الاثنين، 4 فبراير 2019

حديث اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا


بعون الله أبتدئ، وإياه أستكفي، وما توفيقي إلا بالله جل جلاله.
رُوي هذا الحديث من رواية جماعة من الصحابة، منهم عائشة وأم سلمة وعمر بن أبي سلمة وواثلة بن الأسقع وعبد الله بن عباس:
ـ فأما حديث عائشة فرواه مسلم وابن أبي شيبة وابن راهويه والطبري في التفسير من طريقين عن زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة عن عمة أبيه صفية بنت شيبة أنها قالت: قالت عائشة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}. [زكريا بن أبي زائدة كوفي صدوق ثقة قد يدلس الإسناد مات سنة 148. مصعب بن شيبة مكي، وثقه ابن معين والعجلي، وضعفه جماعة، فهو صدوق فيه لين. صفية بنت شيبة ذكرها ابن حبان في الثقات]. فهذا إسناد لين، لكنه صحيح بشواهده.
ـ وأما حديث أم سلمة فرواه الطبري في التفسير والطبراني في المعجم الكبير وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن أم سلمة أنها قالت: لما نزلت هذه الآية {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فجلل عليهم كساء خيبريا، فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". قالت أم سلمة: ألستُ منهم؟!. قال: أنت إلى خير. [عطية بن سعد العوفي كوفي ضعيف مات سنة 111]. فهذا الطريق ضعيف.
ورواه ابن حنبل والترمذي وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير والطبري في التفسير وأبو يعلى والطحاوي في مشكل الآثار وابن الأعرابي في معجمه والطبراني في المعجم الكبير والآجري وأبو أحمد الحاكم في فوائده من طرق عن شهر بن حوشب عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم جلل على علي وحسن وحسين وفاطمة كساء ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". قالت أم سلمة: فقلت: يا رسول الله، أنا منهم؟. قال: "إنك إلى خير". [شهر بن حوشب شامي حمصي لين مات سنة 100 تقريبا]. فهذا الطريق لين.
ورواه الحاكم عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن العباس بن محمد الدوري عن عثمان بن عمر عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن شريك بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن أم سلمة. [أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم نيسابوري ثقة مات سنة 346. العباس بن محمد الدوري بغدادي ثقة مات سنة 271. عثمان بن عمر بن فارس بصري ثقة مات سنة 209. عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار مدني صدوق فيه لين مات قرابة سنة 165. شريك بن عبد الله بن أبي نمر مدني ثقة فيه لين مات سنة 144. عطاء بن يسار مدني ثقة مات سنة 103]. فهذا الطريق لين.
ورواه ابن حنبل عن عبد الله بن نمير عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عمن سمع أم سلمة عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم. [عبد الله بن نمير كوفي ثقة. عبد الملك بن أبي سليمان كوفي ثقة فيه لين مات سنة 145. عطاء بن أبي رباح مكي ثقة]. والراوي الذي نقل الحديث من أم سلمة إلى عطاء بن أبي رباح مبهم، فهذا الطريق ضعيف.
فحديث أم سلمة باجتماع طرقه لا ينزل عن رتبة الحسن، ويحتمِل أن يكون الراوي المبهم هو عمرَ بن أبي سلمة، كما في الفقرة التالية.
ـ وأما حديث عمر بن أبي سلمة فرواه الترمذي والطبري في التفسير والطحاوي في شرح مشكل الآثار والطبراني في المعجم الكبير من طرق عن محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن يحيى بن عبيد المكي عن عطاء بن أبي رباح عن عمر بن أبي سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم. [محمد بن سليمان بن الأصبهاني كوفي لين مات سنة 181. يحيى بن عبيد المكي ذكره ابن حبان في الثقات]. فهذا السند ضعيف، وقد ثبت عن عطاء بن أبي رباح أنه روى هذا الحديث عمن سمع أم سلمة عن أم سلمة، فلعله سمعه من ابنها عمر عن أمه رضي الله عنه وعنها.
ـ وأما حديث واثلة بن الأسقع فرواه ابن حنبل في المسند وفي فضائل الصحابة وابن أبي شيبة والطبري في التفسير وابن حبان والحاكم من طرق عن الأوزاعي عن شداد بن عبد الله أبي عمار أنه قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم، فذكروا عليا، فلما قاموا قال لي: ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!. قلت: بلى. قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي وحسن وحسين رضي الله تعالى عنهم، آخذ كل واحد منهما بيده، حتى دخل، فأدنى عليا وفاطمة فأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه كساء، ثم تلا هذه الآية {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}، وقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي". [الأوزاعي ثقة إمام. شداد بن عبد الله أبو عمار دمشقي صدوق ثقة قد يرسل الإسناد، وقد صرح هنا باللقاء والسماع]. فهذا إسناد صحيح.
ورواه الطبراني في الكبير من طريق عبد السلام بن حرب عن كلثوم بن زياد عن أبي عمار به، وفيه متابعة وتأكيد.
ـ وأما حديث ابن عباس فرواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة والنسائي في الكبرى عن محمد بن المثنى عن يحيى بن حماد عن أبو عوانة عن يحيى بن سُليم أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. [محمد بن المثنى ويحيى بن حماد وأبو عوانة ثقات. يحيى بن سُليم أبو بلج كوفي صدوق ثقة فيه لين مات قرابة سنة 125. عمرو بن ميمون كوفي ثقة مات سنة 74]. فهذا إسناد فيه لين.
ـ تتميم:
يظن بعض الناس أن أصل هذا الحديث قد ورد في العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنه وفي بنيه، وهذا هو الحديث المشار إليه:
روى الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في معرفة الصحابة وابن عساكر من طريق مروان بن ضرار الفزاري، وابنُ قانع في معجم الصحابة من طريق عبد الملك بن محمد الأسلمي، كلاهما عن عبد الرحمن بن الحكم بن البراء بن قبيصة الثقفي عن أبيه عن عامر بن عبد الأسد العبقسي عن عبد الله بن الغسيل أنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر بالعباس، فقال: "يا عم، اتبعني ببنيك". فانطلق بستة من بنيه: الفضل وعبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن وقثم ومعبد، فأدخلهم النبي صلى الله عليه وسلم بيتا، وغطاهم بشملةٍ له سوداءَ مخططةٍ بحمرة، وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي، فاسترهم من النار كما سترتُهم بهذه الشملة".
[عبد الرحمن بن الحكم بن البراء بن قبيصة لم أجد له ترجمة. والده الحكم بن البراء بن قبيصة لم أجد له ترجمة. عامر بن عبد الأسد العبقسي: قال أبو نعيم في معرفة الصحابة: يُعد في أعراب البصرة. عبد الله بن الغسيل: مجهول، أو هو عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاري، لأن أباه حنظلة قتِل يوم أحد فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الملائكة تغسله"، فقيل لابنه ابن الغسيل، وله صحبة]. فهذا الإسناد تالف جدا، فيه ثلاثة مجاهيل. والظاهر أن هذا موضوع.
ـ الخلاصة:
حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جلل على علي وحسن وحسين وفاطمة كساء وقال "هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا" مروي عن جماعة من الصحابة، وهو حديث صحيح.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 26/ 5/ 1440، الموافق 1/ 2/ 2019، والحمد لله رب العالمين.


الاثنين، 28 يناير 2019

هل قلتُ قولا يلزم منه أن الأشاعرة والماتريدية مرجئة؟!



لتوضيح هذه المسألة أقول:
* ـ ذكرتُ في كتابي "بدعِ الاعتقاد في التجسيم والإرجاء" عددًا من النقول عما قاله العلماء القدامى من السلف فمَن بعدهم في بيان مَن هم المرجئة، وهذه بعضها:
منها أن معقلَ بنَ عبيد الله العبسي قال: دخلتُ على عطاء بن أبي رباح فأخبرته أن قومًا قِبَلنا قد أحدثوا وتكلموا وقالوا إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، فقال: "أوَليس الله عز وجل يقول {وما أمِروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}؟!، فالصلاة والزكاة من الدين". وعطاء بن أبي رباح رحمه الله هو من سادات التابعين.
ومنها ما رواه ابن شاهين في شرح مذاهب أهل السنة عن سفيان الثوري رحمه الله أنه قال: "المرجئة يقولون: من قال أشهد أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمدا عبده ورسوله فهو مؤمنٌ مستكمل الإيمان على إيمان جبريل والملائكة وإن قتـَل كذا وكذا!، مؤمنٌ وإن ترك الغسل من الجنابة وإن ترك الصلاة!". وسفيان الثوري إمام من شيوخ مشايخ الإمام أحمد، ومن كبار أتباع التابعين.
ومنها أن عبد الله بن المبارك رحمه الله قال: "المرجئة تقول حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة". وعبد الله بن المبارك وصفه الذهبي بأنه شيخ الإسلام، وأنه عالِم زمانه وأمير الأتقياء في وقته، وهو من شيوخ مشايخ الإمام أحمد، ومن أتباع التابعين.
ومنها أن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال لأبي عبد الله أحمد ابن حنبل: فإذا كان المرجئة يقولون إن الإسلام هو القول؟!. فقال الإمام أحمد رحمه الله: "هم يصيِّرون هذا كله واحدا، ويجعلونه مسلما ومؤمنا شيئا واحدا على إيمان جبريل ومستكملَ الإيمان". قال عبد الملك: فمِن ههنا حجتنا عليهم؟. قال: نعم.
ومنها ما نقله ابن البنا الحنبلي المتوفى سنة 471 عن الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله أنه قال: "المرجئة هم الذين يقولون من قالَ لا إله إلا الله محمد رسول الله وفعلَ سائر المعاصي لم يدخل النار أصلا".
ومنها أن ابن خزيمة المتوفى سنة 311 رحمه الله قال في كتاب التوحيد: "المرجئة توهمت أن مرتكب الذنوب والخطايا كامل الإيمان".
ومنها أن ابن الجوزي المتوفى سنة 597 رحمه الله قال في كتاب تلبيس إبليس: "قالت المرجئة إن من أقر بالشهادتين وأتى بكل المعاصي لم يدخل النار أصلا". وقال: "في ذلك الزمان حدثت فتنة المرجئة حين قالوا لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة".
ومنها أن ابن تيمية المتوفى سنة 728 رحمه الله قال في مجموع الفتاوى: [قالت المرجئة على اختلاف فرقهم "لا تذهِب الكبائرُ وترْكُ الواجبات الظاهرة شيئا من الإيمان، إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء، فيكون شيئا واحدا يستوي فيه البر والفاجر"].
ومنها أنه قال كذلك: "المرجئة يقولون إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء والأعمالُ الصالحة ليست من الدين والإيمانِ ويكَذبون بالوعيد والعقاب بالكلية".
ومنها أنه قال كذلك: "المرجئة غلطوا في ثلاثة أوجه: أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العملِ الذي في القلب كمحبة الله وخشيته وخوفه والتوكلِ عليه والشوق إلى لقائه، والثاني: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العمل الظاهر، وهذا يقول به جميع المرجئة، والثالث: قولهم كل من كفـَّره الشارع فإنما كفره لانتفاء تصديق القلب بالرب تبارك وتعالى".
ومنها أن الحافظ ابن حجر المتوفى سنة 852 رحمه الله قال في فتح الباري: "المرجئة هم طائفة من المبتدعة تقول لا يضر مع الإيمان معصية".
* ـ قلت في كتابي المذكور "بدعِ الاعتقاد في التجسيم والإرجاء" تعليقا على ما قاله هؤلاء العلماء: "إذا عُلم هذا فإني لا أعلم أن أحدا من الأشاعرة أو الماتريدية يقول إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، أو إن مرتكب الذنوب والخطايا كاملُ الإيمان أو إن إيمانه هذا ينجيه من عذاب الله، ولا أعلم أن أحدا منهم يكذب بالوعيد والعقاب الذي أعده الله للفساق، أو يقول إن حسناتِنا مقبولةٌ وسيئاتِنا مغفورة، ولا أعلم أن أحدا منهم يقول من قالَ لا إله إلا الله محمد رسول الله وفعلَ سائر المعاصي لم يدخل النار أصلا".
* ـ قال أحد الإخوة عني: [يُفهم من قول الإدلبي "لا أعلم أن أحدا من الأشاعرة أو الماتريدية يقول إن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العمل الذي في القلب كمحبة الله وخشيته وخوفه والتوكل عليه" أنهم يقولون إن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون عمل الجوارح وأن عدمه ليس لازما لعدم الإيمان الذي في القلب].
أقول:
يبدو أن الأخ الباحث نقل كلامي بالمعنى، وهو صحيح المعنى ـ في الجملة ـ وإن لم أكن قلته، إلا أنه قد أغرب جدا بما حمَّله من معنى تخيَّله هو في الذهن مما لا يحتمِله الكلام وادعى أنه يُفهم هذا منه!.
كلامه فيه مسألتان لا بد من التعليق عليهما:
إحداهما أنه فهم من القول الذي نقله بالمعنى أن الأشاعرة والماتريدية يقولون إن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون عمل الجوارح.
والثانية أنه فهم من القول الذي نقله بالمعنى أن الأشاعرة والماتريدية يقولون إن عدم العمل ليس لازما لعدم الإيمان الذي في القلب.
* ـ التعليق على المسألة الأولى:
تأمل:
لو قال إنسان عن جماعة من الناس "هؤلاء لا يقولون إن الإيمان يكون تاما بدون عمل القلب من محبة الله وخشيته والتوكل عليه" فمعنى هذا أنهم يقولون إن الإيمان لا يكون تاما بدون عمل القلب، وهذا صحيح.
لكن لو قال إنسان آخر عن تلك الجماعة من الناس "أنا أفهم من قولهم هذا أنهم يقولون إن الإيمان يكون تاما بدون عمل الجوارح" لأدرك العقلاءُ بالبديهة أن هذا من سوء فهمه، فهاتان قضيتان منفصلتان، ولا يلزم هذا من ذاك.
بيان هذا عند أهل العلم أن كلمة "عمل القلب" لا يصح أن يُؤخذ منها مفهوم المخالفة عند جماهير علماء الأصول، ويسمون هذا ونحوه مفهوم اللقب.
وهذا ما وقع فيه الأخ الباحث، فإنه نظر إلى هذا القول "هؤلاء لا يقولون إن الإيمان يكون تاما بدون عمل القلب"، فأخذ كلمة لا يقولون وكلمة عمل القلب واعتمد المعنى المخالف لها، أي إنه اعتمد بدلا منها كلمة يقولون وكلمة عمل الجوارح، فجاءت النتيجة حسب فهمه "هؤلاء يقولون إن الإيمان يكون تاما بدون عمل الجوارح"!، وهذا استنتاج غير صحيح. وكأن الكاتب بعيد عن علم أصول الفقه.
ثم إنه لو افترضنا أن قائلا قال هذا الذي تخيله الباحث في الذهن فإنه قد جاء جوابا لتساؤل أو سؤالٍ افتراضي عما إذا كان علماء الأشاعرة والماتريدية يقولون بشيء من هذه الأقوال، كما إنه قد خرج مخرج التفهيم لمن لا يدري حقيقة قول علماء هذين المذهبين.
وفي مثل هاتين الحالتين لا يصح الأخذ بمفهوم المخالفة من ذلك النص أصلا، وقد صرح بنحو هذا جماعة من علماء أصول الفقه، ولخصه الشيخ عبد القادر بدران رحمه الله في كتابه المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ابن حنبل فقال: "دلالة تخصيص شيء بحكم يدل على نفيه عما عداه هو مفهوم المخالفة، سُمي به لمخالفته للمنطوق به، ومفهوم المخالفة حجة عند الجمهور، وشرْطه أنْ لا يكون خرج لجواب سؤال عنه أو حادثة تتعلق به، ومثله أيضا ما يقتضي التخصيص بالذكر ككون الكلام خرج مخرج التفهيم".
* ـ هل قال علماء الأشاعرة والماتريدية إن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون عمل الجوارح؟:
هذا القول يحتمِل أحد معنيين:
المعنى الأول: أن الإيمان يكون تاما التمام المطلق بدون عمل الجوارح بحيث يكون إيمان الفساق مساويا لإيمان النبيين والملائكة!، فيتساوى الإيمان الضعيف الذي لا يثمر والإيمان الذي يثمر قليلا والذي يثمر ثمرا يانعا كثيرا!!، وهذا قول المرجئة الأشرار.
وهذا لا يقول به الأشاعرة ولا الماتريدية، كيف وهم جمهور علماء الأمة وأئمتِها في التفسير والحديث والفقه والأصول والزهد والورع وكثرة التعبد والتهجد؟!، ولو كانوا يقولون بهذا القول البدعي لما أتعبوا أنفسهم بالورع عن الشبهات وكثرة العبادة والطاعات.
المعنى الثاني: أن الإيمان ـ في الحد الأدنى منه الذي يخرج المرءُ به من حالة عدم الإيمان إلى الإيمان ـ يجب أن يكون تاما التمام الجزئي المناسب لهذا القدر، لأنه لو لم يكن بهذا التمام فإنه لا ينقل المرءَ من حالة عدم الإيمان إلى الإيمان، كأن يكون إيمانا بوجود الله جل وعلا دون الإيمان بكمال علمه بالكليات والجزئيات مثلا، أو دون الإيمان بقدرته وعدله وحكمته وعظمته المطلقة، أو أن يكون إيمانا بأنبياء الله ورسله دون الإيمان بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا وخاتم النبيين، أو دون الإيمان بالبعث بعد الموت وبالجنة جزاء للمؤمنين وبالنار جزاء للكافرين والعاصين، والإيمان في هذا الحد الأدنى ليس فيه القوة الإيمانية التي تحمل صاحبَه على الخضوع العملي بالاستسلام لله رب العالمين بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
فإن وجدنا أحد علماء الأشاعرة أو الماتريدية يقول إن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون عمل الجوارح فمراده هذا المعنى الثاني، وليس الأول.
* ـ التعليق على المسألة الثانية:
فهم الباحثُ من القول الذي نقله بالمعنى أن الأشاعرة والماتريدية يقولون إن عدم العمل ليس لازما لعدم الإيمان الذي في القلب.
أقول:
الأشاعرة والماتريدية يقولون إن عدم العمل بما أمر الله به هو من لوازم ضعف الإيمان، وليس من لوازم عدم الإيمان، وهذا صحيح.
الإيمان بدون عمل الجوارح إيمان ضعيف، لأنه لو كان قويا لأنتج ثمارا، والعمل الصالح هو من الإسلام ومن ثمرات الإيمان، لكن انعدام عمل الجوارح لا يعني انعدام الإيمان، وبالتالي فلا تلازم بين انعدام عمل الجوارح وعدم الإيمان الذي في القلب، بل التلازم هو بين انعدام عمل الجوارح وعدم قوة الإيمان في القلب.
الذي يراه الباحث من التلازم بين انعدام العمل وانعدام صحة الإيمان خطأ مخالف لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم:
ـ فقد روى الشيخانِ البخاري ومسلم في صحيحيهما في حديث الشفاعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الذين يأذن لهم الله تعالى بأن يشفعوا: "يقولون: ربَّنا إخوانُنا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا!. فيقـول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه. فيُخْرِجون من عَرَفوا، ثم يعودون، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه. فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه". ثم قال صلى الله عليه وسلم: "فيقول الجبار تبارك وتعالى: بقيت شفاعتي. فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقواما قد امتحشوا، فيُلقون في نهر بأفواه الجنة يُقال له ماء الحياة، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيُدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه".
وفي رواية في صحيح مسلم زيادة عند ذكر أهل المرتبة الرابعة: "فيقول الله عز وجل: شفَعَت الملائكة، وشَفَع النبيون، وشَفَع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين. فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط".
ـ وروى الشيخانِ البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس، فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟. قال: "الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخِر". قال: ما الإسلام؟. قال: "الإسلام: أن تعبدَ الله ولا تشركَ به شيئا، وتقيمَ الصلاة، وتؤديَ الزكاة المفروضة، وتصومَ رمضان". قال: ما الإحسان؟. قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". ورواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بنحوه.
ـ وروى البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عَرَضَ لي جبريل فقال بشِّر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة".
وروى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة". وروى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجَّل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا".
ـ فقد أخبرَنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الذين يخرجون من النار في آخر الأمر بشفاعة أرحم الراحمين هم قومٌ لم يعملوا خيرا قط، وهم عتقاء الرحمن، يدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، لكنهم ـ دون شك ـ على الاعتقاد الصحيح، ولولا ذلك لمَا أدركتْهم الشفاعةُ في مآل أمرهم ولكانوا مخلدين في النار مع الكافرين، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الصلاة من الإسلام لا من الإيمان، وأثبتَ دخول الجنة لمن مات على عقيدة التوحيد لا يشرك بالله شيئا، أي في مآل أمره بعد أن تدركه الشفاعة.
فكلامَ مَن نصدق؟!، كلامَ الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه أو كلامَ بعض الناس؟!، أما عندنا ـ معشر أهل السنة ـ فكلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحق وهو الميزان، وكل كلام يخالف كلامه فلا شك في أنه يُضرب به عُرض الحائط.
فمن أخرج العمل الظاهر عن مسمى الإيمان وأدخله في مسمى الإسلام هو صاحب العقيدة السُنية السَنية.
ـ شبهة وجواب:
قد يقول قائل: أليس قد قال عدد من كبار أئمة أهل السنة "الإيمان قول وعمل"؟!.
أقول: بلى، واشتد نكيرهم على من أخرج العمل من الإيمان جدا، لكن كان ذلك عندهم بمعنى إخراج العمل من الدين، وهذه بدعة المرجئة، وكثيرا ما كانوا يستعملون كلمة الإيمان أو الإسلام بما يشملهما كليهما، فالذي أخرج العمل من مسمى الإيمان والإسلام فهذا هو الذي أنكروا عليه غاية الإنكار، بل هذا القول بدعة شنعاء، وهي إما كفر وإما قريب من الكفر.
وأما من أخرج العمل من الإيمان وقال إنه من الإسلام ومن الدين فهذا وما قاله أئمة السلف يرجع إلى معنى واحد.
ولو قلنا بظاهر بعض ما قالوه في هذا الباب لكفـَّرْنا من لم يعمل بركن من أركان الإسلام أو اقترف كبيرة ومات قبل التوبة، وهذا قول الخوارج، أو لأخرجناه من الإيمان وجعلناه في منزلة بين المنزلتين وإن لم نكفره، وهذا قول المعتزلة، وكلا القولين بخلاف قول أهل السنة.
ـ كلمتا الإيمان والإسلام إذا جُمعتا في نص واحد فلكل واحدة منهما معناها المختص بها، وإذا جاءت إحداهما دون الأخرى فكثيرا ما تُستخدم بما يشمل معنى كلتيهما، وهذا أمر مهم جدا لفهم معاني الألفاظ في الاستعمال.
من قرأ الأحاديث التي رواها الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله في صحيحيهما في كتاب الإيمان وجد أحاديث كثيرة تتعلق بموضوع الإيمان وأحاديث تتعلق بموضوع الإسلام:
من ذلك ما روياه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان".
ورويا عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: قالوا: يا رسول الله، أي الإسلام أفضل؟. قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده".
ورويا عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟. قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف".
ورويا عن طلحة بن عبيد الله أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس يُسمع دوي صوته ولا يُفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس صلوات في اليوم والليلة". فقال: هل علي غيرها؟. قال: "لا، إلا أن تطوع". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وصيام رمضان". قال: هل علي غيره؟. قال: "لا، إلا أن تطوع". وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، قال: هل علي غيرها؟. قال: "لا، إلا أن تطوع".
وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه".
وروى مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. قال: " قل: آمنت بالله فاستقمْ".
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء".
كل ذلك في صحيحيهما في كتاب الإيمان، فهل كانت هذه الأحاديث مما يتعلق بموضوع الإيمان أو بموضوع الإسلام؟!.
لا شك في أنها تتعلق بموضوع الإسلام، وإنما روياها في كتاب الإيمان على معنى أن كلمة الإيمان تشمل الإيمان والإسلام.
ـ إذا قال كبار أئمة أهل السنة "إن الإيمان قول وعمل" واتهموا من أخرج العمل من الإيمان ببدعة الإرجاء فمعناه هنا إن الدين الذي يشمل الإيمان والإسلام هو قول وعمل، والنصوص التي نقلتها عن كبار أئمة أهل السنة في بداية هذا البحث تؤكد بشكل واضح هذا المعنى.
فمن لم يتنبه لهذا واتهم من قالوا بأن العمل من الدين ومن الإسلام لا من الإيمان بتهمة الإرجاء فقد أحدث في الأمة شرخا إن لم يتمكن علماؤها من رتقه فما أظن أنها تقوم لها قائمة.
اللهم تداركنا بلطفك وردنا إليك ردا جميلا يا رب العالمين.
وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 20/ 5/ 1440، الموافق 26/ 1/ 2019، والحمد لله رب العالمين.



الاثنين، 7 يناير 2019

سيدنا عيسى عليه السلام نبي الله وابن الإنسان


هذه قراءة فاحصة فيما وصلنا من الأناجيل وغيرها من أسفار النصارى الموجودة بأيديهم اليوم، تؤكد الطبيعة البشرية للمسيح عليه السلام، وتنفي عنه صفة الألوهية التي خلعها عليه الذين حرفوا كلام الله.
إنها لا تضيف جديدا إلى ما يقرره القرآن الكريم، ولكنها تكشف كيف امتد التحريف والتشويه إلى العديد من النصوص الواردة في الأسفار المسيحية ذاتها.
جاء في أسفار العهد الجديد وصف سيدنا عيسى عليه السلام بأنه "ابن الإنسان"، وبأنه "ابن الله"!، ولكن الأول هو الذي كان يطلقه على نفسه، وهو الأكثر استعمالا، إذ وردت هذه الكلمة ثلاثين مرة في إنجيل متى، وأربع عشرة مرة في إنجيل مرقس، وخمسا وعشرين مرة في إنجيل لوقا، وإحدى عشرة مرة في إنجيل يوحنا.
لا بدَّ من التوقف قليلا عند لفظ "ابن الله"، إذ يبدو أنه يدل على معنى "حبيب الله"، لكن قد يتطور في أذهان اللاحقين فيصبح على معنى الاشتراك في الإلهية، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
من الدليل على أن أصل معناه هو المحبة كونه عاما ـ في الأسفار التي بأيديهم ـ لكل المؤمنين وليس خاصا بعيسى عليه السلام، إذ من أقواله المنسوبة إليه قوله: "إني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم".
ويقول يوحنا: "أما الذين قبلوه فقد أولاهم أن يصيروا أبناء الله".
بل إن عددا من النصوص في هذه الأسفار تشير إلى أن عيسى عليه السلام نبي من أنبياء الله، حسب إشارته هو عن نفسه.
كان عيسى عليه السلام يعَلـِّم في مجمع وطنه الناصرة، فدُهش السامعون وقالوا: من أين له هذه الحكمة وتلك المعجزات؟!. وأخذتهم الحيرة فيه، فقال لهم: "لا يُزْدرى نبي إلا في وطنه وبيته".
فهل قوله هذا إلا دليل واضح على أنه يرى نفسه نبيا؟!، وأنه لم يُعرف قدره في الناصرة إلا لأن النبي لا يُزدرى إلا في وطنه وبيته؟!، وقد اتفق على رواية قوله هذا الإنجيليون الثلاثة متى ومرقس ولوقا.
هو حبيب الله:
سأل سيدنا عيسى عليه السلام تلاميذه عما يقول الناس فيه؟، فقالوا: بعضهم يقول هو يوحنا المعمدان، وبعضهم يقول هو إيليا، وغيرهم يقول هو إرميا، أو أحد الأنبياء. فسألهم عما يقولون هم؟، فأجاب سمعان بطرس: أنت المسيح ابن الله الحي. فقال له "طوبى لك". ثم أوصى ـ حسب هذه الرواية ـ تلاميذه بأن لا يخبروا أحدا بأنه المسيح.
فهو لم ينكر تشبيهه بأحد أنبياء بني إسرائيل، ولم ينكر أنه نبي من الأنبياء، ومن المعلوم أن المراد بالناس هنا هم المؤمنون، وإلا فالذين لم يؤمنوا به فقولهم فيه لا هذا ولا ذاك، ولم يزد على أن امتدح مَن وصفه بأنه المسيح وأنه ابن الله!، ولما كان لا يريد آنذاك أن يُفْصح لجموع المؤمنين بعلو مقامه طلب من تلاميذه أن لا يخبروا أحدا بذلك، وهو كونه المسيح لا غير، أما الوصف بكونه ابن الله فلا يبدو أنه أخذ أي اهتمام، لأن معناه حبيب الله، وهذا مما لا شك فيه عند المؤمنين، ويبدو أن كلمة "ابن الله" ما كانت تعني في لغتهم أكثر من أنه حبيب الله، وإلا تكنْ كذلك لمَا رضي بأن يُقال عنه إنه أحد الأنبياء.
بل وقع التصريح بأن جموع المؤمنين عقيدتهم فيه أنه نبي، إذ أدرك أحبار اليهود والفريسيون أنه يعرِّض بهم في كلامه، فحاولوا أن يمسكوه، ولكنهم خافوا الجموع "لأنهم كانوا يعدونه نبيا".
وجاء عندهم نص يقول بأنه مر بأعمى فجبل طينا من تفاله، وطلى به عيني الأعمى، وأمره بالاغتسال، فارتد بصيرا، وكان اليوم يوم سبت، فقال بعض الفريسيين: ليس هذا الرجل من الله، لأنه لا يرعى السبت. وقال آخرون: كيف يستطيع خاطئ أن يأتي بمثل هذه الآيات؟!. فقالوا للأعمى: وأنت ماذا تقول فيه وقد فتح عينيك؟!. فقال: "إنه نبي". فتأمل.
وكانت عقيدة المؤمنين به هي أنه نبي، حتى ما بعد رفعه، إذ اتفق أن اثنين من تلاميذه كانا يسيران في اليوم الثالث بعد رفعه، وكانا يتحدثان ـ حسب الرواية ـ عن الأمور والأحداث التي سبقت ذلك، وإنهما ليتحدثان ويتجادلان إذا عيسى نفسه قد دنا منهما، وأخذ يسير معهما، وقد حُجبت أعينهما عن معرفته، فسألهما عن هذا الحديث الذي يخوضان فيه وهما سائران؟، فوقفا مكتئبين، وأجابه أحدهما: أأنت وحدك تقيم في أورشليم ولا تعلم ما حدث فيها هذه الأيام؟!. فقال لهما: ماذا؟!. قالا له: ما حدث ليسوع الناصري، وكان نبيا، مقتدرا على العمل والقول عند الله والشعب كله، كيف أسلمه الأحبار وأولياء أمرنا ليُحكم عليه بالموت.
إقحام على النصوص:
وعلى هذا فلا يبعد أن يكون لفظ "ابن الله" مُقـْحَما على النصوص، إذ يمكن أن يكون الداعي إلى ذلك هو الحماسَ الديني الشديد عند كتبة الأسفار، أو لدى الناسخين بعد ذلك، أو يكون هذا بتأثير من بولس، الذي ما لبث بضعة أيام بعدما تنصر حتى انطلق ينادي في المجامع بأن يسوع هو ابن الله، وهذا اللفظ محط قصْد لكاتبه، فتطرقُ احتمالِ الوضع والصنعة إليه أقرب.
أما وصف النبوة فقد جاء عرضا في كلام سيدنا عيسى عليه السلام نفسه، وجاء في ضمن وصايا رصينة من حِكمه، فهو أبعد عن تطرق احتمال الوضع والصنعة.
هذه الحكمة "لا يُزدرى نبي إلا في وطنه وبيته" تتلاءم مع أحواله وأقواله عليه السلام، وكذا قوله "ويكون أعداء الإنسان أهل بيته"، وهذه وأمثالها تؤكد أنه عليه السلام لم يكن إلا بشرا نبيا ورسولا.
فإذا أضيف أن وصف النبوة كان هو عقيدةَ المؤمنين سواء في حياة عيسى الدنيوية أو بعد رفعه وسواء عند الجموع أو الأفراد تبين أن هذا هو الحق في عقيدة النصارى الأولين.
إشارات أخرى لوصفه بالنبوة:
وردت الإشارة إليه بوصف النبوة في خطبة لبطرس، وفي أخرى لاسطفانس، إذ يستشهد كل منهما في الدعوة إلى الإيمان بعيسى عليه السلام بالقول المأثور عن موسى عليه السلام: "سيبعث الله ربنا من بين إخوتكم نبيا مثلي، فاستمعوا له في جميع ما يقول لكم".
ويقول عيسى عليه السلام في إشارة له عن نفسه: "ههنا أعظم من يونان"، [أي أعظم من يونس عليه السلام]، "ههنا أعظم من سليمان" عليه السلام. وليس من وصفٍ جامع بينهم حتى تقع فيه المفاضلة إلا وصف النبوة.
تبقى ملحوظة تستدعي شيئا من المناقشة، ذلك أنه إذا سُلم تفسير "ابن الله" على معنى المحبة والقرب فلا معارضة بينه وبين وصف النبوة، ولا إشكال في ذلك، أما إذا لم يُسلم ذلك التفسير وأريدَ اعتبار عيسى عليه السلام ابنا لله تعالى على معنى الاشتراك والاتحاد وأنه ليس نبيا كالأنبياء ففي كونه ابنَ الله وكونه نبيا تعارض، وإذا كان ذلك كذلك فلابدَّ من الترجيح لرفع الإشكال.
إذا كان عندنا نصوص يُفترض أنها ثابتة وكان فيها نصان ظاهرهما التعارض فلا بد من محاولة الجمع بينهما، وهو هنا ممكن إذا سُلم تفسير "ابن الله" على معنى المحبة والقرب، وهو الذي لا مناص عن القول به.
أما أن يأتي أناس يضربون النصوص بعضها ببعض ليثبِّتوا التعارض ويسدوا باب الترجيح ويقدموا المرجوح على الراجح فهذا فعل أهل الأهواء، وهذا هو الضلال المبين.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي، كتبتُ أصل هذا المبحث قبل أكثر من سبعة وثلاثين عاما، وعدلت فيه اليوم بعض التعديلات الخفيفة، في 1/ 5/ 1440، الموافق 7/ 1/ 2019، والحمد لله رب العالمين.

الثلاثاء، 1 يناير 2019

* من روائع الإمام البخاري رحمه الله: - 14 -


* ـ روى الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله من طريق الليث بن سعد ويونس بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: مَن يكلم فيها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟!، ومَن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!. فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتشفع في حد من حدود الله؟!". ثم قام فاختطب، ثم قال: "إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايْمُ الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
ورواه النسائي من طريق شعيب بن أبي حمزة ومن طريق إسحاق بن راشد، والطبرانيُّ في الأوسط من طريق عمر بن قيس الماصر وفيه وهَمٌ في اسم الصحابي، ثلاثتهم عن الزهري به، وإسناد الطريق الأول من هذه الطرق الثلاثة صحيح، والثاني جيد، والثالث ضعيف لا بأس به في المتابعات.
ورواه النسائي كذلك عن محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة، وفيه: "إنما هلكتْ بنو إسرائيل حين كانوا إذا أصاب الشريفُ فيهم الحدَّ تركوه ولم يقيموا عليه، وإذا أصاب الوضيع أقاموا عليه". وهذا إسناد صحيح.
* ـ ورواه البخاري عن علي بن المديني عن سفيان بن عيينة أنه قال: وجدتُ في كتاب كان كتبه أيوب بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة أن امرأة من بني مخزوم سرقت، فقالوا: من يكلم فيها النبي صلى الله عليه وسلم؟. فلم يجترئ أحد أن يكلمه، فكلمه أسامة بن زيد، فقال: "إن بني إسرائيل كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه".
ورواه كذلك عبدُ الرزاق عن معْمرِ بنِ راشد، والنسائيُّ من طريق ابنِ عيينة ومن طريق إسماعيل بن أمية، ثلاثتهم عن الزهري به بلفظ "قطعوه".
* ـ الحديث واحد، والقصة واحدة، فلا بد أن يكون اللفظ النبوي واحدا.
اللفظ الأول رواه ستة عن الزهري عن عروة عن عائشة، فهو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
اللفظ الثاني رُوي من أربعة طرق عن الزهري:
رواه البخاري عن علي بن المديني عن ابن عيينة عن أيوب بن موسى باللفظ الثاني، لكن رواه النسائي عن محمد بن منصور المكي الثقة عن ابن عيينة عن أيوب بن موسى كذلك باللفظ الأول، وهذا الاختلاف في لفظ الرواية هنا هو من ابن عيينة، لأنه كان يروي بالمعنى، واللفظ الأول موافق لرواية الجماعة، فهو الأصل.
ورواه عبدُ الرزاق عن معْمرِ بنِ راشد باللفظ الثاني، وقد انفرد به معْمر عن سائر الثقات الذين رووا هذا الحديث عن الزهري.
ورواه النسائيُّ من طريق ابنِ عيينة عن الزهري، وابنُ عيينة لم يسمعه منه، وإنما نقله من كتاب أيوب بن موسى عنه، كما تقدم في رواية البخاري السابقة، فرجع هذا الطريق إلى طريق أيوب بن موسى عن الزهري.
ورواه النسائيُّ من طريق إسماعيل بن أمية عن الزهري، وفي السند إليه راو له أوهام وراو سيئ الحفظ، فهو إسناد ضعيف.
فلا شك في أن الرواية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم هي أنه قال "وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد"، وأن من رواه "وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه" فقد وهِم، وأن هذه اللفظة معلولة.
* ـ الحديث باللفظ الثابت الصحيح رواه البخاري في باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان من كتاب الحدود، وهذا الباب مناسب لمعنى الحديث.
وأما باللفظة المعلولة غيرِ الثابتة فرواه البخاري في باب ذكر أسامة بن زيد من كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الباب المناسب لجزء آخر في الحديث، وهو مكانة أسامة بن زيد حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلله در هذا الإمام الكبير، ورحمه الله رحمة واسعة.
* ـ وههنا مسألة في غاية الأهمية:
المشهور في عقوبة السارق عند أكثر الذين كانوا قبلنا هو أنه يُقتل أو يُحكم عليه بدفع غرامة مالية تبلغ عدة أضعاف قيمة المسروق.
وجاء الحكم الرباني في هذه الشريعة المحمدية بقطع يد السارق، لا بقتله ولا بغرامة مالية، وفي هذا حِكَم جليلة في الردع عن هذه الجريمة التي تقوض أمن المجتمعات.
أرى أنه لا ينبغي الاستشهاد بالرواية الثانية منسوبةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم معزوةً لصحيح البخاري في موضوع حد السرقة عند الذين من قبلنا وخاصة أهل الكتاب، ففيها لفظة غير ثابتة في الحديث، وهذه الرواية وإن كانت مروية في صحيح البخاري فعلا فإن الإمام البخاري رحمه الله قد أوردها في بابٍ غيرِ الباب الملائم لهذه المسألة.
أود أن أشير بهذه المناسبة إلى أنه قد وقع أحيانا في بعض مصنفات الأئمة استشهادٌ بحديث مشتملٍ على عدة نقط في مسألة ما، وهذا يعني أن المصنف يرى صحة الجزء الذي يتعلق بالموضوع الذي هو محل الشاهد على الأقل، لكنه لا يعنى بالضرورة أنه يرى صحة الحديث بكل ألفاظه، وهذا كما وقع للإمام البخاري رحمه الله في عدد من المواضع في صحيحه.
ـ وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 16/ 4/ 1440، الموافق 23/ 12/ 2018، والحمد لله رب العالمين.



الاثنين، 31 ديسمبر 2018

* من روائع الإمام البخاري رحمه الله: - 13 -


هذه النبذة من روائع البخاري تتعلق بحديث رافع بن خديج في المزارعة أو فيما يسمى كراء المزارع. وأقدمُ له بمقدمة:
المزارعة لفظة واضحة بنفسها تمام الوضوح في أذهان علماء اللغة الذين شاهدوا العرب الذين ينطقون بها، فلا يفسرونها ولكن يفسرون بها الكلمات الغامضة المعنى.
المزارعة نوع من أنواع المشاركة، وهي أن يعطي صاحب الأرض الزراعية الأرضَ لمن يقوم بزراعتها على أن يقتسما المحصول بينهما على نسبة يتفقان عليها.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم جواز المزارعة على النصف، أي ونحو ذلك كالثلث مثلا، وكذا عدمُ جواز أن يشترط أحد المتعاملين بها لنفسه قدرا محددا مما تنبته الأرض أو محصولَ بقعة محددة منها، كأن يكون له عشرة أوسق أو ما أنبتته هذه البقعة مثلا.
وضع البخاري بابا في صحيحه سماه باب المزارعة بالشطر ونحوه، وذكر فيه عن أبي جعفر الباقر رحمه الله أنه قال: "ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع". وروى فيه عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم عاملَ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.
* ـ حديث رافع بن خديج في المزارعة:
ـ روى البخاري في صحيحه من طريق حنظلة بن قيس الأنصاري عن رافع بن خديج أنه قال: كنا أكثر أهل المدينة حقلا، وكان أحدنا يكري أرضه فيقول: هذه القطعة لي وهذه لك، فربما أخرجت ذه ولم تخرج ذه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم.
ولفظه في رواية أخرى عنه: كنا أكثر الأنصار حقلا، فكنا نكري الأرض، فربما أخرجت هذه ولم تخرج ذه، فنُهينا عن ذلك، ولم نُنه عن الورِق.
وهاتان الروايتان في باب ما يُكره من الشروط في المزارعة، وفي باب الشروط في المزارعة. وهذان البابان مناسبان للمعنى الصحيح الذي يريد الإمام البخاري أن يؤكده من خلال المرويات الحديثية، وهو جواز المزارعة على النصف أو الثلث ونحو ذلك، وعدم جوازها إذا اشترط أحد المتعاملين بها لنفسه قدرا محددا أو ما أنبتته بقعة محددة.
ـ وروى البخاري من طريق نافع عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن كراء المزارع، ومن طريق سالم بن عبد الله عن رافع بن خديج بنحوه.
وهاتان الروايتان في باب إذا استأجر أرضا فمات أحدهما، وفي باب ما كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يواسي بعضهم بعضا في الزراعة، وفي بابٍ يلي باب شهود الملائكة بدرا.
وحيث إن هذا المعنى لا يصح بهذا الإطلاق، فلذلك رواهما البخاري في ثلاثة أبواب بعيدة عما يشير إلى صحة المزارعة أو عدم صحتها.
ـ ورواه البخاري بألفاظ أخرى في باب كراء الأرض بالذهب والفضة، وفي باب ما كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يواسي بعضهم بعضا في الزراعة.
ـ وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 17/ 3/ 1440، الموافق 25/ 11/ 2018، والحمد لله رب العالمين.




الخميس، 27 ديسمبر 2018

هل يصح أن نعلم العقيدة دون المقدمات الكلامية ؟


السلام عليكم ورحمة الله سعادة الشيخ صلاح الدين. حفظكم الله وبارك في سعيكم للإسلام.. لدي سؤلات..
 وصل الإسلام إلى الجاوة منذ الزمان واعتنق أهلها عقائد الإسلام على طريقة الأشاعرة. وحتى الآن لا تزال كثيرة من مراكز الدروس الإسلامية باقية على هذه الطريقة في تعليم طلبتها العقيدة. كذلك العوام يتلقونها في المساجد.
 إلا أن لدى العوام -وربما بعض الطلبة أيضا- نفورا أثناء متابعتهم لبعض القضايا العقدية التي يتدخلها المسائل العقلية -لو صح التعبير-. يبدو أن تفهمها يشق عليهم ويقع بعيدا عن توقعاتهم مع أنهم أخبروا بأن عقائد الإسلام عقائد بسيطة يستطيع تفهمها كل ناس.
 فمثلا -في أوائل بحث في العقائد- شكواهم من صعوبة تفهم ما هي الوجودية؟ وما السلبية؟ وما المعاني؟ وما المعنوية؟.. إلخ. فحصل الإعراض عن دروس العقيدة وبالتالي باقي قضاياها وفي رؤوسهم أن تفهم العقائد صعب.
 فهل بإمكاننا تجاوز هذه 'العقليات' أثناء تناول العقائد وتعلمها بدون مرور بتلك العقليات؟ أم تفهم العقائد الإسلامية لمرهون بتلك العقليات؟؟
الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
دخل الناس في دين الإسلام في كل مناطق العالم الإسلامي عندما دعاهم العلماء والدعاة بالأدلة العقلية السهلة من النظر في خلق الإنسان والمنافع المبثوثة وفي النظر في آفاق السماوات والأرض
وكذلك مَن قبلهم في القرون المفضلة
الاستدلالات الكلامية ليست أدلة عقلية وبينها وبين الأدلة العقلية فرق كبير جدا،  وهي مجرد طريقة عقيمة لرد كلام الخصم وتخطئته للرد والرد المضاد إذا كان الخصم على طريقة فلاسفة علم الكلام اليونانيين
لقد حذر إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني المتوفى سنة 478 والإمام أبو حامد الغزالي المتوفى سنة 505 والإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة 606 رحمهم الله كل واحد في آخر عمره من علم الكلام وأعلن توبته منه، ولكن الأشاعرة بعدهم مع الأسف الشديد بقوا مستمسكين بعلم الكلام، وهو كالسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا
ظن الأشاعرة بعد أولئك الأئمة أن ما حذروا منه هو استعمال تلك الاستدلالات لنقض عقائد الدين وأن استخدامها لنصرة الدين هو أمر محمود
ومن وقف على كلام أولئك الأئمة وجدهم يصرحون بإبطال هذا الفهم
ينبغي أن يكون علم الكلام محصورا في زاوية ضيقة جدا جدا جدا للرد على من يستخدم علم الكلام للتشويه بهذا العلم الفاسد فيكون رد الفاسد بالفاسد
يا عباد الله
اتركوا علم الكلام واهجروه ونقوا كتب العلوم الشرعية منه وخاصة علم العقيدة
أتمنى أن تتطلعوا على بحث صغير كتبه أخوكم الصغير بعنوان "علم الكلام في حوار هادئ" ثم تنطلقوا إلى تقرير الحقائق الإيمانية بالأدلة العقلية الواردة في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة وليس بالاستدلالات الكلامية
يا عباد الله
يا علماء الأشاعرة والماتريدية
خسرتم بسبب تمسكم بعلم الكلام الكثير الكثير الكثير وما زلتم تخسرون كل يوم
ارجعوا إلى ما نصحكم به إمام الحرمين والإمام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي فالساحة واسعة والفرص كبيرة وإذا عدتم للحق والرشد فسترون أن الله جل وعلا يفتح لكم به من لدنه فتحا مبينا إن شاء الله
حفظكم المولى بحفظه وجعلكم هداة مهتدين

الأربعاء، 12 ديسمبر 2018

حوار 3 حول كلام الشيخ الكشميري عن حديث إلصاق المنكب بالمنكب


هذه كلمات لا بد منها في الجواب عن تعليقات أحد الإخوة:
* ـ الشيخ الكشميري كلامه عن حديث إلصاق المنكب بالمنكب مخالف لكلام العلماء السابقين في هذه المسألة وليس له عليه دليل، بل هو مخالف فيه للدليل، فقد قال فيها قولا لم أجد من سبقه إليه، وذلك إذ قال: [قال الحافظ: المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله. قلت: وهو مراده عند الفقهاء الأربعة، أي أنْ لا يترك في البين فرجة تسع فيها ثالثا]. هذا نص كلامه بحروفه.
فهو يبين ـ حسب رأيه ـ المرادَ من الحديث الذي يشرحه بأن المراد منه أن لا يترك المصلي بينه وبين جاره في الصلاة فرجة تتسع لشخص ثالث!.
ـ علق الأخ الكريم على كلام الشيخ هذا بقوله [أين في هذا الكلام للامام الكشميري انه يجب ان تكون المناكب متباعدة؟ لعل الكاتب التبس عليه لفظ "في البين فرجة تسع فيها ثالثا"، ألم يرد في الحديث صراحة أن لا تتركوا فرجات للشيطان؟ ألا يكون الشيطان ثالثا إذا تركت الفرجة ولو قليلا؟].
أقول:
الكشميري كان يتحدث عن الإنسان، وليس عن الشيطان، لأنه لا يغيب عنه أن الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم لا يحتاج لفرجة تسع فيها ثالثا.
* ـ ثم قال الكشميري: "الحاصل أنا لما لم نجد الصحابة والتابعين يفرقون في قيامهم بين الجماعة والانفراد علمنا أنه لم يرد بقوله إلزاق المنكب إلا التراصَّ وترك الفرجة".
وهذا تناقض، إذ يشرح الحديث بأن المراد منه أن لا يترك المصلي بينه وبين جاره في الصلاة فرجة تتسع لثالث!، ثم يشرحه بأن المراد منه هو التراصُّ وترك الفرجة!.
فإذا كان الشيخ الكشميري يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم "لم يرد بقوله إلزاق المنكب إلا التراص وترك الفرجة" ويدرك معنى التراص فهذا ينهي الخلاف، لكنه يقول في صفحة واحدة القولَ ونقيضه!.
* ـ قال الأخ المحاور: [لماذا التنازل الآن من تلاصق الكعوب وهو مذكور صراحة في رواية النعمان بن بشير؟، وهل قال من قال بالصعوبة الا في الجمع بين الصاق الكعبين والصاق المناكب في آن واحد؟، لقد كان أساس الطعن والتشنيع على الكشميري وابن حجر وغيرهم أنهم تركوا وتجاهلوا كلام الراوي، وكلام النعمان بن بشير نقله الامام البخاري: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه" فكيف تقول الآن "هذا اللفظ ليس في الصحيحين وفي ثبوته نظر"؟!، فما نقله الامام البخاري وكان هو الى جانب قول أنس أساس استدلالكم أصبح الآن ثبوته محل نظر عندكم؟].
أقول:
ـ قول الكاتب "لماذا التنازل الآن من تلاصق الكعوب" يدل على أنه لم يقرأ كلامي الذي يحاول أن يرد عليه، وإذا كان قد قرأه فعلا فلعلها قراءة سريعة جعلته لا يستوعب ما فيه، فكلامه هذا غير صحيح البتة، وهو مجرد توهم، فلم أقل أصلا باستحباب تلاصق الكعوب ثم تركته وتنازلت عنه!، وذلك لأنني لا أراه ولا أقول به، ولا أقول بثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ـ هذا اللفظ "قال النعمان بن بشير رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه" ليس مرويا في الصحيحين ولا في أحدهما، أي ليس مرويا في واحد من الصحيحين رواية مسندة، وذكره البخاري تعليقا. [راجع في كتب علوم الحديث بحث تعليق الإسناد ومعلقات البخاري].
ـ قول القائل "وهل قال من قال بالصعوبة الا في الجمع بين الصاق الكعبين والصاق المناكب في آن واحد؟" شيء غريب، لأنه إذا كان ذلك كذلك فعليك أن تصب غضبك على من يقول به، لا على من لا يقول به أصلا، وعليك أن تتجنب التوهمات التي تجرك إلى إلزام إنسان بقول لا يقول به. والملتقى بين يدي أحكم الحاكمين.
ـ لم أطعن في ابن حجر ولم أشنع عليه، وهذا بخلاف ما يقوله كاتب المقالة، ولا أدري لم يقحم ابنَ حجر في مقالته عدة مرات بهذا المعنى؟!، كأنه يريد أن يقول للناس إنني طعنت فيه وشنعت عليه!.
ـ قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: "باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف، وقال النعمان بن بشير: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه". ثم أتبعه بالرواية بإسناده عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري". وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه.
شتان بين ما يرويه البخاري في صحيحه بسنده وبين ما يذكره تعليقا بدون إسناد.
حديث النعمان بن بشير لم يروه البخاري في صحيحه، وإنما ذكره تعليقا، ورواه ابن حنبل وابن خزيمة وابن حبان وعدد من أصحاب السنن، وراويه عن النعمان بن بشير ذكره ابن حبان في الثقات، فهذا عندي لا يصل لدرجة الصحة وإن كان صحيحا على مذهب كثير من الناس، وذلك لأن ابن حبان من المتساهلين في التوثيق.
لعلك تتساءل عن سبب عدم تصحيح حديث الراوي الذي ذكره ابن حبان في الثقات، فإليك طرفا من الجواب:
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في مقدمة لسان الميزان: "هذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات".
ـ ما نقله الإمام البخاري من قول النعمان بن بشير إلى جانب رواية أنس ليس هذا أساسَ استدلالي البتة، وأساس استدلالي هو رواية أنس، ولم أذكر قول النعمان بن بشير لا تصريحا ولا تلميحا، لأنه ليس بثابت عنه، وهذا بخلاف ما يتوهمه القائل وينسبه إلي!!. والله حسيبه.
* ـ قال الأخ المحاور عني: "ادعى ان الشيخ تجاهل ما قاله الراوي مع ان كلام الشيخ الذي نقله للنقد ليس الا في شرح كلام الراوي في ضوء الأحاديث النبوية الثابتة، فهل يعرف الكاتب ما معنى التجاهل؟".
أقول في بيان معنى التجاهل وبيان السبب الداعي لقولي فيه هذه الكلمة:
ـ تجاهل فلان الشيءَ: تركه وأظهر أنه جاهل به وهو ليس كذلك، هذا أصل معنى هذه الكلمة في لغة العرب، ومن الممكن استعمالها في حقيقة أصل المعنى فيكون فاعل ذلك متعمدا لهذا الفعل لا لأي سبب آخر، ومن الممكن استعمالها استعمالا مجازيا بحيث يكون فاعل ذلك تاركا للشيء لسبب آخر جعله يرجح ترك الشيء على إظهاره.
لقد قلت في التعقبات على كلام الشيخ الكشميري حول هذا الحديث: "تجاهلَ الشيخ سامحه الله ما نقله الصحابي راوي الحديث من فعل الصحابة وما فهموه من الحديث".
الذي قصدته من لفظة التجاهل عند الشيخ هنا هو المعنى الثاني، وذلك لأنني أستبعد استبعادا شديدا أن يتجاهل أي عالم من علماء المسلمين نصا من النصوص الشرعية دون أن يكون لديه سبب يجعله يرجح ترك ذلك النص على إظهاره، سواء أكان السبب وجيها أو غير ذلك.
ـ لكن ما السبب الذي يدعو لأن تُقال عن الشيخ هذه الكلمة؟:
قال الشيخ الكشميري في شرح هذا الحديث في بيان عمل الأمة في مسألة إلصاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم: [بقي الفصل بين الرِجلين: ففي شرح الوقاية أنه يفصل بينهما بقدر أربع أصابع، وهو قول عند الشافعية، وفي قول آخر: قدر شبر. قلت: ولم أجد عند السلف فرقا بين حال الجماعة والانفراد في حق الفصل بأن كانوا يفصلون بين قدميهم في الجماعة أزيد من حال الانفراد، ثم إن الأمر لا ينفصل قط إلا بالتعامل، والحاصل أنا لما لم نجد الصحابة والتابعين يفرقون في قيامهم بين الجماعة والانفراد علمنا أنه لم يرد بقوله إلزاق المنكب إلا التراصَّ وترك الفرجة، وتلخص أن الصف بين القدمين سنة لا غير، لأنهم لا يذكرون ولا يتعرضون إلى غيره، فحسْبهم قدوة].
أما قول أنس بن مالك "وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه" وهو الذي رواه البخاري بإسناده والذي كان الكشميري بصدد شرحه فإنه لم يذكره خلال شرح الحديث، ولم يشر إليه في مسألة ما جرى عليه العمل مطلقا، وكأن العمل الذي كان يعمله الصحابة حالة اقتدائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن لا يُذكر عند الكلام عن عمل الأمة!.
فهذا ما دعاني لقول هذه الكلمة عن الشيخ إذ وصفته بأنه تجاهلَ ما نقله الصحابي راوي الحديث من فعل الصحابة وما فهموه من الحديث.
ـ بقيت أشياء ينبغي التعليق عليها لكن أكتفي بهذا، وأظن أنه يكفي لمن يقرأ ويعيد القراءة بتدبر.
ـ مسألة إلصاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصلاة هي هيئة مستحبة من هيئات الصلاة، ليست من الفرائض ولا الواجبات، ولا من أركان الإسلام ولا من أركان الإيمان.
كتبتُ وأكتب هذه الحوارات في الوقت الذي يتفلت فيه كثير من أبناء المسلمين من دينهم ويخرجون من إيمانهم جماعات جماعات!.
كان ينبغي بذل الجهد الأكبر في بيان حقائق الإيمان والدفاع بالأدلة العلمية عن حقائق هذا الدين.
لكن عندما يرى الإنسان بعض المنتسبين للعلم الشرعي يقدسون مشايخهم ويتعاملون مع كلامهم كأنهم في مقام العصمة فالواجب البيان وعدم السكوت، وهذه معركة لا بد منها لأسباب: من أهمها صيانة منهج التفكير من أن يتطرق إليه الخلل.
كثيرون من طلاب العلم يعلمون أن مَن دون الأنبياء ليسوا معصومين عن الخطأ ولكنهم ـ عند التعامل مع كلامهم ـ يجعلونه في مقام العصمة والتقديس!.
* ـ أما ما قاله الكاتب عني فلا أقول له سوى أن محكمة الجزاء أمامك يوم العرض الأكبر عند مليك مقتدر.
* ـ وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 1/ 4/ 1440، الموافق 8/ 12/ 2018، والحمد لله رب العالمين.