الجمعة، 3 فبراير 2023

القراءة على الشيوخ أو أخذ الإجازة لتحصيل اتصال السند

 

* ـ كثيرون من طلاب العلم اليوم يحرِصون على أن يكون عندهم إسناد متصل برواية الأحاديث النبوية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعوا أن العلماء الكبار كانوا يقرؤون كتب الحديث على شيوخهم بغية اتصال الإسناد، وأنهم كانوا إذا فاتتهم القراءة اكتفَوا بأخذ الإجازة من الشيوخ ليتصل الإسناد عن طريقهم.

نشطتْ حركة القراءة على الشيوخ والحصولِ على الإجازات منذ بضعة عقود من الزمان، إذ يشتري الراغبون في اتصال الإسناد لبعض كتب الحديث الشريف برسول الله صلى الله عليه وسلم نسخةً من السوق ليقرؤوها على شيخ عنده بها إجازة، أو كان قد حصَّل نسخة وقرأها على أحد شيوخه الذي كان له بها إجازة من أحد الشيوخ.

* ـ كان بعض الشيوخ ينص في الإجازة المقرونة بالقراءة أو غير المقرونة بها على أن هذه الإجازة على الشرط المعتبر عند أهل الحديث، والشرط المعتبر عند أهل الحديث لا بد منه حتى ولو لم ينصَّ المجيز في الإجازة على ذلك، كما سيأتي بعون الله.

لا بد هنا من أن نتساءل: ما الشرط المعتبر عند أهل الحديث؟:

* ـ قال الإمام الترمذي المتوفى سنة 279 رحمه الله في كتاب العلل الصغير الذي بآخر كتاب السنن: "القراءة على العالم إذا كان يحفظ ما يُقرأ عليه أو يمسك أصله فيما يُقرأ عليه إذا لم يحفظ: هو صحيح عند أهل الحديث مثل السماع". [سنن الترمذي بتحقيق بشار عواد معروف: 6/ 246. شرح علل الترمذي لابن رجب: 1/ 499].

* ـ قال الإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم المتوفى سنة 327 وهو ابن الإمام الحافظ أبي حاتم الرازي المتوفى سنة 277 رحمهما الله في كتابه الجرح والتعديل: سمعت أبي ذكرَ عبدَ الحميدِ بنَ إبراهيم فقال: "ذكِر أنه سمع كتب عبد الله بن سالم عن الزُبَيدي، إلا أنها ذهبت كتبه، فقال لا أحفظها، فأرادوا أن يعْرضوا عليه فقال لا أحفظ، فلم يزالوا به حتى لان، فحدثهم بها، وليس هذا عندي بشيء، رجل لا يحفظ وليس عنده كتب؟!!". [الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 6/ 8].

* ـ قال الإمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم المتوفى سنة 405 رحمه الله في كتابه المدخل إلى كتاب الإكليل: "الطبقة الثامنة مِن المجروحين قومٌ سمعوا كتبا مصنفة من شيوخ أدركوهم ولم ينسخوا أسماعهم عند السماع، وتهاونوا بها إلى أن طعنوا في السن وسئلوا عن الحديث، فحملهم الجهل والشره على أن حدثوا بتلك الكتب من كتبٍ مشتراةٍ ليس لهم فيها سماع وهم يتوهمون أنهم في رواياتهم صادقون!". [المدخل إلى كتاب الإكليل: ص 65].

قف عند قوله "مِن كتب مشتراة"، فقد كانوا يخافون من وقوع اختلافات بين النسخ، أما وقوع التحريف والزيادة فهي طامات.

ثم قال: "الطبقة العاشرة من المجروحين قوم كتبوا الحديث ورحلوا فيه وعُرفوا به فتلفت كتبهم بأنواع من التلف، فلما سُئلوا التحديثَ حدثوا بها من كتب غيرهم أو من حفظهم على التخمين، فسقطوا بذلك، منهم عبد الله بن لهيعة الحضرمي على محله وعلو قدره". [المدخل إلى كتاب الإكليل: ص 67].

* ـ قال الإمام الحافظ الخطيب البغدادي المتوفى سنة 463 رحمه الله في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: "يجب على من كتب نسخة من أصلِ بعض الشيوخ أن يعارض نسخته بالأصل، فإن ذلك شرط في صحة الرواية من الكتاب المسموع". [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 1/ 275].

قلت: إذا كان من الواجب على من كتب نسخة من أصل بعض الشيوخ أن يعارض نسخته بالأصل وهو شرط في صحة الرواية من الكتاب المسموع فما حكم من يصحح الرواية بإجازة عن إجازة عن إجازة وهلم جرا وليس هناك نسخة الأصل ولا نسخة منسوخة عنها ليُقال هل هي معارَضة ومقابَلة بها أو لا؟!. لا شك في أن الرواية بمثل هذا لا تفيد شيئا في باب اتصال الإسناد.

* ـ روى الإمام الحافظ المعمَّر أبو عمر يوسف بنُ عبدِ الله ابن عبد البر المتوفى سنة 463 رحمه الله في كتابه جامع بيان العلم عن عبد اللّه بن عمر العمري أنه قال: "كنت أرى الزهري يأتيه الرجل بالكتاب لم يقرأه عليه ولم يُقرأ عليه فيقول له: أرويه عنك؟. قال: نعم".

وعلق ابن عبد البر على هذا فقال: "هذا معناه أنه كان يعرف الكتاب بعينه ويعرف ثقة صاحبه ويعرف أنه من حديثه، وهذه هي المناولة، وفي معناها الإجازة إذا صحَّ تناوله ذلك". [جامع بيان العلم وفضله: 2/ 1155].

وقال ابن عبد البر: "اختلف العلماء في الإجازة، فأجازها قوم وكرهها آخرون، وفيما ذكرنا في هذا الباب دليل على جوازها إذا كان الشيء الذي أجيز به معينا ومعلوما محفوظا مضبوطا وكان الذي تناوله عالما بطرق هذا الشأن، وإن لم يكن ذلك على ما وصفتُ لم يُؤمن أن يحدث الذي أجيزَ له عن الشيخ بما ليس من حديثه، وقد رأيت قوما وقعوا في مثل هذا، وما أظن الذين كرهوا الإجازة كرهوها إلا لهذا".

ثم قال: "وتلخيص هذا الباب أن الإجازة لا تجوز إلا لماهر بالصناعة حاذق بها يعرف كيف يتناولها وتكونَ في شيء معين معروف لا يشْكل إسنادُه، فهذا هو الصحيح من القول في ذلك". [جامع بيان العلم وفضله: 2/ 1158، 1159].

قلت: رحم الله الإمامَ الحافظ ابن عبد البر رحمة واسعة، وتأملْ يا طالب العلم حال أبناء الزمان!.

* ـ قال الإمام الحافظ القاضي عياض المتوفى سنة 544 رحمه الله في كتابه الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع في بيان أنواع تلقي الحديث عن الشيخ:

"الضرب الثاني: القراءة على الشيخ، وسواء كنتَ أنت القارئَ أو غيرُك وأنت تسمع أو قرأتَ في كتاب أو من حفظ وكان الشيخ يحفظ ما يُقرأ عليه أو يمسك أصله، ولا خلاف أنها رواية صحيحة". [الإلماع للقاضي عياض: ص 70]. ومن قرأ هذا النص قائلا "أو كان الشيخ يحفظ ما يُقرأ عليه أو يمسك أصله" فقد وهِم.

قلت: أي لا بد لصحة القراءة على الشيخ من أن يكونَ الشيخ ممن يحفظ ما يُقرأ عليه أو يكونَ ممسكا كتابه الذي سمع فيه من شيخه فيما إذا لم يكن يحفظ ما يُقرأ عليه، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك فإن القراءة عليه هباء لا يُعتد بها عند أهل العلم.

ثم قال: "الضرب الثالث: المناولة، وهي أيضا على أنواع: أرفعها أن يدفعَ الشيخ كتابه الذي رواه أو نسخةً منه وقد صححها فيقولَ للطالب هذه روايتي فارْوها عني، أو يأتيَه الطالب بنسخة صحيحة من رواية الشيخ أو بجزء من حديثه فيقفَ عليه الشيخ ويعرفـَه ويحققَ جميعه وصحته ويجيزَه له، فهذا كله عند مالك وجماعة من العلماء بمنزلة السماع". [الإلماع للقاضي عياض: ص 79].

ثم قال: "مِن المناولة أن يعرض الشيخ كتابه ويناولَه الطالبَ ويأذنَ له في التحديث به عنه ثم يمسكـَه الشيخ عنده ولا يمكِّنَه منه، فهذه مناولة صحيحة أيضا تصح بها الرواية والعمل، لكن بعد وقوع كتاب الشيخ ذلك للطالب بعينه أو انتساخه نسخةً منه أو تصحيحِ كتابه متى أمكنه بكتابه أو بنسخة وثق بمقابلتها به".  [الإلماع للقاضي عياض: ص 82 ـ 83].

ثم ذكر وجها من أوجه الإجازة المختلَف في صحتها وبيَّن صحته إذا تحقق فيه شرطان فقال: "الوجه الثاني: أن يجيز لمعيَّن على العموم والإبهام دون تخصيص ولا تعيين لكتب ولا أحاديث، كقوله قد أجزت لك جميع رواياتي أو ما صح عندك من رواياتي، فهذا الوجه هو الذي وقع فيه الخلاف تحقيقا، والصحيح جوازه وصحة الروايةِ والعملِ به بعد تصحيح شيئين: تعيينِ روايات الشيخ ومسموعاته وتحقيقها، وصحةِ مطابقة كتب الراوي لها". [الإلماع للقاضي عياض: ص 91 ـ 92].

قلت: قف عند قوله "وصحةِ مطابقةِ كتب الراوي لها".

ثم روى القاضي عياض رحمه الله من طريق أبي ذر الهروي أنه قال: أخبرنا أبو العباس المالكي قال: "لمالكٍ شرطٌ في الإجازة: أن يكون الفرع معارَضا بالأصل حتى كأنه هو، وأن يكون المجيز عالما بما يجيز ثقة في دينه وروايته معروفا بالعلم، وأن يكون المُجاز من أهل العلم متسِما به حتى لا يضع العلمَ إلا عند أهله، وكان يكرهها لمن ليس من أهله". [الإلماع للقاضي عياض: ص 94 ـ 95].

[أبو العباس المالكي هو الوليد بن بكر بن مخلد الغمري، أندلسي سَرَقُسْطي ثقة مات سنة 392، قال عنه الحُميدي في جذوة المقتبس وابن عساكر في تاريخ دمشق: ألـَّف في تجويز الإجازة كتابا سماه كتاب الوجازة، وسمع منه عبد الغني بن سعيد المصري الحافظ وأبو ذر عبد بن أحمد الهروي].

ثم قال: "أما الشرطان الأولان فواجبان على كل حال، في السماع والعرض والإجازة وسائر طرق النقل، إلا اشتراط العلم فمختلف فيه". [الإلماع للقاضي عياض: ص 95].

قلت: قف عند قوله "أن يكون الفرع معارَضا بالأصل حتى كأنه هو، وأن يكون المجيز عالما بما يجيز"، وعند قولِه "أما الشرطان الأولان فواجبان على كل حال في السماع والعرض والإجازة وسائر طرق النقل".

ثم قال القاضي عياض: "الذي ذهب إليه أهل التحقيق من مشايخ الحديث وأئمة الأصوليين والنظار أنه يجب أن لا يحدث المحدثُ إلا بما حفظه في قلبه أو قيَّده في كتابه وصانه في خزانته، فيكون صونُه فيه كصونه في قلبه، حتى لا يدخله ريب ولا شك في أنه كما سمعه، وكذلك يأتي لو سمع كتابا وغاب عنه ثم وجده أو أعاره ورجَع إليه وحقق أنه بخطه أو الكتابُ الذي سمع فيه بنفسه ولم يرْتبْ في حرف منه ولا في ضبط كلمة ولا وجد فيه تغييرا، فمتى كان بخلاف هذا أو دخله ريبٌ أو شكٌّ لم يجز له التحديث بذلك، إذ الكل مجمعون على أنه لا يحدث إلا بما حقق، وإذا ارتاب في شيء فقد حدَّث بما لم يحقق أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ويُخشى أن يكون مغيرا فيدخلَ في وعيد من حدث عنه بالكذب وصار حديثه بالظن، والظن أكذب الحديث". [الإلماع للقاضي عياض: ص 135].

ثم قال: "إذا صح الخبر والرواية كما قدمنا بالعرض أو المناولة أو الإجازة لم تضرَّ المسامحة في القراءة، إذ هي شيء زائد على جواز ما تقدم إذا صحت المعارضة بالأصول والمقابلة بكتاب الشيخ". [الإلماع للقاضي عياض: ص 142].

ثم قال: "أما مقابلة النسخة بأصل السماع ومعارضتها به فمتعينة لا بد منها، ولا يحل للمسلم التقي الروايةُ ما لم يقابل بأصل شيخه أو نسخةٍ تحققَ ووثِقَ بمقابلتها بالأصل وتكون مقابلته لذلك مع الثقة المأمون". [الإلماع للقاضي عياض: ص 158 ـ 159].

أقول:

قول القاضي عياض رحمه الله في القراءة على الشيخ "سواءٌ كنتَ أنت القارئَ أو غيرُك وأنت تسمع أو قرأتَ في كتاب أو من حفظ وكان الشيخ يحفظ ما يُقرأ عليه أو يمسك أصله ولا خلاف أنها رواية صحيحة": يعني أن الشيخ إذا كان في حال القراءة عليه لا يحفظ ما يُقرأ عليه ولا يمسك أصله فالرواية عنه بهذه القراءة غير صحيحة، وهذا إذا كان هو في الأصل قد أخذ الرواية عن شيخه من أصل مصحَّح أو فرع قوبل على ذلك الأصل، فإذا لم يكن عنده أصل مصحَّح أو فرع قوبل على ذلك الأصل فالرواية عنه غير صحيحة من باب أولى. فتنبه، رعاك المولى.

وتأملْ قوله "أما مقابلة النسخة بأصل السماع ومعارضتها به فمتعينة لا بد منها ولا يحل للمسلم التقي الروايةُ ما لم يقابل بأصل شيخه أو نسخةٍ تحققَ ووثِقَ بمقابلتها بالأصل".

أقول: هذا هو الواجب على المسلم التقي في باب الرواية، وهو مقابلة نسخته بأصل السماع ومعارضتُها به، لأنه لا يحل للمسلم التقي الروايةُ ما لم يقابل بأصل شيخه أو نسخةٍ تحققَ ووثِقَ بمقابلتها بالأصل، فمن لم يكن يعلم ذا ولم يلتزم به في هذا الباب فعليه إصلاحُ ما تقدم منه وتداركُ ما فاته، وإلا فقد فاتته رتبة المسلم التقي.

وأقول: رحم الله الإمامَ الحافظ عياض بن موسى رحمة واسعة.

* ـ قال الحافظ السِلَفي أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الأصبهاني المعمَّر المتوفى سنة 576 في كُتَيِّبه شرط القراءة على الشيوخ: "إما أن يكون الراوي عارفا بما يرويه عالما بالذي يؤديه أو غير عارف بذلك ولا عالم: فإن كان عالما وبحديثه عارفا فاستماعه إلى القارئ وإقراره بالمقروء عليه بقوله نعمْ أو ما في معناه مغْنٍ عما عداه، سواء كان القارئُ من أهل المعرفة بدقائق المحدثين أو لم يكن بها من العارفين أو قرأه من الأصل أو من الفرع المنسوخ منه، فإنه يعرف حديثه ويردُّ عليه الخطأ والتصحيف، وإن كان الراوي شيخا صحيح السماع إلا أنه لا يعرف حديثه فالاعتماد في روايته على المفيد عنه لا عليه، يقلده السامعون فيما يقرؤه وينتخبه بعد تيقنهم أنه ثقة عارف بحديث الشيخ، إلا أنه مع ذلك كله لا يستغني عن إعلام الشيخ حال القراءة أن الجزء عمن سمعه ومَن الذي به حدثه؟، وقراءتُه عليه من أصل سماعه أو من فرعه المنقول من الأصل المقابَل به: سيان، وكذلك قراءته عليه من الفرع المكتوب من الأصل قبل المقابلة وأحدُ الحفاظ المبرزين ينظر فيه ويضبط له حتى يصححه: بمثابة القراءة من الأصل أو الفرع المقابَل المصحَّح، إذ القصد من ذلك كله حصول السماع على وجه الصحة". [شرط القراءة على الشيوخ: ص 43 ـ 46].

وقال في كتابه الوجيز في ذكر المُجاز والمجيز: "اعلمْ أن الإجازة جائزة عند فقهاء الشرع وعلماء الحديث، قرنًا فقرنًا وعصرا فعصرا إلى زماننا هذا". [ص 53].

ثم قال: "في الإجازة كما لا يخفى دوامُ ما قد رُوي وصح من أثر، ويجب التعويل عليها والسكون أبدا إليها، من غير شك في صحتها، إذ أعلى الدرجات في ذلك السماعُ ثم المناولة ثم الإجازة، ولا يُتصور أن يبقى كل مصنَّف على وجه السماع المتصل ولا ينقطعَ منه شيء بموت الرواة وفقْد الحفاظ الوعاة، فيُحتاج عند وجود ذلك إلى استعمال سبب فيه بقاء التأليف، فالوصول إذًا إلى روايته بالإجازة فيه نفع عظيم، إذ المقصود به إحكام السنن المروية في الأحكام الشرعية وإحياء الآثار على أتم الإيثار، سواء كان بالسماع أو القراءة أو المناولة أو الإجازة، لكن الشرط فيه المبالغة في الضبط والإتقان، والتوقي من الزيادة والنقصان، وأنْ لا يُعوَّل فيما يُروى عن الشيخ بالإجازة إلا على ما يُنقل من خط مَن يُوثق بنقله ويُعول على قوله". [ص 54 ـ 55].

أقول:

قوله "لكن الشرط فيه المبالغة في الضبط والإتقان وأنْ لا يُعول فيما يُروى عن الشيخ بالإجازة إلا على ما يُنقل من خط مَن يُوثق بنقله" يعني أن مِن شرْط صحة الرواية بالإجازة المبالغةَ في الضبط والإتقان في الجزء أو الكتاب الذي يجيز الشيخ للطالب أن يرويه عنه، وهذا يقتضي أن يكون هناك من ذلك الجزء الحديثي أو الكتاب الذي يريد الشيخ أن يجيز للطالب روايته عنه نسخةٌ مسموعة مضبوطة متقنة متداوَلة بأيدي الشيوخ فيستعيضَ الشيخُ عن القراءة بأن يجيز الطالبَ رواية ذلك الجزء أو الكتاب عنه.

ولو كان المراد غير هذا لكان اشتراطُ أن يكون السماع في القراءة على الشيخ من أصل النسخة المقروءة أو من فرع قوبل على ذلك الأصل وإباحةُ الإجازة دون مثل ذلك الاشتراط نوعا من العبث، فتدبر.

* ـ ذكر الإمامُ الحافظ محمد بنُ عبدِ الغني ابنُ نقطة البغدادي الحنبلي المتوفى سنة 629 رحمه الله أحدَ الرواة في كتابه التقييد وقال عنه: "رحل إلى نيسابور، وسمع من القاضي أبي بكر أحمد بن الحسن الحيري، وكان سماعه منه صحيحا، غير أنه أفسد نفسه بكونه يتساهل بالتحديث من غير أصل". [التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد: ص 53 ـ 54].

قلت: فالشيخ الذي يحدث الناس من غير أصل ـ أي من غير نسخة متلقاة بالسماع أو من نسخة منقولة عنها ومقابَلة بها من ثقة عارف ـ فقد أفسد نفسه وأفسد الغرض الذي اجتمع لأجْله من يقرؤون عليه.

* ـ قال الإمام الفقيه عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح الشهرزوري المتوفى سنة 643 في كتابه معرفة أنواع علم الحديث في النوع الثالث والعشرين وهو معرفة صفة من تُقبل روايته ومن تُرد روايته: "لا تُقبل رواية من عُرف بالتساهل في سماع الحديث أو إسماعه، كمن يحدث لا من أصل مقابَل صحيح، وهذا يخرم الثقة بالراوي وبضبطه". [ص 119].

ثم قال: "أعرض الناسُ في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بيَّنَّا من الشروط في رواة الحديث ومشايخه، لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم، فلْيُعتبرْ من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض، ولْيُكتفَ في أهلية الشيخ بكونه مسلما بالغا عاقلا غير متظاهر بالفسق والسخف، وفي ضبطه بوجود سماعه مثبتا بخطِّ غير متهَم، وبروايته من أصلٍ موافِقٍ لأصل شيخه". [ص 120].

ثم قال: "المناولة المقرونة بالإجازة لها صور: منها: أن يدفعَ الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو فرعا مقابَلا به ويقولَ هذا سماعي أو روايتي عن فلان فاروه عني أو أجزتُ لك روايته عني ثم يملـِّكَه إياه أو يقولَ خذه وانسخه وقابلْ به ثم ردَّه إلي أو نحوُ هذا، ومنها: أن يجيءَ الطالب إلى الشيخ بكتاب أو جزء من حديثه فيعرضَه عليه فيتأملَه الشيخ وهو عارف متيقظ ثم يعيدَه إليه ويقولَ له وقفتُ على ما فيه وهو حديثي عن فلان أو روايتي عن شيوخي فاروه عني أو أجزت لك روايته عني، ومنها: أن يناول الشيخُ الطالبَ كتابه ويجيزَ له روايته عنه ثم يمسكَه الشيخ عنده ولا يمكِّنَه منه، فهذا يتقاعد عما سبق، لعدمِ احتواء الطالب على ما تحمَّله وغيبتِه عنه، وجائز له رواية ذلك عنه إذا ظفر بالكتاب أو بما هو مقابَل به على وجهٍ يثق معه بموافقته لِما تناولتْه الإجازة على ما هو معتبر في الإجازات المجردة عن المناولة، ومنها: أن يأتيَ الطالبُ الشيخَ بكتاب أو جزء فيقولَ هذا روايتك فناولنيه وأجز لي روايته فيجيبَه إلى ذلك من غير أن ينظر فيه ويتحققَ روايته لجميعه، فهذا لا يجوز ولا يصح، فإن كان الطالب موثوقا بخبره ومعرفته جاز الاعتماد عليه في ذلك وكان ذلك إجازة جائزة، كما جاز في القراءة على الشيخ الاعتمادُ على الطالب حتى يكون هو القارئَ من الأصل إذا كان موثوقا به معرفة ودينا". [ص 165 ـ 166].

قوله "إذا ظفر بالكتاب" أي إذا ظفر بكتاب الشيخ، أي نسخة الشيخ، كما هو ظاهر.

* ـ قال الحافظ عبدُ الرحمن بنُ أحمدَ ابنُ رجب البغدادي الدمشقي الحنبلي المتوفى سنة 795 رحمه الله في كتابه شرح العلل: [اشترط الترمذي لصحة العرض على العالم أن يكونَ العالم حافظا لما يُعرض عليه أو يمسكَ أصله بيده عند العرض عليه إذا لم يكن حافظا، ومفهوم كلامه أنه إذا لم يكن المعروض عليه حافظا ولا أمسك أصله أنه لا تجوز الرواية عنه بذلك العرض، ورخـَّص طائفة في التحديث من الكتاب لمن لا يحفظ، وهذا إذا كان الخط معروفا موثوقا به والكتاب محفوظا عنده]. [شرح علل الترمذي لابن رجب: 509 ـ 512].

أقول: رحم الله ابن رجب رحمة واسعة.

* ـ هذا وقد ضعَّف الأئمة المحدثون عددا من الرواة بسبب روايتهم عن شيوخهم من نسخٍ غيرِ مقابَلة على الأصل، ومن أمثلة ذلك:

قال عبد الله بن أحمد ابن حنبل: ذكرَ أبِي محمدَ بنَ كثير المصيصي فضعَّفه جدا وقال: "سمع من معْمر باليمن، ثم بعث إلى اليمن فأخذها فرواها". وقال: "هو منكر الحديث". [العلل ومعرفة الرجال لابن حنبل رواية ولده عبد الله: 3/ 251]. ونقله عنه مع الإقرار: البخاريُّ في التاريخ الكبير والترمذي في العلل الكبير.

وقال ابن حبان في كتاب المجروحين: "عمر بن حفص أبو حفص العبدي كان ممن يشتري الكتب ويحدث بها من غير سماع، قال يحيى بن معين: أبو حفص العبدي ليس بشيء". [كتاب المجروحين لابن حبان: 12/ 55 ـ 56].

وانظر ـ على سبيل المثال ـ ما قالوه في إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس وعبد الله بن لهيعة وهشام بن عمار والوليد بن محمد المُوَقـَّري.

* ـ قد يقول قائل: هل لعدم تحقق ذلك الشرط المعتبر عند أهل الحديث أي أثر في نقل الأحاديث النبوية؟!.

أقول: نعم، لأننا إذا نقلنا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم من نسخة مشتراة من السوق اعتمادا على الرواية بالإجازة التي لم يتحقق فيها الشرط المعتبر عند أهل الحديث وكان في تلك النسخة خلل ما لأنها غيرُ نسخة الشيخ وليست مقابَلة على نسخته: فنكون قد عرَّضنا أنفسنا للدخول تحت قوله صلى الله عليه وسلم "مَن كذب عليَّ"، وكذلك فيما إذا كان ذلك الشيخ قد روى عن شيخه بمثل ذلك، وكذا شيخه عن شيخ شيخه، وهلم جرا.

* ـ فإن قيل: كيف يتحقق الاتصال في أسانيد الأحاديث والروايات اليوم إذا لم نجد اتصال الرواية بالقراءةِ على الشيوخ أو الإجازةِ بالشرط المعتبر عند علماء الحديث؟.

قلت: اتصال الأسانيد اليوم هو بالاعتماد على الوجادة بشروطها، وذلك بما نجد من النسخ المخطوطة التي كتبها العلماء والوراقون الثقات الذين عُرفت خطوطهم وأثبت فيها الكاتب إسناده بالنسخة إلى المؤلف، مع التثبت من خط كاتب النسخة وصحة ذلك الإسناد.

وإذا لم يكن من المتيسر لكل طالب علم أن يراجع بنفسه المخطوطات فلا بد من الاعتماد على من رجع إليها وقابل نص الكتاب بالنسخ الموثقة إذا كان ثقة مأمونا عارفا بطرق التوثق من صحة النسخة.

وهذا هو الطريق الصحيح للرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم في العصور التي انقطعت فيها القراءةُ على الشيوخ بشرطها المعتبر عند أهل الحديث، وكذا الإجازةُ بالشرط المعتبر كذلك، وليس الطريقُ الصحيح هو طريقَ القراءة والإجازة اللتين يعتمد عليهما كثير ممن يُسمَّون طلابَ العلم اليوم.

من آفات عدم المعرفة بالطريق الصحيح في التوثق من صحة النسخ الخطية أن يقال عمن جمع شيئا من تلك الإجازات العقيمة "العالم المسنِد"!، أو "المحدِّث المسنِد"!، وأن يُقال لمن يجيز غيره بمثل تلك الإجازات "المحدِّث المجيز"!، ولمن يُجاز بها "المُجاز برواية الحديث"!.

وقد حصل هذا في غفلة عن الشروط المعتبرة عند أهل العلم المحققين، والمهزلةُ التي نشهدها اليوم ماثلة للعيان!.

* ـ من الممكن أن يُستأنس للوجادة بما رواه ابن عرفة في جزئه [19] واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة [5/ 995] والبيهقي في دلائل النبوة [6/ 538] والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث [ص 32] وقوامُ السنة أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب [48]، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي الخلق أعجبُ إليكم إيمانا؟". قالوا: الملائكة. قال: "وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم عز وجل؟!". قالوا: فالنبيون؟!. قال: "وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟!". قالوا: فنحن؟!. قال: "وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟!، ألا إن أعجب الخلق إليَّ إيمانا لقومٌ يكونون من بعدكم يجدون صحفا فيها كتب يؤمنون بما فيها".

إسناده ضعيف، وله شواهد ضعيفة الأسانيد عن عدد من الصحابة يرتقي بمجموعها لمرتبة الحديث الحسن، والله أعلم.

ـ أسأل الله تعالى أن يبصِّرنا بحقائق ديننا، وبمنهج أئمتنا السابقين ومَن سار على طريقهم، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، بلطفه ومنه وكرمه.

ـ وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 29/ 8/ 1441، الموافق 22/ 4/ 2020، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

  

الاثنين، 9 يناير 2023

حديث "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا"

 

 رُوي هذا الحديث من رواية عبد الله بن عمرٍو وسَبْرة بن معبد وأبي هريرة وأنس بن مالك:

* ـ فأما حديث عبد الله بن عمرو فرواه ابن حنبل [6689] وابن أبي شيبة [3501] والبخاري في التاريخ الكبير وأبو داود [495] وابن أبي الدنيا في العيال [] والدولابي في الكنى [892] والعُقيلي والخرائطي في مكارم الأخلاق [457] والدارقطني [887 ـ 888] والحاكم والبيهقي والخطيب في تاريخ بغداد، من طريق سوار بن داود عن عمرِو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا وفرقوا بينهم في المضاجع". جد والد عمرو بن شعيب هو عبد الله بن عمرو بن العاص، وانقلب اسم سوار بن داود في بعض المصادر إلى داود بن سوار.

[سوار بن داود أبو حمزة الصيرفي بصري مات قرابة سنة 155، وثقه ابن معين في رواية إسحاق بن منصور، وقال ابن حنبل: شيخ بصري لا بأس به، وهو شيخ يوثقونه بالبصرة، لم يُرو عنه غير هذا الحديث. كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 4/ 272 ـ 273. وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ. كما في كتاب الثقات: 6/ 422. وقال ابن حبان في المجروحين: داود بن سوار المزني أبو حمزة، يروي عن عمرو بن شعيب، قليل الرواية، ينفرد مع قلته بأشياء لا تشبه حديث من يروي عنهم، روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا وفرقوا بينهم في المضاجع". كما في كتاب المجروحين: 1/ 290. وقال ابن شاهين: قال يحيى بن معين: سوار البصري روى عنه وكيع ليس بشيء. كما في تاريخ أسماء الضعفاء له: ص 204 برقم 275. وروى له العُقيلي حديثين هذا أحدهما وقال: لا يُتابع عليهما جميعا بهذا الإسناد، وأما حديث عمرو بن شعيب فليس يُروى من وجه يثبت. كما في كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي: 2/ 167. وفي الطبعة الأخرى: 3/ 15. وقال الدارقطني: لا يُتابَعُ على أحاديثه فيُعتبر به. كما في سؤالات البرقاني للدارقطني: ص 35 برقم 210].

قلت: إذا قرأنا قول الدارقطني "فيُعتبرَ به" بفتح الراء فهذا يعني أن الفاء فاء السببية وأن المعنى هو أنه لا يُعتبر به، بالنفي، وإذا قرأناه بضم الراء فهذا يعني أن الفاء استئنافية وأن المعنى هو أنه يُعتبر به، بالإثبات. والظاهر أنه يريد المعنى الأول، لقرينة قوله "لا يُتابَعُ على أحاديثه"، وإذا قيل مثل هذا في الراوي فهو يعني التضعيف، فهذا الطريق ضعيف.

ورواه ابن عدي في الكامل من طريق الخليل بن مرة عن ليث بن أبي سُليم عن عمرو بن شعيب به. [الخليل بن مرة بصري نزل الرقة، قال ابن حجر في تقريب التهذيب: ضعيف مات سنة 160. ليث بن أبي سُليم كوفي، قال ابن حجر في تقريب التهذيب: صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترِك، مات سنة 148]. فهذا الطريق تالف.

* ـ وأما حديث سَبْرة بن معبد الجهني فرواه ابن أبي شيبة [] وابن حنبل [15339] والدارمي [1471] وأبو داود [494] والترمذي [407] وابن خزيمة [1002] وابن أبي خيثمة وابن الجارود [147] وابن المنذر في الأوسط [] والطحاوي في مشكل الآثار والطبراني في الكبير والدارقطني [886] والبغوي في معجم الصحابة والحاكم وأبو نعيم في معرفة الصحابة، من طرق عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده مرفوعا به نحوه.

[عبد الملك بن الربيع بن سبرة: سئل يحيى بن معين عن أحاديثه عن أبيه عن جده؟ فقال: ضعاف. وقال ابن حبان في المجروحين: منكر الحديث جدا يروي عن أبيه ما لم يُتابع عليه. وقال أبو الحسن بن القطان: لم تثبت عدالته]. فهذا الإسناد ضعيف.

قال الإمام الترمذي رحمه الله في السنن بعد رواية الحديث: "حديث حسن". كما في طبعة الشيخ أحمد محمد شاكر وطبعة الدكتور بشار عواد معروف، وكذا في قوت المغتذي، وهكذا نقله المزي في تحفة الأشراف، ولا يُعول هنا على تحسين الترمذي، فهو أحيانا من المتساهلين في التحسين والتصحيح.

* ـ وأما حديث أبي هريرة فرواه ابن أبي الدنيا في العيال [] والبزار [9823] والعُقيلي من طرق عن محمد بن ربيعة عن محمد بن الحسن العوفي عن محمد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "علموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعا، فإذا بلغوا عشرا فاضربوهم عليها وفرقوا بينهم في المضاجع".

[محمد بن الحسن بن عطية العوفي كوفي ضعيف. محمد بن عبد الرحمن مجهول]. فهذا الطريق تالف.

وزيادة على ذلك فهو معلول بالإرسال، فقد رواه البخاري في التاريخ الكبير وابن أبي الدنيا في كتاب العيال والعُقيلي من طريقين عن محمد بن الحسن بن عطية عن محمد بن عبد الرحمن مرفوعا مرسلا. وقال البخاري: لم يصحَّ حديثه.

ورواه ابن حبان في كتاب المجروحين من طريق شعيب بن واقد الهروي عن عبد المنعم بن نعيم الرياحي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا به. [قال ابن حبان: عبد المنعم منكر الحديث لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق الثقات فكيف إذا انفرد بأوابد؟!. شعيب بن واقد نزيل البصرة ضعيف]. فهذا الطريق تالف.

* ـ وأما حديث أنس فرواه الحارث بن أبي أسامة [106] والدارقطني [891] عن داود بن المحبر، وابنُ السني في عمل اليوم والليلة من طريق بكار بن عمرو بن أبي الجارود البصري، كلاهما عن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك عن عمه ثمامة بن عبد الله بن أنس عن جده أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لثلاث عشرة".

ولفظه عند ابن السني: "اضربوا على الصلاة لسبع، واعزلوا فراشه لتسع، وزوجوه لسبع عشرة إن كان، فإذا فعل فليجلسه بين يديه ثم ليقل لا جعلك الله علي فتنة في الدنيا ولا في الآخرة".

[داود بن المحبر بصري نزيل بغداد متروك الحديث مات سنة 206. وبكار بن عمرو بن أبي الجارود لم أجد له ترجمة. عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك بصري صدوق فيه لين. ثمامة بن عبد الله بن أنس بصري ثقة فيه لين]. فهذا الطريق تالف. بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث: 106. سنن الدارقطني: 891.

ورواه الطبراني في الأوسط [] من طريق داود بن المحبر عن أبيه عن ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس به. [داود بن المحبر بصري نزيل بغداد متروك الحديث مات سنة 206. المحبر بن قحذم بصري ضيف]. فهذا الطريق تالف.

* ـ الخلاصة:

هذا الحديث له طرق، بعضها ضعيف وبعضها شديد الضعف، فهو ضعيف الإسناد، والجزء الأول منه حسن، والجزء الثاني منه ضعيف لا يرتقي، والله أعلم.

وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 12/ 3/ 1438، والحمد لله رب العالمين.

 

الاثنين، 28 نوفمبر 2022

حديث "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة"

 

ـ هذا الحديث رواه ابن حنبل وعبد بن حميد والبخاري في التاريخ الكبير والترمذي والنسائي في الكبرى وابن ماجه وابن خزيمة والبغوي وابن قانع كلاهما في معجم الصحابة والطبراني في المعجم الكبير وفي الدعاء والبيهقي في دلائل النبوة، من طرق عن عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة عن أبي جعفر قال سمعت عمارة بن خزيمة يحدث عن عثمان بن حُنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني. فقال: "إن شئتَ دعوتُ لك، وإن شئتَ أخرتَ ذاك فهو خير". فقال: ادْعُهْ. فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعوَ بهذا الدعاء "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتـُقضى لي، اللهم شفعه فيَّ".

وجاء عند البيهقي وابن قانع والطبراني: عن أبي جعفر الخطمي. ورواه ابن حنبل والبيهقي في الدعوات عن روح بن عبادة عن شعبة عن أبي جعفر المديني.

[عثمان بن عمر بن فارس بصري ثقة مات سنة 209. شعبة بن الحجاج بن الورد الواسطي البصري ثقة ثقة مات سنة 160. أبو جعفر الخطمي عمير بن يزيد مدني نزيل البصرة صدوق ثقة مات بعد سنة 140 في قول الذهبي في تاريخ الإسلام، وأرجِّح أنه مات قبل ذلك بعد سنة 130. عمارة بن خزيمة بن ثابت مدني ثقة مات سنة 105. عثمان بن حُنيف صحابي شهد أحدا وما بعدها ومات بعد سنة 40].

ورواه ابن حنبل عن مؤمل بن إسماعيل، والنسائيُّ في الكبرى عن محمد بن معمر البحراني عن حَبان بن هلال، والبخاريُّ في التاريخ الكبير عن شهاب، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة قال أخبرنا أبو جعفر عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف، به نحوه. وجاء عند ابن حنبل والبخاري في التاريخ الكبير: عن أبي جعفر الخطمي.

ورواه يعقوب بن سفيان في مشيخته وابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم والبيهقي في دلائل النبوة من طرق عن أحمد بن شَبيب بن سعيد، ورواه ابن قانع وأبو نعيم كلاهما في معجم الصحابة والطبراني في المعجم الصغير وفي الدعاء والبخاريُّ في التاريخ الكبير من طرق عن عبد الله بن وهب، كلاهما عن شَبيب بن سعيد عن روح بن القاسم عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف عن عمه عثمان بن حنيف، به نحوه. وجاء عند ابن السني والحاكم: عن أبي جعفر المدني وهو الخطمي. وجاء عند الطبراني: عن أبي جعفر الخطمي.

ورواه البخاري في التاريخ الكبير عن محمد بن المثنى عن معاذ بن هشام الدستوائي عن أبيه عن أبي جعفر يزيد بن عمير أو عمير بن يزيد عن أبي أمامة بن سهل عن عمه، ورواه النسائي في الكبرى عن زكريا بن يحيى عن محمد بن المثنى، به، غير أنه ليس عنده تسمية أبي جعفر. هذا ومن المعلوم أن معاذ بن هشام في حفظه لين، وقد ظهر بعض هذا هنا حيث شك في اسم أبي جعفر هل هو يزيد بن عمير أو عمير بن يزيد؟.

ـ مَن هو أبو جعفر الذي روى عنه شعبة وحماد بن سلمة وروح بن القاسم وهشام الدستوائي هذا الحديث؟:

جاء في عدد من الطرق المتقدمة أنه أبو جعفر المدني، وفي عدد منها أنه أبو جعفر المدني وهو الخطمي، وفي عدد منها أنه أبو جعفر الخطمي.

روى شعبة عن ثلاثة يُكنون بأبي جعفر: أبو جعفر الفراء وهو كوفي، وأبو جعفر مؤذن مسجد العريان وهو كوفي ويقال بصري، وأبو جعفر عمير بن يزيد الخطمي وهو مدني نزل البصرة.

وروى حماد بن سلمة عن اثنين يُكنيان بأبي جعفر: أبو جعفر عبد الملك وهو بصري، وأبو جعفر عمير بن يزيد الخطمي وهو مدني نزل البصرة.

فأبو جعفر الذي روى عنه شعبة وحماد بن سلمة هذا الحديث ـ كما في عدة روايات ـ هو المدني، وهو الخطمي، ولم أجد فيمن روى عنهم روح بن القاسم وهشام الدستوائي ولا فيمن روى عن عمارة بن خزيمة وأبي أمامة بن سهل بن حنيف أحدا يُكنى بأبي جعفر سوى أبي جعفر الخطمي، وفي هذا دلالة على أن أبا جعفر الوارد في سند هذا الحديث هو أبو جعفر عمير بن يزيد الخطمي الثقة الذي وثقه جماعة من الأئمة.

وهذه أقوال أئمة المحدثين التي تؤكد من هو أبو جعفر الوارد في السند:

روى الطبراني في الدعاء عن علي بن المديني أنه قال: ورواه روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي عن أبي أمامة بن سهل.

وذكر البخاري في التاريخ الكبير في ترجمة عثمان بن حنيف عددا من روايات هذا الحديث، وفي بعضها التصريح بأن أبا جعفر هو الخطمي وفي بعضها التصريح باسمه واسم أبيه، ولم يتعقبها بشيء، فالظاهر أنه يرى صحتها.

وقال النسائي في السنن الكبرى: خالفهما هشام الدستوائي وروح بن القاسم فقالا عن أبي جعفر عمير بن يزيد عن أبي أمامة بن سهل.

وقال الطبراني في المعجم الصغير: وقد روى هذا الحديثَ شعبة عن أبي جعفر الخطمي واسمه عمير بن يزيد، وهو ثقة، والحديث صحيح. وقال الطبراني في كتاب الدعاء: خالف شعبةُ روحَ بنَ القاسم في إسناد هذا الحديث، فرواه عن أبي جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه.

وقال البيهقي في دلائل النبوة: وكذلك رواه حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي.

فلم يبق بعد كل هذا شك في أن أبا جعفر الذي جاء في سند الحديث هو عمير بن يزيد الخطمي المدني نزيل البصرة.

ـ ملخص سند الحديث:

هذا الحديث رواه شعبة بن الحجاج وحماد بن سلمة عن أبي جعفر عمير بن يزيد عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف، ورواه روح بن القاسم وهشام الدستوائي عن أبي جعفر عمير بن يزيد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف، وهؤلاء كلهم ثقات.

لكن، هل روى أبو جعفر عمير بن يزيد الخطمي هذا الحديث عن عمارة بن خزيمة بن ثابت أو عن أمامة بن سهل بن حنيف أو عن كليهما؟، رجح أبو زرعة الرازي الرواية الأولى من هاتين، ورجح ابن أبي حاتم الثانية.

وحيث إن الإسناد صحيح على كلا الترجيحين فالحكم على إحدى الروايتين بالإعلال ـ إن قلنا به هنا ـ هو من باب العلة غير القادحة.

ـ والخلاصة أن الحديث في الجملة صحيح.

* وفي بعض روايات هذا الحديث زيادة، هي أن عثمان بن حنيف علم رجلا أن يدعو بهذا الدعاء في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فيكون للحديث قصة موقوفة بالإضافة إلى القصة المرفوعة:

قال الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا طاهر بن عيسى ابن قِيرِس المصري المقرئ حدثنا أصبغ بن الفرج حدثنا ابن وهب عن أبي سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف، أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابنَ حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين، ثم قل "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتقضيَ لي حاجتي"، وتذكرُ حاجتك، ورُحْ حتى أروح معك. فانطلقَ الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى بابَ عثمان بن عفان رضي الله عنه، فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان، فأجلسه معه على الطِنفِسة، فقال: حاجتك؟. فذكر حاجته وقضاها له، ثم قال له: ما ذكرتُ حاجتك حتى كان الساعة. وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها. ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمانَ بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيرا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمتَه فيَّ. فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمتُه، ولكني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فتصبر؟. فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد وقد شق علي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ائت الميضأة فتوضأ، ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات. قال ابن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط.

[طاهر بن عيسى المصري وثقه ابن ماكولا في الإكمال، ومات سنة 292. أصبغ بن الفرج مصري صدوق ثقة مات سنة 225. عبد الله بن وهب مصري ثقة مات سنة 197. أبو سعيد هو شَبيب بن سعيد بصري ثقة فيه لين مات سنة 186، وكان يختلف في تجارة إلى مصر. روح بن القاسم بصري ثقة مات سنة 141. أبو جعفر الخطمي عمير بن يزيد مدني نزيل البصرة صدوق ثقة مات بعد سنة 130. أبو أمامة بن سهل بن حنيف مدني من كبار التابعين الثقات ولد سنة 9 ومات سنة 100].

وقال أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة: حدثنا أبو عمرو حدثنا الحسن حدثنا أحمد بن عيسى حدثنا ابن وهب قال أخبرني أبو سعيد، واسمه شبيب بن سعيد من أهل البصرة، عن أبي جعفر المديني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف، أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان لا يلتفت إليه، فلقي ابنَ حنيف فشكا ذلك إليه. الحديثَ بطوله.

[أبو عمرو محمد بن أحمد بن حمدان نيسابوري ثقة مات سنة 377. الحسن بن سفيان نسائي ثقة إمام مات سنة 303. أحمد بن عيسى بن حسان مصري صدوق فيه لين مات سنة 243].

ورواه البيهقي في دلائل النبوة عن أبي سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد عن أبي بكر محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي القفال عن أبي عروبة عن العباس بن الفرج عن إسماعيل بن شبيب عن أبيه عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المديني، به نحوه.

[عبد الملك بن محمد بن إبراهيم الزاهد نيسابوري ثقة مات سنة 407. أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي ثقة مات سنة 365. أبو عروبة الحسين بن محمد بن مودود الحراني ثقة إمام مات سنة 318. العباس بن الفرج الرياشي بصري صدوق مات سنة 257. إسماعيل بن شَبيب بن سعيد: لم أجد لشَبيب بن سعيد ولدا بهذا الاسم، وابنه اسمه أحمد، وهو معروف بالرواية عن أبيه، وقد روى عن أبيه الجزء المرفوع بهذا الإسناد، كما تقدم، فالظاهر أن اسمه تصحَّف هنا، وأحمد بن شبيب بن سعيد بصري ثقة فيه لين مات سنة 229].

وبمجموع هذه الطرق فإسناد القصة الموقوفة التي فيها تعليم عثمان بن حنيف هذا الدعاءَ للرجل في خلافة عثمان رضي الله عنه صحيح كذلك.

إشكال وجواب: قد يقال إن شَبيب بن سعيد وثقه جماعة من الأئمة ولكن حدَّث عنه ابن وهب أحاديث مناكير، فيخشى أن تكون هذه الرواية من تلك المناكير.

أقول: لم ينفرد عبد الله بن وهب بهذه الرواية عن شَبيب بن سعيد، بل رواها عنه ابنه كذلك، فصح الإسناد بمجموع الطريقين.

* هذا وقد أعلَّ أحد المشايخ الأفاضل هذا الحديث بأربع علل، فلا بد من استعراضها والتعليق عليها:

قال الشيخ الفاضل: [العلة الأولى: أن شعبة يرويه عن أبي جعفر غير منسوب وغير مسمى، وإنما ذكر بكنيته، وأبو جعفر هذا قال فيه الترمذي "وليس الخطميَّ"، فـأبو جعفر الخطمي ثقة مدني معروف، ولكن أبو جعفر هذا لا يُدرى من هو، والذين صححوا الحديث اعتمدوا على أن أبا جعفر هذا هو الخطمي].

أقول:

أبو جعفر الوارد في سند هذا الحديث جاء في عدد من الروايات أنه المدني، وجاء في عدد من الروايات الأخرى أنه الخطمي، فالذي يقول فيه "لا يُدرى من هو" يبدو أنه لم يقف على تلك الطرق التي تقدمت في تخريج الحديث.

وقد قال كبار أئمة علماء الحديث بأن أبا جعفر الوارد في السند هو عمير بن يزيد الخطمي، منهم علي بن المديني والبخاري والنسائي والطبراني والبيهقي، واجتماع كلمتهم على مثل هذا الأمر لا يسوغ مخالفته بدون حجة.

ثم إن الشيخ نقل عن الترمذي جازما بأنه قال "أبو جعفر ليس الخطميَّ"، وللبيان أقول:

اختلفت نسخ سنن الترمذي في نقل هذه الكلمة عنه، ففي بعض النسخ "لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث أبي جعفر، وهو الخطمي". وفي بعض النسخ "وهو غير الخطمي". بزيادة لفظة "غير".

فلا بد من تتبع القرائن من أجل الترجيح، والراجح عندي أن الترمذي إنما قال "وهو الخطمي"، وأن إدخال لفظة "غير" في هذا النص خطأ، وذلك لعدد من الأسباب: منها أن عدة روايات من روايات هذا الحديث قد جاء فيها التصريح بأن أبا جعفر هو الخطمي، وبعضها جيد الإسناد، ولعل الأقرب أنها لا تخفى على الترمذي، ومنها أن القول الموافق لما عليه خمسة من المحدثين الحفاظ أولى من أن يُنسب للترمذي قول ينفرد به دونهم، ومنها أن الحافظ المزي والحافظ ابن كثير رحمهما الله نقلا قول الترمذي على هذا الحديث في تحفة الأشراف وفي البداية والنهاية بدون زيادة هذا اللفظ المشكوك فيه، والنسخ التي يعتمدها العلماء لها منزلة كبيرة في الترجيح.

وهذا كله يرجح أن الترمذي قال في كتابه السنن عن هذا الحديث "لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث أبي جعفر، وهو الخطمي".

قال الشيخ الفاضل: [العلة الثانية: أن النسائي أخرج هذا الحديث من وجه آخر في السنن فقال فيه "عن أبي جعفر عن عمارة بن زيد بن ثابت"، بدل "عمارة بن خزيمة بن ثابت"، وهذه العلة ما وجدتُ من نبه عليها من الذين تكلموا على هذا الحديث، وقد بحثت عن عمارة بن زيد بن ثابت هذا فما وجدت له ذكْرا في كتب الرجال، إلا ذكْرا لا يبشر بخير، وهو أنه قـُتل في معاقرة الخمر، فلا يصلح للاحتجاج به، وعلى هذا فإن إسناد الحديث فيه اختلاف على الراوي أبي جعفر هذا، هل شيخه فيه عمارة بن زيد بن ثابت أو عمارة بن خزيمة بن ثابت؟، عمارة بن خزيمة بن ثابت لا إشكال فيه، لأنه ثقة من التابعين، وعمارة بن زيد بن ثابت هو الذي ذكرناه، ولا نعرف له ترجمة ولا ذكْرا إلا في هذه الواقعة].

أقول:

إذا جاء اسم الراوي في مواضع كثيرة في مصادر التخريج "عمارة بن خزيمة بن ثابت" وجاء مرة واحدة في أحد المصادر "عمارة بن زيد بن ثابت" فهذا يعني أن الصواب هو الأول، وأن الثاني ـ إذا صح أنه في النسخة كذلك ـ هو مجرد خطأ من أوهام النساخ، وأنه لا يصح القولُ ـ من أجل هذا ـ بأن إسناد الحديث فيه اختلاف على الراوي يؤثر في درجة الحديث.

هذا وقد رجعت إلى أكثر من طبعة من السنن الكبرى للنسائي فلم أجد فيه هذا الراوي "عمارة بن زيد بن ثابت" البتة، ورجعت إلى تحفة الأشراف للمزي وعدد من الكتب التي ترجمت لرجال الكتب الستة فلم أجده فيها كذلك، ولو كان قد ورد اسمه في أحد الأسانيد في سنن النسائي الكبرى لذكر في هذه المصادر.

تنبيه: قول الشيخ عن التابعي عمارة بن زيد بن ثابت إنه "قـُتل في معاقرة الخمر" هو مجرد توهم، وقد عزى قصة قتله إلى الموطأ بإبهام اسمه وإلى المحلى لابن حزم بالتصريح بالاسم، وليس فيهما أن المقتول كان يشرب الخمر، وغاية ما فيهما أن القاتل هو الذي كان شاربا للخمر لدرجة السُكْر:

ففي الموطأ عن مالك أنه بلغه أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان يذكر أنه أتِي بسكران قد قتل رجلا، فكتب إليه معاوية أن اقتله به.

وقال ابن حزم في المحلى: "ومن طريق يحيى بن سعيد الأنصاري وعبد الرحمن بن أبي الزناد أن معاوية أقاد من السكران، قال ابن أبي الزناد: وكان القاتلُ محمدَ بنَ النعمان الأنصاريَّ والمقتولُ عمارةَ بنَ زيدِ بن ثابت". قال ابن حزم: وهذا لا يصح، لأن يحيى لم يولد إلا بعد موت معاوية، وعبد الرحمن بن أبي الزناد في غاية الضعف".

وجاء في أحد الأسانيد عند ابن عساكر عن خارجة بن زيد بن ثابت أنه قال: قتل نعيمانُ وهو سكرانُ عمارةَ بنَ زيد بنِ ثابت.

فلم يأت في أي مصدر من هذه المصادر أن عمارة بن زيد بن ثابت كان يعاقر الخمر.

قال الشيخ: [العلة الثالثة: أن فيه أن عثمان احتجب عنه، وما عُرف عن أحد من الخلفاء الراشدين أنه احتجب، بل كان يأذن لكل من طرق إلا في أوقات الانشغال، وكيف يكون محتجبا عن الناس وهو يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من ولي من أمر أمتي شيئا فاحتجب عنهم احتجب الله عنه يوم القيامة"، فلا يمكن أن يحتجب عن ذوي الحاجات من المسلمين].

أقول:

لا بد أولا من أن نلحظ أمرا هاما في المنهج، وهو أنه إذا كان الحديث فيه قصة مرفوعة وقصة موقوفة وكان الجزء الموقوف فيه ضعف أو نكارة فهذا لا يعني أن الجزء المرفوع الوارد في الحديث ضعيف كذلك، هذا إذا سلمنا أن الجزء الموقوف في هذا الحديث ضعيف سندا أو متنا، لكنه ليس بضعيف لا في السند ولا في المتن.

القصة الموقوفة ليس فيها أن عثمان بن عفان رضي الله عنه احتجب عن الرجل، وغاية ما فيها أن عثمان كان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، وربما كان ذلك في أوقات الانشغال، ثم إن الرجل صنع ما قال له عثمان بن حنيف، ثم أتى بابَ عثمان بن عفان، فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله عليه، فأجلسه عثمان معه على الطِنفِسة، وقضى له حاجته، وقال له: ما ذكرتُ حاجتك حتى كان الساعة.

فالقصة الموقوفة سندها صحيح وليس فيها غرابة ولا نكارة، فهي بعيدة عن الحكم عليها بالضعف.

قال الشيخ: [العلة الرابعة: أن في هذا الحديث "اللهم شفعني فيه وشفعه فيَّ"، كيف تشفـَّع في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!، فقد فسرها العلماء بأن معنى "اللهم شفعني فيه": اللهم تقبل دعائي له بالإجابة، و"شفعه فيَّ" معناها: تقبل دعاءه لي بالشفاء].

أقول:

المعقول أن يقول ذلك الرجل "اللهم شفعه فيَّ"، أي اقبل شفاعته فيَّ إذا شَفَع لي، وجاء في الحديث أن الله تعالى يقول لنبينا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة "واشفع تُشفـَّع"، وليس من المعقول أن يقول الرجل "اللهم شفعني فيه"، حتى ولا بذلك التفسير الذي نقله الشيخ ساكتا عليه.

واللفظ الذي جاء في بعض روايات هذا الحديث هو "اللهم فشفعه فيَّ"، دون اللفظ الآخر، وجاء في بعضها "اللهم فشفعه فيَّ وشفعني في نفسي"، وهذان لا غبار عليهما، وجاء في بعضها "اللهم فشفعه فيَّ وشفعني فيه"، لكن راويَ هذا اللفظ شك فيه بعد ذلك، فقد قال بعض من رواه عنه: ثم كأنه شك بعدُ في "وشفعني فيه". فسقط اللفظ المستنكر بشك راويه فيه، وبذلك تكون هذه اللفظة "وشفعني فيه" ضعيفة سندا ومتنا.

ـ والخلاصة أن الحديث صحيح بكلا الجزأين المرفوع والموقوف، فهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتعليمُ عثمان بن حُنيف هذا الدعاءَ للرجل في خلافة عثمان بن عفان ثابت كذلك.

وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 1/ 9/ 1436، الموافق 18/ 6/ 2015، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

الثلاثاء، 6 سبتمبر 2022

حديث الجساسة

 

رُوي هذا الحديث عن فاطمة بنت قيس وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

* ـ فأما حديث فاطمة بنت قيس فرواه مسلم [7496 ـ 7499] وأبو داود الطيالسي [1751] وابن أبي شيبة [38675] وابن راهويه [2361] وابن حنبل [27102، 27331، 27350] وأبو داود [4326 ـ 4327] والترمذي [2253] والنسائي في الكبرى [4244] وابنُ ماجه [4074] وابن حبان [6788 ـ 6789]، من ثمانية طرق عن عامر بن شراحيل الشعبي عنها.

وهذا نص الرواية في صحيح مسلم [7496]:

رواه من طريق عبد الله بن بُريدة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أنها قالت: سمعت منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: "ليلزمْ كل إنسان مصلاه". ثم قال: "أتدرون لم جمعْتكم؟". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرا في البحر، ثم أرفؤوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتْهم دابة أهلبُ كثير الشعر، لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟. فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟. قالت: أيها القوم، انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمَّتْ لنا رجلا فرِقنا منها أن تكون شيطانة، فانطلقنا سراعا، حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا، وأشده وثاقا، مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك ما أنت؟. قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟. قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهرا، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة، فلقيتْنا دابة أهلب كثير الشعر لا يُدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك ما أنت؟. فقالت: أنا الجساسة. قلنا: وما الجساسة؟. قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة، فقال: أخبروني عن نخل بيسان. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟. قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟. قلنا له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر، أخبروني عن بحيرة الطبرية. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟. قال: هل فيها ماء؟. قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب، أخبروني عن عين زُغَر. قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟. قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟. قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟. قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتَلَه العرب؟. قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟. فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟. قلنا: نعم. قال: أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يُؤذن لي في الخروج، فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني ملَك بيده السيف صلتا يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكةً يحرسونها". قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعن بمخصرته في المنبر: "هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة". يعني المدينة، "ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟!". فقال الناس: نعم. "فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة، ألا إنه في بحر الشأم، أو بحر اليمن، لا، بل من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو". وأومأ بيده إلى المشرق، قالت: فحفظتُ هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولم ينفرد الشعبي وهو إمام ثقة برواية هذا الحديث، فقد رواه أبو داود [4325] وابن أبي عاصم في كتاب الآحاد والمثاني [3180] وأبو يعلى في معجمه [157] والطبراني في الكبير [922 من الجزء 24] من طرق عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس به نحوه.

ـ فاطمة بنت قيس صحابية، لكن هل هي مقبولة الرواية بإطلاق أو هي ممن ينبغي أن يُتوقف في قبول روايتها؟:

جاء في بعض المصادر أنها من المهاجرات الأُوَل!، وفي هذا نظر، فهي أخت الضحاك بن قيس، وهي أكبر منه بعشر سنين، وقد وُلد الضحاك فيما بين السنة الأولى والسنة السادسة من الهجرة، وإذا افترضنا أنه وُلد في السنة الأولى فتكون ولادتها قبل الهجرة بتسع سنوات، فمتى هاجرت حتى تكون من المهاجرات الأُوَل؟!، هذا في غاية البعد، ويبدو أن الإمام الذهبي رحمه الله قد استبعد ذلك، ولذا فإنه اقتصر في كتابه سير أعلام النبلاء على قوله عنها "إحدى المهاجرات".

روتْ عن النبي صلى الله عليه وسلم أمرا يخصها ووهمتْ فيه، وذلك أنها قالت: "طلقني زوجي ثلاثا، فلم يجعل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقة". [صحيح مسلم: 3709، وانظر روايات الحديث عنده في 3698 ـ 3709].

وقد أنكر عليها روايتَها هذه من الصحابة عائشة وعمر رضي الله عنهما، فيبدو أنها لم تكن من أهل الضبط.

ـ فهذا الإسناد لا يُعتمد عليه.

* ـ وأما حديث جابر فرواه أبو داود [4328] والفاكهيُّ في أخبار مكة [1457] وأبو يعلى في مسنده [2164، 2178، 2200] من طريق الوليد بن عبد الله بن جُميع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعا به نحوه.

هذا الإسناد لين، لكن الأهم هو أنه معلول، فقد تقدم أنه رواه أبو داود وابن أبي عاصم في كتاب الآحاد والمثاني وأبو يعلى في معجمه والطبراني في الكبير من طريق ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس، كما تقدم، وليس عن جابر بن عبد الله، فرجع هذا الطريق إلى أنه طريق من طرق الحديث عن فاطمة بنت قيس.

وسئل الدارقطني في العلل [3290] عن هذا الحديث من طريق أبي سلمة عن جابر فقال: "يرويه الوليد بن عبد الله بن جُميع عن أبي سلمة عن جابر، وخالفه الزهري، رواه عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس، وقول الزهري أشبه بالصواب".

* ـ وأما حديث أبي هريرة وعائشة فرواه الطبراني في المعجم الكبير [برقم 960 من الجزء 24] عن الحسين بن إسحاق عن عثمان بن أبي شيبة عن محمد بن فضيل عن سليمان بن أبي سليمان الشيباني عن الشعبي عن محرر بن أبي هريرة عن أبيه، وعن الشعبي عن عبد الله بن أبي بكر عن عائشة.

[الحسين بن إسحاق التستري صدوق. عثمان بن أبي شيبة ثقة له أوهام. محمد بن فضيل صدوق. سليمان بن أبي سليمان الشيباني ثقة. عامر بن شراحيل الشعبي ثقة. محرر بن أبي هريرة ذكره ابن حبان في الثقات. عبد الله بن أبي بكر لم أجد رجلا بهذا الاسم في شيوخ الشعبي ولا في الرواة عن عائشة]. فهذا الطريق ضعيف.

ـ ورواه ابن منده في كتاب الإيمان [1057] عن محمد بن الحسين بن الحسن عن أحمد بن الأزهر بن منيع عن أسباط بن محمد عن سليمان بن أبي سليمان الشيباني عن الشعبي عن محرر بن أبي هريرة عن أبيه، وعن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن عائشة.

[محمد بن الحسين بن الحسن القطان الراوي عن أحمد بن الأزهر بيَّض له الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد والذهبي في تاريخ الإسلام. أحمد بن الأزهر بن منيع صدوق. أسباط بن محمد ثقة له أوهام]. فهذا الطريق ضعيف.

ـ ورواه الحميدي [368] وابن أبي شيبة [38791] وابن راهويه [2362 ـ 2364] وابن حنبل [27101، 27349] والطبراني في الكبير [برقم 961 من الجزء 24] من طرق عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن المحرر بن أبي هريرة عن أبيه، وعن القاسم بن محمد عن عائشة.

[مجالد بن سعيد ضعفه العلماء تضعيفا شديدا، وقال ابن حنبل: ليس بشيء. وقال عبد الرحمن بن مهدي: حديث مجالد عند الأحداث يحيى بن سعيد وأبي أسامة ليس بشيء. وقال يحيى بن سعيد لمن أراد أن يكتب السيرة عن وهب بن جرير عن أبيه عن مجالد: "تكتب كذبا كثيرا، لو شئتُ أن يجعلها لي مجالد كلها عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فَعَل"]. فهذا الطريق شديد الضعف.

ـ ولحديث أبي هريرة طريق آخر رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده الكبير عن محمد بن أبي بكر عن سعد بن زياد أبي عاصم عن مولاه نافع عن أبي هريرة، ذكره البوصيري في كتابه إتحاف الخيرة المهرة [5596] وابن كثير في كتاب النهاية في الفتن والملاحم.

[محمد بن أبي بكر المقدمي بصري صدوق ثقة مات سنة 234. أبو عاصم سعد بن زياد روى عن نافع مولى حمنة بنت شجاع وغيرِه، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه وليس بالمتين. وذكره الذهبي في كتابه المغني في الضعفاء وفي ميزان الاعتدال ونقل فيهما قول أبي حاتم ليس بالمتين. نافع مولى حمنة ذكره ابن حبان في الثقات]. فهذا الطريق ضعيف.

* ـ خلاصة البحث في الإسناد أنه ضعيف، وأما المتن فمنكر، والله أعلم.

وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 20/ 1/ 1444، الموافق 18/ 8/ 2022، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

  

الاثنين، 15 أغسطس 2022

المصالح إنما اعتُبرت مصالحَ من حيث وضعها الشارع

قال الشاطبي رحمه الله في كتاب الموافقات: "لا بد من اعتبار الموافقة لقصد الشارع، لأن المصالح إنما اعتُبرت مصالحَ من حيث وضعها الشارع كذلك". ثم قال: "الشريعة مبنية على اعتبار المصالح، وأن المصالح إنما اعتُبرت من حيث وضعها الشارع كذلك، لا من حيث إدراك المكلف، إذ المصالح تختلف عند ذلك بالنسب والإضافات". فتيقظ.  

 

الاثنين، 8 أغسطس 2022

* ـ هل اليهودية والنصرانية والإسلام أديان ثلاثة أو هي دين واحد؟:

هذا تساؤل يدور في هذه الأيام عند كثير من الناس، وكلٌّ يدلي بدلوه، وأرى لزاما عليَّ أن أبيِّن ما أراه الصواب، معتمدا على ما في كتاب الله عز وجل وما في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

الملخص هو أن هنالك ثلاثة أجوبة اليوم على هذا التساؤل:

* ـ القول الأول هو أن اليهودية والنصرانية والإسلام دين واحد وأن مَن آمن مِن أهل هذه الأديان بنبي واحد من أولئك الأنبياء وبكتاب واحد من تلك الكتب السماوية المنزَّلة على الأنبياء فإيمانه ينجيه في الآخرة وهو مقبول عند الله تعالى!، وهذا القول ظاهر البطلان، لأنه يجعل الإيمان بالنبي السابق مع الكفر بالنبي اللاحق مقبولا!، ويجعل مَن آمن بالأنبياء السابقين والكتبِ المنزَّلة عليهم مع عدم الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن الكريم المنزَّل عليه مقبولا عند الله!، ولو كان الأمر كذلك لكان إرسالُ النبي اللاحق وطلبُ الإيمان به نوعا من العبث، وجلَّ ربنا وتعالى عن ذلك.

كتبُ أهل الكتاب فيها نصوص كثيرة تدل على وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، وما يزال بعضها باقيا بأيديهم إلى اليوم على الرغم من التحريف الذي وقع فيها والذي يعترف به كثير من علماء أهل الكتاب، وما زالوا يقرؤون أحد النصوص عندهم وهو بلفظ "محمد"، يقرؤونه هكذا "محمد"، وهنالك دراسات كثيرة قام بها باحثون تذكر ما بقي من تلك النصوص في كتب أهل الكتاب حتى اليوم.

لو لم يكن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالكتاب المُوحَى به إليه واجبا لكان في كلام الله عز وجل تناقض، وحاشاه من ذلك.

هذا وقد قال الله عز وجل في القرآن العظيم {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لَـمَا آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري؟، قالوا أقررنا، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين}.

وقال الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين}. وإذا كان إيمانهم بما آمنوا به دون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن إيمانا مقبولا عند الله فلمَ جاء النهي عن اتخاذهم أولياء؟!، ولمَ جاء التهديد بأن مَن يتولاهم فإنه منهم؟!.

ولا تنسَ أن الله عز وجل قد جعل أهل الكتاب والمشركين داخلين في مسمى "الذين كفروا"، إذ يقول عز وجل في القرآن العظيم {لم يكن الذين كفروا مِن أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة}، وكلمة "مِن" في قوله تعالى {مِن أهل الكتاب والمشركين} بيانية، أي إن أهل الكتاب والمشركين هم من الذين كفروا.

وروى مسلم في صحيحه وابن حنبل من طريقين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسِلت به إلا كان من أصحاب النار".

يقول بعض الناس إن اليهود والنصارى والمسلمين كلهم على ملة واحدة، هي ملة إبراهيم عليه السلام، وهي عقيدة التوحيد، ويتجاهلون أنه لا يتم إيمان من أدرك سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به وبما أُنزل إليه وهو القرآن، ولو جاء سيدنا إبراهيم عليه السلام اليوم ورأى أهل الكتاب الذين لا يؤمنون بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته والكتابِ الذي أنزِل عليه لتبرَّأ منهم، فقد قال ربنا عز وجل {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما، وما كان من المشركين، إن أوْلى الناس بإبراهيم لَلذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا، والله ولي المؤمنين}.

فالقائلون بهذا القول مخالفون لما في كتاب الله تعالى مخالفة ظاهرة، خارجون عن إجماع الأمة كلها وعن دين الإسلام، وقد قال الله عز وجل {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}.

* ـ القول الثاني الذي أراه صحيحا راجحا هو أن تلك الرسالات هي أديان سماوية ثلاثة، وهي مُوحًى بها من الله جل جلاله للنبيين المرسَلين موسى وعيسى ومحمدٍ عليهم صلوات ربي وتسليماته، وأن كل واحد منها يشمل الاعتقاد والأخلاق والتشريعات العملية في العبادات والمعاملات، وأنه لا اختلاف بينها في أصول الاعتقاد والأخلاق، لكن تختلف في كثير من التشريعات العملية في العبادات والمعاملات.

هنالك عدد من الاستدلالات والقرائن تشير إلى رجحان هذا القول:

منها أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث للعالمين كافة، ولقيَ كثيرا من اليهود والنصارى وكتبَ رسائلَ للملوك وبعضُهم نصارى، وكان يدعوهم للإيمان بالدين الذي أُوحي به إليه من الله تعالى ولم يجئ عنه إطلاقا أنه قال لهم إن ديننا واحد، ولا أنه قال لهم إن الدين واحد فتعالوْا نتباحث في حقيقة الدين مثلا.

ومنها أن الله عز وجل قال في كتابه الكريم {يا أهل الكتاب لا تغْلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق}، فإذا كان الدين واحدا فلمَ جاء الخطاب لهم بلفظ {لا تغْلوا في دينكم}؟!، ولو كان الدين بيننا وبينهم واحدا لجاء الخطاب بلفظ "لا تغْلوا في الدين".

ومنها ما روتْ أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها في قصة الهجرة إلى الحبشة، حيث ذكرت أن النجاشيَّ سأل الصحابة الذين كانوا عنده فقال: "ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟!". وكان النجاشي إذ ذاك نصرانيا، فلم يقل واحد منهم لا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ولا غيره إن ديننا واحد. [هذه القصة رواها ابن إسحاق في السيرة وابن حنبل في مسنده بسند صحيح].

ومنها ما رواه ابن حنبل في المسند عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: أخَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: «أمَا إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم». ورواه كذلك عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما ينتظرها أحد من أهل الأديان غيركم». [والسند صحيح].

لا شك في أن أول من ينصرف إليهم ذهن الصحابة المخاطَبين بهذا القول هم أهل الكتاب، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليهم بقوله «من أهل الأديان»، وهذا يعني أن ديننا ودينهم أديان وليست دينا واحدا.

ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعد سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"، وهذا يعني أن مسمَّى الدين ليس هو الإيمانَ والإحسانَ فقط، وإنما يشمل الإسلام كذلك، ومن المعلوم قطعا أن شرائع الإسلام تختلف، فلا يمكن أن تكون اليهودية والنصرانية والإسلام دينا واحدا، وربنا جل وعلا يقول {لكلٍّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا}.

ـ هل كل الأنبياء دينهم هو الإسلام؟:

الإسلام هو الاستسلام، تقول للرجل أسلمْ، ومعناها استسلمْ، أي الزم الخضوعَ والانقياد والإذعان، والمراد هنا الخضوع والانقياد والإذعان لله رب العالمين، وبهذا المعنى فدعوة كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي الإسلام والاستسلام التام لله سبحانه وتعالى. هذا من حيث المعنى.

أما من حيث التسمية فالإسلام هو الدين الذي أرسل الله عز وجل به نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، فأتباعه هم المسلمون ودينهم هو دين الإسلام، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى {هو اجتباكم، وما جعل عليكم في الدين من حرج، ملةَ أبيكم إبراهيم، هو سمَّاكم المسلمين}.

إذا كان كل أتباع الديانات السماوية يصح أن نسميهم مسلمين فلمَ جاء قوله تعالى خطابا لنا معشرَ الأمة المحمدية {هو سمَّاكم المسلمين}؟!.

* ـ هناك قول ثالث أراه صحيحا مرجوحا لا يختلف في حقيقته عن القول الثاني في شيء سوى في مسألة واحدة يختلفان فيها اختلافا لفظيا، خلاصته هي أن تلك الرسالات السماوية إنما هي دين واحد بالنظر إلى أنها مُوحًى بها من الله جل جلاله وأنه لا اختلاف بين تلك الرسالات في أصول الاعتقاد، وأنه لا يتم إيمان أحد من أتباع تلك الرسالات إلا بأن يؤمن بكل الأنبياء والمرسلين الذين أدركهم وبالكتب الإلهية المنزَّلة عليهم.

وهذا يعني أن أي واحد من أتباع الرسالة اليهودية أو النصرانية إذا أدرك بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به نبيا ورسولا أو لم يؤمن بالقرآن الكريم كتابا مُوحًى به من الله جل جلاله ومنزَّلا عليه فليس بمؤمن أصلا.

أهل هذا القول مقرُّون بأن الإيمان بأنبياء الله تعالى ورسله كلِّهم وبالكتب السماوية كلِّها هو من العقائد التي جاءت بها كل الرسالات السماوية، وأن كل مَن آمن بنبي من أنبياء الله تعالى وبما أُرسل به فإن إيمانه لا يصح إلا بأن يؤمنَ بكل الأنبياء السابقين ويعقدَ العزم على الإيمان بكل الأنبياء اللاحقين وبكل ما يبلغونه عن الله، ومنه الإيمانُ بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا وأنه خاتِم النبيين والمرسلين وبالقرآن الكريم كتابا منزَّلا من الله عز وجل، وهذا لكل من أدرك بعثة هذا النبي الكريم عليه صلوات الله وسلامه.

وذلك للأدلة القطعية الكثيرة في هذا، منها ما تقدم من قبل، ومنها قوله تعالى {ورحمتي وسعتْ كل شيء، فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل}، ومنها قوله تعالى {قل أي شيء أكبر شهادة، قل الله شهيد بيني وبينكم، وأوحِي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ}.

وههنا نقطة قد يكون فيها شيء من الغموض لا بد من إيضاحها، تلك هي أن أتباع الديانات السابقة ممن آمنوا بسيدنا موسى أو بسيدنا عيسى عليهما الصلاة والسلام قد أُخِذ عليهم الميثاق بوجوب الإيمان بنبي مذكور في كتابَيْهم باسمه ونعته، وهو محمد عليه الصلاة والسلام، فإذا لم يؤمنوا به وبما جاء به من عند الله فقد اختل إيمانهم بالدين الذي يظنون أنهم مؤمنون به أصلا.

إذا كان الأمر كذلك فلا خلاف في مسألة الإيمان المنجي من عذاب الآخرة والمقبولِ من رب العالمين، وينحصر الخلاف بعد ذلك في أننا هل نسمي الرسالات السماوية أديانا أو نقول إنها دين واحد بالمعنى الذي سبق بيانُه، وعلى هذا فمن قال إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دعوتهم في العقائد واحدة ودينهم واحد بهذا المعنى فهذا صحيح لا يختلف فيه اثنان إلا من حيث التسمية.

ـ بقيت ههنا نقطة لا بد من التحدث عنها، هي أن أهل هذا القول يستدلون على قولهم بإحدى الروايات المروية عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وذلك أن البخاري ومسلما رحمهما الله رويا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء أولاد عَلَّات، ليس بيني وبينه نبي». هذا حديث ثابت بهذا اللفظ، وفي بعض طرق هذا الحديث عندهما زيادة "ودينهم واحد". [قوله "أولاد عَلَّات" أي إخوة لأب واحد وأمهاتهم شتى، أراد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة].

لو صحتْ زيادة هذه اللفظة "ودينهم واحد" لكان في هذه الرواية حجة لصحة هذا القول، لكنها ليست ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أشار الإمام مسلم رحمه الله إلى أن هذه الزيادة معلولة.

وهذا ما جعلني أرجح ما جاء في القول الثاني وهو أن الرسالات السماوية هي أديان متعددة وليست دينا واحدا.

وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 7/ 1/ 1444، الموافق 5/ 8/ 2022، والحمد لله رب العالمين.