الخميس، 2 أبريل 2020

حديث "فـُقدت أمة من بني إسرائيل لا يُدرى ما فعلتْ، وإني لا أراها إلا الفأر"



هذا الحديث مداره فيما أعلم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورُوي في بعض الطرق عن ابن سيرين موقوفا على أبي هريرة من قوله، وفي بعضها عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا، ولا بد من البحث والدراسة ـ حسب منهج الأئمة المتقدمين رحمهم الله ـ لمعرفة هل صح الإسناد بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أوْ لا؟، أي هل الراجح فيه أنه مرفوع أو موقوف؟.
* ـ الروايات الموقوفة:
ـ روى مسلم هذا الحديث عن محمد بن العلاء عن حمادِ بن أسامة [7607]، وعبدُ الرزاق في المصنف [8399]، وابن حنبل عن عبد الرزاق وعن محمد بن جعفر وعن يزيد بن هارون [7750، 9326، 10594]، أربعتهم عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أنه قال: "الفأرة مسخ، وآية ذلك أنه يُوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه، ويُوضع بين يديها لبن الإبل فلا تذوقه". فقال له كعب: أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!. فقال: أفأنزِلت علي التوراة؟!.
[هشام بن حسان بصري مات سنة 148، ثقة فيما روى عن ابن سيرين، وهو ثقة فيه لين فيما روى عن غيره، وخاصة في روايته عن الحسن وعطاء. محمد بن سيرين بصري ثقة ثقة مات سنة 110]. هذا الطريق صحيح الإسناد.
ـ ورواه ابن حنبل [7882] عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه عن أيوب السَخْتِياني عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنه قال: فقِد سبط من بني إسرائيل. وذكر الفأرة، فقال: ألا ترى أنك إذا أدنيت منها لبن الإبل لم تقربه، وإن قربتَ إليها لبن الغنم شربته؟!. فقال: أكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. قال: أفأقرأ التوراة؟!.
[عبد الصمد بن عبد الوارث بصري ثقة فيه لين مات سنة 207. عبد الوارث بن سعيد بصري ثقة مات سنة 180. أيوب بن أبي تميمة السَخْتِياني بصري ثقة ثبت، مات سنة 131]. هذا الطريق جيد وإن كان عبد الصمد فيه لين، لأنه يعضده طريق هشام بن حسان.
* ـ الروايات المرفوعة:
ثم إن هذا الحديث رواه البخاري [3305] ومسلم [7606] وابن حنبل [7197] وأبو يعلى [6031] والطحاوي في مشكل الآثار [3273] وابن حبان [6258] من طرق عن خالد بن مهران الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظه عند البخاري: "فـُقدتْ أمة من بني إسرائيل لا يُدرى ما فعلتْ، وإني لا أراها إلا الفأر، إذا وُضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وُضع لها ألبان الشاء شربت". الشاء: الغنم.
[خالد بن مهران الحذاء بصري ثقة فيه لين تغير حفظه بآخره ومات سنة 141]. فهذا الطريق فيه لين.
ـ الرواية عند ابن حنبل ومسلم والبخاري فيها زيادة تشتمل على التصريح بأن أبا هريرة سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، وهي: قال أبو هريرة: فحدثتُ كعبا، فقال: أنت سمعت النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقوله؟!. قلت: نعم. قال لي مرارا، فقلت: أفأقرأ التوراة؟!.
في ثبوت هذه الزيادة بهذا اللفظ نظر، ويبدو أن التبِعة فيها على مَن دون خالد الحذاء، وذلك أن رواية ابن حنبل هي عن عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء به، ورواية مسلم هي عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب الثقفي به، ورواية البخاري هي عن موسى بن إسماعيل عن وُهيب بن خالد عن خالد الحذاء.
[عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي بصري اختلط قبل موته بثلاثِ أو أربعِ سنين. وُهيب بن خالد بصري ثقة تغير حفظه بآخره]. فلا يصح الاعتماد على الروايات التي فيها جواب أبي هريرة هنا بقوله نَعم.
وتلك الزيادة مروية عند أبي يعلى كذلك، وهي عن عبد الأعلى بن حماد عن وُهيب بن خالد عن خالد الحذاء به، لكن ليس فيها أن أبا هريرة أجاب كعبا بقوله نعم، وهي هذه: قال أبو هريرة: فحدثتُ بهذا الحديث كعبا، فقال: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!. فقال له مرارا، فقال أبو هريرة: فنزلتْ علي التوراة؟!. فهي بمثل رواية هشام بن حسان وأيوب السختياني.
ويبدو أن عبد الأعلى بن حماد سمع هذا الحديث مع هذه الزيادة من وُهيب قبل أن يتغير حفظه.
ـ وروى ابن حنبل هذا الحديث [10452] عن محمد بن عبد الله عن الأشعث عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمة من الأمم فُقدت، فالله أعلم: الفأر هي أم لا؟، ألا ترى أنها إذا وضِع لها ألبان الإبل لم تطعَمه؟".
[محمد بن عبد الله الأنصاري بصري ثقة ثم تغير حفظه لما كبر، مات سنة 215. أشعث بن عبد الملك الحُمْراني البصري ثقة مات سنة 142]. فهذا الطريق فيه لين.
ـ ورواه الطبراني في الصغير [886] والأوسط [6662] عن محمد بن إبراهيم بن سارية العكاوي المقرئ عن موسى بن أيوب النصيبي عن بقية بن الوليد عن إسماعيل بن عياش عن ابن عون عن ابن سيرين به مرفوعا.
[محمد بن إبراهيم بن سارية العكاوي المقرئ لم أجد له ترجمة، مجهول الحال، ولا ينفعه كونه مقرئا، فكم مِن أمثاله مَن يروي الأحاديث وهو لا يدري ما يحدث به. موسى بن أيوب النصيبي الأنطاكي صدوق. بقية بن الوليد صدوق فيه لين، وقد يدلس الإسناد عن الضعفاء وقد يسويه. إسماعيل بن عياش مخلط في روايته عن غير الحمصيين، وشيخه في هذه الرواية بصري. عبد الله بن عون بصري ثقة مات سنة 151]. فهذا الطريق شديد الضعف.
ـ ورواه أبو يعلى [6061] عن سُويد بن سعيد عن زياد بن الربيع اليَحْمَدي عن هشام بن حسان عن ابن سيرين به مرفوعا.
[سويد بن سعيد الهروي الحَدَثاني: قال ابن حجر: صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه]. فهذا الطريق ضعيف، ثم إنه منكر، لمخالفة راويه لأربعة من الرواة رووه عن هشام بن حسان به موقوفا.
أي إن الراوي هنا جعل الرواية عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواها حماد بن أسامة وعبد الرزاق الصنعاني ومحمد بن جعفر ويزيد بن هارون عن أبي هريرة من قوله، كما تقدم في الروايات الموقوفة. فهذا الطريق شديد الضعف.
ـ وهنالك حديث بعيد عن الحديث الذي هو محل الدراسة وإن كان أصله منه، ولا يفيد في مسألة الترجيح بين الرفع والوقف لاضطراب راويه فيه، ويحسُن إيراده للمعرفة:
رواه البزار [9986] عن محمد بن بشار عن إبراهيم بن الفضل بن أبي سُوَيد عن حماد بن سلمة عن أيوب السَخْتِياني وحبيب بن الشهيد وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الفأرة يهودية، ألا ترون أنها لا تشرب ألبان الإبل". ورواه أبو يعلى [6060] عن عبد الأعلى بن حماد عن حماد بن سلمة عن حبيب وهشام وأيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، أحسبه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الفأرة يهودية، وإنها لا تشرب ألبان الإبل". وذكره الدارَقطني في العلل [1836] وقال: رواه الحسن بن موسى عن حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد وهشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفا.
من هذه الروايات الثلاث يظهر أن حماد بن سلمة لم يضبط متن الحديث ولا إسناده، حيث رواه بلفظ بعيد عن اللفظ الذي رواه به جماعة من الرواة، ورواه مرة مرفوعا ومرة على الشك في رفعه ومرة موقوفا، والرواة عنه ثقات، فالظاهر أن عدم الضبط منه.
ـ هل صرح أبو هريرة بسماعه لهذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم؟:
تقدم ذكر هذا التصريح فيما رواه البخاري ومسلم وابن حنبل من طريق خالد الحذاء عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، وهذا لفظ الرواية الذي جاء عند البخاري عقب الحديث: قال أبو هريرة: فحدثتُ كعبا، فقال: أنت سمعت النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقوله؟!. قلت: نعم. قال لي مرارا، فقلت: أفأقرأ التوراة؟!. [وفي الرواية عند ابن حنبل "فقال لي ذلك مرارا"، وهذا اللفظ أوضح من "قال لي مرارا"، ومن المعلوم شدة حرصهم على الاختصار في الكتابة]. وتقدم ذكر ما يتعلق بإسناد هذه الرواية مما يدل على عدم قوة الإسناد.
قول أبي هريرة "أفأنزِلت علي التوراة؟!" ليس نصا في أنه سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان السؤال وقع من كعب مرة واحدة وأجابه أبو هريرة بهذا الجواب فهو في دائرة الاحتمال، لكن مما يجعل هذا الاحتمال بعيدا أن كعبا يكرر السؤال عليه مرارا فيجيبه بعد تكرار السؤال بهذا الجواب، وهذا يُبْعِدُ حمْله على معنى أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم لو تأملنا هذا النص مليا لوجدناه يحمل إشارتين واضحتين على عدم صحته:
الأولى في قوله "قلت: نعم. فقال لي مرارا، فقلت"، إذ لو كان أبو هريرة قد أجاب بقوله نعم لما كان كعب بحاجة إلى أن يعيد السؤال مرارا.
الثانية أنه لو كان أبو هريرة قد أجاب بقوله نعم لما كان لقوله "أفأقرأ التوراة؟!" معنى، وحيث إنه من الثابت عنه أنه قال "أفأقرأ التوراة؟!" فهذا يعني أنه لم يقع منه الجواب بنعم.
ثم إنه لو كان هذا الحديث مما سمعه أبو هريرة من النبي صلى الله عليه وسلم لصرح بذلك عندما سئل في أول مرة، بل لو كان قد سمعه منه عليه الصلاة والسلام أو ممن رواه له عنه لعزاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مُفتتح الحديث كما هو المعهود فيما كان يرويه عنه، وجوابه عن السؤال بقوله "أفأنزِلت علي التوراة؟!" يفهمنا أنه لا يريد أن يصرح بمصدر الخبر، وليس فيه أكثر من أنه ليس منقولا عن التوراة، والظاهر أنه سمعه من رجل ما، ويحتمِل أن يكون المسموع منه صحابيا وأن يكون تابعيا، والقضية فيها احتمالات، وليس بمثل هذا تثبت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
* ـ خلاصة الكلام في هذا الحديث من حيث الرفعُ والوقفُ:
هذا الحديث رواه هشام بن حسان وأيوب السَختِياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة موقوفا عليه من قوله، وطريق هشام صحيح وطريق أيوب جيد، فهو ثابت عن أبي هريرة من قوله، ورواه خالد الحذاء وأشعث بن عبد الملك عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطريق خالد الحذاء وطريق الأشعث كل واحد منهما فيه لين، والرواية المرفوعة ـ حسب منهج الأئمة النقاد ـ معلولة بعلة الوقف على الصحابي.
ويزيد الأمرَ تأكيدا قولُ أبي حاتم الرازي عن هشام بن حسان: كان صدوقا، وكان يتثبت في رفع الأحاديث عن محمد بن سيرين. وقولُ ابن حجر عنه: بصري ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين. وقولُ علي بن المديني في أيوب السَختِياني: أيوب أثبتُ في ابن سيرين من خالد الحذاء. وقولُ أبي حاتم عنه: هو أحب إلي في كل شيء من خالد الحذاء.
أي إن هذا الحديث لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ثابت من قول أبي هريرة، فلعله سمعه من بعض أهل الكتاب. والله أعلم.
وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدْلِبي، والحمد لله رب العالمين.
تتميم في إجابات عن بعض الأسئلة والتساؤلات:
ـ قلتُ في خالد بن مهران الحذاء "بصري ثقة فيه لين تغير حفظه بآخره"، ويميل بعض الباحثين الأفاضل إلى توثيقه دون تليين، وإلى أن كلام من تكلم فيه من أئمة الجرح والتعديل هو في رواية الشاميين عنه بأخرة، وليس في رواية البصريين عنه!.
أقول:
خالد الحذاء وثقه جماعة من النقاد وأشار بعضهم إلى تليينه، فقد قال فيه أبو حاتم الرازي "يُكتب حديثه ولا يُحتج به"، وروى العُقيلي في كتاب الضعفاء [402] عن يحيى بن آدم أنه قال: قلت لحماد بن زيد: ما لخالد الحذاء في حديثه؟!. فقال: قدِمَ علينا قدمة من الشام فكأنا أنكرنا حفظه. وروى العُقيلي كذلك عن عبد الله بن أحمد ابن حنبل عن أبيه أن إسماعيل ابن عُلية قيل له في حديث فقال: كان خالد يرويه فلم نكن نلتفت إليه. ضعَّف ابنُ علية أمْره. يعني خالد الحذاء. كذا في كتاب الضعفاء للعقيلي.
كلمة "ضعَّف ابنُ علية أمره" لعلها من قول الإمام أحمد أو من قول ولده عبد الله، والله أعلم، وحماد بن زيد وإسماعيل ابن عُلية كلاهما من الأئمة الحفاظ من أهل البصرة.
وقال ابن حجر عن خالد الحذاء في تقريب التهذيب: "هو ثقة يرسل، أشار حماد بن زيد إلى أن حفظه تغير لما قدم من الشام، وعاب عليه بعضهم دخوله في عمل السلطان".
فمثل هذا الراوي لا يُوثـَّق بإطلاق، ولكنه ثقة فيه لين.
ولم أجد من قيَّد التليين المذكور في خالد الحذاء بأنه في رواية الشاميين عنه، بل الظاهر أنه في رواية البصريين عنه قبل غيرهم، لأن اختلال حفظه كان بعد قدومه إلى البصرة من الشام، وقد قال عنه الإمام الحافظ حماد بن زيد وهو بصري: قدمَ علينا قدمة من الشام فكأنا أنكرنا حفظه.
وإذا كان هذا كذلك فلا ينفع هذا الحديثَ أنه رُوي عن خالد من طريق بعض البصريين عنه.
ـ هذا الحديث سئل عنه الإمام الدارقطني في العلل [1836] فتكلم على الخلاف في رفعه ووقفه بكلام ليس على المعهود في عادته، وكأنه لم يستحضر وقت السؤال ما ينبغي إيرادُه، فلم يرجح فيه شيئا.
ـ فإن قيل: لو ترجح عند الدارقطني القولُ بالوقف لأورده في الجزأين اللذين خصصهما للكلام على أحاديث الصحيحين.
قلت: الجزآن اللذان خصصهما الدارقطني رحمه الله للكلام على أحاديث الصحيحين أحدهما في الإلزام والآخر في الإعلال، فأما الأول فلا يعنينا هنا، وأما الآخر ففيه تتبع لبعض ما رأى فيه إعلالا، وقد ظن بعض الناس أنه سماه بالتتبع، وبنَوا على ذلك أن الحديث إذا كان في أحد الصحيحين ولم يذكره في الجزء المسمى بالتتبع فلا إعلال فيه عنده!، وهذا غير صحيح البتة، لأن تسمية ذلك الجزء بالتتبع ليست من كلام الدارقطني ولا من فحوى كلامه، وقد قال في مستهل ذلك الجزء: "ابتداءُ ذكْرِ أحاديثَ معلولةٍ اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو أحدهما بينت عللها والصواب منها".
ـ الغرابة في متن هذا الحديث:
قال الله تعالى {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين}، وقال تعالى {فلما عَتَوْا عما نُهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين}، وقال تعالى {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله؟:، مَن لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل}.
فقد ذكر ربنا عز وجل الذين مسخهم من بني إسرائيل وأنه إنما مسخهم قردة وخنازير، وهدَّد نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أقواما يبيتون على معصية الله عز وجل بأن الله تعالى يمسخهم قردة وخنازير، وذكر بعض الصحابة ومَن بعدهم القومَ الذين مسخهم الله وأنه مسخهم قردة وخنازير، ولم أجد في أي من النصوص ذكْر الفأر مع القردة والخنازير.
مَن أمعن النظر في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد أنه في كل قول من أقواله يوجه رسالة لأصحابه أو للأمة كافة من بعده، فإنه يطلب منهم فعل شيء أو تركه أو يرغبهم فيه أو يحذرهم منه أو يقترح شيئا أو يخبرهم عن شيء، وهكذا، فالحديث لا بد له من مدلول يدل عليه.
فما الذي يريد أن يقول لنا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إن صح عنه؟، يخبرنا هذا النص المروي عن أمة من بني إسرائيل "فـُقدتْ"، وإذا تساءلنا ما شأنها؟، فنجد أنه يقول حسب الرواية "لا يُدرى ما فعلتْ"، ثم يخبر عن ظن يظنه "وإني لا أراها إلا الفأر". وهذا غريب.
قال بدر الدين الدماميني المتوفى سنة 827 في كتابه مصابيح الجامع والبرماوي في اللامع الصَبيح والقسطلاني في إرشاد الساري: "لا أراها": بضم الهمزة. أي: لا أظنها إلا الفأر.
تتمة النص المروي "إذا وُضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وُضع لها ألبان الشاء شربت"، ومُفاده ـ كما يقول الشراح ـ أن بني إسرائيل حُرمت عليه لحوم الإبل وألبانها، والفأر مِسخ من بني إسرائيل، ولذلك تشرب الفأرة لبن الشاء ولا تشرب لبن الإبل، وهذا يعني أن الفأر الذي كان متناسلا حتى العهد النبوي هو من نسل الذين مُسخوا من بني إسرائيل فأرا.
فإن قيل: روى مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن أم حبيبة رضي الله عنها زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: قال رجل: يا رسول الله، القردة والخنازير هي مما مُسخ؟. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل لم يجعل لمِسْخ نسلا ولا عقِبا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك".
قالوا: لقد ظن النبي صلى الله عليه وسلم أن الفأر من نسل أولئك الممسوخين، وهذا في حديث أبي هريرة، ثم أعلمه الله تعالى أن الذين مُسخوا ليس لهم نسل، وهذا في حديث أم حبيبة.
وهنا يأتي السؤال:
إذا كان هذا الفأر ليس من نسل مَن مُسخوا من بني إسرائيل حسبما يقوله شراح الحديث استدلالا بحديث أم حبيبة فما بال الفأرة "إذا وُضع لها ألبان الإبل لم تشرب وإذا وُضع لها ألبان الشاء شربت"؟!!.
وإذا افترضنا أن حديث أم حبيبة ضعيف الإسناد وأن هذا الفأر هو من نسل مَن مُسخوا من عصاة بني إسرائيل فما باله يحافظ على ترك المحرمات التي لم يُمسخ أسلافه إلا لاجترائهم على اقتراف ما حرم الله عليهم؟!، ألأنهم تابوا من العصيان بعدما مُسخوا فهم الآن يلتزمون بعدم شرب ألبان الإبل؟!!.
بل هل الفأرة أصلا إذا وُضع لها ألبان الإبل لم تشرب وإذا وُضع لها ألبان الشاء شربت؟!.
لذلك أقول: مثل هذه التساؤلات تجعل متن هذا الحديث شاذا غريبا.
ـ أيها الإخوة الكرام:
من كان منكم مقلدا فالواجب عليه أن يقلد من يغلب على ظنه أنه أعلم، وكل واحد من المقلدين له شيخ يثق بعلمه فالواجب عليه أن يقلده.
ليس عليك من حرج أيها الأخ الكريم إذا كنت مقلدا أن تُعْرِضَ عن الكلام الذي يخالف ما أنت عليه وتتمسك بقول من تثق بقوله من أهل العلم، ولكن لا يجوز لك الكلام في مسائل العلم ما دمت مقلدا، لا إثباتا ولا نفيا ولا ترجيحا بدون دليل، لأنك ستُسأل عن ذلك يوم القيامة وأنت لست من أهل الدليل والاستدلال.
أما إذا كنتَ من أهل الاجتهاد في المسألة التي هي محل البحث فعليك أن تدلي برأيك مؤيدا بالحجة التي تنقض استدلالات الطرف الآخر، والعلم رحم بين أهله، فإن عجَزت عن أن تنقضها بالحجج العلمية فعليك القبول والإذعان للحق، أو أن تلزَم السكوت، ولا يجوز التمادي في الرد والإنكار بدون دليل.
أنصح من يريد قراءة مثل هذا البحث للمحاورة فيه أن يبدأ بقراءة مجموعة من الكتب المتخصصة في علوم الحديث الشريف، وأقترح على سبيل المثال الكتب والأبحاث التالية:
معرفة أنواع علوم الحديث لابن الصلاح.
النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر.
نزهة النظر لابن حجر.
كتاب العلل الكبير للترمذي.
علل الحديث لابن أبي حاتم.
كتاب العلل للدارقطني. وهو كتاب كبير فالرجاء قراءة بعض الأجزاء منه.
شرح العلل لابن رجب.
متنزه الأنظار في علوم الحديث.
منهج الإمامين البخاري ومسلم في إعلال المرويات الحديثية.
أحاديث الصحيحين هل ضعَّف بعض العلماء بعضها؟.
رتبة الاجتهاد ورتبة التقليد.
اللهم إنا نعوذ بك من الهوى ومن مضلات الفتن، اللهم اجعلنا وإخواننا وأحبابنا ممن بَرَّ واتقى وصدَّق بالحسنى ونهى النفس عن الهوى.
كتبَ أصلَ هذا البحث صلاحُ الدين بن أحمد الإدلبي قبل أكثر من سنتين، وتمَّ مع التنقيح والزيادات في 7/ 8/ 1441، الموافق 31/ 3/ 2020، والحمد لله رب العالمين.

الاثنين، 9 مارس 2020

حديث لا يعْدي شيءٌ شيئًا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، رب تمم بالخير، واختم لنا بالخير، بفضلك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
* ـ حديث “لا يعْدي شيء شيئا” رواه ابن حنبل [8343] والفريابي في كتاب القدر [214] ووكيع في كتاب أخبار القضاة من طرق عن عبد الله بن شبرمة عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا يعْدي شيء شيئا”.
هذا الإسناد ظاهره الصحة، فمن نظر فيه مقتصرا على هذا الطريق ظن أنه صحيح فصححه!.
ولكنه معلول، فقد رواه ابن أبي شيبة في مسنده [339] وابن حنبل [4198] والترمذي [2143] وأبو يعلى [5182] وابن خزيمة ـ كما نقله ابن حجر في إتحاف المهرة ـ من طرق عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن رجل عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأدخل في الإسناد رجلا مبهما بين أبي زرعة بن عمرٍو وبين الصحابي.
وإثبات زيادة المبهم في الإسناد هنا هو الراجح، لأن الطريق الخالي من الزيادة ليس فيه تصريح بما يدل على السماع في موضع الزيادة.
ـ وبهذا الوجه من الإعلال أعله الإمام الكبير أبو حاتم الرازي رحمه الله، فقد قال ابن أبي حاتم في كتاب العلل [2313]: سألت أبي عن حديث رواه ابن شبرمة عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم “لا يعدي شيء شيئا”، فقال: [خالف ابنَ شبرمة ابنُ أخيه عمارةُ بنُ القعقاع فقال “عن أبي زرعة عن رجل عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم”، وهو أشبه بالصواب].
ـ ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين بأصبهان [542] من طريق عبيد الله بن أبي حميد عن أبي المليح عن أبي هريرة به. عبيد الله بن أبي حميد ضعفه جماعة، وقال عنه البخاري: منكر الحديث.
* ـ ثم إن هذا الحديث “لا يعْدي شيء شيئا” منكر المتن، لمخالفته عددا من الأحاديث الصحيحة:
ـ روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها”. ورواه ابن حنبل عن سعد بن أبي وقاص عن النبي الله صلى الله عليه وسلم بنحوه.
الجزء الأول من هذا الحديث فسره بعض الشراح بما يؤول إلى أن النهي عن الدخول هو لأمر آخر غير العدوى!، وإذا كان هذا التأويل ممكنا فيه فإن النهي عن الخروج من الأرض إذا وقع فيها الوباء لا أرى له معنى سوى أنه صلى الله عليه وسلم أراد فرض الحجر الصحي، كي لا تقع العدوى ولينحصر الوباء ولا ينتشر.
ـ وروى البخاري من طريق سعيد بن ميناء أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا عدوى، ولا طِيَرة، ولا هامة، ولا صفر، وفِرَّ من المجذوم كما تفر من الأسد”.
كلمة “لا” جاءت في هذا الحديث أربع مرات، وهي في هذه المواضع الأربعة للنفي.
قوله “لا عدوى” صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه ابن حنبل وغيره كذلك عن جماعة من الصحابة عنه، لكن ليس المراد من هذه الكلمة نفيَ العدوى بإطلاق، بل نفي اعتقاد أهل الجاهلية في العدوى، فإنهم كانوا يعتقدون أن المريض ينتقل مرضه المعدي إلى السالم منه بنفسه لا بفعل الله عز وجل.
وتأويل الحديث بهذا المعنى لا بد منه، وذلك للقرائن التي تدل عليه، وهي الأحاديث النبوية الثابتة التي تشير إلى ثبوت العدوى، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه “وفِرَّ من المجذوم كما تفر من الأسد”، وهو قرينة تصرف المعنى من الإطلاق إلى الوجه الذي ذكرته، ولا معنى للفرار من المجذوم كما يفر المرء من الأسد سوى خشية العدوى، ولو كان لغير ذلك لما جاء بهذه الصورة المخيفة.
ـ وروى مسلم عن الشريد بن سويد الثقفي أنه قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم “إنا قد بايعناك فارجع”. أي إنه بايعه بالكلام ولا داعي لمصافحته عند البيعة.
ـ وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ”. وهذا نهي للمُمْرِض أن يُورِدَ إبله على المُصِحِّ.
قال أبو العباس القرطبي المتوفى سنة 656 رحمه الله في كتابه المفْهم: الورود هو الوصول إلى الماء، وأوردَ إبلَه إذا أوصلها إليه، فصاحب الإبل مُورِد، والإبل مُورَدة، ومُمْرِض: اسم فاعل من أمْرض الرجلُ، إذا أصاب ماشيتَه مرض، ومُصِحّ: اسم فاعل من أصَحَّ، إذا أصابت ماشيتَه عاهة ثم صحَّت.
* ـ قد يقال: روى ابن أبي شيبة وعبد بن حُميد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان من طريق مفضل بن فضالة عن حبيب بن شهيد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في قصعة فقال “كلْ بسم الله ثقة بالله وتوكلا على الله”، وفي هذا دلالة واضحة على نفي العدوى.
أقول: هذا حديث ضعيف الإسناد منكر المتن.
مفضل بن فضالة الذي في سنده هو بصري ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه توثيقا صريحا في صحيحه عند روايته لهذا الحديث!، وليَّنه سائر النقاد.
ومما يزيد ضعفَ الإسناد وَهاءً أنه معلول، فقد أعله الإمامان البخاري والترمذي رحمهما الله:
روى الترمذي هذا الحديث في كتاب العلل وسأل شيخَه الإمامَ البخاري عنه فأجابه بقوله: روى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد عن عبد الله بن بريدة أن عمر أخذ بيد مجذوم. وقال الترمذي بعد تخريجه في كتاب السنن: هذا حديث غريب، وقد روى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد عن ابن بريدة أن عمر أخذ بيد مجذوم، وحديث شعبة أشبهُ عندي وأصح.
ونكارة متنه ظاهرة، إذ هو مخالف للأحاديث النبوية الثابتة التي تشير إلى ثبوت العدوى.
[وهذا الحديث ليس ثابتا كذلك عن عمر رضي الله عنه، لأن عبد الله بن بريدة لم يدرك عمر، وروايته عنه مرسلة، فالسند ضعيف].
* ـ قوله “فمَن أعدى الأول؟!” ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد رواه الإمامان البخاري ومسلم وغيرهما من طرق عن ابن شهاب الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا عدوى ولا صفر ولا هامة”. فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الظباء، فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها؟!. فقال صلى الله عليه وسلم: “فمَن أعدى الأول؟!”.
قوله هنا “فمَن أعدى الأول؟!” ليس فيه إبطال العدوى كذلك، إنما فيه إبطال ما كان يعتقده المشركون من أن الأمراض تعدي بطبعها من غير خلق الله تعالى للعدوى وتقديره لها.
ووجه الرد على من يعتقد ذلك الاعتقاد من هذا الحديث هو أن القائل به يلزمه أن يقول بانتقال المرض المعدي عن طريق العدوى إلى مَن وصل إليه المرض من مريض قبله ووصولِه إلى ذلك المريض من مريض قبله وهكذا بالتسلسل إلى ما لا نهاية له في الماضي!، والتسلسل إلى ما لا نهاية له في الماضي باطل، فلا بد له من بداية بدأ عندها، والذي خلق ذلك المرض وقدَّره في المريض الأول هو الله جلَّ وعلا، فالذي خلقه وقدَّره في المرة الأولى هو الخالق له في المرات التالية.
* ـ قال ابن الصلاح الشهْرزوري المتوفى سنة 643 رحمه الله في كتابه معرفة أنواع علم الحديث: [حديث “لا عدوى” مع حديث “لا يورِدْ مُمْرِض على مُصِحٍّ” وحديث “فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد”: وجه الجمع بينهما أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها ولكن الله تبارك وتعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببا لإعدائه مرضَه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في سائر الأسباب، ففي الحديث الأول نفى صلى الله عليه وسلم ما كان يعتقده الجاهلي من أن ذلك يعدي بطبعه، ولهذا قال “فمَن أعدى الأول؟!”، وفي الثاني أعْلمَ بأن الله سبحانه جعل ذلك سببا لذلك وحذر من الضرر الذي يغلب وجودُه عند وجوده بفعل الله سبحانه وتعالى].
وقال الإمام النووي المتوفى سنة 676 رحمه الله في شرح صحيح مسلم: [حديث “لا عدوى”: المراد به نفي ما كانت الجاهلية تزعمه وتعتقده أن المرض والعاهة تعْدي بطبعها لا بفعل الله تعالى، فنفى العدوى بطبعها ولم ينفِ حصول الضرر عند ذلك بقدَر الله تعالى وفعله].
* ـ الخلاصة:
حديث “لا يعْدي شيء شيئا” ضعيف الإسناد منكر المتن، ولا تجوز نسبته إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.
* ـ تذييل:
مَن غلب على ظنه بقول الأطباء أنه أصيب بمرض معْدٍ فلا يجوز له أن يؤذي الأصحاء بالمخالطة التي هي مظِنة العدوى، ومن ذلك مخالطة الناس في صلاة الجمعة والجماعة، لأنه لا ضرر ولا ضرار، هذا إذا كان لا يمكنه حضور الصلاة إلا بالمخالطة التي فيها ضرر، فإن أمكنه حضور صلاة الجمعة وأداؤها وبينه وبين الناس مسافة يُؤمن معها عدم الإيذاء والإضرار وجب عليه حضورها في هذه الحالة مع مراعاة شرط عدم الإضرار بالناس.
اللهم ارفع الكرب والشدائد عنا وعن سائر عبادك المسلمين يا رب العالمين.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 4/ 7/ 1440، الموافق 28/ 2/ 2020، والحمد لله رب العالمين.

الأربعاء، 27 نوفمبر 2019

حديث "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة"


* ـ حديث "من رآني في المنام" رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد من الصحابة، منهم أبو هريرة.
ورواه عن أبي هريرة خمسة من التابعين: أبو صالح ذكوان السمان، ومحمد بن سيرين، وكليب بن شهاب، وعبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرَقة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
الروايات عن التابعين الأربعة الأُوَل من أولئك الخمسة متوافقة من طرقها المحفوظة على أن لفظ الحديث هكذا "من رآني في المنام فقد رآني"، وأما الرواية عن التابعي الخامس فقد اختلف فيها اللفظ عن سائر الروايات اختلافا مباينا.
* ـ فأما طريق أبي صالح فرواه البخاريُّ عن موسى بن إسماعيل، والبزارُ عن هلال بن يحيى، كلاهما عن أبي عَوانة الوضاح بن عبد الله اليشكُري عن أبي حَصين عثمان بن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي".
وكذا رواه ابن حنبل عن محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي حَصين به.
وكذا رواه ابنُ حنبل عن عبد الرحمن بن مهدي، وأبو عوانة الإسفَراييني من طريق معاوية بن هشام، وابنُ أبي شيبة عن وكيع، ثلاثتهم عن سفيان الثوري عن أبي حَصين به.
ـ وأما طريق محمد بن سيرين فرواه مسلم من طريق حماد بن زيد عن أيوبَ السختياني وهشامِ بنِ حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم به.
ورواه ابن حنبل والترمذي في الشمائل وأبو عوانة من طرق عن هشام بن حسان به، ورواه الترمذي في السنن [2280] والبزار [9976] من طريق قتادة عن ابن سيرين به بنحوه "من رآني في المنام فإني أنا هو، فإنه ليس للشيطان أن يتمثل بي". هذا اللفظ في رواية البزار، وسقط عند الترمذي لفظة "في المنام".
ـ وأما طريق كليب بن شهاب فرواه مسدد وابن سعد وابن راهويه وابن حنبل والترمذي في الشمائل والبزار من طرق عن عاصم بن كليب بن شهاب عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم به.
ـ وأما طريق عبد الرحمن بن يعقوب فرواه ابن ماجه وأبو يعلى [6488] وأبو عوانة واللالكائي من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم به.
* ـ وأما طريق أبي سلمة فاللفظ فيه مباين للفظ الذي تقدم في الروايات السابقة:
فقد رواه مسلم وأبو داود وأبو عوانة من طرق عن عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد، ورواه مسلم وابن حنبل واللالكائي من طريق ابن أخي الزهري، والطبرانيُّ في مسند الشاميين من طريق محمد بن الوليد الزُبيدي، وابنُ المقرئ في معجمه من طريق عُقيل بن خالد، أربعتهم عن ابن شهاب الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة". أو: "لكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي". هكذا على الشك في أي اللفظتين هي المسموعة، ولعل الشك هو من ابن شهاب الزهري رحمه الله.
ورواه البخاري عن عبدان عبد الله بن عثمان بن جبلة عن عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد به، ولفظه "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي".
* ـ وقع في الرواية الأخيرة الجزمُ بأن لفظ الحديث هو "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة"، وهذا وهَم لا شك في ذلك، لأنها مخالفة لرواية عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد، ولرواية ابن أخي الزهري ومحمد بن الوليد الزُبيدي وعُقيل بن خالد، وهؤلاء رووا الحديث عن ابن شهاب الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة". أو: "لكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي". هكذا على الشك.
وهذا اللفظ الذي هو من رواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ليس ثابتا عن أبي هريرة أصلا، لأن هذا الحديث رواه أربعة آخرون من التابعين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رآني في المنام فقد رآني".
رواية الجماعة هي الثابتة دون رواية الراوي الذي انفرد دونهم بلفظ مخالف لما رووه، واللفظ الذي رواه الجماعة هو الراجح، والذي انفرد به واحد دونهم هو المرجوح.
* ـ هذا وللفظ المرجوح شاهد رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن شريح عن عبد الرحمن بن عتبة المعافري عن أبيه أنه سمع مالك بن عبد الله الخثعمي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي".
[عبد الرحمن بن عتبة المعافري وأبوه ذكرهما ابن يونس في تاريخه وبيَّض لهما فلم يذكر فيهما جرحا ولا تعديلا. قال ابن يونس: عبد الرحمن بن عتبة بن يَعْفُر بن غَنْم المعافري: يروي عن أبيه، روى عنه عبد الرحمن بن شريح، ولم يرو عنه غيره. وقال: عتبة بن يَعْفُر بن غَنْم المعافري: يروي عن عقبة بن عامر ومالك بن عبد الله الخثعمي، روى عنه ابنه عبد الرحمن. ونقل عنه ابن ماكولا في الإكمال ما قاله فيهما]. وحيث إنه لم يُذكر عن هذين الراويين ما فيه دلالة على ضبطهما فهذا الإسناد ضعيف لا يُعتمد عليه.
* ـ خلاصة البحث:
حديث "من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي" حديث صحيح من رواية أربعة من التابعين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
لهذا الحديث رواية أخرى "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة"، وهذه الرواية رواها البخاري، وليست ثابتة بهذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 29/ 3/ 1441، الموافق 26/ 11/ 2019، والحمد لله رب العالمين.


الأربعاء، 30 أكتوبر 2019

حديث "خيركم من طال عمره وحسن عمله"



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، رب تمم بالخير، واختم لنا بالخير، بفضلك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
رُوي هذا الحديث من رواية أبي بكرة وعبد الله بن بسر وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك:
ـ فأما حديث أبي بكرة فرواه أبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وابن حنبل والدارمي والترمذي والبزار والطحاوي في مشكل الآثار من طرق عن علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أنه قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس خير؟. فقال: "مَن طال عمره وحسن عمله". ورواه ابن حنبل والطحاوي في مشكل الآثار والحاكم من طرق عن الحسن عن أبي بكرة به.
وروى ابن عدي في الكامل بسند صحيح عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد أنه قال: ربما حدث الحسنُ بالحديث أسمعه منه، فأقول يا أبا سعيد أتدري من حدثك؟!، فيقول لا أدري إلا أنه سمعته من ثقة، فأقول أنا حدثتك.
والظاهر أن الحسن البصري كان قد سمع هذا الحديث من علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فرواه عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من تدليس الإسناد.
[علي بن زيد بصري ضعيف مات سنة 131، قال الترمذي في السنن: علي بن زيد صدوق إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره. عبد الرحمن بن أبي بكرة ثقة. الحسن البصري لم يثبت أنه سمع من أبي بكرة، وهو قد يدلس الإسناد ولم يصرح بالسماع]. فهذا الإسناد ضعيف.
ـ وأما حديث عبد الله بن بسر فرواه ابن أبي شيبة وابن حنبل والترمذي والطبراني في مسند الشاميين وابن المقرئ والبيهقي من طريق معاوية بن صالح، وابنُ حنبل وأبو زرعة الدمشقي في الفوائد المعللة والطبراني في مسند الشاميين من طريق حسان بن نوح، والطبرانيُّ في مسند الشاميين من طريق محمد بن الوليد الزبيدي ومن طريق صبيح بن محرز، والخطيبُ البغدادي في تلخيص المتشابه من طريق عمر بن جُعْثُم، خمستهم عن عمرو بن قيس السَكوني، ورواه الضياء المقدسي في المختارة من طريق أبي أحمد الحاكم بسنده عن أرطاة بن المنذر، كلاهما عن عبد الله بن بسر أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس خير؟. فقال: "مَن طال عمره وحسن عمله".
[عمرو بن قيس السَكوني حمصي ثقة مات سنة 136 تقريبا. أرطاة بن المنذر حمصي ثقة مات سنة 162]. طريق أبي أحمد الحاكم عن أرطاة بن المنذر سنده جيد، فإسناد هذا الحديث صحيح عن عبد الله بن بسر.
لكن هذا لا يعني أنه صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا إذا تأكدنا من أن عبد الله بن بسر هذا صحابي، والظاهر أنه ليس كذلك، لما سيأتي.
ورواه علي بن الجعد وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني وأبو نعيم في الحلية من طريق إسماعيل بن عياش، والطبرانيُّ في الأوسط من طريق الحارث بن يزيد السَكوني الحمصي، كلاهما عن عمرو بن قيس السَكوني عن عبد الله بن بسر المازني.
من هو عبد الله بن بسر؟ هل هو عبد الله بن بسر المازني أو غيره:
أكثر الرواة لهذا الحديث لم يذكروا عبد الله بن بسر منسوبا، فيحتمِل أن يكون هو المازنيَّ الحمصي، وهذا صحابي مات سنة 88 وهو ابن 94 سنة، وقال أبو القاسم عبد الصمد بن سعيد مات سنة 96 وهو ابن مئة سنة، وقال الخطيب البغدادي في تلخيص المتشابه بلغ مئة سنة، ويحتمِل أن يكون هو النصريَّ الدمشقي، وهذا ذكره ابن عبد البر وابن حجر في الصحابة ولا تثبت صحبته، ويحتمِل أن يكون هو الحُبْرانيَّ، وهذا حمصي نزل البصرة مات قرابة سنة 135، وهو ضعيف.
إسماعيل بن عياش الذي قال هو المازني لا يُحتج به لما فيه من ضعف، وكذا الحارث بن يزيد السَكوني، فهو وإن ذكره ابن حبان في الثقات فقد قال فيه أبو حاتم مجهول. فإسناد هذا الحديث عن عبد الله بن بسر المازني ضعيف.
ـ وأما حديث أبي هريرة فرواه ابن المبارك في الزهد وفي المسند عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم به نحوه. [يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب التيمي مدني منكر الحديث متروك]. فهذا الطريق تالف.
ورواه ابن أبي شيبة وابن حنبل والبزار وابن حبان والبيهقي من ثلاثة طرق عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خيركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا". محمد بن إسحاق قد يدلس الإسناد ولم يصرح بالسماع، فهذا الطريق ضعيف.
ورواه ابن حبان من طريق محمد بن عثمان العقيلي عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق أنه قال حدثني محمد بن إبراهيم التيمي. [محمد بن عثمان العقيلي ذكره ابن حبان في الثقات وقال يغرب]. فهذا الطريق لا يُعتمد عليه.
ـ وأما حديث جابر فرواه عبد بن حُميد من طريق عبد الله بن عامر عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا". [عبد الله بن عامر القارئ مدني ضعيف في رواية الحديث، مات سنة 151].
ورواه الحاكم والبيهقي من طريق أيوب بن سليمان بن بلال عن أبي بكر عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله به نحوه. [أيوب بن سليمان بن بلال مدني، وثقه أبو داود وغيره، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو الفتح الأزدي والساجي: يحدث بأحاديث لا يُتابع عليها. وضعفه ابن عبد البر، فهو صدوق فيه لين، مات سنة 224].
ورواه قوام السنة في الترغيب والترهيب من طريق عاصم بن علي عن أبي معشر عن محمد بن المنكدر عن جابر. [عاصم بن علي بن عاصم الواسطي صدوق فيه لين مات سنة 221. أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي مدني ضعيف واختلط بآخره، مات سنة 170].
وقال الدارقطني: اختُلف فيه على ابن المنكدر: فرُوي عن زيد بن أسلم وأبي معشر عن ابن المنكدر عن جابر، ورواه عبد العزيز بن الماجشون عن ابن المنكدر مرسلا. قلت: فحديث جابر ضعيف الإسناد.
ـ وأما حديث أنس فرواه أبو يعلى من طريق سهيل عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا أنبئكم بخياركم؟!". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "خياركم أطولكم أعمارا إذا سددوا". [سهيل بن أبي حزم بصري ضعيف مات قبل سنة 175]. فهذا الإسناد ضعيف.
ثم إنه لو لم يكن ضعيفا لما كان فيه حجة لمن يريد أن يحتج به، لأن البزار رواه في مسنده بالإسناد عينه بلفظ مغاير، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أنبئكم بخياركم؟!". قالوا: بلى. قال: "أحاسنكم أخلاقا".
* ـ هل تتقوى هذه الطرق الضعيفة ببعضها؟:
اشترط الإمام الترمذي رحمه الله في ترقية الأسانيد الضعيفة أن لا يكون الحديث شاذا، والمتأخرون يرون أن الحديث الذي تعددت طرقه وكان ضعفها ليس شديدا يرتقي لمرتبة الحسن، وأهملوا الشرط الثالث إهمالا تاما.
هل هذا الحديث فيه شذوذ؟:
آيات القرآن الكريم تربط الفضل ورفعة الدرجة بالعمل الصالح، فقد قال الله تعالى {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما}.
هذا ما يقوله لنا ربنا عز وجل، أما الحديث المروي عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فهو في واد آخر، إذ يُنسب لطلحة رضي الله عنه أن رجلين قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسلامهما جميعا، وكان أحدهما أشد اجتهادا من صاحبه، فغزا المجتهدُ منهما فاستُشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي، قال طلحة فيما نُسب إليه: فرأيت فيما يرى النائم كأني عند باب الجنة، إذا أنا بهما وقد خرج خارج من الجنة فأذن للذي تُوفي الآخِرَ منهما، ثم خرج فأذن للذي استُشهد، ثم رجعا إلي فقالا لي ارجع فإنه لم يأنِ لك بعد. فأصبح طلحة يحدث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مِن أي ذلك تعجبون؟!". قالوا: يا رسول الله، هذا كان أشدَّ اجتهادا ثم استُشهد في سبيل الله ودخل هذا الجنة قبله؟!. فقال: "أليس قد مكث هذا بعده سنة؟!". قالوا: بلى. قال: "وأدرك رمضانَ فصامه؟". قالوا: بلى. قال: "وصلى كذا وكذا سجدة في السنة؟". أو قال: "وصلى بعده ستة آلاف ركعة؟!". قالوا: بلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَلَمَا بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض".
وهذا يعني أن مَن صحب النبي صلى الله عليه وسلم وطال عمره فصلى عددا كثيرا من الصلوات وصام عددا كثيرا من الرمضانات هو أفضل عند الله تعالى ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم وجاهد واستُشهد وكان أشد اجتهادا في العبادة!، وأنه أفضل من معظم الصحابة الذين استُشهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم!، وأنه أفضل ممن بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة!. وهذا الحديث مخالف لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من فضل طلحة رضي الله عنه وبشارته له بالجنة.
ـ ثم إن المعهود في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يربط الخيرية والأفضلية بطول العمر:
فمن ذلك ما رواه البخاري عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
ومن ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن خياركم أحاسنكم أخلاقا".
ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة والخرائطي في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم".
ومن ذلك ما رواه محمد بن نصر في كتاب تعظيم قدر الصلاة عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا أخبركم بأكملكم إيمانا؟!: أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون".
ومن ذلك ما رواه ابن حنبل عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خياركم من أطعم الطعام ورد السلام".
ـ وروى البخاري عن مرداس بن مالك الأسلمي رضي الله عنه وكان من أصحاب الشجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يُقبض الصالحون الأول فالأول، وتبقى حفالة كحفالة التمر والشعير، لا يعبأ الله بهم شيئا".
محل الشاهد في قوله "الأول فالأول"، فالصالحون ليس الأعلى فيهم من يُؤخر في أن يعيش أكثر من أصحابه، ولكنه الأكثر صلاحا وإن قُبض قبلهم.
ـ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الهرم، والهرم كِبَر السن:
فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر".
وروى البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والمغرم، ومن فتنة القبر وعذاب القبر، ومن فتنة النار وعذاب النار". وروى مسلم نحوه من حديث زيد بن أرقم وعبد الله بن مسعود.
ـ الخلاصة:
حديث "خيركم من طال عمره وحسن عمله" أسانيده ضعيفة، ولا تتقوى ببعضها لشذوذ المتن، والله أعلم.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 8/ 10/ 1439، الموافق 22/ 6/ 2018، سوى بعض الإضافات اليسيرة، والحمد لله رب العالمين.



الثلاثاء، 1 أكتوبر 2019

مقام الداعية ومقام الحاكم أو القاضي‎

قد يقول بعض الناس: يوجد فيمن يدَّعون الإسلام منافقون وزنادقة ومرتدون يتظاهرون بأنهم يصلون ويصومون مع المسلمين، فهل هؤلاء إخوة لنا في الدين ويجب علينا أن نعاملهم كما نعامل المسلم الصادق في إيمانه؟!.
أقول:
شتان بين التعامل مع الإنسان الذي يصلي ويصوم مع المسلمين ولم يظهر عليه ما يخالف ذلك مما لا يحتمل تأويلا وبين الذي ظهرت عليه علامات النفاق القطعية التي لا تحتمل التأويل، ولكلٍّ حكمه.
ثم إن هناك مقامَ الدعوة وتأليفِ القلوب واحتمال الأذى والعدوانِ والتهجيرِ والتشريد ومقامَ محاسبة المجرمين على جرائمهم إذا كان هنالك دولة وقانون وقضاء:
فإذا كنتَ في مقام الداعية فانظر إلى الحديث الذي رواه البخاري رحمه الله عن خباب بن الأرت رضي الله عنه أنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟!، ألا تدعو الله لنا؟!. فقال: "كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض فيُجعل فيه فيُجاء بالمنشار فيُوضع على رأسه فيُشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".
وانظر كذلك إلى الشطر الأول من الحديث الذي رواه البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: بعث عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذُهَيبة في أديم مقروظ، فقسمها رسول الله بين أربعة نفر، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحقَّ بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: "ألا تأمنوني وأنا أمين مَن في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء؟!". فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار فقال: يا رسول الله اتقِ الله. قال: "ويلك، أولست أحقَّ أهل الأرض أن يتقي الله؟!". ثم ولـَّى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟!. قال: "لا، لعله أن يكون يصلي". فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه!. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم".
وإذا كنتَ في مقام القاضي إذا كانت هناك دولة وقانون ونظام قضائي فانظر إلى الشطر الثاني من هذا الحديث، فتتمته هي أن أبا سعيد الخدري قال: ثم نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقفٍّ فقال: "إنه يخرج من ضِئْضِئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد".
وتأمل الفرق بين ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذي اعترض على قضائه وأظهر عدم الرضا بحكمه مع التماس العذر له بأنه لعله أن يكون يصلي، وبين ما قاله عن الذين يخرجون من نسله ويتلون كتاب الله رطبا.
وتأمل قولَ خالد بن الوليد رضي الله عنه: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه!.  وجوابَ النبي صلى الله عليه وسلم له وقد أقره ولم يعترض عليه: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس".
إشكال آخر وجواب:
قد يقال: الظاهر أن قتل ذاك المعترض على النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة القطعة الذهبية أولى من قتل الذين سيخرجون من نسله فيما بعد، لأن ذلك المعترض كفر كفرا واضحا بيِّنا باتهامه للنبي صلى الله عليه وسلم بالمحاباة وعدم العدل، وقوله له "كنا نحن أحقَّ بهذا من هؤلاء". وقوله له كذلك "يا رسول الله اتقِ الله". والذين خرجوا من نسله فيما بعد اعترضوا على حكم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قبوله التحكيم ولم يعترضوا على رسول الله!.
أقول:
ظاهر الأمر هو كذلك، وهنا يظهر السر في التفريق بين مقام الداعية ومقام الحاكم أو القاضي.
فالنبي صلى الله عليه وسلم رجَّح في ذلك الموقف مقام الداعية، حيث إن ذلك المعترض رجل واحد ليس وراءه جماعة كبيرة متمردة تساعده في ذلك على تهديد الأمن، ولم يأذن لخالد بن الوليد رضي الله عنه في قتله، وعلمَ ـ بإعلام الله تعالى إياه ـ أنه سيخرج من نسل ذلك المعترض قوم غلاظ عتاة بغاة يعْميهم ما هم عليه من الكبْر والجهل والاستخفاف بالخليفة الراشد ويستجرهم إلى الخروج عليه وتهديد الأمن والاستقرار، وفي مثل تلك الحال يحْسُن ترجيح مقام الحاكم أو القاضي الذي يمنع هؤلاء القوم من التمادي فيما هم عليه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد". وهذا ما فعله أمير المؤمنين علي رضي الله عنه.

الثلاثاء، 6 أغسطس 2019

هذا عثمان بن عفان رضي الله عنه


روى عمر بن شبة في تاريخ المدينة عن عمران بن عبد الله بن طلحة أن عثمان رضي الله عنه خرج لصلاة الغداة، فدخل من الباب الذي كان يدخل منه، فزحمه الباب، فقال: "انظروا". فنظروا، فإذا رجل معه خنجر أو سيف، فقال له عثمان رضي الله عنه: "ما هذا؟!". قال: أردت أن أقتلك!. قال: "سبحان الله، ويحك، علامَ تقتلني؟!". قال: ظلمني عاملك باليمن. قال: "أفلا رفعتَ ظلامتك إلي؟!، فإن لم أنصفك أو أعْديك على عاملي أردتَ ذاك مني". فقال لمن حوله: "ما تقولون؟". فقالوا: يا أمير المؤمنين، عدو أمكنك الله منه. فقال: "عبدٌ همَّ بذنب فكفه الله عني، ائتني بمن يكفل بك لا تدخل المدينة ما وليتُ أمر المسلمين". فأتاه برجل من قومه، فكفل به، فخلى عنه. قال عمران: فوالله ما ضربه سوطا ولا حبسه يوما.
أقول: هكذا كان الخلفاء الراشدون، وهكذا فلتكن القدوة أيها المسلمون.

الخميس، 18 يوليو 2019

من رسائل المعقِّبين (٢٥٧) ـ ما ضابط أهل السنة ؟ وهل نحن ملزمون باتباع العلماء السعوديين ؟

 ضابط أهل السنة ؟
وهل نحن ملزمون باتباع العلماء السعوديين ؟
السؤال :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ما ضوابط أهل السنة؟ هل لكون أحدا من المسلمين سنيا يلزم عليه فتوى علماء السعودين؟ بأي شيئ يخرج من الأهل السنة؟ هل يخرج من أهل السنة بمجرد إنكار فتوى علماء الحرمين؟ هل فرق الإسلامية المعصرين الذين أسس لنصرة الإسلام بعلماء ومفكرين المجددين يخرجون من أهل السنة لكونهم لن ينتسبوا لدعوة محمد بن عبد الوهب؟ أجبوني الشيخ لأن في بلادنا شدد علينا بعض شباب الذين يأكلون ليل النهار لحوم العلماء بحجة دفاع عن الدين وبحجة كذلك فعل العلماء النقاد لتميز الحديث بين الضعيف والصحيح .


الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أهل السنة هم كل الذين يعتقدون أن القرآن الكريم هو الأصل الذي يُرجع إليه في كل المعارف الدينية وأنه لا بد من الرجوع كذلك إلى الأصل الثاني وهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم من قول وفعل وتقرير ويرضون بحكمهما وبكل ما تفرع عنهما مبتعدين عن اتباع الهوى
بعض الناس يظنون أن فهمهم للكتاب والسنة هو الفهم الصحيح وأن كل ما عداه باطل فيحكمون تبعا لذلك بأنهم هم أهل السنة وأن كل أهل المذاهب السنية الأخرى ليسوا من أهل السنة
وفي هذا ظلم كبير لمذهب أهل السنة
ومن الغريب أنه يغلب عليهم أنهم لا يقبلون من غيرهم بحثا ولا نصحا ولا توضيحا
لا يجوز إنكار فضل أي إنسان إذا كان له فضائل بسبب تقصيره في بعض الأمور الأخرى
قد نجد بعض شرائح المسلمين بذلوا جهدا كبيرا في خدمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندهم حرص على اتباع السنن النبوية وهذا يُشكرون عليه ولكن هذا لا يبيح لهم أن ينكروا جهود غيرهم وما عند غيرهم من الفضائل
يجب على المؤمنين أن يتعاونوا فيما بينهم على ما وقع الاتفاق عليه وأن يتابعوا البحث بكل صدق وإخلاص لتوسيع دائرة المتفق عليه وتقليص دائرة المختلف فيه وأن يلتمس بعضهم لبعض العذر بعد ذلك فيما اختلفوا فيه وأن لا يملوا من أن يسألوا المولى تبارك وتعالى أن يهديهم للحق الذي يرضيه
اللهم اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم
لقد وصف ربنا جل وعلا المؤمنين بقوله أذلةٍ على المؤمنين وبقوله رحماءُ بينهم فمن لم يتحقق بهذا الوصف فهذا بسبب ضعف الإيمان
ينبغي أن نطالب أنفسنا بالتحقق بهذا قبل أن نطالب به غيرنا
اللهم اجمعنا على ما يرضيك واجعلنا من المتحابين فيك يا رب العالمين