الأربعاء، 27 نوفمبر 2019

حديث "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة"


* ـ حديث "من رآني في المنام" رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد من الصحابة، منهم أبو هريرة.
ورواه عن أبي هريرة خمسة من التابعين: أبو صالح ذكوان السمان، ومحمد بن سيرين، وكليب بن شهاب، وعبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرَقة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
الروايات عن التابعين الأربعة الأُوَل من أولئك الخمسة متوافقة من طرقها المحفوظة على أن لفظ الحديث هكذا "من رآني في المنام فقد رآني"، وأما الرواية عن التابعي الخامس فقد اختلف فيها اللفظ عن سائر الروايات اختلافا مباينا.
* ـ فأما طريق أبي صالح فرواه البخاريُّ عن موسى بن إسماعيل، والبزارُ عن هلال بن يحيى، كلاهما عن أبي عَوانة الوضاح بن عبد الله اليشكُري عن أبي حَصين عثمان بن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي".
وكذا رواه ابن حنبل عن محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي حَصين به.
وكذا رواه ابنُ حنبل عن عبد الرحمن بن مهدي، وأبو عوانة الإسفَراييني من طريق معاوية بن هشام، وابنُ أبي شيبة عن وكيع، ثلاثتهم عن سفيان الثوري عن أبي حَصين به.
ـ وأما طريق محمد بن سيرين فرواه مسلم من طريق حماد بن زيد عن أيوبَ السختياني وهشامِ بنِ حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم به.
ورواه ابن حنبل والترمذي في الشمائل وأبو عوانة من طرق عن هشام بن حسان به، ورواه الترمذي في السنن [2280] والبزار [9976] من طريق قتادة عن ابن سيرين به بنحوه "من رآني في المنام فإني أنا هو، فإنه ليس للشيطان أن يتمثل بي". هذا اللفظ في رواية البزار، وسقط عند الترمذي لفظة "في المنام".
ـ وأما طريق كليب بن شهاب فرواه مسدد وابن سعد وابن راهويه وابن حنبل والترمذي في الشمائل والبزار من طرق عن عاصم بن كليب بن شهاب عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم به.
ـ وأما طريق عبد الرحمن بن يعقوب فرواه ابن ماجه وأبو يعلى [6488] وأبو عوانة واللالكائي من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم به.
* ـ وأما طريق أبي سلمة فاللفظ فيه مباين للفظ الذي تقدم في الروايات السابقة:
فقد رواه مسلم وأبو داود وأبو عوانة من طرق عن عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد، ورواه مسلم وابن حنبل واللالكائي من طريق ابن أخي الزهري، والطبرانيُّ في مسند الشاميين من طريق محمد بن الوليد الزُبيدي، وابنُ المقرئ في معجمه من طريق عُقيل بن خالد، أربعتهم عن ابن شهاب الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة". أو: "لكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي". هكذا على الشك في أي اللفظتين هي المسموعة، ولعل الشك هو من ابن شهاب الزهري رحمه الله.
ورواه البخاري عن عبدان عبد الله بن عثمان بن جبلة عن عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد به، ولفظه "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي".
* ـ وقع في الرواية الأخيرة الجزمُ بأن لفظ الحديث هو "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة"، وهذا وهَم لا شك في ذلك، لأنها مخالفة لرواية عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد، ولرواية ابن أخي الزهري ومحمد بن الوليد الزُبيدي وعُقيل بن خالد، وهؤلاء رووا الحديث عن ابن شهاب الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة". أو: "لكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي". هكذا على الشك.
وهذا اللفظ الذي هو من رواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ليس ثابتا عن أبي هريرة أصلا، لأن هذا الحديث رواه أربعة آخرون من التابعين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رآني في المنام فقد رآني".
رواية الجماعة هي الثابتة دون رواية الراوي الذي انفرد دونهم بلفظ مخالف لما رووه، واللفظ الذي رواه الجماعة هو الراجح، والذي انفرد به واحد دونهم هو المرجوح.
* ـ هذا وللفظ المرجوح شاهد رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن شريح عن عبد الرحمن بن عتبة المعافري عن أبيه أنه سمع مالك بن عبد الله الخثعمي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي".
[عبد الرحمن بن عتبة المعافري وأبوه ذكرهما ابن يونس في تاريخه وبيَّض لهما فلم يذكر فيهما جرحا ولا تعديلا. قال ابن يونس: عبد الرحمن بن عتبة بن يَعْفُر بن غَنْم المعافري: يروي عن أبيه، روى عنه عبد الرحمن بن شريح، ولم يرو عنه غيره. وقال: عتبة بن يَعْفُر بن غَنْم المعافري: يروي عن عقبة بن عامر ومالك بن عبد الله الخثعمي، روى عنه ابنه عبد الرحمن. ونقل عنه ابن ماكولا في الإكمال ما قاله فيهما]. وحيث إنه لم يُذكر عن هذين الراويين ما فيه دلالة على ضبطهما فهذا الإسناد ضعيف لا يُعتمد عليه.
* ـ خلاصة البحث:
حديث "من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي" حديث صحيح من رواية أربعة من التابعين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
لهذا الحديث رواية أخرى "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة"، وهذه الرواية رواها البخاري، وليست ثابتة بهذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 29/ 3/ 1441، الموافق 26/ 11/ 2019، والحمد لله رب العالمين.


الأربعاء، 30 أكتوبر 2019

حديث "خيركم من طال عمره وحسن عمله"



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، رب تمم بالخير، واختم لنا بالخير، بفضلك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
رُوي هذا الحديث من رواية أبي بكرة وعبد الله بن بسر وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك:
ـ فأما حديث أبي بكرة فرواه أبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وابن حنبل والدارمي والترمذي والبزار والطحاوي في مشكل الآثار من طرق عن علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أنه قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس خير؟. فقال: "مَن طال عمره وحسن عمله". ورواه ابن حنبل والطحاوي في مشكل الآثار والحاكم من طرق عن الحسن عن أبي بكرة به.
وروى ابن عدي في الكامل بسند صحيح عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد أنه قال: ربما حدث الحسنُ بالحديث أسمعه منه، فأقول يا أبا سعيد أتدري من حدثك؟!، فيقول لا أدري إلا أنه سمعته من ثقة، فأقول أنا حدثتك.
والظاهر أن الحسن البصري كان قد سمع هذا الحديث من علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فرواه عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من تدليس الإسناد.
[علي بن زيد بصري ضعيف مات سنة 131، قال الترمذي في السنن: علي بن زيد صدوق إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره. عبد الرحمن بن أبي بكرة ثقة. الحسن البصري لم يثبت أنه سمع من أبي بكرة، وهو قد يدلس الإسناد ولم يصرح بالسماع]. فهذا الإسناد ضعيف.
ـ وأما حديث عبد الله بن بسر فرواه ابن أبي شيبة وابن حنبل والترمذي والطبراني في مسند الشاميين وابن المقرئ والبيهقي من طريق معاوية بن صالح، وابنُ حنبل وأبو زرعة الدمشقي في الفوائد المعللة والطبراني في مسند الشاميين من طريق حسان بن نوح، والطبرانيُّ في مسند الشاميين من طريق محمد بن الوليد الزبيدي ومن طريق صبيح بن محرز، والخطيبُ البغدادي في تلخيص المتشابه من طريق عمر بن جُعْثُم، خمستهم عن عمرو بن قيس السَكوني، ورواه الضياء المقدسي في المختارة من طريق أبي أحمد الحاكم بسنده عن أرطاة بن المنذر، كلاهما عن عبد الله بن بسر أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس خير؟. فقال: "مَن طال عمره وحسن عمله".
[عمرو بن قيس السَكوني حمصي ثقة مات سنة 136 تقريبا. أرطاة بن المنذر حمصي ثقة مات سنة 162]. طريق أبي أحمد الحاكم عن أرطاة بن المنذر سنده جيد، فإسناد هذا الحديث صحيح عن عبد الله بن بسر.
لكن هذا لا يعني أنه صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا إذا تأكدنا من أن عبد الله بن بسر هذا صحابي، والظاهر أنه ليس كذلك، لما سيأتي.
ورواه علي بن الجعد وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني وأبو نعيم في الحلية من طريق إسماعيل بن عياش، والطبرانيُّ في الأوسط من طريق الحارث بن يزيد السَكوني الحمصي، كلاهما عن عمرو بن قيس السَكوني عن عبد الله بن بسر المازني.
من هو عبد الله بن بسر؟ هل هو عبد الله بن بسر المازني أو غيره:
أكثر الرواة لهذا الحديث لم يذكروا عبد الله بن بسر منسوبا، فيحتمِل أن يكون هو المازنيَّ الحمصي، وهذا صحابي مات سنة 88 وهو ابن 94 سنة، وقال أبو القاسم عبد الصمد بن سعيد مات سنة 96 وهو ابن مئة سنة، وقال الخطيب البغدادي في تلخيص المتشابه بلغ مئة سنة، ويحتمِل أن يكون هو النصريَّ الدمشقي، وهذا ذكره ابن عبد البر وابن حجر في الصحابة ولا تثبت صحبته، ويحتمِل أن يكون هو الحُبْرانيَّ، وهذا حمصي نزل البصرة مات قرابة سنة 135، وهو ضعيف.
إسماعيل بن عياش الذي قال هو المازني لا يُحتج به لما فيه من ضعف، وكذا الحارث بن يزيد السَكوني، فهو وإن ذكره ابن حبان في الثقات فقد قال فيه أبو حاتم مجهول. فإسناد هذا الحديث عن عبد الله بن بسر المازني ضعيف.
ـ وأما حديث أبي هريرة فرواه ابن المبارك في الزهد وفي المسند عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم به نحوه. [يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب التيمي مدني منكر الحديث متروك]. فهذا الطريق تالف.
ورواه ابن أبي شيبة وابن حنبل والبزار وابن حبان والبيهقي من ثلاثة طرق عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خيركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا". محمد بن إسحاق قد يدلس الإسناد ولم يصرح بالسماع، فهذا الطريق ضعيف.
ورواه ابن حبان من طريق محمد بن عثمان العقيلي عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق أنه قال حدثني محمد بن إبراهيم التيمي. [محمد بن عثمان العقيلي ذكره ابن حبان في الثقات وقال يغرب]. فهذا الطريق لا يُعتمد عليه.
ـ وأما حديث جابر فرواه عبد بن حُميد من طريق عبد الله بن عامر عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا". [عبد الله بن عامر القارئ مدني ضعيف في رواية الحديث، مات سنة 151].
ورواه الحاكم والبيهقي من طريق أيوب بن سليمان بن بلال عن أبي بكر عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله به نحوه. [أيوب بن سليمان بن بلال مدني، وثقه أبو داود وغيره، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو الفتح الأزدي والساجي: يحدث بأحاديث لا يُتابع عليها. وضعفه ابن عبد البر، فهو صدوق فيه لين، مات سنة 224].
ورواه قوام السنة في الترغيب والترهيب من طريق عاصم بن علي عن أبي معشر عن محمد بن المنكدر عن جابر. [عاصم بن علي بن عاصم الواسطي صدوق فيه لين مات سنة 221. أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي مدني ضعيف واختلط بآخره، مات سنة 170].
وقال الدارقطني: اختُلف فيه على ابن المنكدر: فرُوي عن زيد بن أسلم وأبي معشر عن ابن المنكدر عن جابر، ورواه عبد العزيز بن الماجشون عن ابن المنكدر مرسلا. قلت: فحديث جابر ضعيف الإسناد.
ـ وأما حديث أنس فرواه أبو يعلى من طريق سهيل عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا أنبئكم بخياركم؟!". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "خياركم أطولكم أعمارا إذا سددوا". [سهيل بن أبي حزم بصري ضعيف مات قبل سنة 175]. فهذا الإسناد ضعيف.
ثم إنه لو لم يكن ضعيفا لما كان فيه حجة لمن يريد أن يحتج به، لأن البزار رواه في مسنده بالإسناد عينه بلفظ مغاير، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أنبئكم بخياركم؟!". قالوا: بلى. قال: "أحاسنكم أخلاقا".
* ـ هل تتقوى هذه الطرق الضعيفة ببعضها؟:
اشترط الإمام الترمذي رحمه الله في ترقية الأسانيد الضعيفة أن لا يكون الحديث شاذا، والمتأخرون يرون أن الحديث الذي تعددت طرقه وكان ضعفها ليس شديدا يرتقي لمرتبة الحسن، وأهملوا الشرط الثالث إهمالا تاما.
هل هذا الحديث فيه شذوذ؟:
آيات القرآن الكريم تربط الفضل ورفعة الدرجة بالعمل الصالح، فقد قال الله تعالى {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما}.
هذا ما يقوله لنا ربنا عز وجل، أما الحديث المروي عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فهو في واد آخر، إذ يُنسب لطلحة رضي الله عنه أن رجلين قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسلامهما جميعا، وكان أحدهما أشد اجتهادا من صاحبه، فغزا المجتهدُ منهما فاستُشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي، قال طلحة فيما نُسب إليه: فرأيت فيما يرى النائم كأني عند باب الجنة، إذا أنا بهما وقد خرج خارج من الجنة فأذن للذي تُوفي الآخِرَ منهما، ثم خرج فأذن للذي استُشهد، ثم رجعا إلي فقالا لي ارجع فإنه لم يأنِ لك بعد. فأصبح طلحة يحدث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مِن أي ذلك تعجبون؟!". قالوا: يا رسول الله، هذا كان أشدَّ اجتهادا ثم استُشهد في سبيل الله ودخل هذا الجنة قبله؟!. فقال: "أليس قد مكث هذا بعده سنة؟!". قالوا: بلى. قال: "وأدرك رمضانَ فصامه؟". قالوا: بلى. قال: "وصلى كذا وكذا سجدة في السنة؟". أو قال: "وصلى بعده ستة آلاف ركعة؟!". قالوا: بلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَلَمَا بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض".
وهذا يعني أن مَن صحب النبي صلى الله عليه وسلم وطال عمره فصلى عددا كثيرا من الصلوات وصام عددا كثيرا من الرمضانات هو أفضل عند الله تعالى ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم وجاهد واستُشهد وكان أشد اجتهادا في العبادة!، وأنه أفضل من معظم الصحابة الذين استُشهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم!، وأنه أفضل ممن بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة!. وهذا الحديث مخالف لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من فضل طلحة رضي الله عنه وبشارته له بالجنة.
ـ ثم إن المعهود في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يربط الخيرية والأفضلية بطول العمر:
فمن ذلك ما رواه البخاري عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
ومن ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن خياركم أحاسنكم أخلاقا".
ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة والخرائطي في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم".
ومن ذلك ما رواه محمد بن نصر في كتاب تعظيم قدر الصلاة عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا أخبركم بأكملكم إيمانا؟!: أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون".
ومن ذلك ما رواه ابن حنبل عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خياركم من أطعم الطعام ورد السلام".
ـ وروى البخاري عن مرداس بن مالك الأسلمي رضي الله عنه وكان من أصحاب الشجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يُقبض الصالحون الأول فالأول، وتبقى حفالة كحفالة التمر والشعير، لا يعبأ الله بهم شيئا".
محل الشاهد في قوله "الأول فالأول"، فالصالحون ليس الأعلى فيهم من يُؤخر في أن يعيش أكثر من أصحابه، ولكنه الأكثر صلاحا وإن قُبض قبلهم.
ـ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الهرم، والهرم كِبَر السن:
فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر".
وروى البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والمغرم، ومن فتنة القبر وعذاب القبر، ومن فتنة النار وعذاب النار". وروى مسلم نحوه من حديث زيد بن أرقم وعبد الله بن مسعود.
ـ الخلاصة:
حديث "خيركم من طال عمره وحسن عمله" أسانيده ضعيفة، ولا تتقوى ببعضها لشذوذ المتن، والله أعلم.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 8/ 10/ 1439، الموافق 22/ 6/ 2018، سوى بعض الإضافات اليسيرة، والحمد لله رب العالمين.



الثلاثاء، 1 أكتوبر 2019

مقام الداعية ومقام الحاكم أو القاضي‎

قد يقول بعض الناس: يوجد فيمن يدَّعون الإسلام منافقون وزنادقة ومرتدون يتظاهرون بأنهم يصلون ويصومون مع المسلمين، فهل هؤلاء إخوة لنا في الدين ويجب علينا أن نعاملهم كما نعامل المسلم الصادق في إيمانه؟!.
أقول:
شتان بين التعامل مع الإنسان الذي يصلي ويصوم مع المسلمين ولم يظهر عليه ما يخالف ذلك مما لا يحتمل تأويلا وبين الذي ظهرت عليه علامات النفاق القطعية التي لا تحتمل التأويل، ولكلٍّ حكمه.
ثم إن هناك مقامَ الدعوة وتأليفِ القلوب واحتمال الأذى والعدوانِ والتهجيرِ والتشريد ومقامَ محاسبة المجرمين على جرائمهم إذا كان هنالك دولة وقانون وقضاء:
فإذا كنتَ في مقام الداعية فانظر إلى الحديث الذي رواه البخاري رحمه الله عن خباب بن الأرت رضي الله عنه أنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟!، ألا تدعو الله لنا؟!. فقال: "كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض فيُجعل فيه فيُجاء بالمنشار فيُوضع على رأسه فيُشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".
وانظر كذلك إلى الشطر الأول من الحديث الذي رواه البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: بعث عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذُهَيبة في أديم مقروظ، فقسمها رسول الله بين أربعة نفر، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحقَّ بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: "ألا تأمنوني وأنا أمين مَن في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء؟!". فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار فقال: يا رسول الله اتقِ الله. قال: "ويلك، أولست أحقَّ أهل الأرض أن يتقي الله؟!". ثم ولـَّى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟!. قال: "لا، لعله أن يكون يصلي". فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه!. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم".
وإذا كنتَ في مقام القاضي إذا كانت هناك دولة وقانون ونظام قضائي فانظر إلى الشطر الثاني من هذا الحديث، فتتمته هي أن أبا سعيد الخدري قال: ثم نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقفٍّ فقال: "إنه يخرج من ضِئْضِئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد".
وتأمل الفرق بين ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذي اعترض على قضائه وأظهر عدم الرضا بحكمه مع التماس العذر له بأنه لعله أن يكون يصلي، وبين ما قاله عن الذين يخرجون من نسله ويتلون كتاب الله رطبا.
وتأمل قولَ خالد بن الوليد رضي الله عنه: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه!.  وجوابَ النبي صلى الله عليه وسلم له وقد أقره ولم يعترض عليه: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس".
إشكال آخر وجواب:
قد يقال: الظاهر أن قتل ذاك المعترض على النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة القطعة الذهبية أولى من قتل الذين سيخرجون من نسله فيما بعد، لأن ذلك المعترض كفر كفرا واضحا بيِّنا باتهامه للنبي صلى الله عليه وسلم بالمحاباة وعدم العدل، وقوله له "كنا نحن أحقَّ بهذا من هؤلاء". وقوله له كذلك "يا رسول الله اتقِ الله". والذين خرجوا من نسله فيما بعد اعترضوا على حكم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قبوله التحكيم ولم يعترضوا على رسول الله!.
أقول:
ظاهر الأمر هو كذلك، وهنا يظهر السر في التفريق بين مقام الداعية ومقام الحاكم أو القاضي.
فالنبي صلى الله عليه وسلم رجَّح في ذلك الموقف مقام الداعية، حيث إن ذلك المعترض رجل واحد ليس وراءه جماعة كبيرة متمردة تساعده في ذلك على تهديد الأمن، ولم يأذن لخالد بن الوليد رضي الله عنه في قتله، وعلمَ ـ بإعلام الله تعالى إياه ـ أنه سيخرج من نسل ذلك المعترض قوم غلاظ عتاة بغاة يعْميهم ما هم عليه من الكبْر والجهل والاستخفاف بالخليفة الراشد ويستجرهم إلى الخروج عليه وتهديد الأمن والاستقرار، وفي مثل تلك الحال يحْسُن ترجيح مقام الحاكم أو القاضي الذي يمنع هؤلاء القوم من التمادي فيما هم عليه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد". وهذا ما فعله أمير المؤمنين علي رضي الله عنه.

الثلاثاء، 6 أغسطس 2019

هذا عثمان بن عفان رضي الله عنه


روى عمر بن شبة في تاريخ المدينة عن عمران بن عبد الله بن طلحة أن عثمان رضي الله عنه خرج لصلاة الغداة، فدخل من الباب الذي كان يدخل منه، فزحمه الباب، فقال: "انظروا". فنظروا، فإذا رجل معه خنجر أو سيف، فقال له عثمان رضي الله عنه: "ما هذا؟!". قال: أردت أن أقتلك!. قال: "سبحان الله، ويحك، علامَ تقتلني؟!". قال: ظلمني عاملك باليمن. قال: "أفلا رفعتَ ظلامتك إلي؟!، فإن لم أنصفك أو أعْديك على عاملي أردتَ ذاك مني". فقال لمن حوله: "ما تقولون؟". فقالوا: يا أمير المؤمنين، عدو أمكنك الله منه. فقال: "عبدٌ همَّ بذنب فكفه الله عني، ائتني بمن يكفل بك لا تدخل المدينة ما وليتُ أمر المسلمين". فأتاه برجل من قومه، فكفل به، فخلى عنه. قال عمران: فوالله ما ضربه سوطا ولا حبسه يوما.
أقول: هكذا كان الخلفاء الراشدون، وهكذا فلتكن القدوة أيها المسلمون.

الخميس، 18 يوليو 2019

من رسائل المعقِّبين (٢٥٧) ـ ما ضابط أهل السنة ؟ وهل نحن ملزمون باتباع العلماء السعوديين ؟

 ضابط أهل السنة ؟
وهل نحن ملزمون باتباع العلماء السعوديين ؟
السؤال :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ما ضوابط أهل السنة؟ هل لكون أحدا من المسلمين سنيا يلزم عليه فتوى علماء السعودين؟ بأي شيئ يخرج من الأهل السنة؟ هل يخرج من أهل السنة بمجرد إنكار فتوى علماء الحرمين؟ هل فرق الإسلامية المعصرين الذين أسس لنصرة الإسلام بعلماء ومفكرين المجددين يخرجون من أهل السنة لكونهم لن ينتسبوا لدعوة محمد بن عبد الوهب؟ أجبوني الشيخ لأن في بلادنا شدد علينا بعض شباب الذين يأكلون ليل النهار لحوم العلماء بحجة دفاع عن الدين وبحجة كذلك فعل العلماء النقاد لتميز الحديث بين الضعيف والصحيح .


الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أهل السنة هم كل الذين يعتقدون أن القرآن الكريم هو الأصل الذي يُرجع إليه في كل المعارف الدينية وأنه لا بد من الرجوع كذلك إلى الأصل الثاني وهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم من قول وفعل وتقرير ويرضون بحكمهما وبكل ما تفرع عنهما مبتعدين عن اتباع الهوى
بعض الناس يظنون أن فهمهم للكتاب والسنة هو الفهم الصحيح وأن كل ما عداه باطل فيحكمون تبعا لذلك بأنهم هم أهل السنة وأن كل أهل المذاهب السنية الأخرى ليسوا من أهل السنة
وفي هذا ظلم كبير لمذهب أهل السنة
ومن الغريب أنه يغلب عليهم أنهم لا يقبلون من غيرهم بحثا ولا نصحا ولا توضيحا
لا يجوز إنكار فضل أي إنسان إذا كان له فضائل بسبب تقصيره في بعض الأمور الأخرى
قد نجد بعض شرائح المسلمين بذلوا جهدا كبيرا في خدمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندهم حرص على اتباع السنن النبوية وهذا يُشكرون عليه ولكن هذا لا يبيح لهم أن ينكروا جهود غيرهم وما عند غيرهم من الفضائل
يجب على المؤمنين أن يتعاونوا فيما بينهم على ما وقع الاتفاق عليه وأن يتابعوا البحث بكل صدق وإخلاص لتوسيع دائرة المتفق عليه وتقليص دائرة المختلف فيه وأن يلتمس بعضهم لبعض العذر بعد ذلك فيما اختلفوا فيه وأن لا يملوا من أن يسألوا المولى تبارك وتعالى أن يهديهم للحق الذي يرضيه
اللهم اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم
لقد وصف ربنا جل وعلا المؤمنين بقوله أذلةٍ على المؤمنين وبقوله رحماءُ بينهم فمن لم يتحقق بهذا الوصف فهذا بسبب ضعف الإيمان
ينبغي أن نطالب أنفسنا بالتحقق بهذا قبل أن نطالب به غيرنا
اللهم اجمعنا على ما يرضيك واجعلنا من المتحابين فيك يا رب العالمين

الاثنين، 24 يونيو 2019

تعليق على مقالة موقف الشيخين البخاري ومسلم رحمهما الله ‎

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.

تعليق على مقالة موقف الشيخين البخاري ومسلم رحمهما الله

أرسل أحد الإخوة الأعزاء لي مقالة كتبها أحد الباحثين، وطلب مني أن أكتب تعليقا، فجزاه الله خيرا على حسن ظنه بأخيه، وهذه بعض التعليقات:
ـ قال الباحث: "قالوا: ما موقف الشيخين من الأحاديث التي اختُلف فيها رفعا ووقفا أو وصلا وإرسالا؟. قلت: موقفهما هو الترجيح بأحد وجوه الترجيح، فيتبعان الدليل في ترجيح الرفع أو الوقف، والوصل أو الإرسال، فإذا ترجح رفعُ الحديث المختلف فيه ووصْلُه أدخلاه في كتابيهما، وإن ترجح الوقف أو الإرسال لم يدخلاه، وإذا صعُب الترجيح حكما عليه بالاضطراب ورداه، وهما مجتهدان، قد يتفقان على الحكم وقد يختلفان فيه".
أقول:
جزى الله الكاتب خيرا، ولا شك في أن الإمامين البخاريَّ ومسلمًا هما من كبار أئمة علم الحديث الشريف المجتهدين فيه، والمجتهد إذا اجتهد وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد.
ـ قال الباحث: "قالوا: قد ظهر قِبلنا ناس يدَّعون أنه إذا اختُلف في الحديث رفعا ووقفا، ووصلا وإرسالا، أعلا الحديث وأسقطاه. قلت: هذا قول الجاهل بالكتابين، ولا أستبعد أن يخرج من ضئضئ هذا أقوام ينتحلون أن الراوي إذا اختُلف فيه تعديلا وجرحا، وتزكية وطعنا، أسقطه الشيخان ولم يخرجا له في كتابيهما، ومالكم تتلقفون أقوال السفهاء الساقطين، والطائشين المغفلين؟. قالوا: قد فتِن البسطاء بأمثالهم، فوددنا لو رددت عليهم. قلت: أعوذ بالله من أن أضيع وقتي وراء المبتلين بالخرق والرعونة، فاعذروني".
أقول:
لا أعرف أحدا قال بأنه إذا اختُلف في الحديث رفعا ووقفا أو وصلا وإرسالا بهذا الإطلاق فإن البخاري ومسلما رحمهما الله يعلان الحديث ويسقطانه.
لا يخفى على طلاب العلم أن القول بإعلال المرفوع بالموقوف والمتصل بالمرسل مطلقا قد قال به بعض أهل الحديث، وهو وإن كان مذهبا ضعيفا فلعل بعض طلاب العلم ظن أن البخاري ومسلما كانا على هذا المذهب!.
ومن الغريب أن يعزوه الحافظ الخطيب البغدادي المتوفى سنة 463 إلى أكثر أصحاب الحديث!، فقد قال في كتاب الكفاية عن الحديث الذي يُروى في بعض طرقه مسندا متصلا وفي بعض طرقه مرسلا: "قال أكثر أصحاب الحديث إن الحكم في هذا أو فيما كان بسبيله للمرسِل، وقال بعضهم إن كان عدد الذين أرسلوه أكثر من الذين وصلوه فالحكم لهم، وقال بعضهم إن كان من أرسله أحفظ من الذي وصله فالحكم للمرسِل، ومنهم من قال الحكم للمسنِد إذا كان ثابت العدالة ضابطا للرواية فيجب قبول خبره ويلزم العملُ به وإن خالفه غيره وسواء كان المخالف له واحدا أو جماعة، وهذا القول هو الصحيح عندنا".
لا أشك في ضعف القول الذي عزاه الخطيب البغدادي رحمه الله إلى أكثر أصحاب الحديث، وأظنه مخطئا في هذا العزو، ولا أشك كذلك في ضعف القول الأخير الذي اعتمده.
لكن، إذا كان أحد طلاب العلم قد قال بأن البخاري ومسلما رحمهما الله يعلان ويسقطان الحديث إذا اختُلف فيه رفعا ووقفا أو وصلا وإرسالا بهذا الإطلاق فلا ينبغي أن يُقال فيه مثل ذلك الكلام الذي لا يليق.
كان أهل العلم يتعلمون الأدب والتواضع قبل تعلم العلم، فأسألُ المولى تعالى أن يرزقنا حسن الأدب وصحيح العلم وأن يمن علينا بالقبول.
ـ ذكر الباحث عددا من الأمثلة لأحاديث وقع الاختلاف في روايتها رفعا ووقفا أو وصلا وإرسالا وترجح لدى الإمامين البخاري ومسلم فيها الرفع والوصل فروياها في الصحيحين مرفوعة مسندة، وكأنه يرى أنهما مصيبان في تصحيحها، وأن هذا دليل على صحة كل ما روياه في صحيحيهما مما وقع الاختلاف في إسناده من حيث الرفع والوقف أو الوصل والإرسال!.
أقول: الشيخان رحمهما الله هما على الصواب في تصحيح تلك الأحاديث التي ذكرها، لكن لا يلزم من صواب ترجيحهما لصحتها وروايتهما لها في كتابيهما مرفوعة مسندة أن يكون كل ما صححاه مما وقع فيه الاختلاف صوابا كذلك، فالصحة إنما تُستفاد في هذا من قوة القرائن الدالة على ترجيح الرواية المسندة على ما خالفها، لا من مجرد رواية الحديث مسندا في كتابيهما، رحمهما الله تعالى وأجزل لهما المثوبة.
ـ عندي كتاب اسمه "منهج الإمامين البخاريِّ ومسلمٍ في إعلال المرويات الحديثية"، أرى أنه تحْسُن قراءته للتعرف على منهجهما رحمهما الله في الإعلال.
ـ وعندي بحث اسمه "أحاديث الصحيحين هل ضعَّف بعض العلماء بعضها"، أرى أنه تحْسُن قراءته لمعرفة أسماء العلماء الذين ضعَّفوا بعض الأحاديث المخرجة في الصحيحين أو أحدهما، منهم الإمام الشافعي والإمام أحمد ابن حنبل والدارقطني والبيهقي وابن عبد البر والباجي وابن الصلاح والنووي وابنُ حجر العسقلاني رحمهم الله تعالى.
ـ ينبغي لمن يقرأ تعليقي هذا أن يعرف مقام نفسه في هذا الباب، فإن كان فيه مجتهدا فعليه أن يبحث ويجتهد ويرجح ما ظهر له صوابه ورجحانه بالدليل، وإن كان في هذا الباب مقلدا فعليه أن يجتهد في معرفة مَن هو الأعلم في هذا الباب وأن يقلده فيما يقول فيه ويتمسكَ بذلك في خاصة نفسه، لكن لا يصح له أن يوازن ويرجح بين أقوال المجتهدين. وعندي في هذا بحث اسمه "رتبة الاجتهاد ورتبة التقليد"، أرى أنه تحْسُن قراءته لمن يريد التعرف على هاتين الرتبتين وما يتعلق بهما.
ـ وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 19/ 10/ 1440، والحمد لله رب العالمين.

الاثنين، 10 يونيو 2019

علم الكلام في حوار ھادئ



علم الكلام - في حوار 




علم الكلام في حوار هادئ
2

ـ قال الفقيه الحنبلي شمس الدين محمد بن مفلح المتوفى سنة 763 في كتاب الفروع وعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي المتوفى سنة 885 في كتاب الإنصاف: قال ابن الجوزي إما من عنده أو حكاية عن الشافعي ولم يخالفه: "لو أن رجلا وصى بكتبه من العلم لآخر وكان فيها كتب الكلام لم تدخل في الوصية، لأنه ليس من العلم". وذكر نحوَه برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح المتوفى سنة 884 في المبدع شرح المقنع ولم يعزه لأحد من أهل العلم.
ـ قال الفقيه الحنفي ابن نجيم في كتابه البحر الرائق: "في الخانية: وعن بعض أهل الفضل: رجل أوصى بأن تُباع كتبه ما كان خارجا من العلم وتُوقَف كتب العلم، ففُتش كتبه، فكان فيها كتب الكلام، فكتبوا إلى أبي القاسم الصفار، فكتب أن كتب الكلام تُباع، لأنها خارجة عن العلم".
ـ قال زين الدين ابن نجيم في البحر الرائق: "في الخلاصة عن الحلواني: يُمنع عن الصلاة خلف من يخوض في علم الكلام ويناظر صاحب الأهواء. وحمَله في المجتبى على من يريد بالمناظرة أن يزل صاحبه".
ـ قال محمد بن أبي بكر المرعشي الشهير بساجقلي زاده المتوفى سنة 1145 رحمه الله في كتابه ترتيب العلوم: "مِن المؤلفات في بعض مسائل الكلام: رسالة إثبات الواجب للدواني، ولها شرح وحاشية على الشرح يشتغل بمدارستها بعض الطلبة مقدار سنة، ومضمونها مسألة واحدة، هي أن للعالم إلها واجب الوجود، مع أدلة طويلة واهية، ومجادلات كثيرة لا ينتج عن الاشتغال بها إلا توهين العقيدة وإيراد الوساوس المهلكة، ومن شك في الله سبحانه فهيهات له اليقين من تلك الرسالة، بل الاشتغال بها يورث شكا لأرباب اليقين ويزيد شكا للشاكِّين". وقال: "كما هجر الغزاليُّ الكلام كذلك هجرتُه وتبرأت وتبت منه إلى الله تعالى الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وأسأل الله أنْ لا يحشرني يوم القيامة مع المتكلمين، وهذا القول مني بعد اشتغالي بالكلام وتأليفي فيه نشر الطوالع، والآن أتمنى أن أجمع نسخه المنتشرة وأحرقها بالنار لئلا يبقى مني أثر في الكلام، لكني لا أقدر على ذلك". ثم قال: "قال صلاح الدين في حاشية شرح العقائد: الاشتغال بتفاصيل علم الكلام يقسي القلب، ولذا نرى أكثر طلبته تاركي الصلاة ومرتكبي الكبائر ومضيعي العمر فيما لا يعنيهم". وعقب على هذا بقوله: "أما قسوة القلب فقد وجدناها بلا شك عند الاشتغال بها، فنسأل الله أن يقيلنا عثراتنا". ونقل عن شرح الفقه الأكبر للملا علي القاري أنه قال: "إن أدلة المتكلمين لا تشفى عليلا ولا تروي غليلا، فمآلها إلى الحيرة". كتبت هذه النبذة في 22/ 9/ 1440.
صلاح الدين المشار إليه هو صاحب حاشية على شرح سعد الدين التفتازاني على العقائد النسفية، وهو معلم السلطان بايزيد بن محمد خان. كذا في كشف الظنون.

* ـ قد يقول قائل: هل يوجد فرق بين علم الكلام وعلم الكلام الإسلامي؟.
أقول: أصل علم الكلام هو مما تكلم به غير المسلمين قبل الإسلام، وبينه وبين الفلسفة تداخل، فقد قال الإمام الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين: "الفلسفة ليست علما برأسها، بل هي أربعة أجزاء، أحدها الهندسة والحساب، الثاني المنطق، وهو بحث عن وجه الدليل وشروطه ووجهِ الحد وشروطه، وهما داخلان في علم الكلام، الثالث الإلهيات، وهو بحث عن ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته، وهو داخل في الكلام أيضا، والفلاسفة لم ينفردوا فيها بنمط آخر من العلم، بل انفردوا بمذاهب بعضها كفر وبعضها بدعة، والرابع الطبيعيات، وبعضها مخالف للشرع والدين والحق".
كثير من مسائل علم الكلام كانت موجودة في أبحاث الفلاسفة السابقين من اليونانيين وغيرهم، شأنها في ذلك شأن علم المنطق وغيره من فروع الفلسفة، وتسربت إلى الفكر الإسلامي مع حركة الترجمة من كتب الثقافات القديمة إلى اللغة العربية.
الأبحاث التي تناولها البحث في علم الفلسفة بما يشمل علم المنطق وعلم الكلام وغيرهما لا تعني في حد ذاتها الإيمان أو الكفر، ومنها مسألة الجزء الذي لا يتجزأ، ومسألة هل الكون في أقصى مداه خلاء أو مَلاء أو لا خلاء ولا مَلاء؟، ونحو ذلك، فبعض الفلاسفة أقر بعد كل تلك الأبحاث بأن لهذا الكون خالقا عظيما لأنه لا يمكن أن يكون من تلقاء ذاته، وبعضهم وقف مع الإنكار والجحود، والعياذ بالله تعالى.
هل كل تلك المعارف هي حقائق؟ أو مجرد ظنون؟ أو فيها وفيها؟، أمَّا بعدَ إذ أنار الله عز وجل بصائرنا بنور الوحي فكل ما جاءنا منهم موافقا لنصوص الوحي فهو حق، وما جاء مناقضا لها فهو باطل لا مرية فيه، وما سوى ذلك فالذي دل الدليل العقلي على صحته فهو صحيح، وما جاء مناقضا لأدلة العقول فهو باطل، وما لم يكن على إثباته أو نقضه دليل عقلي فهو ظن من الظنون التي لا تعنينا، وإن الظن في مثل هذا الباب لا يغني من الحق شيئا.
علماء الكلام المسلمون استفادوا من الطرق الفلسفية والمنطقية والكلامية في تأييد صحة العقائد الإيمانية للرد على أصناف من الكفار وأهل البدع، وذلك إلى جانب الأدلة العقلية المستنبطة من النصوص القرآنية والحديثية.
لكن معظم ما اشتمل عليه علم الكلام مما يُطلق عليه أنه أدلة وبراهين لا يعدو أن يكون تزويقات كلامية للرد والرد المضاد.
وهذا ما يفسر لنا السبب في رجوع عدد من أئمة علماء الكلام المسلمين عنه، كما يفسر لنا سبب وصْف الإمام الغزالي رحمه الله له بأنه فاسد، وأن فائدته هي الرد على بعض أهل البدع من علماء الكلام من باب أن معارضة الفاسد بالفاسد تدفعه.
وقد قال الإمام الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين: "حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من الأدلة التي يُنتفع بها فالقرآن والأخبار مشتملة عليه، وما خرج عنهما فهو إما مجادلة مذمومة وهي من البدع، وإما مشاغبةٌ بالتعلق بمناقضات الفِرَق لها وتطويلٌ بنقل المقالات التي أكثرها ترهات وهذيانات تزدريها الطباع وتمجها الأسماع، وبعضها خوض فيما لا يتعلق بالدين، ولم يكن شيء منه مألوفا في العصر الأول وكان الخوض فيه بالكلية من البدع، ولكن تغير الآن حكمه، إذ حدثت البدعة الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة، ونبغت جماعة لفقوا لها شُبها ورتبوا فيها كلاما مؤلفا، فصار ذلك المحذور بحكم الضرورة مأذونا فيه، بل صار من فروض الكفايات، وهو القدْر الذي يقابَل به المبتدع إذا قصد الدعوة إلى البدعة". فرحمه الله تعالى رحمه واسعة.
ـ تعريف علم الكلام عند كثير من العلماء المسلمين:
قال الشريف الجرجاني المتوفى سنة 816 في كتابه التعريفات: "علم الكلام: علم باحث عن الأعراض الذاتية للموجود من حيث هو على قاعدة الإسلام".
وقال السيوطي المتوفى سنة 911 في كتابه معجم مقاليد العلوم: "علم الكلام: ما يُبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته وأحوال الممكنات في المبدأ والمعاد على قانون الإسلام، وقيل: علم يُبحث فيه عن الأعراض الذاتية للموجود من حيث هو على قانون الإسلام، وقيل: علم يُقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه".
ـ هل هذه التعاريف هي تعريف بعلم الكلام؟:
أقول:
هذه التعاريف ليست تعريفا بعلم الكلام في أصل وضعه، وهي تعريف بما جرى عليه اصطلاح المتأخرين في تسميته بعلم الكلام.
علم الكلام في أصله ليس في مجمله علما صحيحا، وهو ما تبرأ منه ورجع عنه إمام الحرمين والغزالي والرازي وغيرهم.
أما كتب علم الكلام عند من ظنوه علما صحيحا ففيها مع ذكر العقائد الإسلامية أدلة عقلية واستدلالات كلامية، على تفاوت بينها في ذلك، وتلك الاستدلالات الكلامية لا معنى لإدخالها في كتب العقيدة.
كلامي وتعليقي في إيضاح هذه المسألة يستفيد منه إن شاء الله طالب العلم المنصف الذي يسعى لمعرفة حقيقة المسألة، ولا يكتمل فهمه لها ما لم يرجع إلى بعض تلك الكتب والقراءة فيها، وله أن يكتفي بالمثال الذي ذكرته في أصل هذا البحث من كلام سعد الدين التفتازاني رحمه الله.
وهذا مثال ثان من كتب علم الكلام لمن أراد مزيدا من التعرف على الاستدلالات الكلامية:
قال فخر الدين الرازي رحمه الله في كتابه معالم في أصول الدين: "القائم بنفسه إما أن يكون متحيزا أو لا يكون متحيزا، والمتحيز إما أن لا يكون قابلا للقسمة وهو الجوهر الفرد أو يكون قابلا للقسمة وهو الجسم، والقائم بالنفس الذي لا يكون متحيزا ولا حالا في المتحيز هو الجوهر الروحاني، ومنهم من أبطله فقال لو فرضنا موجودا كذلك لكان مشاركا للباري تعالى في كونه غير متحيز وغير حالٍّ في المتحيز فوجب أن يكون مثلا للباري، وهو ضعيف، لأن الاشتراك في السلوب لا يوجب الاشتراك في الماهية، لأن كل ماهيتين مختلفتين بسيطتين فلا بد أن تشتركا في سلب كل ما عداهما عنهما". ثم قال: "القول بالجوهر الفرد حق، والدليل عليه أن الحركة والزمان كل واحد منهما مركب من أجزاء متعاقبة، كل واحد منها لا يقبل القسمة بحسب الزمان، فوجب أن يكون الجسم مركبا من أجزاء لا تتجزأ، بيان المقام الأول في الحركة: وهو أنه لا بد أن يحصل من الحركة في الحال شيء وإلا لامتنع أن يصير ماضيا ومستقبلا، لأن الحاضر هو الذي يُتوقع حضوره ولم يحصل، فلو لم يكن شيء منه حاصلا في الحال لامتنع كونه ماضيا ومستقبلا فيلزم نفي الحركة أصلا وهو محال، ثم نقول: الذي وُجد منها في الحال غير منقسم انقساما ما يكون أحد نصفيه قبل الآخر، وإلا لم يكن كل الحاضر حاضرا، وهذا خُلفٌ، وإذا ثبت هذا فعند انقضاء ذلك الجزء الذي لا يقبل القسمة يحصل جزء آخر لا يقبل القسمة، وكذا الثالث، والرابع، فثبت أن الحركة مركبة من أمور كل واحد منها لا يقبل القسمة التي يكون أحد جزأيها سابقا على الآخر، وأما بيان أن الأمر كذلك في الزمان فالآن الحاضر الذي هو نهاية الماضي وبداية المستقبل لا يقبل القسمة، وإلا لم يكن حاضرا، وإذا عُدم يكون عدمه دفعة أيضا، فإن العدم متصل بآن الوجود، وكذا القول في الثاني، والثالث، فالزمان مركب من آنات متتالية كل واحد منها لا يقبل القسمة، وإذا ثبت هذا فالقدر الذي يتحرك المتحرك عليه بالجزء الذي لا يتجزأ من الحركة في الآن الذي لا ينقسم إن كان منقسما كانت الحركة إلى نصفها سابقة على الحركة من نصفها إلى آخرها، فيكون ذلك الجزء من الحركة منقسما وذلك الآن من الزمان منقسما، وهو محال، وإن لم يكن منقسما فهو الجوهر الفرد، احتجوا بأن قالوا إذا وضعنا جوهرا بين جوهرين فالوجه الذي من المتوسط يلاقي اليمين غير الوجه الذي منه يلاقي اليسار فيكون منقسما، فنقول: لمَ لا يجوز أن يُقال الذات واحدة والوجهان عرَضان قائمان بها؟، وهذا قول نفاة الجوهر الفرد، فإنهم قالوا الجسم إنما يلاقي جسما آخر بسطحه ثم يقابل سطحه عرَض قائم به فكذا ههنا".
أقول: هذا مما أراه من الاستدلالات الكلامية، لا من الأدلة العقلية، وليس فيه دليل عقلي على صحة قول من يقول بالجزء الذي لا يتجزأ الذي يسمونه الجوهر الفرد، وهذا بغض النظر عما إذا كان هذا القول في نفسه صحيحا أو غير صحيح.
والله ولي التوفيق.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 2/ 11/ 1440، الموافق 5/ 7/ 2019، والحمد لله رب العالمين.