الخميس، 12 أبريل 2018

حديث ضغطة القبر - (v2)


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، رب تمم بالخير، واختم لنا بالخير، بفضلك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
حديث "إن للقبر ضغطة ولو نجا أحد منها لنجا سعد بن معاذ"
هذا الحديث رواه علي بن الجعد في مسنده وابن حبان في صحيحه والطبري في تهذيب الآثار والطحاوي في مشكل الآثار والبيهقي في شعب الإيمان من طريق شعبة عن سعد بن إبراهيم عن نافع عن صفية امرأة ابن عمر عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن للقبر ضغطة، ولو نجا أحد منها لنجا سعد بن معاذ". وهذا سند جيد.
ورواه ابن سعد وإسحاق بن راهويه والنسائي في السنن وأبو نعيم في معرفة الصحابة من طريق عبد الله بن إدريس عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولفظه "هذا الذي تحرك له العرش وفـُتحت له أبواب السماء وشهده سبعون ألفا من الملائكة لقد ضُمَّ ضمة ثم فـُرِج عنه". وهذا سند ظاهره الصحة لكنه معلول بالإرسال.
فقد رواه ابن سعد كذلك عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع أنه قال: بلغني أنه شهد سعدَ بنَ معاذ سبعون ألف ملك لم ينزلوا إلى الأرض، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد ضُم صاحبكم ضمة ثم فُرج عنه". فهذا الإسناد مرسل، وهو يعني أن من رواه عن نافع عن ابن عمر فقد أخطأ في السند وسلك الجادة.
أما المتن بما تقدم فهو صحيح ثابت، وليس في هاتين الروايتين أن ضمة القبر لسعد بن معاذ كانت عذابا وكربا وشدة، بل هي ضمة من عالم البرزخ، لا من عالمنا الدنيوي، وفيها إشعار بهيبة الانتقال من عالم الدنيا إلى عالم آخر، وكأنها للمؤمن ضمة الأم لولدها الذي طال انتظارها له، وليس فيها شيء من الشدة والعذاب عليه.
فَرَجَ يفْرِج بين الشيئين أي فتح، وفرَج القومُ للرجل: أوسعوا له في الموقف أو المجلس، وفرَّج الله الغم ـ بالتشديد ـ أي كشفه، فلا بد من التنبه للفرق بينهما.
ولكن هنالك روايات أخرى لم تثبت:
منها ما رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة وابن حبان من حديث جابر بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد يوم مات وهو يُدفن: "لـَهذا العبدُ الصالح الذي تحرك له العرش وفـُتحت له أبواب السماء شُدد عليه ثم فـُرج عنه". وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو صدوق فيه لين، ومعاذ بن رفاعة وهو ثقة فيه لين، فهذا إسناد لين.
ورواه ابن سعد من طريق آخر عن جابر بن عبد الله أنه قال: لما انتهَوا إلى قبر سعد نزل فيه أربعة نفر، فلما وُضع في قبره تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبح ثلاثا، فسبح المسلمون ثلاثا، ثم كبر ثلاثا، وكبر أصحابه ثلاثا، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقيل: يا رسول الله، رأينا بوجهك تغيرا وسبحت ثلاثا!. فقال: "تضايق على صاحبكم قبره وضُم ضمة لو نجا منها أحد لنجا سعد منها ثم فرج الله عنه". وفيه الواقدي وشيخه إبراهيم بن الحصين بن عبد الرحمن، وهذا لم أجد له ترجمة، فهذا الطريق تالف.
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف وابن حبان والحاكم في المستدرك من طريق محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن مجاهد عن ابن عمر أنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر سعد بن معاذ، فاحتبس، فلما خرج قيل: يا رسول الله، ما حبسك؟. قال: "ضُم سعد في القبر ضمة، فدعوت الله، فكشف عنه". وهذا سند ضعيف، محمد بن فضيل سمع من عطاء بعد الاختلاط.
ومنها ما رواه الطحاوي في مشكل الآثار من حديث سعد بن أبي وقاص، وفيه: ثم احتـُمل فوُضع في قبره، فتغير لون النبي صلى الله عليه وسلم، فقال المسلمون: يا رسول الله، رأينا لونك قد تغير حين قعدت على القبر. فقال: "ضُم سعد في القبر ضمة، ولو أعفِي منها أحد أعفِي منها سعد".
ففي هذه الرواية لفظة غريبة، وهي "فتغير لون النبي صلى الله عليه وسلم"، وسند هذه الرواية ضعيف، فيه يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري، وهو صدوق فيه لين في أحسن أحواله، وفيه محمد بن صالح التمار، وهو ثقة فيه لين.
ومنها الرواية المنكرة التي رواها ابن سعد في الطبقات الكبرى عن شبابة بن سوار عن أبي معشر عن سعيد المقبري أنه قال: لما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم سعدا قال: "لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد، ولقد ضُم ضمة اختلفت منها أضلاعه من أثر البول". وهذا السند ضعيف جدا، فيه أبو معشر المدني نجيح بن عبد الرحمن وهو ضعيف، وفيه علة الإرسال.
* ـ الحديث باللفظ الأول وما في معناه صحيح الإسناد، وما سوى ذلك ضعيف.
اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.
وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 5/ 9/ 1431 سوى بعض الإضافات والتعديلات، والحمد لله رب العالمين.


الاثنين، 9 أبريل 2018

حديث ""افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ..."



بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وله الحمد في الأولى والآخرة.

حديث "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة" رُوي من رواية أبي هريرة وأنس بن مالك ومعاوية بن أبي سفيان وعوف بن مالك وأبي أمامة وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود وعمرو بن عوف وأبي الدرداء وواثلة بن الأسقع مرفوعا، وعن علي بن أبي طالب موقوفا:
* فأما حديث أبي هريرة فرواه أبو داود والترمذي ومحمد بن نصر المروزي في كتاب السنة وأبو يعلى وابن حبان والآجري في كتاب الشريعة وأبو منصور البغدادي في كتاب الفرق بين الفرق والبيهقي في السنن وفي الاعتقاد، ورواه ابن حنبل وابن ماجه وابن أبي عاصم في كتاب السنة، من خمسة طرق عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". ولم يأت ذكر النصارى في المصادر الثلاثة الأخيرة التي فصَلتها عما ذكر من المصادر قبلها. [محمد بن عمرو بن علقمة صدوق فيه لين، وروايته عن أبي سلمة عن أبي هريرة لينة].
* وأما حديث أنس فرُوي عنه من طريق زياد النميري وسعيد بن أبي هلال وزيد بن أسلم والزبير بن عدي وسلمان بن طريف وعبد العزيز بن صهيب ويحيى بن سعيد الأنصاري وسعد بن سعيد الأنصاري ويزيد الرقاشي وقتادة:
ـ فأما طريق زياد النميري فرواه ابن حنبل عن وكيع عن عبد العزيز بن عبد الله الماجشون عن صدقة بن يسار الجزري المكي عن زياد النميري عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بني إسرائيل قد افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، وأنتم تفترقون على مثلها، كلها في النار إلا فرقة". زياد النميري بصري ضعيف.
ـ وأما طريق سعيد بن أبي هلال فرواه ابن حنبل عن الحسن بن موسى الأشيب عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن أنس به نحوه، وفيه: وتخلص فرقة. قالوا: يا رسول الله مَن تلك الفرقة؟. قال: الجماعة. عبد الله بن لهيعة كان قد اختلط. فهذا الطريق ضعيف.
ـ وأما طريق زيد بن أسلم فرواه أبو يعلى عن محمد بن بكار، والآجريُّ في كتاب الشريعة من طريق عاصم بن علي، كلاهما عن أبي معشر عن يعقوب بن زيد بن طلحة عن زيد بن أسلم عن أنس مرفوعا به نحوه. [محمد بن بكار بن الريان بغدادي صدوق ثقة مات سنة 238. وعاصم بن علي بن عاصم واسطي صدوق فيه لين مات سنة 221. أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني ضعيف وتغير قبل موته بسنتين تغيرا شديدا ومات سنة 170. يعقوب بن زيد بن طلحة مدني ثقة مات بعد سنة 140. زيد بن أسلم مدني ثقة فيه لين وكان يرسل ومات سنة 136]. فهذا الطريق ضعيف.
ـ وأما طريق الزبير بن عدي فرواه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث من طريق بشر بن الحسين عن الزبير بن عدي عن أنس به نحوه. [بشر بن الحسين متروك متهم بالكذب]. فهذا الطريق تالف.
ـ وأما طريق سلمان بن طريف فرواه الآجري في كتاب الشريعة وابن بطة في الإبانة الكبرى من طريق سلمان بن طريف عن أنس به نحوه. [سلمان بن طريف أو طريف بن سلمان أبو عاتكة منكر الحديث ذاهب الحديث]. فهذا الطريق تالف.
ـ وأما طريق عبد العزيز بن صهيب فرواه الآجري في كتاب الشريعة وابن بطة في الإبانة الكبرى من طريق مبارك بن سحيم عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس به نحوه. [مبارك بن سحيم متروك الحديث ذاهب الحديث]. فهذا الطريق تالف.
ـ وأما طريق يحيى بن سعيد الأنصاري فرواه العُقيلي في الضعفاء من طريق معاذ بن ياسين الزيات عن الأبرد بن الأشرس عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس به، بلفظ "تفترق أمتي على سبعين أو إحدى وسبعين فرقة، كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة". قالوا: يا رسول الله، من هم؟. قال: "الزنادقة وهم القدرية". [معاذ بن ياسين الزيات مجهول. الأبرد بن الأشرس كذاب وضاع]. فهذا الطريق تالف.
ورواه بحشل في تاريخ واسط والطبراني في الأوسط وفي الصغير عن وهب بن بقية عن عبد الله بن سفيان الواسطي عن يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة. قالوا: يا رسول الله وما تلك الفرقة؟. قال: ما كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي. [عبد الله بن سفيان قال العقيلي: لا يُتابع على حديثه]. فهذا الطريق ضعيف.
ـ وأما طريق سعد بن سعيد الأنصاري فرواه العُقيلي في الضعفاء من طريق ياسين الزيات عن سعد بن سعيد الأنصاري عن أنس به بنحو الطريق السابق. [ياسين بن معاذ الزيات منكر الحديث متروك الحديث]. فهذا الطريق تالف.
ـ وأما طريق يزيد الرقاشي فرواه محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة والطبري وابن أبي حاتم كلاهما في التفسير وأبو القاسم الأصبهاني في كتاب الحجة والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه والبسوي في المعرفة والتاريخ واللالكائي، من طرق عن الأوزاعي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة". قالوا: يا رسول الله ومَن هذه الواحدة؟. قال: "الجماعة".
ورواه أبو يعلى من طريق عكرمة بن عمار اليمامي عن يزيد الرقاشي عن أنس به نحوه.
ورواه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه من طريق عبد الله بن غزوان الحمصي عن عمرو بن سعد مولى غفار عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن بني إسرائيل تفرقت على واحدة وثمانين ملة، وستفترق أمتي على اثنتين وثمانين ملة، كلها في النار غير ملة واحدة". قالوا: وأية ملة هي يا رسول الله؟. قال: "الجماعة".
ورواه عبد الرزاق عن معمر عن يزيد الرقاشي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، ولفظه: "إن بني إسرائيل اختلفوا على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وإنكم ستختلفون مثلهم أو أكثر، ليس منها صواب إلا واحدة". قيل: يا رسول الله وما هذه الواحدة؟. قال: "الجماعة".
[عكرمة بن عمار اليمامي صدوق ثقة فيه لين، وأحاديثه عن يحيى بن أبي كثير مضطربة. عبد الله بن غزوان وعمرو بن سعد مولى غفار مجهولان. يزيد بن أبان الرقاشي بصري من العباد، وهو ضعيف متروك الحديث مات سنة 120 تقريبا]. فطريق يزيد الرقاشي كله تالف.
ـ وأما طريق قتادة فرواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ـ ومن طريقه الضياء المقدسي في المختارة ـ قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا الأوزاعي قال حدثنا قتادة عن أنس بن مالك به. ورواه ابن المقرئ في معجمه والضياء في المختارة والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث من طريق موسى بن عامر ابن خريم وعبد الملك بن الأصبغ البعلبكي قالا حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا الأوزاعي عن قتادة عن أنس به. وكذا رواه أبو منصور البغدادي في كتاب الفرق بين الفرق من طريق الوليد بن سلمة عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس به. لكن الوليد بن سلمة متهم بالكذب والوضع، وذكرته هنا لمجرد المعرفة، والعمدة على ما رواه الوليد بن مسلم من الطرق الثلاثة السابقة عنه.
[هشام بن عمار الدمشقي صدوق ثقة، لكن كبر فصار يتلقن. وموسى بن عامر ابن خريم صدوق فيه لين. وعبد الملك بن الأصبغ البعلبكي صدوق فيه لين. الوليد بن مسلم ثقة فيه لين كثير التدليس والتسوية، فإذا لم يتسلسل الإسناد منه إلى منتهاه بما يدل على السماع فالسند غير مقبول. قتادة بن دعامة ثقة مدلس، ولم أجد أنه صرح بسماعه لهذا الحديث من أنس].
هذا الطريق فيه ما يكفي لتضعيفه، ولكن الأهم من ذلك أنه معلول، لأنه قد جاء هنا من رواية الأوزاعي عن قتادة عن أنس!، والثابت عن الأوزاعي ـ من طرق عنه ـ أنه رواه عن يزيد الرقاشي عن أنس، كما تقدم قريبا، وهذا يعني أن رواية هذا الحديث من طريق الأوزاعي عن قتادة عن أنس هي مجرد خطأ، ويزيد الرقاشي ضعيف متروك الحديث. فهذا الطريق تالف.
ووجه الإعلال هو أنه لو كان هذا الحديث عند الأوزاعي عن قتادة ويزيد الرقاشي عن أنس فإما أن يجمعهما في الرواية وإما أن يقتصر على روايته عن قتادة عن أنس، فقتادة ثقة ويزيد الرقاشي ضعيف متروك الحديث، وأما الرواية مرة عن هذا ومرة عن ذاك فهذا نوع من العبث الذي تـُصان عنه أفعال العقلاء، وفي مثل هذا الحال فإن الأئمة النقاد من علماء الحديث يحكمون بتثبيت القدر الأدنى ويعلون ما فوقه، فلا مناص عن الحكم بأن الرواية الثابتة عن الأوزاعي هي عن يزيد الرقاشي وليست عن قتادة.
وإذا عُلم أن هذا الطريق معلول فقد جاءت رواية ابن ماجه مختلفة قليلا عن غيرها من روايات الوليد بن مسلم، فألقت الضوء بذلك على وجه الخطأ.
قال ابن ماجه رحمه الله في السنن: حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا أبو عمرو قال حدثنا قتادة عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة". أي إن الوليد بن مسلم كما روى هذا الحديث عن الأوزاعي عن يزيد الرقاشي عن أنس فكذلك رواه عن أبي عمرو عن قتادة عن أنس.
وللإيضاح أقول: الإمام الأوزاعي رحمه الله هو عبد الرحمن بن عمرو وكنيته أبو عمرو، والوليد بن مسلم سمع من أبي عمرو الأوزاعي كثيرا ومن أبي عمرو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وحدَّث عنهما، وأكثرَ من الرواية عن الأوزاعي، ولذا فإن بعض الرواة بمجرد سماعه منه كلمة "حدثنا أبو عمرو" يظن أن شيخه في هذه الرواية هو الأوزاعي، ولهذا فإن عددا من روايات هذا الحديث قد جاء فيها أنه عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن قتادة!، ويبدو أن هذا خطأ، وأن الوليد بن مسلم إنما سمع هذا الحديث من أبي عمرو الأوزاعي عن يزيد الرقاشي ومن أبي عمرو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن قتادة، وابن تميم هذا ضعيف متروك الحديث.
ولا يمتنع ـ عند الأئمة النقاد من علماء الحديث ـ أن يكون الحديث عند الوليد بن مسلم عن أبي عمرو الأوزاعي عن يزيد الرقاشي عن أنس وعن أبي عمرو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن قتادة عن أنس فيرويَه مرة عن هذا ومرة عن ذاك، لأن في كلا الوجهين راويا ضعيفا، فكلاهما في درجة الضعف. [أقول: قراءة كتاب "منهج الإمامين البخاري ومسلم في إعلال المرويات الحديثية" مفيد جدا في معرفة منهج الإعلال].
هذا وقد روى عبد الرزاق في المصنف عن معمر عن قتادة أنه قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بنَ سلام: على كم تفرقت بنو إسرائيل؟. فقال: على واحدة أو اثنتين وسبعين فرقة. فقال: "وأمتي أيضا ستفترق مثلهم أو يزيدون واحدة، كلها في النار إلا واحدة". ويبدو أن هذه الرواية المرسلة هي أصل رواية قتادة، فأخذها منه عبد الرحمن بن يزيد بن تميم فزاد فيها في المتن وجعلها عن قتادة عن أنس.
* وأما حديث معاوية فرواه ابن حنبل والدارمي وأبو داود والبسوي وأبو زرعة الدمشقي في الفوائد المعللة وابن أبي عاصم ومحمد بن نصر المروزي كلاهما في السنة والطبراني في الكبير والآجري في كتاب الشريعة واللالكائي، من خمسة طرق عن صفوان بن عمرو السكسكي عن أزهر بن عبد الله الحَرَازي عن أبي عامر عبد الله بن لحي الهوزني أنه قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة قام حين صلى صلاة الظهر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، يعني الأهواء، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة".
[صفوان بن عمرو السكسكي الحمصي ثقة فيه لين ولد سنة 72 ومات سنة 155. أزهر بن عبد الله الحَرَازي الحمصي: قال ابن حجر: صدوق تكلموا فيه للنصب. وقد وثقه العجلي وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره الأزدي في الضعفاء، وقال الأزدي: يتكلمون فيه. فهو صدوق فيه لين مات سنة 128. عبد الله بن لحي الحمصي صدوق ثقة]. فهذا السند فيه لين.

* وأما حديث عوف بن مالك فرواه ابن ماجه والبسوي في كتاب المعرفة والتاريخ وابن أبي عاصم في كتاب السنة والطبراني في الكبير وفي مسند الشاميين واللالكائي وأبو القاسم الأصبهاني في كتاب الحجة، عن عمرو بن عثمان بن سعيد ويزيد بن عبد ربه عن عباد بن يوسف عن صفوان بن عمرو السكسكي عن راشد بن سعد عن عوف بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار". قيل: يا رسول الله من هم؟. قال: "الجماعة".
[عمرو بن عثمان بن سعيد حمصي صدوق ثقة مات سنة 250. ويزيد بن عبد ربه حمصي ثقة مات سنة 224. عباد بن يوسف حمصي ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه ابن عدي: روى عن صفوان بن عمرو وغيره أحاديث ينفرد بها. وقال الذهبي في المغني: ليس بالقوي. فهو لين. صفوان بن عمرو حمصي ثقة فيه لين. راشد بن سعد حمصي صدوق ثقة يرسل ومات سنة 113. عوف بن مالك صحابي مات سنة 73]. فهذا الطريق لين.
هذا الطريق فيه ما يكفي لتضعيفه، ولكن الأهم من ذلك أنه معلول، فقد روى خمسة من الرواة حديث افتراق الأمة عن صفوان بن عمرو السكسكي عن أزهر بن عبد الله الحَرَازي عن عبد الله بن لحي الهوزني عن معاوية، وليس عن صفوان بن عمرو عن راشد بن سعد عن عوف بن مالك، فرجع هذا الطريق لحديث معاوية.
ـ ورواه البزار والطبراني في الكبير وفي مسند الشاميين والحاكم وابن عدي في الكامل والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، من طريق نعيم بن حماد عن عيسى بن يونس عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم، يحرمون الحلال ويحلون الحرام".
قال أبو زرعة الدمشقي في تاريخه: عرضتُ على عبد الرحمن بن إبراهيم الحديث الذي حدثناه نعيم بن حماد عن عيسى بن يونس عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال"، فرده وقال: هذا حديث صفوان بن عمرو، حديث معاوية. قال أبو زرعة: قلت ليحيى بن معين في حديث نعيم هذا وسألته عن صحته، فأنكره، قلت: من أين يُؤتى؟. فقال: شُبه له.
وقول دُحيمٍ الحافظِ عبدِ الرحمن بنِ إبراهيم "هذا حديثُ صفوان بن عمرو حديثُ معاوية" كأنه يريد بذلك أن حديث افتراق الأمة مشهور من رواية صفوان بن عمرو الذي رواه عن أزهر بن عبد الله الحَرَازي عن عبد الله بن لحي عن معاوية، وأن عيسى بن يونس هو من الرواة عن صفوان، وأنه مما انقلب إسناده على نعيم بن حماد فوهِم فيه، فجعله "عن عيسى بن يونس عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك"، بدلا من أن يقول "عن عيسى بن يونس عن صفوان بن عمرو عن أزهر بن عبد الله عن عبد الله بن لحي عن معاوية".
وروى الخطيب البغدادي هذا عن أبي زرعة الدمشقي، ثم روى عن محمد بن علي بن حمزة المروزي أنه قال: سألت يحيى بن معين عن حديث عوف بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم "تفترق أمتي"، فقال: ليس له أصل. قلت: فنعيم بن حماد؟. قال: نعيم ثقة. قلت: كيف يحدث ثقة بباطل؟. قال: شُبه له.
ورواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام من طريق نعيم بن حماد وعبد الوهاب بن الضحاك وسويد بن سعيد عن عيسى بن يونس به.
ورواه ابن عدي في ترجمة نعيم بن حماد من طريقه به، ثم من طريق أبي عبيد الله ابن أخي ابن وهب أحمد بن عبد الرحمن بن وهب عن عمه عبد الله بن وهب عن عيسى بن يونس كرواية نعيم، ثم قال: وهذا الحديث كان يُعرف بنعيم بن حماد بهذا الإسناد، حتى رواه عبد الوهاب بن الضحاك وسويد الأنباري وشيخ خراساني يقال له أبو صالح الخراساني عن عيسى بن يونس، وأبو عبيد الله اتهم بهذا الحديث أيضا، وعبد الوهاب بن الضحاك اتهم أيضا فيه، وذاك لأن هذا الحديث معروف بنعيم عن عيسى بن يونس.
ورواه ابن عدي في ترجمة سويد بن سعيد الأنباري من طريقه به، وقال: هذا إنما يُعرف بنعيم بن حماد، ورواه عن عيسى بن يونس فتكلم الناس فيه، ثم رواه رجل من أهل خراسان يقال له الحكم بن المبارك يكنى أبا صالح الخواشتي، يقال إنه لا بأس به، ثم سرقه قوم ضعفاء ممن يُعرفون بسرقة الحديث، منهم عبد الوهاب بن الضحاك والنضر بن طاهر وثالثهم سويد الأنباري، ولسويد مما أنكرتُ عليه غيرُ ما ذكرت، وهو إلى الضعف أقرب.
ورواه الخطيب من طريق نعيم بن حماد به، ثم من طريق عبد الله بن جعفر الرقي وسويد بن سعيد الحدثاني الأنباري وعمرو بن عيسى بن يونس وعبد الوهاب بن الضحاك وعبد الله بن وهب ومحمد بن سلام المنبجي عن عيسى بن يونس به، ثم روى عن عبد الغني بن سعيد الحافظ أنه قال: "كل من حدث به عن عيسى بن يونس غير نعيم بن حماد فإنما أخذه من نعيم، وبهذا الحديث سقط نعيم بن حماد عند كثير من أهل العلم بالحديث، إلا أن يحيى بن معين لم يكن ينسبه إلى الكذب، بل كان ينسبه إلى الوهَم".
فحديث عوف بن مالك من هذا الطريق ليس له أصل، وهو خطأ سندا ومتنا، وأصله الحديث الذي رواه صفوان بن عمرو عن أزهر بن عبد الله عن عبد الله بن لحي عن معاوية، فرجع حديث عوف بن مالك من هذا الطريق كذلك لحديث معاوية.
ـ ورواه الطبراني في الكبير عن يحيى بن عبد الباقي عن يوسف بن عبد الرحمن المَرْوَرُّوذي عن أبي تقي عبد الحميد بن إبراهيم الحمصي عن معدان بن سليم الحضرمي عن عبد الرحمن بن نجيح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف أنت يا عوف إذا افترقت هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهن في النار؟!". قلت: ومتى ذاك يا رسول الله؟. قال: "إذا كثرت الشرط ومَلـَكت الإماء...، ويفزع الناس يومئذ إلى الشام، تعصمهم من عدوهم". قلت: وهل يُفتح الشام؟. قال: "نعم، وشيكا، ثم تقع الفتن بعد فتحها، ثم تجيء فتنة غبراء مظلمة، ثم يتبع الفتن بعضها بعضا، حتى يخرج رجل من أهل بيتي يقال له المهدي، فإن أدركته فاتبعه وكن من المهتدين".
[يحيى بن عبد الباقي ثقة مات سنة 292. يوسف بن عبد الرحمن: لم أجد له في أسانيد الأحاديث ذكرا سوى هذه المرة الواحدة، ولم أجد له ترجمة، وقد قال الذهبي وابن حجر: يوسف بن عبد الرحمن حدث عنه عيسى بن إبراهيم البِرَكي بحديثين موضوعين. وعيسى بن إبراهيم صدوق فيه لين مات سنة 228، فإن يكن يوسف بن عبد الرحمن الذي حدث عنه البركي هو الذي حدث عنه يحيى بن عبد الباقي فالظاهر أنه أحد الكذابين، وإلا يكـنْه فهو مجهول. عبد الحميد بن إبراهيم الحمصي ضعيف مات سنة 215 تقريبا. معدان بن سليم وعبد الرحمن بن نجيح لم أجد لهما ترجمة، وفي الرواة معدان بن حدير يروي عن عبد الرحمن بن جبير فلعل في السند تحريفا، وقد يكون هذا من افتعال يوسف بن عبد الرحمن]. فهذا الطريق تالف. 
* وأما حديث أبي أمامة فرواه ابن أبي شيبة وابن أبي عاصم في كتاب السنة والحارث بن أبي أسامة ومحمد بن نصر المروزي في كتاب السنة والطبراني في الكبير واللالكائي، من طرق عن أبي غالب أنه قال: كنت في مسجد دمشق، فجاؤوا بسبعين رأسا من رؤوس الحرورية، فنـُصبت على درج المسجد، فجاء أبو أمامة فنظر إليهم، فقال: "كلاب جهنم، شر قتلى قـُتلوا تحت ظل السماء، ومن قـَتلوا خيرُ قتلى تحت السماء". قلت: يا أبا أمامة، إني رأيتك تهريق عبرتك. قال: "نعم، رحمة لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام، قد افترقت بنو إسرائيل على واحدة وسبعين فرقة، وتزيد هذه الأمة فرقة واحدة، كلها في النار إلا السواد الأعظم، عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُملتم، وإن تطيعوه تهتدوا، وما على الرسول إلا البلاغ، السمع والطاعة خير من الفرقة والمعصية". فقال له رجل: يا أبا أمامة، أمن رأيك تقول أم شيء سمعتَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. قال: إني إذا لجريء، بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين. حتى ذكر سبعا.
ورواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريقين عن أبي غالب عن أبي أمامة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، تزيد عليها أمتي فرقة، كلها في النار إلا السواد الأعظم".
ورواه الطبراني في الكبير واللالكائي والبيهقي من طرق عن أبي غالب عن أبي أمامة بنحوه، وفيها: قلت: يا أبا أمامة، من قِبَل رأيك تقول أم شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. قال: بل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: "إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وسبعين فرقة ـ أو قال اثنتين وسبعين فرقة ـ، وإن هذه الأمة ستزيد عليهم فرقة كلها في النار إلا السواد الأعظم". ففي هذه الرواية الأخيرة لا يدخل حديث افتراق الأمة فيما سمعه أبو أمامة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[أبو غالب صاحب أبي أمامة: وثقه موسى بن هارون الحمال وابن معين في رواية والدارقطني مرة، وقال ابن معين في رواية: صالح الحديث. وقال الدارقطني مرة: يُعتبر به. وقال ابن عدي: ولم أر في أحاديثه حديثا منكرا جدا وأرجو أنه لا بأس به. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وضعفه النسائي، وقال ابن سعد وابن حبان: منكر الحديث]. فسنده ضعيف.
* وأما حديث سعد بن أبي وقاص فرواه عبد بن حميد ومحمد بن نصر المروزي في كتاب السنة والبزار والآجري في كتاب الشريعة من طريق موسى بن عُبيدة الربذي عن أخيه عبد الله بن عبيدة عن عائشة بنت سعد عن أبيها أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين ملة، ولن تذهب الليالي ولا الأيام حتى تفترق أمتي على مثلها، وكل فرقة منها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة". [موسى بن عُبيدة ضعيف منكر الحديث].
* وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فرواه الترمذي ومحمد بن وضاح في البدع والآجري في كتاب الشريعة واللالكائي وأبو منصور البغدادي في كتاب الفرق بين الفرق وأبو القاسم الأصبهاني في كتاب الحجة، من طرق عن عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم الإفريقي عن عبد الله بن يزيد المعافري المصري عن عبد الله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة". قالوا: ومن هي يا رسول الله؟. قال: "ما أنا عليه وأصحابي". [عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ضعيف].
* وأما حديث عبد الله بن مسعود فرواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة والطبراني في الكبير عن هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده عبد الله بن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن بني إسرائيل افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، لم ينج منها إلا ثلاث".
[بكير بن معروف وثقه مروان بن محمد الطاطري، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو داود والنسائي: ليس به بأس. وقال أحمد: ما أرى به بأسا. وقال في رواية أخرى: ذاهب الحديث. وقال الدارقطني في العلل: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وليس حديثه بالمنكر جدا. وقال فيه ابن المبارك: ارم به]. فالظاهر أنه ضعيف.
ـ ورواه ابن أبي عاصم ومحمد بن نصر المروزي كلهما في السنة والطبري والطبراني في الكبير وفي الصغير والحاكم من طريق الصعق بن حزن عن عقيل الجعدي عن أبي إسحاق عن سويد بن غفلة عن ابن مسعود مرفوعا به نحوه. [عقيل الجعدي قال فيه البخاري وابن حبان: منكر الحديث].
والطريقان السابقان ـ زيادة على ما فيهما من الضعف ـ معلولان بالوقف على الصحابي:
فقد روى ابن أبي حاتم في التفسير هذا الحديث عن أبيه عن هشام بن عمار عن شهاب بن خراش عن حجاج بن دينار عن منصور بن المعتمر عن الربيع بن عميلة الفزازي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد فقست قلوبهم اخترعوا كتابا من عند أنفسهم، فافترقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين ملة". ورواه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني عن أبي سعيد بن الأعرابي عن سعدان بن نصر عن أبي معاوية عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن الربيع بن عميلة عن ابن مسعود بنحوه، وعنده "فاختلفت بنو إسرائيل على بضع و سبعين فرقة".
[هشام بن عمار الدمشقي صدوق ثقة، لكن كبر فصار يتلقن. شهاب بن خراش صدوق ثقة فيه لين. حجاج بن دينار ثقة فيه لين. منصور بن المعتمر ثقة. الربيع بن عميلة ثقة. ورجال الإسناد في شعب الإيمان للبيهقي ثقات]. فهذا الإسناد صحيح موقوفا على ابن مسعود.
* وأما حديث عمرو بن عوف فرواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألا إن بني إسرائيل افترقت على موسى على سبعين فرقة، كلها ضلالة إلا فرقة واحدة، الإسلام وجماعتهم، وإنها افترقت على عيسى عليه السلام على إحدى وسبعين فرقة، كلها ضلالة إلا فرقة، الإسلام وجماعتهم، ثم إنكم تفترقون على اثنتين وسبعين فرقة، كلها ضلالة إلا فرقة، الإسلام وجماعتهم". [كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف متروك متهم بالكذب].
* وأما حديث أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس فرواه الطبراني في الكبير والآجري في كتاب الشريعة وأبو إسماعيل الهروي في كتاب ذم الكلام وأهله، من طريق كثير بن مروان الفلسطيني عن عبد الله بن يزيد بن آدم الدمشقي عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ذروا المراء، فإن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة والنصارى على ثنتين وسبعين، كلهم على الضلالة إلا السواد الأعظم". قالوا: يا رسول الله ومن السواد الأعظم؟. قال: "مَن كان على ما أنا عليه وأصحابي". ورواه ابن عساكر من طريق أبين بن سفيان عن عبد الله بن يزيد بن آدم به.
[كثير بن مروان الفلسطيني كذاب يحدث بالمنكرات. أبين بن سفيان ضعيف منكر الحديث، وقال البخاري: لا يُكتب حديثه. عبد الله بن يزيد بن آدم الدمشقي ليس بثقة، أحاديثه موضوعة]. فهذا إسناد تالف.
* وأما الموقوف على علي رضي الله عنه فرواه محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني ـ كما في إتحاف الخيرة المهرة ـ عن مروان بن معاوية عن حسان بن أبي يحيى الكندي عن شيخ من كندة عن علي رضي الله عنه أنه قال: افترقت النصرانية على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت اليهودية على ثنتين وسبعين فرقة، والذي نفسي بيده لتفترقَن الحنيفية على ثلاث وسبعين فرقة، فتكون ثنتان وسبعون في النار، وفرقة في الجنة.
[مروان بن معاوية الفزاري كوفي سكن مكة ودمشق ثقة يدلس في أسماء الشيوخ ومات سنة 193. حسان بن أبي يحيى الكندي شيخ مروان بن معاوية ذكره ابن حبان في الثقات، لكن وقع في نسخة كتاب الثقات تسميته بحسان بن أبي حسان. وشيخه مبهم]. والمبهم مجهول، والسند الذي فيه مجهول شديد الضعف.
ـ ورواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة من طريق يعقوب بن عبد الله القمي عن ليث بن أبي سُليم عن مجاهد عن ابن عباس عن علي أنه قال: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وأنتم على ثلاث وسبعين، وإن من أضلها وأخبثها الشيعة.
[يعقوب بن عبد الله القمي صدوق فيه لين مات سنة 174. ليث بن أبي سُليم اختلط جدا ولم يتميز حديثه].
ـ ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة وابن أبي حاتم في التفسير من طريقين عن عبد الله بن وهب عن أبي صخر حميد بن زياد عن أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري عن علي بن أبي طالب أنه قال: لقد افترقت بنو إسرائيل بعد موسى على إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة.
[حميد بن زياد مدني سكن مصر ومات سنة 145 تقريبا، صدوق فيه لين. أبو معاوية البجلي: قال المزي: يُقال إنه عمار الدهني ويُقال غيره. سعيد بن جبير ثقة. أبو الصهباء صدوق فيه لين]. عمار الدهني ثقة لم يسمع من سعيد بن جبير شيئا، فإن كان أبو معاوية البجلي المذكور في هذا السند هو عمارا الدهنيَّ فالسند منقطع، وإلا يكنْه فهو مجهول.
ـ ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة وابن عساكر من طريق عطاء بن مسلم الحلبي عن العلاء بن المسيب عن شريك البرجمي عن زاذان أبي عمر عن علي بنحوه.
[عطاء بن مسلم الكوفي الحلبي صدوق فيه لين مات سنة 190. العلاء بن المسيب كوفي ثقة فيه لين. شريك البرجمي لم أجد فيه سوى أن ذكره ابن حبان في الثقات. زاذان أبو عمر ثقة فيه لين مات سنة 83].
ـ ورواه ابن بطة في الإبانة الكبرى من طريق شبابة بن سوار عن سوادة بن سلمة عن عبد الله بن قيس عن علي رضي الله عنه أنه قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، لتفترقن هذه الأمة على مثل ذلك، وأضلها فرقة وشرها الداعية إلينا أهلَ البيت، وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما.
[سوادة بن سلمة لم أجد له ترجمة، ولا فيمن اسمه سواد. عبد الله بن قيس يحتمِل أن يكون الذي ذكره ابن حبان في الثقات].
ـ ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن إبراهيم بن الحسن التغلبي عن عبد الله بن بكير عن محمد بن سوقة عن أبي الطفيل عن علي أنه قال: "تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، شرها فرقة تنتحل حبنا وتفارق أمرنا". ثم علقه المؤلف بعد روايته مسندا عن أبي نعيم عن عبد الله بن بكير نحوه كذلك، وعن محمد بن سلمة الحراني عن محمد بن عبيد الله الفزاري عن محمد بن سوقة نحوه كذلك.
[محمد بن عثمان بن أبي شيبة كوفي مات سنة 287، وثقه جماعة، ويبدو أن له أخطاء كان يصر عليها فكذبه جماعة لأجلها. إبراهيم بن الحسن الثعلبي أو التغلبي قال عنه أبو حاتم شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات. عبد الله بن بكير الغنوي الكوفي صدوق وليس بقوي. محمد بن سوقة كوفي ثقة مات سنة 143 تقريبا. أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي صحابي مكي مات سنة 110. أبو نعيم لعله الفضل بن دكين وهو ثقة. محمد بن سلمة الحراني ثقة مات سنة 192. محمد بن عبيد الله الفزاري العرزمي كوفي متروك الحديث مات سنة 155 تقريبا]. فهذا الطريق ضعيف.
ثم إنه معلول بما رواه الآجري في الشريعة من طريق رجاله ثقات، والخطيبُ البغدادي من طريق واه، كلاهما عن أبي معاوية قال حدثنا محمد بن سوقة عن حبيب بن أبي ثابت عن علي رضي الله عنه أنه قال: تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة، شرهم قوم ينتحلون حبنا أهلَ البيت ويخالفون أعمالنا. [أبو معاوية محمد بن خازم كوفي صدوق ربما دلس ومات سنة 194. محمد بن سوقة كوفي ثقة. حبيب بن أبي ثابت كوفي ثقة يدلس ويرسل، ولم يدرك عليا، ومات سنة 119]. فهذا الطريق منقطع بين حبيب بن أبي ثابت وعلي رضي الله عنه، فهو ضعيف.
ووجه الإعلال هو أن هذا الأثر الموقوفَ على علي رضي الله عنه والمرويَّ من طريق محمد بن سوقة جاء على وجهين، فرُوي عن محمد بن سوقة عن أبي الطفيل عن علي، وهذا الجزء ظاهره الصحة، ورُوي عن محمد بن سوقة عن حبيب بن أبي ثابت عن علي، وهذا الجزء ضعيف بسبب الانقطاع، ولو كان هذا الأثر عند محمد بن سوقة بالوجهين لما رواه مرة هكذا ومرة هكذا، وإذا وقع الشك بين الوجه الذي ظاهره الصحة والوجه الضعيف ثبتنا الأدنى وهو الضعيف وأعللنا الآخر لحصول الشك فيه، فبذلك يكون طريق محمد بن سوقة عن أبي الطفيل عن علي معلولا، وإذا كان ذلك كذلك فالصحيح أن محمد بن سوقة رواه عن حبيب بن أبي ثابت وليس عن أبي الطفيل، فيكون هذا الطريق عن علي ضعيفا لأنه منقطع الإسناد بين حبيب بن أبي ثابت وعلي رضي الله عنه.
* خلاصة القول في درجة هذا الحديث:
هذا الحديث طرقه كلها ضعيفة، ولعل أمثلها إسنادا حديث معاوية، والثابت منها هو قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه "فاختلفت بنو إسرائيل على بضع وسبعين فرقة".
قد يقول قائل: ألا يصل الحديث بهذه الطرق الكثيرة لمرتبة الحديث المتواتر فنحكمَ بصحته على الجزم والقطع؟! أو لمرتبة الصحيح لغيره؟! أو لمرتبة الحسن لغيره على الأقل؟!.
أقول:
قلت في كتاب متنزه الأنظار: [لا ارتباط بين صحة الحديث وعدد الطرق التي رُوي بها، لأن مجرد كثرة الطرق لا تفيد الصحةَ ولا الحسن، فضلا عن إفادة الجزم والقطع، وقد أشار الإمام أحمد ابن حنبل عليه رحمة الله إلى هذا المعنى إذ قال: "يطلبون حديثاً من ثلاثين وجهاً!! أحاديثُ ضعيفة". والذي أقول به وأؤكده هو أنه لا ارتباط بين عدد الطرق التي يُروى بها الحديث وبين الصحة والحسن، فقد يكون للحديث عشرة طرق أو عشرون أو ثلاثون ويبقى ضعيفا، وقد يكون له طريق واحد ويكون صحيحا، والمعوَّل عليه هو عدالة الرواة وضبطهم مع اتصال السند وسلامة الحديث من العلل ومن الشذوذ].
وترقية الحديث بتوارد الطرق الضعيفة له شرط هام لم يُعْنَ به المتأخرون العناية الكافية، وهو أن لا يكون الحديث شاذا، ولولا ما في هذا الحديث من شذوذ لارتقى إلى مرتبة الحسن.
والشذوذ فيه من وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى أخبرنا أنه هدى المؤمنين لما وقع فيه الاختلاف فقال سبحانه {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه}، فمن المستبعد أن تكون أمة الهداية التي أثنى عليها الحق جل جلاله أشدَّ اختلافا وتفرقا من الذين غضب الله عليهم.
وثانيهما: أن الفِرقة التي جاء الإخبار عنها بأنها الفرقة الناجية ـ حسب معظم طرق هذا الحديث ـ ليست هي المتمسكة بالحق أو بالكتاب والسنة مثلا، ولكن ـ حسب تلك الروايات ـ هي الجماعة، كذا في حديث معاوية وعوف بن مالك وسعد وعمرو بن عوف وعدد من الطرق عن أنس، وورد أنها السواد الأعظم، كما في حديث أبي أمامة والحديثِ المروي عن أبي أمامة وأبي الدرداء وواثلة وأنس، وهذا مخالف للنصوص القرآنية الكريمة التي تبين أن أكثر الناس ليسوا على الحق، فقد قال الله تعالى {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} {ولكن أكثر الناس لا يشكرون}.
وهذا ما جعل بعض السلف مضطرا إلى أن يؤول لفظة "الجماعة" تأويلا بعيدا يخرجها عن المعنى المعروف في اللغة والظاهرِ من السياق، فمعناها المعروف والظاهر هو أنها تعني السواد الأعظم.
ولكن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "الجماعة الكتاب والسنة وإن كنتَ وحدك". وفي رواية "الجماعة أهل الحق وإن كنت وحدك". وفي رواية "إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، إن الجماعة ما وافق طاعة الله عز وجل". وقال إبراهيم النخعي رحمه الله: "الجماعة هي الحق وإن كنت وحدك". وقال نعيم بن حماد: "إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ". وكل هذه المعاني تحمل مفهوما مغايرا لما ترمي إليه تلك الروايات حسبما يظهر منها.
ومن القرائن التي تدل على عدم ثبوت الحديث ـ المروي من طرق ضعيفة كثيرة دون أن يكون فيها إسناد صحيح ـ أن يغلب على الظن أن هنالك جهةً ما تسعى لإشاعته وترويجه، وفي مثل هذه الحال فالواجب عدم التسرع في تصحيح الحديث خشية الوقوع في نسبة كلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لم يقله.
والخلاصة أن هذا الحديث لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.




قال أحد المعلقين:
"وجود الفرق والملل والنحل في تاريخ الأمة دليل واقعي لهذا الحديث العظيم".
أقول:
وجود الفِرَق والملل والنحل في تاريخ الأمة ليس دليلا واقعيا على ثبوت هذا الحديث، ولم يقل أحد من أئمة علماء الحديث إن مثل هذا يُعد دليلا على تصحيح نسبة مثل هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
للأطباء كلمات في الطب، وللحكماء كلمات من عيون الحكمة، وللصحابة والتابعين وغيرهم كلمات وتعليقات عن الواقع الذي كانوا يعايشونه، وكذا لمسلمة أهل الكتاب، فإذا روى الرواة الضعفاء شيئا من هذا وتحقق وجوده في الواقع فإنه لا يعني صحة نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قد يكون القول فائدة طبية صحيحة، أو حكمة جميلة، أو وصفا لبعض ما وقع في عصر السلف، أو مقتبساتٍ من مأثورات بني إسرائيل، وربما من كلام بعض الكذابين لمآرب قد تكون ظاهرة وقد تكون خفية، وقد تكون مما ظاهره فيه الرحمة وباطنه فيه العذاب.
أي قد تكون مثل تلك الأقوال التي رُويت عن النبي صلى الله عليه وسلم هي مما تسرب إلى الرواة الضعفاء فحدثوا بها عن الصحابة أو ثقات التابعين، فإذا وجدنا في الواقع صحة مدلولاتها فهذا لا يعني إطلاقا ثبوتها من قول النبي صلى الله عليه وسلم.
كثير من الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الخلفاء الراشدين الأربعة محكوم عليها بالوضع، وصحة أحاديثَ أخرى كثيرةٍ غيرها في فضائلهم لم تشفع لها فتخرجَها من زمرة المكذوبات الموضوعات.
وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 24/ 5/ 1435، الموافق 25/ 3/ 2014، والحمد لله رب العالمين.

الاثنين، 19 مارس 2018

حوار مع الأخ الفاضل حول مبحث مقدار عمر السيدة عائشة رضي الله عنها يوم الزواج




* ـ يرى أحد الإخوة الأفاضل أن ما كتبتُه عن مقدار عمر السيدة عائشة رضي الله عنها يوم الزواج هو عون للعالَمانيين والتنويريين الظلاميين الذين يحاولون بشتى الوسائل الطعن بالأحاديث الصحيحة والتركيزَ على التقليل من قيمة الصحيحين، وخاصة صحيح البخاري، والتشكيك بما ورد فيه بحجج واهية، وأنه كان يتوقع مني ـ أمام الهجمة الشرسة من أولئك المفسدين على عمر السيدة عائشة رضي الله عنها حين زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم الوارد في أصح كتابين من كتب الحديث الشريف ـ أن أكون أول من يتصدى لذلك بالأدلة الدامغة والحجج الساطعة.
أقول:
العالَمَانيون يحاولون بشتى الوسائل الطعن بالأحاديث الصحيحة، وهنالك هجمة شرسة من المفسدين على كتب السنة الشريفة وعلى علمائنا وأئمتنا الذين أفنَوا أعمارهم في خدمتها، هذا صحيح بادٍ للعيان، وربما يكون القادم ـ إذا بقينا نائمين ـ أسوأ مما قبله، وأرى أن التصدي لتلك الحملة الشرسة بالأدلة الدامغة والحجج الساطعة من أوجب الواجبات.
الذي يتصدى لهذا ـ حسبما أرى والله أعلم ـ هو أحد اثنين: إما أن يكون معتقدا بأن أحاديث الصحيحين مما يُقطع بصحتها سوى المواضع اليسيرة المستثناة التي أشار إليها ابن الصلاح رحمه الله، وإما أن يقف موقف الباحث عن الحقيقة المستهدي بالكتاب المنير الذي يقول فيه ربنا جل شأنه {قل هاتوا برهانكم}.
لستُ ـ بحمد الله تعالى ـ من النوع الأول، وحتى يعرف القارئ لمَ لا أكون من ذلك النوع فعليه أن يقرأ أولا مبحث "أحاديث الصحيحين هل ضعَّف بعض العلماء بعضها؟"، ففيه أسماء عشرات العلماء الذين ضعفوا بعض روايات الصحيحين، ابتداء من طبقة شيوخ البخاري ومسلم ومن طبقتهما ومن الطبقات التالية لهما مرورا بابن عبد البر والنووي وابن حجر وغيرهم.
أنا ـ أيها الأخ الفاضل ـ أبحث عن الدليل والبرهان، لأن هذا هو المطلوب منا جميعا إذا كنا نحتكم للقرآن الكريم الذي هو الهدى والضياء والشفاء.
نحن اليوم أصبحنا شبه محاصَرين بالشبه التي يوردها علينا أصحاب تلك الحملة الشرسة ويضيع فيها كثير من الناس، وتضيع فيها الأجيال ضياعا مهلكا عندما يرون الردود الضعيفة، فيظنون أن هذا هو الدين، فيزهدون فيه جملة وتفصيلا وينسلخون منه، والعياذ بالله.
أسباب ذلك كثيرة، نشترك في إدراك كثير منها وفي سبل معالجتها، ولكن هنالك شيء قد يغفل بعضنا عنه، ألا وهو التقصير في البحث العلمي والجمودُ على بعض المقولات غيرِ الثابتة وجعْلـَها في مصاف القطعيات وهي ليست كذلك.
أكرر القول بأن القارئ لهذا الحوار قد يصعب عليه فهمه حتى يقرأ قبله مبحث "أحاديث الصحيحين هل ضعَّف بعض العلماء بعضها؟".
* ـ مثال:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا من أهل البادية أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله متى الساعة قائمة؟. قال: "ويلك، وما أعددتَ لها؟". قال: ما أعددتُ لها إلا أني أحب الله ورسوله. قال: "إنك مع من أحببت". فقلنا: ونحن كذلك؟. قال: "نعم". ففرحنا يومئذ فرحا شديدا، فمر غلام للمغيرة وكان من أقراني، فقال: "إن أُخِّرَ هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة".
يقول كثير من العلماء المتأخرين في مثل هذا "رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما" ويكتفون بذلك، وغالبا ما يقولون إن كل الألفاظ المروية في الصحيحين صحيحة!، ونحن اليوم نجني نتائج التقصير في دراسة تلك الأحاديث المروية عن رسولنا صلى الله عليه وسلم.
يرى كل ذي لب أن هذه الرواية تخالف الواقع المُشاهَد، فقد عاش ذلك الغلام ومات ومات بعده أجيال وأجيال ولم تقم الساعة حتى الآن.
تجرأ الطاعنون ـ بسبب ذلك ـ وقالوا إن هذا الحديث مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا إن الشيخين مقصران في إيراد أمثال هذه الروايات الموضوعة في الصحيحين!.
لمعرفة اللفظ الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بد من معرفة الرواية الأخرى لهذا الحديث، وهي كذلك في الصحيحين، فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رجال من الأعراب جفاة يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه متى الساعة، فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: "إن يعشْ هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم".
والحديث ـ حسب هذه الرواية ـ يخبرهم أنه إن يعشْ هذا الغلام فإنه لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم أنتم، أي موتكم، يعني بذلك أنه لا يبقى منكم أحد بعد انخرام ذلك القرن، وموت الإنسان هو قيام ساعته، وهو الذي ينبغي للإنسان العاقل أن يهتم به، وأما قيام الساعة الذي يعني انقضاء الدنيا فمما لا ينبغي أن يشغل المرء به نفسَه، والحديث بهذه الرواية عن عائشة رضي الله عنها صحيح سندا ومتنا.
أما رواية أنس بن مالك فقد وقع فيها خلل في أحرف من كلمة "ساعتكم"، فأصبحت "حتى تقوم الساعة"، وشتان بينهما.
ـ حديث أنس رضي الله عنه الذي وقع فيه الوهَم رواه عنه أكثر من واحد من التابعين الثقات، وهذا يعني ـ عند علماء الحديث ـ أن الوهَم منه.
ـ هذا ولم أجد حديث أنس هذا في كتاب التتبع للدارقطني ولا في غيره من كتب العلل، فهل يقول فيه ابن الصلاح رحمه الله ومن يوافقونه إنه من المقطوع بصحته؟!.
وههنا أمر هام ينبغي لفت النظر إليه، هو أن الإمامين البخاري ومسلما رحمهما الله أشارا في كتابيهما إلى ثبوت اللفظ المروي عن عائشة وعدم ثبوت اللفظ المروي عن أنس رضي الله عنهما، ولكل منهما طريقته في ذلك. [انظر إن شئت بحثا عنوانه حديث "إن يعش هذا الغلام فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة"].
وحيث إن كثيرا من المشايخ يقولون للناس إن كل الألفاظ الواردة في الصحيحين صحيحة، وحيث إن الناس وجدوا رواية فيهما تخالف الواقع المشاهَد، فما النتيجة المتوقعة؟!.
النتيجة اهتزاز ثقة الأجيال بكلام كثير من المشايخ، والأخطر اهتزاز الثقة بروايات الصحيحين كلها، وهذه هي الطامة.
عندما يصر المرء على عدم الاعتراف بما وقع من تقصير فإنه يكسب بعض الناس الذين تأبى عليهم عواطفهم أن يكون في بعض الموروث ـ الذي ليس من الثوابت ـ بعض الأخطاء، ويخسر ثقةَ الكثير من الناس الذين ما عادوا يقبلون قولا بدون دليله، وربما ثقةَ الكثير من أبناء الجيل والأجيال اللاحقة، وأظن أن الخسارة هنا أكبر بكثير.
وعندما يعترف المرء بما وقع من تقصير فإنه يخسر بعض الناس الذين تأبى عليهم عواطفهم أن يكون في بعض الموروث ـ الذي ليس من الثوابت ـ بعض الأخطاء، ويكسب ثقة الكثير من الناس الذين ما عادوا يقبلون قولا بدون دليله، وربما ثقة الكثير من أبناء الجيل والأجيال اللاحقة، وأظن أن الربح هنا أكبر بكثير.
ليس المهم مسألة الربح والخسارة، ولكن المهم البحث عن الحق المؤصل بالدليل واتباعه مهما قال القائلون.
* ـ قال الأخ الفاضل: "الهدف الأساسي من محاولات هؤلاء المحرفين المشككين في عمر السيدة عائشة رضي الله عنها عند زواجها وهو تسع سنوات هو الطعن في حكم شرعي صرح به القرآن الكريم وهو الزواج من الصغيرة الذي يشير له قوله تعالى {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} وأجمع عليه فقهاء الأمة وفق ضوابط شرعية".
أقول:
مسألة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة عائشة وسنها تسع سنوات مسألة تاريخية، نريد أن نعرف هل وقعت وهي في هذه السن أو لا؟، ويهمنا نتيجة البحث، ولا يهمنا ـ هنا ـ مسألة الزواج بالصغيرة وأدلتها والضوابط الشرعية، ولا ما الذي يريده المشككون.
* ـ قال الأخ الفاضل: "أرجو أن ُينظر في هذه القضية قبل اتهام السيدة عائشة بالوهم والنسيان هل كان الزواج في هذا السن متعارفا عليه في البيئة العربية ولدى جميع الأمم في ذلك الوقت؟، بل وحتى لفترة قريبة من عصرنا؟، وهذا الكاتب الانكليزي شكسبير يذكر في إحدى رواياته الأدبية كيف كان ذلك منتشرا".
أقول:
لو كان الزواج بالصغيرات منتشرا في كل الأمم والشعوب فإن هذا لا يُعد قرينة على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، والأصل عدم الثبوت حتى يأتي دليل الإثبات، فإن ثبت بدليل واضح ليس له معارض سلمنا بذلك، وإلا فلا.
* ـ قال الأخ الفاضل: "لم نسمع عن أحد من العلماء السابقين من قال بهذا القول". أي القول بأن عائشة رضي الله عنها ولدت قبل البعثة النبوية.
أقول:
العلماء السابقون كانت بين أيديهم الروايات الكثيرة الصريحة عن عائشة في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد عليها وعمرها ست سنوات وتزوجها وعمرها تسع سنوات، فمن المنطقي أن يقولوا بهذا، وأما القرائن فهذه تحتاج لجمع ومراجعة ومقابلة وتمحيص، ولكن حيث إنهم رأوا فيها مسألة تاريخية بحتة فيبدو أنهم لم ينشطوا لها.
ولم أجد من قرن بين حديث عائشة رضي الله عنها وقرينة تاريخية مغايرة سوى الإمام الذهبي رحمه الله، كما سيأتي، ولكنه لم يقف عندها طويلا.
* ـ يرى الأخ الفاضل أن الطبري ذكر الرواية بأن عائشة وُلدت في الجاهلية عن علي بن محمد عمن حدثه، وهذا الذي حدثه مجهول غير معروف، ووافقه على ذلك الواقدي والكلبي.
أقول:
علي بن محمد المدائني صدوق ثقة مات سنة 224، وقد قال الطبري في هذه الرواية: "حدَّث علي بن محمد عمَّن حدثه ومَن ذكرتُ من شيوخه، ووافقه على ذلك الواقدي والكلبي". وساق نص الرواية، فالرواية يرويها المدائني عن عدد من شيوخه، وليس عن راو واحد مجهول، ويقويها موافقة الواقدي والكلبي، وهذا يدخل في القرائن التاريخية دون شك.
ولو قيل هل هذا الإسناد صحيح؟، فأقول: لا، ولكن هذه قرينة وليست بدليل، إنما الدليل هو مجموع القرائن، وهي هنا بحمد الله عشر قرائن.
* ـ ذكر الأخ الفاضل حديث عبد الله بن صفوان عن عائشة، وفيه قولها "تزوجني رسول الله لسبع سنين وأهدِيت إليه لتسع سنين"، وذكر الحديث عن يوم زفافها وإدخالها على النبي صلى الله عليه وسلم وفيه مثل ذلك، وذكر عددا من الروايات عنها أنها قالت مثل ذلك.
أقول:
هذا لا يفيد أمرا زائدا على ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها من قولها، فلو جاء عنها حديثان أو ثلاثة أو أكثر وقلنا إنه حصل لها شيء من الوهَم عند كبر السن فلا جديد، ولكن الذي يفيد في الموضوع هنا أن تأتي رواية عن أحد الصحابة الآخرين بسند صحيح بمثل ما ثبت عنها من أنها كانت يوم زواجها بنت تسع سنين، وهذا ما لم أجده حتى الآن.
وذكرت في أصل البحث ما رُوي عن عبد الله بن مسعود مما يؤيد قول عائشة، وبينت أنه ضعيف ومعلول.
* ـ قال الأخ الفاضل: "هل يليق نسبة الوهَم لها؟!".
أقول:
إذا حصل لها هذا فعلا فلمَ لا يليق؟، فهذا ليس فيه تهمة انتقاص، وقد أشارت هي رضي الله عنها إلى أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهِم في بعض الروايات، فما استنكره أحد، ولا قال أحد إنه لا يليق.
ووهِم أنس بن مالك رضي الله عنه حيث روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن أُخِّرَ هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة"، وهذا رواه أربعة من الرواة عن أنس، وعرَفنا تصحيح الرواية من حديث عائشة رضي الله عنها إذ روت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن يعشْ هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم". وهنالك فرق كبير بين قوله "حتى تقوم الساعة"، وبين قوله "حتى تقوم عليكم ساعتكم".
* ـ قال الأخ الفاضل: "إذا كانت السيدة عائشة وهِمت بقولها فكيف بفعلها عندما تلعب بلعب لا يلعب فيها إلا صغار السنّ ولا يلعب بها الكبار، إذا كان عمر السيدة عائشة يزيد على العشرين، بل كان عمرها بعد غزوة تبوك فاق السابعة والعشرين".
ثم ذكر هنا ثلاثة أحاديث يحتج بها:
ذكر الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من طريق عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة، فأتتني أمي أم رومان وإني لفي أرجوحة، ومعي صواحبُ لي، فصرختْ بي، فأتيتها، لا أدري ما تريد بي، فأخذتْ بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأنهج، حتى سكن بعض نفَسي، ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر، فأسلمتْني إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرعْني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى، فأسلمتني إليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين. وقال: "هذا لا يمكن أن يتطرقه الوهم، لأنه حكاية حال قاطع بصغر سنها، وليس قولا صادرا عنها".
وذكر الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من طريق عروة كذلك عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحبُ يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إلي فيلعبن معي.
وذكر الحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بناتٍ لعائشة لعبٍ، فقال: "ما هذا يا عائشة؟". قالت: بناتي. ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع، فقال: "ما هذا الذي أرى وسطهن؟". قالت: فرس. قال: "وما هذا الذي عليه؟". قالت: جناحان. قال: "فرس له جناحان؟!". قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟!. قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه.
أقول:
جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت يوم زفافها تلعب بالأرجوحة مع صواحبها، وجاء عنها أنه كان لها لعَب من البنات تلعب بهن بعد زواجها مع صواحبها كذلك، وكأن الأخ الفاضل يقول: إذا كانت سنها يوم الزواج تسع سنين فهذا الذي روته عن نفسها غيرُ مستبعد من بنت التاسعة، وأما إذا كانت سنها يوم الزواج ثمانية عشر عاما فهذا الذي روته عن نفسها مستبعد من بنت الثامنة عشرة!.
أقول: نعم، فيه شيء من الغرابة، ولكن لا أراه شديد الغرابة ولا مستبعدا، ولعل هذا كان في الفترة الأولى بعد الزواج، خاصة وأنها لم تحمل جنينا فيلهيها عن تلك اللعب اللاتي تلعب بهن مع صويحباتها.
وهنا يحق للأخ الفاضل أن يتساءل: فماذا نقول في الحديث الذي تقدم من رواية أبي داود؟!، وهل استمرتْ على اللعب بالبنات والفرس الذي له جناحان حتى زمان غزوة تبوك أو خيبر؟!.
أقول:
كانت غزوة تبوك في رجب سنة تسع، وكانت غزوة خيبر قبلها بعامين ونصف في المحرم سنة سبع، وكان عمر السيدة عائشة يوم غزوة تبوك قرابة ستة وعشرين عاما، لكن هذا الحديث في سنده ضعف، وهو معلول بالاضطراب:
فأما السند ففيه يحيى بن أيوب الغافقي المصري، وهذا وثقه العجلي ويعقوب بن سفيان والبزار وإبراهيم الحربي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال البخاري: صدوق.
وقال فيه ابن حنبل: سيئ الحفظ. وقال ابن سعد: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: محله الصدق، يُكتب حديثه ولا يُحتج به. وقال الإسماعيلي: لا يُحتج به. وقال أبو أحمد الحاكم: إذا حدث من حفظه يخطئ، وما حدث من كتاب فليس به بأس. وقال الدارقطني: في بعض حديثه اضطراب.
فمثل هذا الراوي إذا انفرد بشيء فإنه ليس بحجة.
وأما الإعلال بالاضطراب فإن أبا داود والبيهقي رويا هذا الحديث من طريق سعيد بن الحكم بن أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة، ورواه ابن حبان من طريق عبد الله بن وهب عن يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية عن سالم أبي النضر عن عروة عن عائشة أنها قالت: دخل علي صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب باللعب، فرفع الستر وقال: "ما هذا يا عائشة؟". فقلت: لُعب يا رسول الله. قال: "ما هذا الذي أرى بينهن؟". قلت: فرس يا رسول الله. قال: "فرس من رقاع له جناح؟". قالت: فقلت: ألم يكن لسليمان بن داود خيل لها أجنحة؟!. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فتبين أن يحيى بن أيوب قد اضطرب في رواية هذا الحديث سندا ومتنا، حيث وهِم في تغيير أسماء بعض رجال السند وزاد في المتن قصة القدوم من غزوة، وهو موصوف بسوء الحفظ وبأنه في بعض حديثه اضطراب، وهذا كاف في رد روايته هذه.
وأستغرب ممن يحسن الرواية التي انفرد بها يحيى بن أيوب مع أنه قد اضطرب فيها سندا ومتنا.
وحيث إن أصل الحديث ثابت في الصحيحين من رواية عروة عن عائشة بدون ما زيد فيه فرواية يحيى بن أيوب من طريق عروة متوافقة مع رواية الصحيحين، فالظاهر أنها هي الصحيحة، وأنه كان ضابطا لها، وأن روايته الأخرى هي التي حصل فيها الخلل، وهي التي جاء فيها ذكر قدومه صلى الله عليه وسلم من غزوة مع تغيير في بعض رجال السند، وأنها هي الرواية الضعيفة.
* ـ ذكرتُ في البحث قصة مجيء خولة بنت حكيم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة وعَرْضَها عليه أن تخطِب له ولم يكن عنده زوجة أخرى غير خديجة، وقلت: يدل السياق على أن خولة رضي الله عنها أرادت أن تخطِب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة السيدة خديجة لأنه أصبح بلا زوجة، وفي غاية البعد أن تخطِب له في هذه الحال من لها من العمر ست سنوات!!، لكن إذا كانت بنت أربع عشرة سنة فهذا معقول.
فعلق الأخ الفاضل على ذلك بقوله عني: "يستنتج أنه من غاية البعد أن تخطب خولة للنبي صلى الله عليه وسلم فتاة لها من العمر ست سنوات، ويختصر الرواية ولا يذكر خاتمتها التي صرحت بعمر السيدة عائشة عن ذلك، بل يخالف اسنتاجَه كذلك روايةٌ رواها الإمام أحمد وغيره عن السيدة خولة بنت حكيم وفيها تصريح بأن السيدة عائشة كان عمرها تسع سنوات".
أقول:
الاستبعاد للرواية هنا هو من باب أن الرجل الذي ماتت زوجته وليس له زوجة أخرى غيرها لا يُعقل أن تُخطب له بنت ست سنين. فتنبه.
أما مسألة اختصار الرواية وأني لم أذكر خاتمتها التي صرحت بعمر السيدة عائشة فهذا لا بد فيه من بيان وإيضاح:
روى الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه في مسنديهما عن محمد بن بشر العبدي عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أنهما قالا: لما هلكتْ خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تزوج؟!. الحديث. وفي آخره: "قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل بيتنا، وبنى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ بنت تسع سنين".
ورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي من طريقين آخرين عن محمد بن عمرو بن علقمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة به نحوه.
فالرواية في مسندي أحمد وإسحاق صورتها صورة الإرسال، ولكن الحديث حديث عائشة، بدليل أن في آخر الرواية عندهما "قالت عائشة: فقدمنا المدينة، وبنى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ بنت تسع سنين". وصرحت الرواية في المصادر الأربعة الأخرى كذلك بأن إسناد الرواية هو "عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة". فرجع هذا الحديث إلى أنه من رواية عائشة نفسها.
وأستغرب ممن يذكر اللفظ الذي جاء في مسند أحمد وفيه خلال سرد القصة: "فقال لخولة ادعي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعتْه فزوجها إياه وعائشة يومئذ بنت ست سنين". يظن أن هذا يؤيد ما جاء عن عائشة!، وكأن هذه الرواية رواية غيرها لا روايتها هي!، وهذا الظن مجانب للصواب، فالحديث حديث عائشة، كما في أكثر المصادر، وهذه الكلمة هي من أحد الرواة مما أخذه من قول عائشة في الرواية ذاتها، وقد جاءت هذه الكلمة عند إسحاق بن راهويه وابن أبي عاصم والحاكم "وهي يومئذ ابنة ست سنين"، وجاءت عند الطبراني "وأنا يومئذ ابنة ست سنين". وهذا من أسلوب الالتفات، واستعماله كثير في الروايات الحديثية.
وأؤكد فأقول: هذه الرواية هي عن عائشة، وهي لا تفيد أمرا زائدا على ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها من قولها، والذي يفيد في الموضوع هنا هو أن تأتي رواية عن أحد الصحابة الآخرين بسند صحيح بمثل ما ثبت عن عائشة من أنها كانت يوم زواجها بنت تسع سنين، وهذا ما لم أجده حتى الآن.
وقول الأخ الفاضل هنا "روايةٌ رواها الإمام أحمد وغيره عن السيدة خولة بنت حكيم" هو مخالف للحقيقة والواقع، وهو كلام من لا اشتغال له بكتب الحديث، لأن قوله هذا يعني أن هذا الحديث في مسند الإمام أحمد هو من مسند خولة بنت حكيم وروايتها، وليس الأمر كذلك، فخولة بنت حكيم في هذا الحديث ـ في مسند أحمد ومصادر الحديث الأخرى ـ هي مجرد خاطبة، لم تحدِّث هي به قط عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا حدَّث به عنها أحد الرواة، وهو من مسند عائشة وروايتها.
* ـ قلت في البحث: ذكر الأئمة رحمهم الله تعالى أن الحديث إذا خالف متنـُه ما هو أقوى ثبوتا منه من ثوابت التاريخ فإنه يُرد، لأن ذلك يدل على أنه قد تطرق إليه الخلل بسبب وقوع أحد رواته في الوهَم.
فعلق الأخ الفاضل على ذلك بقوله: [لو أن ما يعتمِد عليه رواياتٌ ثابتة في تحديد تاريخ ولادة عائشة رضي الله عنها ومتفق عليها بين المؤرخين لكان بالإمكان أن نرد الروايات الصحيحة المنقولة عنها بسبب إمكان تطرق الوهم والنسيان إليها، ولكن عندما نجد أن هذه الروايات التاريخية التي يستند إليها مطعون فيها، ونجد من التابعين والحفاظ والمحدثين يروون خلافها فهذا يجعلنا نتمسك برواية الصحيحين وغيرهما ونستبعد طروق الوهم والنسيان إليها، ومن ذلك ما قاله الحافظ الذهبي رحمه الله: "وكانت ـ يعني أسماء - أسن من عائشة ببضع عشرة سنة". (سير أعلام النبلاء 2/ 188) وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ولدت عائشة رضي الله عنها بعد المبعث بأربع سنين أو خمس". (الإصابة : 8/ 16)].
أقول:
قوله "نجد من التابعين والحفاظ والمحدثين يروون خلافها" فيه تجاهل لأمثال هؤلاء من الرواة الذين رووا الأحاديث المشتملة على قرائن حديثية مخالفة لحديث عائشة، والتي أهملها الأخ الفاضل ولم يذكرها.
قول الذهبي وابن حجر وغيرهما من العلماء السابقين واللاحقين هو بحسب الرواية المشهورة التي هي أمام أعينهم بالأسانيد الصحيحة المتعددة عن عائشة رضي الله عنها، وهذا ليس قولا قالوه بعد تمحيص وتدقيق، وإنما هو قول مشهور نقلوه.
الإمام الذهبي رحمه الله قال في سير أعلام النبلاء عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما إنها كانت أسن من عائشة ببضع عشرة سنة، وهذا في ترجمة أسماء، ولكنه قال بعد بضعة أسطر "قال عبد الرحمن بن أبي الزناد: كانت أسماء أكبر من عائشة بعشر".
ثم قال الذهبي في السير بعد ذلك في ترجمة ولدها عبد الله بن الزبير: كانت أسن من عائشة بسنوات. ثم قال: قال ابن أبي الزناد: كانت أكبر من عائشة بعشر سنين. وعلق عليه بقوله: "فعلى هذا يكون عمرها إحدى وتسعين سنة، وأما هشام بن عروة فقال: عاشت مئة سنة ولم يسقط لها سن". وذكر في تاريخ الإسلام في ترجمة أسماء قول ابن أبي الزناد وعلق عليه بمثل ما علق به عليه في السير.
فأنت ترى أن الذهبي العالم المؤرخ يذكر ـ هنا ـ الروايات المختلفة وكأنه متردد في الترجيح بينها، ولم يقف عندها طويلا للجمع والمقارنة والترجيح، مع أنه كان قد قال في ترجمة عائشة قبل ترجمة أسماء وترجمة عبد الله بن الزبير: "عائشة ممن وُلد في الإسلام، وهي أصغر من فاطمة بثماني سنين، ودخل بها وهي ابنة تسع"!، ولو كان مستمرا على جزمه بما ذكره في ترجمة عائشة لزيف ما ذكره عنها في ترجمة أختها أسماء وترجمة ابن أختها عبد الله بن الزبير.
* ـ إذا كانت القرائن التاريخية التي أوردتُها غير كافية فهناك قرائن من كتب الحديث تشير إلى أن عائشة رضي الله عنها كانت أسنَّ مما ورد في الرواية المشهورة، وهي القرائن التي جاءت في بحثي تحت الأرقام التالية 2، 3، 7، 8، 9، 10، وكأن الأخ الفاضل أعرض عنها لأن نفسه لا تحتمل أن تراها، أو لعل له ملحظا آخر، والله أعلم، فلا هو ذكرها، ولا هو أشار إليها مجرد إشارة، وهي قرائن تاريخية من كتب الحديث.
ثم وجدت بعض من وقف على مقالتي ومقالة الأخ الباحث المعترض على البحث فرجح قوله على قولي حتى بعد أن علم أن هذا الأخ الباحث أغفل الكلام على ست قرائن إغفالا تاما!!.
وأكرر القول بأن القرائن غير الأدلة، واجتماع عدة قرائن يشكل دليلا، وإذا كثرت القرائن فإنها تشكل دليلا قويا على ما دلت عليه.
* ـ قال الأخ الفاضل عني: "يعتمد في الفرق العمري بين عائشة وأسماء رضي الله عنهما على رواية ابن أبي الزناد دون أن يتطرق للروايات الأخرى، ودون أن يتطرق إلى ما قيل فيه من الجرح والتعديل".
ثم قال: " لا يصح الاعتماد على رواية ابن أبي الزناد، وذلك لما يأتي: 1- انفراد عبد الرحمن بن أبي الزناد (100هـ - 174هـ) بتحديد الفرق بين عمري أسماء وعائشة رضي الله عنهما بعشر سنين، وأما الأدلة السابقة فهي أدلة كثيرة جاءت عن غير واحد من التابعين، ومعلوم أن الكثرة تقدم على القلة. 2- لأن الرواية التي نقلها عنه ابن عبد البر في الاستيعاب ليست على سبيل القطع بل فيها تردد، حيث قال فيها: وكانت أكبر من عائشة بعشر سنين أو نحوها. فقوله "أو نحوها" توافق الروايات المشهورة أن بينهما بضع عشرة سنة. 3- تضعيف أكثر أهل العلم لعبد الرحمن بن أبي الزناد نفسه: فقد جاء في ترجمته في تهذيب التهذيب (6/ 172) قول الإمام أحمد فيه: مضطرب الحديث. وقول ابن معين: ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث. قال ابن حبان: كان عبد الرحمن ممن ينفرد بالمقلوبات عن الأثبات وكان ذلك من سوء حفظه وكثرة خطئه فلا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات فهو صادق. قال الحافظ الذهبي: قلت: هو حسن الحديث. ويتبين من هذا أن ما ينفرد به ابن أبي الزناد ويخالف به الثقات لا حجة فيه".
أقول:
القول التاريخي الذي يقوله رجل من أتباع التابعين وتؤيده روايات فيها قرائن متعددة لا يجوز إغفاله.
أقوال المتأخرين في تحديد عمر السيدة عائشة هي نقل لما عندهم من الرواية المشهورة واستنساخ لما فيها.
السؤال الآن: هل يوجد أي مصدر آخر في هذه المسألة غير ما قالته أم المؤمنين عائشة؟!!، ومن قال نعم محتجا بالروايات الواردة عنها فهو احتجاج على الدعوى بالدعوى ذاتها، لأن السؤال هو عن أي مصدر آخر، فقوله مصادرة على المطلوب.
عبد الرحمن بن أبي الزناد مدني من أتباع التابعين، صدوق لقنوه أحاديث ببغداد فحدَّث بها، فضعَّف الأئمة ما حدَّث به من الحديث ببغداد دون ما حدَّث به بالمدينة، وقد رجع الأخ الفاضل إلى تهذيب التهذيب ونقل منه بعض الأقوال في تضعيفه وتجاهل ما يقابلها، فمما ورد فيه في الكتاب ذاته:
قال موسى بن سلمة: قدمت المدينة فأتيت مالك بن أنس فقلت له إني قدمت إليك لأسمع العلم وأسمع ممن تأمرني به. فقال: عليك بابن أبي الزناد. وقال أبو داود عن ابن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة عبد الرحمن بن أبي الزناد. وقال علي بن المديني: ما حدث بالمدينة فهو صحيح وما حدث ببغداد أفسده البغداديون. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق وفي حديثه ضعف. وقال أحمد فيما حكاه الساجي: أحاديثه صحاح. وقال ابن معين فيما حكاه الساجي: عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة حجة. وقال الترمذي والعجلي: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: كان عالما بالقرآن عالما بالأخبار.
لا شك في أنه ليس بحجة في رواية الحديث الذي ينفرد بروايته، ولكن قوله وهو مدني في أمر تاريخي في أعمار الصحابيات المدنيات مقبول لا أرى مسوغا لعدم قبوله، وقد أثنى عليه أبو داود وقال: كان عالما بالأخبار. فإذا قال لنا "كانت أسماء بنت أبي بكر أكبر من عائشة بعشر سنين" فإن من غير المقبول تضعيفَه هنا وردَّ روايته.
القول بأن هناك أدلة سابقة كثيرة جاءت عن غير واحد من التابعين كلام لم يذكر قائله دليلا واحدا من تلك الأدلة التي جاءت عن غير واحد من التابعين، بل ولا قول أي واحد من التابعين.
هناك جماعة من التابعين سمعوا من عائشة رضي الله عنها حديثها في مقدار عمرها يوم العقد عليها ويوم زواجها ورووه عنها، لكن هل هناك تابعي واحد قال إن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على عائشة وهي ابنة ست أو تزوجها وهي ابنة عشر؟!. إن وجدنا ولو واحدا جاز لنا أن نقول إن هذا القول قال به فلان من التابعين، وإلا فلا.
كلمة "وكانت أكبرَ من عائشة بعشر سنين أو نحوها" تعني أن الفرق عشر سنين قد تزيد قليلا أو تنقص قليلا، أي قد تزيد أو تنقص بأشهر أو بسنة مثلا، وتفسيرها بأنها قد تزيد بضع سنوات بعيد في الاستعمال اللغوي، فلو كان الفرق سبع سنين أو ثلاث عشرة سنة مثلا فلا يقول القائل إن الفرق بينهما "عشر سنين أو نحوها".
ثم إن أسماء توفيت بعد الهجرة بثلاثة وسبعين عاما وقد بلغت مئة، وهذا يعني أنها ولدت قبل البعثة النبوية بأربعة عشر عاما، وإذا كانت عائشة قد ولدت بعد البعثة بأربعة أعوام ـ وهذا على القول المشهور ـ فإنه يعني أن أسماء أكبر منها بثمانية عشر عاما!. فهل هذه النتيجة متوافقة مع الروايات المروية عن عائشة؟!.
* ـ من الأمور المهمة في الموضوع هو أن الأخ الفاضل لا يفرق في هذا الحوار بين الدليل وبين القرينة، فيناقش القرائن على أنها أدلة، ويردها بحجة أنها لا ترقى لمستوى الدليل.
لو تأمل كلامي حيث أقول إنها قرائن لكان حواره مختلفا جدا، ولو كنت أرى أن كل واحدة من تلك القرائن على درجة عالية من القوة لسميتها أدلة، ولكنني قلت إنها قرائن، والقرائن ليست بمستوى الأدلة.
أين الدليل إذن؟.
الدليل هو مجموع القرائن، واجتماع تلك القرائن العشر على أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت قد ولدت قبل البعثة النبوية وليس بعدها بأربع سنوات هو الدليل على أنه قد حصل في المسألة وهَم.
أتمنى من الأخ الفاضل والقراء الكرام قراءة تلك القرائن العشر بهدوء وتأمل وروية، ويبقى بعد ذلك لكل منا إن شاء الله اجتهاده وأجره، وهو يتولى الصالحين.
{ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم}.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 19/ 4/ 1439، الموافق 6/ 1/ 2018، والحمد لله رب العالمين.