابات عن تساؤلات:

* ـ هل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام يوم عاشوراء؟.

* ـ هل عزم النبي صلى الله عليه وسلم على صيام اليوم التاسع في العام القابل؟.

* ـ هل كل الروايات التي صحت أسانيدها في صيام يوم عاشوراء قد صحت متونها كذلك؟، وهل صح أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه كذلك؟.

* ـ هل جعل النبي صلى الله عليه وسلم لصيام يوم عاشوراء اهتماما خاصا وفضلا خاصا؟.

وهأنذا أشرع في كتابة هذا البحث سائلا المولى تعالى العون والتوفيق:

 

* ـ هل أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام يوم عاشوراء؟:

رُوي حديث الأمر بصيام يوم عاشوراء عن عبد الله بن عباس وأبي موسى الأشعري وسلمة بن الأكوع وعبد الله بن مسعود وعائشة والرُبَيـِّع بنت مُعَوِّذ وعبد الله بن عمر ومعاوية بن أبي سفيان وجابر بن سمرة وعبد الله بن بدر الجهني وغيرهم:

* ـ فأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما فرواه البخاري ومسلم وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن حنبل والدارمي والنَسائي في الكبرى وأبو نُعيم في المستخرج على صحيح مسلم من طريقين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال "ما هذا؟"، فقالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يومُ نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى شكرا لله، ونحن نصومه تعظيما له. فقال: "فأنا أحق بموسى منكم". فصامه وأمر بصيامه.

من المعلوم أن ابن عباس لم يكن إذ ذاك مدركا بنفسه لمثل ذلك الحدث، حيث كان في السنة الرابعة من عمره تقريبا، لكن من المعلوم كذلك أن معظم مروياته هي عن كبار الصحابة، ومراسيلُ الصحابة الذين ثبتت صحبتهم مقبولة.

* ـ وأما حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فرواه البخاري ومسلم وابن حنبل من طريق طارق بن شهاب عن أبي موسى أنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وإذا أناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه، فقال: "نحن أحق بصومه". فأمر بصومه.

* ـ وأما حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه فرواه البخاري ومسلم وابن حنبل من طرق عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع أنه قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم أنْ أذنْ في الناس أنَّ من كان أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء.

* ـ وأما حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فرواه البخاري ومسلم من طريق علقمة بن قيس النخعي أنه قال: دخل الأشعث بن قيس على ابن مسعود وهو يَطعَم فقال الأشعث: اليوم عاشوراء!. فقال: كان يُصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان ترِك.

ورواه مسلم وابن أبي شيبة وابن حنبل من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن قيس أنه قال: دخل الأشعث بن قيس على عبد الله بن مسعود وهو يتغدى، فقال ابن مسعود: يا أبا محمد ادنُ إلى الغداء. فقال: أوَليس اليومُ يومَ عاشوراء؟!. فقال: هل تدري ما يوم عاشوراء؟!، إنما هو يوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان، فلما نزل شهر رمضان تركه.

* ـ وأما حديث عائشة رضي الله عنها فرواه البخاري ومسلم وعلي بن الجعد وابن راهويه وابن حنبل والنَسائي في الكبرى والطبري في تهذيب الآثار وأبو عوانة والطحاوي والطبراني في مسند الشاميين من طرق عن الزهري عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فُرِض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر.

* ـ وأما حديث الرُبَيِّع بنت معوذ فرواه البخاري ومسلم وابن راهويه وابن حنبل من طرق عن خالد بن ذكوان عن الرُبَيِّع بنت مُعَوِّذ أنها قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: "من أصبح مفطرا فليتمَّ بقية يومه، ومن أصبح صائما فليصم".

* ـ وأما حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فرواه البخاري وابن حنبل والبزار والطبريُّ في تهذيب الآثار من طرق عن نافع عن ابن عمر أنه قال: صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فـُرض رمضان ترك.

وفي رواية أيوب والوليد بن كثير عن نافع عند البخاري ومسلم: كان عبد الله بن عمر لا يصومه إلا أن يوافق صومَه.

ورواه ابن خزيمة والبخاري وأبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم من طرق عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد عن عمر بن محمد بن زيد عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اليوم عاشوراء، فمن شاء فليصمه، ومن شاء فليفطر".

* ـ وأما حديث معاوية بن أبي سفيان فرواه مالك والبخاري ومسلم من ثلاثة طرق عن ابن شهاب الزهري عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية يوم عاشوراء عام حجَّ وهو على المنبر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهذا اليوم: "هذا يوم عاشوراء، ولم يُكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر".

سنده صحيح، لكن فيه إدراج في المتن، فقد رواه النَسائي في السنن الكبرى من طريق صالح بن كَيسان عن ابن شهاب عن حُميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يخطب الناس بالمدينة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه". وإني صائم، معاوية يقول ذلك، فمن أحب أن يصوم فليصم، ومن أحب أن يفطر فليفطر. سنده صحيح، وفيه التصريح بأن هذا الجزء هو من قول معاوية.

* ـ وأما حديث جابر بن سَمُرة فرواه مسلم من طريق جعفر بن أبي ثور عن جده لأمه جابر بن سَمُرة أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده، فلما فـُرض رمضان لم يأمرنا ولم ينْهَنا ولم يتعاهدنا عنده. [جعفر بن أبي ثور ذكره ابن حبان في الثقات].

* ـ وأما حديث عبد الله بن بدر الجهني فرواه ابن حنبل وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني والطبراني في مسند الشاميين من طرق عن معاوية بن سلام أنه قال: سمعت يحيى بن أبي كثير قال: أخبرني بعجة بن عبد الله أن أباه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم يوما: "هذا يوم عاشوراء فصوموا". فقال رجل من بني عمرو بن عوف: يا رسول الله، إني تركت قومي منهم صائم ومنهم مفطر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اذهب إليهم، فمن كان منهم مفطرا فليتمَّ صومَه".

ـ بعض هؤلاء الصحابة وغيرهم رُويت عنهم روايات تخرج عن فحوى الروايات المتقدمة، ولكنْ ما من شك في رجحان الروايات المتفقة على معنى واحد، وهو المذكور هنا.

ـ هذا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا أشد الحرص على صيام عاشوراء في شهر المحرم الذي أعقب وصوله للمدينة المشرفة، وهو في بداية السنة الثانية من الهجرة، لأن مَقـْدَمه المدينة كان في ربيع الأول من السنة الهجرية الأولى.

وكان ذلك الحرص لِما يحب من موافقة اليهود فيما لم يُنه عنه، فعمِل بما أخبر به اليهودُ عن نجاة موسى عليه السلام وقومِه وهلاكِ عدوهم في مثل ذلك اليوم، وكان ذاك منه صلى الله عليه وسلم تأليفا لقلوبهم، وإظهارا لوحدة المصدر في نبوة الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام.

ـ ليس من المهم بعد ذلك أن يتوافق صيام المسلمين لعاشوراء في العاشر من المحرم من السنة القمرية العَربية مع السنة القمرية العِبرية التي يُزاد فيها شهرٌ كل ثلاث سنوات مرة، لأن المهم هو إظهار الموافقة في أن المسلمين يشاركون اليهود في فرحتهم بنجاة موسى عليه السلام وبني إسرائيل وأنهم أولى بموسى منهم، وليس المهم تحديدَ يوم عاشوراء على التقويم اليهودي في السنين اللاحقة.

* ـ فمن قال بأن صيام يوم عاشوراء ليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم بعد الوقوف على كل هذه الروايات في الصحيحين وغيرهما فكلامه بعيد عن التحقيق.

* ـ هل عزم النبي صلى الله عليه وسلم على صيام اليوم التاسع في العام القابل؟.

روى ابن الجعد وابن أبي شيبة وابن حنبل والبيهقي وغيرهم من طريق عبد الله بن عُمير عن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لئن عشتُ إلى قابل لأصومن التاسع". وإسناده جيد. ورواه الطبراني في الكبير من طريق طاوس عن ابن عباس كذلك، لكن بسند ضعيف، ويتقوى بالذي قبله.

وروى مسلم وأبو داود والبيهقي من طريق يحيى بن أيوب عن إسماعيل بن أمية عن أبي غطفان بن طريف المري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "فإذا كان العامُ المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع". وهذا إسناد ضعيف، وفي المتن نكارة يأتي بيانها قريبا إن شاء الله، ولكن هذا الجزء من المتن صحيح.

والظاهر أن هذا كان في السنة الثانية من الهجرة بعد انقضاء عاشوراء، رغبة منه صلى الله عليه وسلم في مخالفة اليهود الذين يصومون اليوم العاشر فقط، وكان ابن عباس يؤكد على هذا المعنى، فقد روى عبد الرزاق وابن الجعد من طريقين أحدهما صحيح عن عطاء بن أبي رباح أنه سمع ابن عباس يقول في يوم عاشوراء: "خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر".

الروايات المخالفة للروايات الثابتة التي تقدمت في صيام عاشوراء:

وردت روايات في حديث صيام عاشوراء تشتمل على بعض المعاني غيرِ الثابتة، فأستعرض منها في هذا المطلب بعض ما رُوي من حديث ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبي هريرة:

* ـ حديث ابن عباس في صيام عاشوراء تقدم من رواية سعيد بن جبير عنه، وهو حديث صحيح، ولكن جاء عنه من طريق أخرى ألفاظ ليست بثابتة:

فقد رواه مسلم وأبو داود والبيهقي من طريقين عن يحيى بن أيوب عن إسماعيل بن أمية عن أبي غطفان بن طريف المري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى!، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا كان العامُ المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع". قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[يحيى بن أيوب الغافقي مصري مات سنة 168، وثقه جماعة، وقال ابن سعد منكر الحديث، وقال ابن حنبل سيئ الحفظ، وقال النسائي في السنن الكبرى: عنده أحاديث مناكير. إسماعيل بن أمية مكي ثقة مات سنة 139. أبو غطفان بن طريف حجازي ثقة].

هذه الرواية سندها ضعيف، وفي متنها نكارة في مواضع، وهذا يدل على أن يحيى بن أيوب لم يكن ضابطا في روايتها:

الموضع الأول: قوله "حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى"!، وهذا بخلاف ما صح عن ابن عباس وأبي موسى، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدِم المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فسأل عن ذلك فأجابوه، فصامه وأمر بصيامه، أي إنه حين رأى اليهود يصومونه شكرا لله صامه، وليس الحال أنه صامه فقيل له إنه يوم تعظمه اليهود!.

الموضع الثاني: إقحام لفظة النصارى في السياق، وهي ليست فيه.

الموضع الثالث: قوله "فلم يأت العام المقبل حتى تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وهذا يعني أنه عليه الصلاة والسلام لم يصم اليوم التاسع مع العاشر، وأنه لم يعزم على صيامه إلا قـُبيل وفاته!، وهذا بعيد، والأقرب أنه عزم على صيام التاسع مع العاشر في العام الذي يلي صيامه إياه في المرة الأولى، رغبةً منه في مخالفة اليهود الذين يصومون اليوم العاشر فقط، وأنه كان يصومه مع العاشر، وإذا كان ذلك كذلك فالظاهر أن هذه الكلمة "فلم يأت العام المقبل حتى تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم" مقـْحمة في النص.

* ـ حديث ابن عمر تقدم من رواية أيوب السختياني وسلمة بن علقمة ويحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع عن ابن عمر أنه قال: صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فـُرض رمضان ترك. وتقدم من طريق أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد عن عمر بن محمد بن زيد عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اليوم عاشوراء، فمن شاء فليصمه، ومن شاء فليفطر". رواه البخاري وغيره.

هذه الرواية عن ابن عمر من الطريقين المذكورين رواية صحيحة، لتوافقها مع معظم الروايات الواردة عن الصحابة في قصة عاشوراء.

ـ لكن رواه البخاري ومسلم وابن أبي شيبة وابن حنبل وغيرهم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه قال: كان عاشوراء يصومه أهل الجاهلية، فلما نزل رمضان قال "من شاء صامه ومن شاء لم يصمه".

فإذا ثبت هذا عن ابن عمر وكان مراده من أهل الجاهلية هنا أنهم اليهود الذين سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهم لهذا اليوم بعد مقدمِه المدينة فهو صحيح المعنى، على غرابة في استخدام كلمة "أهل الجاهلية" للتعبير عن اليهود.

ـ ويبدو أن نافعا راويَه عن ابن عمر ذهب وهْمه إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حدَّث الناسَ بأن أهل الجاهلية كانوا يصومون عاشوراء فحدَّث هو به جماعةً من الرواة كذلك!.

فقد رواه البخاري ومسلم وابن حنبل والدارمي وأبو داود وابن ماجه والبزار والنَسائي في الكبرى وغيرهم من طرق كثيرة عن نافع عن ابن عمر أنه ذكِر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يومُ عاشوراء فقال: "كان يوما يصومه أهل الجاهلية، فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه، ومن كره فليدَعْه"!.

ورواه مسلم وأبو عوانة من طريق أبي عاصم النبيل عن عمر بن محمد بن زيد عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر أنه قال: ذكِر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء فقال: "ذاك يوم كان يصومه أهل الجاهلية، فمن شاء صامه ومن شاء تركه".

والذي في هذين الطريقين من رواية ابن عمر مخالف لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه هو سأل اليهودَ عن صومهم ليوم عاشوراء، فالرواية التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكِر عنده يومُ عاشوراء فقال "كان يوما يصومه أهل الجاهلية فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه ومن كره فليدَعْه" رواية معلولة!.

*ـ حديث عائشة تقدم من رواية خمسة عن الزهري عن عروة أن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فـُرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر. وهذا صحيح.

وجاء عنها روايتان غريبتان:

ـ الرواية الأولى هي ما رواه مالك والبخاري ومسلم وابن أبي شيبة وابن حنبل من طريق هشام بن عروة، ورواه البخاري ومسلم وأبو عوانة والطحاوي في مشكل الآثار من طريق عراك بن مالك، كلاهما عن عروة عن عائشة أنها قالت: كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية!، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية!، فلما قَدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فـُرض رمضان كان هو الفريضةَ وتـُرك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه.

ولفظه من طريق عراك بن مالك أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فرِض رمضان، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شاء فليصمه ومن شاء أفطر".

ليس في هاتين الروايتين ما يشير إلى سبب صيام قريش ليوم عاشوراء في الجاهلية، ولا لسبب صيام النبي صلى الله عليه وسلم له كذلك!، ولم أجد وجها للربط بين قريش في الجاهلية وبين عاشوراء بسند صحيح، ولو كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية لكان النبي صلى الله عليه وسلم مخالفا لهم فيه، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم عاشوراء في الجاهلية لكان صائما يوم رأى اليهود يصومونه ولمَا جاءت الرواية فيه "فصامه وأمر بصيامه".

والثابت هو أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فسأل عن ذلك، فأجابوه، فصامه وأمر بصيامه، فالرواية التي فيها أن يوم عاشوراء كان يوما تصومه قريش في الجاهلية أو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصومه في الجاهلية كذلك هي رواية شاذة.

ـ الرواية الثانية هي ما رواه البخاري وابن حنبل من طريقين عن محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يُفرض رمضان، وكان يوما تـُسْتر فيه الكعبة، فلما فرض الله رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليتركه".

في هذه الرواية زيادة غريبة، هي أن يوم عاشوراء كان يوما تـُسْتر فيه الكعبة، وهي ضعيفة سندا ومتنا:

فأما السند ففيه محمد بن أبي حفصة، وهو وإن وثقه ابن معين وأبو داود فقد ضعفه النَسائي وابن عدي.

فإن قيل: إن هذه الزيادة لم يتفرد بها ابن أبي حفصة، وهي ثابتة عند البخاري من طريق عُقيل بن خالد كذلك!، لأن البخاري قال في صحيحه [حدثنا يحيى ابنُ بكير قال حدثنا الليث عن عُقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، وحدثني محمد بن مقاتل قال أخبرني عبد الله - هو ابن المبارك - قال أخبرنا محمد بن أبى حفصة عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يُفرض رمضان، وكان يوما تُستر فيه الكعبة، فلما فرض الله رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليتركه"].

فأقول: هذا كلامُ من لم يقف على منهج الإمام البخاري رحمه الله في إيراد الطرقِ المعطوفِ بعضُها على بعض، فيظن ـ تبعا لذلك ـ أنه يجوز عزوُ مثلِ ذلك المتن لكلا الطريقين المعطوفين، وهذا غير صحيح.

منهج الإمام البخاري رحمه الله في إيراده الطريقين المعطوفَ أحدُهما على الآخر هو أنه يأتي بالمتن على رواية الثاني منهما، وفي مثل هذا الحال يكون المتن من الطريق الأول بمثل اللفظ الذي جاء من الطريق الثاني أو بنحوه وإن لم يكن مطابقا له.

وقد تأكد لي أن اللفظ الذي جاء في هذا الحديث من طريق عُقيل بن خالد عن الزهري ليس فيه هذه الزيادة الغريبة، هكذا جاء في معرفة السنن والآثار للبيهقي، ونقل ابن حجر في فتح الباري عن المستخرج للإسماعيلي نحو ذلك حيث قال: [قال الإسماعيلي: "جمعَ البخاري بين رواية عُقيل وابن أبي حفصة في المتن، وليس في رواية عُقيل ذكر الستر". ثم ساقه بدونه من طريق عقيل، وهو كما قال].

[هذا وقد وقفت من قبلُ على موضعين يدلان على أن الإمام البخاري رحمه الله إذا جاء بالرواية عن راويين وجمع بينهما فإنه يوردها على لفظ الثاني منهما وإن لم تكن رواية الراوي الأول مطابقة لها، وروايته لحديث عاشوراء هنا ـ مع مقارنتها برواية البيهقي في معرفة السنن والآثار وبرواية الإسماعيلي في المستخرج ـ هي الموضع الثالث، وهذا مهم جدا في معرفة مناهج المحدثين في إيراد الروايات].

ـ وأما المتن قي هذه الرواية وهو أن الكعبة كانت تـُكسى يوم عاشوراء فهذا غير ثابت عن عائشة رضي الله عنها، إذ من المعلوم أن أهل الجاهلية كانوا يكسون الكعبة، لكن هل كان ذلك يوم عاشوراء؟!، وما الرابط بين أهل الجاهلية وعاشوراء ليجعلوا كسوة الكعبة في هذا اليوم؟!، وما الرابط كذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وزمن معاوية بينهم وبين عاشوراء سوى صيام هذا اليوم الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا رأى اليهود يصومونه؟!.

هذا يجعلنا نشك في ثبوت هذه الرواية عن عائشة رضي الله عنها، ويؤكد لنا ضعف الرواية سندا ومتنا.

هل لهذه الرواية شواهد؟:

لها شاهد مرفوع رواه الأزرقي في أخبار مكة عن جده عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي عن أبيه عن خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم عاشوراء فقال: "هذا يوم عاشوراء، يوم تنقضي فيه السنة، وتـُستر فيه الكعبة، وتـُرفع فيه الأعمال، ولم يُكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن أحب منكم أن يصوم فليصم". [جد الأزرقي هو أحمد بن محمد بن الوليد الغساني الأزرقي مكي ثقة مات سنة 222. إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي مدني متروك اتـُّهم بالكذب، ووثقه الشافعي، ولم يجد ابن عقدة ولا ابن عدي في حديثه منكرا إلا عن شيوخ يحتملون، ومات سنة 184. أبوه محمد بن أبي يحيى الأسلمي مدني ثقة فيه لين مات سنة 147. خالد بن المهاجر حجازي تابعي ذكره ابن حبان في الثقات وروى له مسلم حديثا واحدا، ومات بعد سنة 90]. فهذا السند تالف.

وروى الأزرقي عن جده عن سعيد بن سالم عن ابن جريج أنه قال: كانت الكعبة فيما مضى إنما تـُكسى يوم عاشوراء إذا ذهب آخر الحاج، حتى كانت بنو هاشم، فكانوا يعلقون عليها القمُص يوم التروية من الديباج، فإذا كان يوم عاشوراء علقوا عليها الإزار. [سعيد بن سالم خراساني نزيل مكة صدوق مات بعد سنة 190. عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج مكي ثقة من أتباع التابعين، قد يدلس الإسناد ويرسل، مات سنة 150]. فهذا السند ـ إذا كان المراد منه التحدث عن وقت حياة عائشة رضي الله عنها ـ فهو مرسل ضعيف.

وروى الأزرقي عن جده عن سعيد بن سالم عن عبد الله بن أبي نجيح عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كسا الكعبة القباطيَّ من بيت المال، ثم عثمانُ من بعده، فلما كان معاوية بن أبي سفيان كساها كسوتين: كسوة عمر القباطي، وكسوة ديباج، فكانت تُكسى الديباجَ يوم عاشوراء، وتـُكسى القباطيَّ في آخر شهر رمضان للفطر. [عبد الله بن أبي نجيح مكي ثقة مات سنة 132]. سعيد بن سالم لم يذكر المزي أنه روى عن ابن أبي نجيح، وقد مات بعده بستين عاما ولم يُذكر في ترجمته أنه من المعمَّرين، فالظاهر أن روايته عنه منقطعة، وقد وقفت على سَنَوَات وَفَيَات اثنين وعشرين راويا من شيوخه، وكانت وفَيَاتهم بين سنة 145 وسنة 184، فابن أبي نجيح أقدم وفاة من أقدم شيوخ سعيد بن سالم وفاة بثلاثة عشر عاما، وهذا يؤكد أنه لم يسمع منه، فالسند منقطع ضعيف.

ـ كل هذا يعني أن هذه الكلمة "وكان يوما تـُسْتر فيه الكعبة" مدرجة في النص، وأن وضع الكسوة على الكعبة يوم عاشوراء لم يكن في زمن عائشة رضي الله عنها ولا قبله.

ـ وههنا رواية رواها الأزرقي عن محمد بن يحيى عن الواقدي عن عبد العزيز بن المطلب عن إسحاق بن عبد الله عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: "كان الناس يهدون إلى الكعبة كسوة، فلما كان يزيد بن معاوية كساها الديباج الخُسْرَواني، فلما كان ابن الزبير اتبع أثره، فكان يبعث إليه مصعب بن الزبير بالكسوة كل سنة، فكانت تُكسى يوم عاشوراء".

[محمد بن يحيى: يبدو أنه محمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزدي المعروف بالرواية عن الواقدي، وهذا بصري نزيل بغداد ثقة مات سنة 252. الواقدي محمد بن عمر مدني نزيل بغداد، وثقه جماعة واتهمه جماعة بالكذب، ويبدو أنه كان ثقة في التاريخ، لكنه في الحديث قد يضع الأسانيد، ومات سنة 207. عبد العزيز بن المطلب حجازي صدوق. إسحاق بن عبد الله: لم يأت في الرواية هنا مِن نسبهِ ما يميزه عن غيره، والراوي عنه مدني مات في خلافة أبي جعفر المنصور، أي بين سنة 136 و158، ولعله في آخر خلافة أبي جعفر، ويروي هو عن مدني مات سنة 117 تقريبا، فيظهر لي أنه إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة، فإن يكنْه فهو مدني ثقة مات سنة 132]. فهذا السند لا بأس به في مثل هذه المسألة التاريخية.

ـ وهو لا يتعارض مع ما ذكرته من عدم ثبوت أن الكعبة كانت تُكسى يوم عاشوراء قبل النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمنه وزمن الخلفاء الراشدين وزمن معاوية.

ويبدو أن وضع الكسوة على الكعبة يوم عاشوراء حدث في عهد يزيد بن معاوية.

ـ فإن قيل: لمَ تقول عن هذا السند "لا بأس به في مثل هذه المسألة التاريخية" وربما لا تحتج بنظيره أو بما هو أقوى منه في مسائل تاريخية أخرى؟.

فالجواب أن القرائن التي تكتنف المسألةَ أيَّ مسألةٍ لها أثر كبير لا يجوز إغفاله في التوجيه والترجيح، فإثبات علاقة مثلا بين مشركي قريش وبين الصيام وصيام يوم عاشوراء تحديدا مسألة لا تأتي القرائن مؤيدة لوقوعها، بل لاستبعادها، ومثلها مسألة أن تكون كسوة الكعبة كانت في يوم عاشوراء كذلك.

وهنا تأتي التساؤلات التي تنبهنا إلى قرائن الأحوال: هل كان مشركو قريش يصومون؟!، وهل كانوا يصومون يوم عاشوراء تحديدا؟!، ولمَ يصومونه؟!، وهل كان صيامهم لهذا اليوم لو ثبت له علاقة بصيام اليهود؟!، وهل أوحى الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن وجه تلك الصلة خلال فترة العهد المكي؟!، وهل كانوا يعظمون يوم عاشوراء أو يبتهجون فيه فيكسون فيه الكعبة؟!، وهل كان شيء من ذلك من شريعة إبراهيم عليه السلام؟!، أو هل حصلت حادثة في يوم عاشوراء في عصر الرواية استغلها أناس وأشاعوا من أجلها شائعات أثرت على الرواة الذين ليسوا في الدرجة العليا من الضبط والإتقان؟!.

لهذا كله يجب التمييز بين روايات الرواة الثقات المتميزين في الضبط والإتقان وبين روايات الثقات الذين لا يتمتعون بتلك الدرجة من التميز، وبين رواية الراوي التي تأتي القرائن مؤكدة لثبوتها ورواية الراوي التي ليس لها قرائن مؤكدة. 

* ـ حديث أبي هريرة رواه ابن حنبل عن أبي جعفر عن عبد الصمد بن حبيب بن عبد الله الأزدي عن أبيه عن شبيل بن عوف عن أبي هريرة أنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود قد صاموا يوم عاشوراء، فقال: "ما هذا الصوم؟". فقالوا: هذا اليوم الذي نجى الله موسى وبني إسرائيل من الغرق وغرَّق فيه فرعونَ، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصامه نوح وموسى شكرا لله تعالى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أنا أحق بموسى، وأحق بصوم هذا اليوم". فأمر أصحابه بالصوم. [أبو جعفر المدائني محمد بن جعفر صدوق فيه لين مات سنة 206. عبد الصمد بن حبيب بن عبد الله الأزدي لين. أبوه مجهول. شبيل بن عوف كوفي ثقة]. فهذا السند شديد الضعف.

أول الحديث من بدايته إلى قوله "وغرَّق فيه فرعونَ" موافق لما رواه جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أن أصل الحديث صحيح، وذكْر نوح عليه السلام واستواء السفينة على الجودي في يوم عاشوراء مقـْحم عليه وليس بثابت، فالظاهر أن يد أحد الضعفاء قد عبثت به فأضافت له هذه الزيادة الغريبة، ولعل ذلك جاء من قِبل الراوي المجهول.

 

* ـ هل جعل النبي صلى الله عليه وسلم لصيام يوم عاشوراء اهتماما خاصا وفضلا خاصا؟:

* ـ روى البخاري ومسلم وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن حنبل والطحاوي من طريقين عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضَّله على غيره إلا هذا اليومَ يومَ عاشوراء وهذا الشهر. يعني شهر رمضان. [عبيد الله بن أبي يزيد مكي ثقة ولد سنة 40 ومات سنة 126]. سنده صحيح.

قوله "ما رأيتُ" أي: ما علمتُ، وقد كان ابن عباس يوم أنْ صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وحَرَص عليه في الرابعة من عمره أو نحوها، ولكنه سمع معظم ما يرويه من الحديث من كبار الصحابة.

وهذا الحرص من النبي صلى الله عليه وسلم على صيام يوم عاشوراء كان في أول عاشوراء بعد الهجرة، أي في أوائل السنة الثانية، ثم فرِض صيام رمضان في تلك السنة وترِكت بعده شدة استحباب صيام عاشوراء، كما ثبت ذلك عن عدد من الصحابة.

* ـ روى مسلم والطيالسي وابن حنبل والترمذي وابن ماجه من طرق عن غيلان بن جرير عن عبد الله بن مَعْبَد الزِمَّاني عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله". [غيلان بن جرير بصري ثقة مات سنة 129. عبد الله بن معبد الزماني بصري ثقة مات بعد سنة 80. أبو قتادة الأنصاري صحابي مدني مات سنة 54].

قال البخاري في التاريخ الأوسط: "رواه عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صوم عاشوراء ولم يذكر سماعا من أبي قتادة". وقال في التاريخ الكبير: "روى غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُعرف سماع عبد الله بن معبد من أبي قتادة". وفي هذا إشارة إلى عدم ثبوت الحديث، لأنه يستعمِل مثل هذا يريد بذلك إعلال الرواية.

ورواه ابن حنبل وعبد بن حميد والنسائي في الكبرى من طرق عن أبي الخليل عن حرملة بن إياس عن أبي قتادة الأنصاري به نحوه. [أبو الخليل صالح بن أبي مريم بصري ثقة. حرملة بن إياس ذكره ابن حبان في الثقات].

وذكَر له البخاري في التاريخ الكبير وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل والدارقطني في العلل طرقا بإدخال مولى لأبي قتادة في الإسناد بين حرملة بن إياس وأبي قتادة، وروى النسائي في السنن الكبرى والبيهقي بعضها، وقال البخاري في التاريخ الأوسط: "حرملة بن إياس لا يُعرف له سماع ‏من أبي قتادة". ‏وحيث إن حرملة لم يصرح بالسماع من أبي قتادة ـ في الطرق الخالية عن الاسم المزيد ـ فلا بد من إثباته في الإسناد، وحيث إنه مبهم فالسند ضعيف.

فحديث أبي قتادة هذا سنده بكِلا طريقيه ليس بثابت، وهذه الفضيلة لصيام يوم عاشوراء غير ثابتة.

وهذا لا يعني أن الفضيلة لصيام يوم عرفة ليست ثابتة كذلك، فلها شواهد لا بد من دراستها.

* ـ استشهاد الإمامِ الحسينِ بن علي رضي الله عنهما في يوم عاشوراء:

لحكمة لا نعلمها فقد وقع مقتلُ سبطِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الإمامِ الشهيد الحسينِ بن علي رضي الله عنهما في يوم عاشوراء، وعلى هذا فإن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك ـ يا ريحانة رسول الله ـ لمحزونون.

* ـ وقفتُ على روايات في بعض كتب الشيعة الإمامية تدل على أن وجوب صيام يوم عاشوراء أو استحبابه قبل نزول فرض صيام رمضان كان معروفا عندهم، وأنه صار متروكا بعد افتراض صيام رمضان، فربما كانوا يقولون بذلك قبل مقتل سيدنا الحسين رضي الله عنه وأصبح مكروها بعد ذلك لوقوع مقتله في مثل هذا اليوم.

ـ جاءت الروايات الثلاث التالية في كتاب الكافي للكُليني:

عن أبي الجارود أنه قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: "فرض الله عز وجل على العباد خمسا"، إلى أن قال: "ثم نزل الصوم، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان يومُ عاشوراء بعث إلى ما حوله من القرى فصاموا ذلك اليوم، فنزل شهر رمضان بين شعبان وشوال". الحديثَ.

عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قال: "أما الصوم الذي صاحبُه فيه بالخيار فصوم يوم الجمعة والخميس وصوم البيض وصوم ستة أيام من شوال بعد شهر رمضان وصوم يوم عرفة وصوم يوم عاشوراء، فكل ذلك صاحبه فيه بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر".

عن أبي جعفر عليه السلام أنه سئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: "صومٌ متروك بنزول شهر رمضان، والمتروك بدعة".

ولكن أسانيد هذه الروايات عندهم ضعيفة، ولا أدري هل يقولون بأن تعدد طرقها يكسبها قوة أو لا.

 

* ـ خلاصة البحث:

ـ مشروعية صيام يوم عاشوراء واستحبابه، لصحة الأحاديث الواردة فيه.

ـ القول بأن هذا الحديث هو من وضع الأمويين ومن شايعهم كلام مجانب للصواب.

ـ كان صيام يوم عاشوراء مؤكدا تأكيدا شديدا في السنة الأولى من مشروعية صومه في أوائل السنة الثانية من الهجرة، ثم نُسخ الاستحباب الشديد بعدما أنزل الله عز وجل افتراض صوم رمضان في السنة نفسها، وبقي مطلق الاستحباب.

ـ رواية أن قريشا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية ليست بثابتة، وكذا رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم عاشوراء قبل مقدمه المدينة.

ـ رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لئن عشتُ إلى قابل لأصومن التاسع" سندها جيد، وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، وهذا يعني أنهم صاموا اليوم العاشر من المحرم أولَ ما صاموا عاشوراء وأنهم كانوا بعد ذلك يصومون التاسع والعاشر.

ـ الرواية التي فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع" وأنه لم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفة الإسناد منكرة المتن. والله أعلم.

وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 26/ 1/ 1436، الموافق 19/ 11/ 2014، وأضفت بعض التنقيحات في 9/ 1/ 1442، الموافق 28/ 8/ 2020، والحمد لله رب العالمين.