الثلاثاء، 4 أكتوبر 2016

دعوة إلى الاجتماع وعدم التفرق


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون .
وصلتْني مقالة كتبها أحد الباحثين ـ جزاه الله خيرا ـ فيها دعوة طيبة إلى الاجتماع وعدم التفرق، فوددت نقل فقرات منها مع التعليق عليها، لعل في ذلك خطوة في سبيل توحيد الرؤى بين من يحملون هم توحيد الأمة الإسلامية وتجميع صفوفها:
قال الباحث:
"من السبل النافعة في اجتماع الأمة وائتلافها الحذر والتحذير من الاختلاف والافتراق". وذكر آياتٍ كريمات وأحاديثَ نبويةً في التحذير من الاختلاف والتفرق.
أقول وبالله أستعين: جزاه الله خيرا وأثابه على حسن المقصد.
قال الباحث:
"التعريف الشامل للافتراق: هو الخروج عن منهج أهل السنة والجماعة في أصلٍ واحدٍ أو أكثر من أصول الدين الاعتقادية منها أو العملية".
أقول:
لم يبين الباحث أصول منهج أهل السنة والجماعة الاعتقادية والعملية التي يقولون بها في أصول الدين، ووددت لو ذكر أهمها مع الاستدلال بنصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم، لنعرف من يدخل في هذا المسمى ومن لا يدخل.
قال الباحث:
"أهل الافتراق هم المخالفون لنهج السلف الصالح، ومنهم أهل الجدل والخصومات في الدين، وأهل الكلام، وأصحاب البدع والمحدثات في الدين، كالخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة، وغيرهم".
أقول:
لم يبين الباحث نهج السلف الصالح، ولم يبين قبل ذلك من الذين يدخلون في مسمى السلف الصالح عنده.
وأخشى أن يكون الأخ الباحث من الذين يسمون شيوخهم أهل السلف الصالح ويخْرجون كل علماء المسلمين الذين لا توافق أقوالـُهم أقوالَ أولئك الشيوخ من دائرة السلف الصالح، وإذا كان الأخ الباحث من هؤلاء فإن دعوته للاجتماع ونبذ الافتراق ـ بهذه الطريقة ـ تفقد مصداقيتها.
قال الباحث:
"وقد حصل الافتراق في الأمة في أصولٍ كثيرةٍ، كتعطيل الأسماء والصفات، ومسألة الإيمان".
أقول:
أسماء الله تبارك وتعالى وصفاته مذكورة في القرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة، فهل هي هذه الأسماء والصفات أو عند الباحث غيرها كذلك؟.
وكيف نفهم آيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!.
الآيات القرآنية والأحاديث النبوية هي بلسان عربي مبين، فلا شك في أنها يجب أن تُفهم باللسان العربي الذي جاءت به وعلى وَفق أساليب العرب في البيان. فهل الأخ الباحث يقبل بهذا؟!، لا أدري.
وأما مسألة الإيمان فمن الغريب حقا أن لا نتفق حتى اليوم في معرفة ما الإيمان ونحن نتلو كتاب الله عز وجل ونقرأ أحاديث نبيه الكريم؟!.
قال الباحث:
"التفرق له أسبابه الكثيرة: فمنها: الخللُ في منهج التلقي: فمنهم من جعل علم الكلام والفلسفة مصدرا لمعرفة الحق، ومنهم من سلك طريق الكشف والذوق واعتمد على الرؤى والمنامات والأحاديث الضعيفة بل الموضوعة في معرفة الحق، ومنهم من جعل دينه التعصب للرجال والأحزاب والجماعات".
أقول:
لا يجوز قبول شيء مما في علم الكلام أو الفلسفة أو غيرهما إلا إذا أيده النص القرآني أو النبوي، ولا يجوز اعتماد شيء منها مصدرا لمعرفة الحق، وإذا أيد النص القرآني أو النبوي شيئا منها فمصدر معرفة الحق هو النص، ولا يقول مسلم يؤمن بالله ورسوله غير هذا.
ولا يجوز الاعتماد على الرؤى والمنامات والأحاديث الضعيفة أو الموضوعة في معرفة الحق.
وليتنا ـ معشر أهل السنة ـ نحدد قواعد واضحة نتفق عليها ثم نناقش المختلف فيه بالحوار والاستدلال، منطلقين من المتفق عليه لحل مشاكل المختلف فيه.
قال الباحث:
"ومنها: اتباع الهوى الذي هو من أكبر الأسباب في ردِّ الحق والإقامة على الباطل كما قال سبحانه: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ}، وإنهما أمران لا ثالث لهما: إما أن يكون المرء متبعاً للحقِّ، أو يكون متبعاً للهوى، قال تعالى:{فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ}".
أقول:
هذا صحيح، وليتنا ندعو كل الأطراف ممن يدخلون تحت الإطار العام لأهل السنة ليلتقوا في حوار علمي هادئ لمناقشة هذه الرؤى بعيدا عن الأهواء النفسية، وبعيدا عن التعصب لمذاهبهم أو مشايخهم أو رموزهم العلمية أو انتماءاتهم كيفما كانت.
قال الباحث:
"ومنها: اتباع المتشابه وترك المحكم الواضح المبين ، وقد حذَّر الله هذه الأمة من اتباع المتشابهات ، فقال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}".
أقول:
بعض النصوص القرآنية والحديثية يعدها بعض المشايخ محْكمة ويعدها معارضوهم من المتشابه، وبعض ما يعده هؤلاء من المحْكم قد يعده الآخرون من المتشابه، فما المعيار الذي يُحتكم إليه؟!.
لا بد من الرجوع للغة وأساليب أرباب الفصاحة في البيان.
قال الباحث:
"ومنها: الابتداع في الدين، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}، وقال صلى الله عليه وسلم "من أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ".
أقول:
لا يجوز إحداث شيء في الدين مما ليس منه، ولكن كيف السبيل لتمييز ما هو منه مما ليس منه، فالذي يثبت أمرا فالواجب عليه أن يأتي بالدليل على صحة قوله، وكذلك الذي ينفي فالواجب عليه الدليل.
وأخيرا:
فإن بعض شرائح أهل السنة يحتكرون اسم أهل السنة لأنفسهم!، ويدَّعون أنهم هم وحدهم على الحق!، وأنهم ـ دون من سواهم ـ هم الفرقة الناجية!، فلا غرو أن يقابلهم بعض خصومهم بمثل ذلك!. واأسفاه.
نداء لمن يُسمون اليوم بأهل السنة:
يا معشر من تسمون أنفسكم اليوم بأهل السنة: ربكم واحد، وإلهكم واحد، ونبيكم واحد، وقرآنكم واحد، وقبلتكم واحدة، ومنهج التصحيح والتضعيف للمرويات يجب أن يكون عندكم واحدا، فاجتمعوا على الأصول المتفق عليها وتحاوروا في المختلف فيه، وكلما تم الاتفاق على جزئية من المختلف فيه فانقلوها إلى دائرة المتفق عليه.
لا أخص بهذا النداء من يُسمون بأهل السنة مدعيا أنهم هم وحدهم المسلمون، لكن لأنها خطوة على الطريق.
وأقول في الختام: اللهم اجمعنا على ما يرضيك عنا، وارض عنا رضًا لا سخط بعده، وصل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وإخوانه، واجعلنا منهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 3/ 1/ 1438، الموافق 4/ 10/ 2016، والحمد لله رب العالمين.


Mike Roach (recent widower)613-823-602280 Woodford WayOttawa (Barrhaven)https://goo.gl/maps/ZbReWB8uJi421x large box supplies; diapers; pads; etc.

الأربعاء، 28 سبتمبر 2016

حديث قالت بنو إسرائيل إن موسى آدر


رُوي هذا الحديث من رواية أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم:

ـ فأما حديث أبي هريرة فله عنه خمسة طرق:

ـ الطريق الأول رواه البخاري ومسلم وابن حبان في صحاحهم وأحمد في مسنده وأبو عوانة وأبو نعيم في مستخرجيهما على صحيح مسلم وابن المنذر في الأوسط والبيهقي في السنن وغيرهم عن سبعة عن عبد الرزاق، وهو في تفسير عبد الرزاق، عن معمر عن همَّام بن منبه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدَر، فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففرَّ الحجر بثوبه، فخرج موسى في إثره يقول ثوبي يا حجر، حتى نظرتْ بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربا". معنى آدَر: أي أصابه انتفاخ شديد في خصيتيه.
همَّام بن منبه:
وثقه جماعة من الأئمة، ولكن الإمام الناقد عليَّ بنَ المديني كان قد تنبه إلى مخالفة بعض رواياته لروايات أقرانه، فقال فيه قولا مختلفا، وذلك إذ يقول: "أصحاب أبي هريرة هؤلاء الستة: سعيد بن المسيب وأبو سلمة والأعرج وأبو صالح ومحمد بن سيرين وطاوس، وكان همام بن منبه يشبه حديثه حديثهم إلا أحرفا". [سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة. ومن طريقه رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد في ترجمة محمد بن سيرين مع الإقرار، ويبدو أن الخطيب كان يعتمد نسخة ابن أبي شيبة هذا في تاريخ الرواة].
وقال المزي في تهذيب الكمال في ترجمة همَّام بن منبه: قال أبو الحسن الميموني: قال لي أحمد ابن حنبل: "همَّام بن منبه روى عنه أخوه وهب بن منبه، وكان رجلا يغزو, وكان يشتري الكتب لأخيه وهب، وجالس أبا هريرة بالمدينة فسمع منه أحاديث، وكان قد أدرك المُسَوِّدة وسقط حاجباه على عينيه، وهي نحو من أربعين ومئة حديث بإسناد واحد، ولكنها مقطعة في الكتب، وفيها أشياء ليست في الأحاديث". المسوِّدة هم العباسيون، وفي هذا النص إشارة إلى أن تلك الأحاديث التي رواها همام عن أبي هريرة هي في أبواب شتى من العلم، وأن فيها أشياء يتفرد بها عنه ليست بمعروفة، وهذا يؤيد ما صرح به ابن المديني، ويشير إلى أن الإمام أحمد مع توثيقه لهمَّام فإنه قد تنبه إلى أن بعض مروياته عن أبي هريرة لا توجد فيما سواها من الأحاديث.
وعلى كل حال فإن نتيجة مقارنة مرويات همام بن منبه بروايات أقرانه الأثبات عن أبي هريرة عند ابن المديني وابن حنبل مفيدة جدا، وهي أن حديثه عنه يشبه حديثهم عنه إلا في بعض الأحاديث، وهذا تصريح في غاية الوضوح والأهمية، لأن الأئمة إذا قالوا في بعض الروايات إنها لا تشبه أحاديث الثقات فهذا يعني طعنهم فيها، ولذا فهمَّام بن منبه هو في أحسن أحواله ثقة فيه لين، أي لا بد من التوقف فيما ينفرد به دون سائر الثقات. فهذا الطريق فيه لين.

ـ الطريق الثاني رواه البخاري عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، والترمذيُّ عن عبد بن حميد، كلاهما عن رَوْح بن عبادة عن عوف بن أبي جميلة عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين وخلاس بن عمرو عن أبى هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن موسى كان رجلا حييا سِتِّيرا". الحديثَ بنحوه. [رَوْح بن عبادة بصري، صدوق ثقة فيه لين مات سنة 205، وثقه جماعة، وقال فيه أبو حاتم: صالح محله الصدق. وقال النسائي في السنن الكبرى: ليس بالقوي. عوف بن أبي جميلة بصري، صدوق ثقة فيه لين مات سنة 146، وثقه جماعة، وقال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: "إذا وازنتَ بين الأقران كابن عون وأيوب السختياني مع عوف بن أبى جميلة وأشعث الحمراني وهما صاحبا الحسن وابن سيرين كما أن ابن عون وأيوب صاحباهما، إلا أن البون بينهما وبين هذين بعيد في كمال الفضل وصحة النقل وإن كان عوف وأشعث غير مدفوعين عن صدق وأمانة عند أهل العلم". وقال الدارقطني في سؤالات الحاكم: ليس بذاك. الحسن بن أبي الحسن البصري ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيرا ويدلس الإسناد ومات سنة 110، كما قال ابن حجر. محمد بن سيرين بصري ثقة مات سنة 110. خلاس بن عمرو بصري ثقة من كبار التابعين وكان يرسل، كما قال ابن حجر].
ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده وعنه النسائي في السنن الكبرى عن روح بن عبادة عن عوف عن خلاس عن أبي هريرة به مرفوعا. ورواه الطبري في التفسير والطحاوي في مشكل الآثار عن اثنين عن روح عن عوف عن ابن سيرين به مرفوعا. ورواه أحمد عن روح قال حدثنا عوفٌ عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وخِلاسٌ ومحمدٌ عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه الطبري عن محمد بن بشار عن محمد بن إبراهيم بن أبي عدي عن عوف عن الحسن أنه قال "بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال". ورواه أحمد والطبري من طريقين عن قتادة أنه قال: حدَّث الحسن عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة ...". [محمد بن بشار بصري ثقة ولد سنة 167 ومات سنة 252، كما قال ابن حجر. محمد بن إبراهيم بن أبي عدي بصري ثقة فيه لين مات سنة 194. قتادة بن دعامة بصري ثقة كان يدلس الإسناد، ولد سنة 61 ومات سنة 117].
وروى ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل عن صالح بن أحمد ابن حنبل عن علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: كان معي أطراف، "عوف عن الحسنِ عن النبي وخلاسٍ ومحمدٍ عن أبي هريرة أن موسى عليه السلام كان رجلا حييا فقال بنو إسرائيل هو آدر"، فسألت عوفا، فترك محمدا وقال "خلاس"، مرسل. وهذا يعني أن يحيى بن سعيد القطان كانت معه نسخة فيها أطراف أحاديث عوف بن أبي جميلة، وكان فيها رواية عوف لحديث أن موسى عليه السلام كان رجلا حييا، وكان السند فيها هو: عوف عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعوف عن خلاس ومحمد بن سيرين عن أبي هريرة غير مرفوع، فسأله عن هذا الحديث ليختبر حفظه، فروى له الحديث عن خلاس عن النبي صلى الله عليه وسلم، أي إنه كان قد اضطرب حفظه لهذا الحديث، وكان في الأصل عن الحسن مرسلا وعن خلاس عن أبي هريرة موقوفا فجعله عن خلاس مرسلا.
ـ يتبين مما رواه ابن أبي حاتم عن يحيى بن سعيد القطان ومن مقارنة الروايات المتقدمة أن أصل هذا الحديث هو من رواية عوف عن الحسن البصري مرفوعا مرسلا وعن خلاس ومحمد بن سيرين عن أبي هريرة موقوفا، وأنه قد وقع وهَم في الرواية عند عوف بن أبي جميلة عندما روى الحديث من حفظه وعند روح بن عبادة كذلك عندما رواه عن عوف.
وإذا كان ذلك كذلك فطريق روح عن عوف عن الحسن البصري معلول بالإرسال وعن محمد بن سيرين وخلاس بن عمرو معلول بالوقف على الصحابي، ومما يؤكد إعلاله أن ابن أبي شيبة رواه في المصنف عن أبي أسامة حماد بن أسامة ـ وهو كوفي ثقة مات سنة 201 ـ عن عوف عن الحسن وخلاس بن عمرو ومحمد بن سيرين عن أبي هريرة به موقوفا. والسند المعلول ضعيف.

ـ الطريق الثالث: رواه الطبري في التفسير من طريق سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن عكرمة عن أبي هريرة به مرفوعا. [جابر بن يزيد الجعفي كوفي ضعيف مات سنة 128]. فهذا الطريق ضعيف.


ـ الطريق الرابع: رواه ابن عساكر من طريق أحمد بن عبد الجبار العطاردي عن محمد بن فضيل عن محمد بن سعد الأنصاري عن حبيب بن سالم عن أبي هريرة به مرفوعا.
[أحمد بن عبد الجبار العطاردي كوفي، قال ابن حجر: ضعيف وسماعه للسيرة صحيح. ولد سنة 177 ومات سنة 272. محمد بن فضيل بن غزوان كوفي صدوق ثقة مات سنة 194. محمد بن سعد الأنصاري كوفي صدوق. حبيب بن سالم كوفي صدوق]. فهذا الطريق ضعيف.

ـ الطريق الخامس: رواه مسلم عن يحيى بن حبيب الحارثي عن يزيد بن زريع عن خالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة أنه قال: "كان موسى عليه السلام رجلا حييا، فكان لا يُرى متجردا". الحديث.
ورواه أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه عن سعيد بن إياس الجريري عن عبد الله بن شقيق أنه قال: أقمت بالمدينة مع أبي هريرة سنة، فقال لي ذات يوم: من أين أقبلت؟. قلت: من الشام. فقال لي: هل رأيت حَجَر موسى؟. قلت: وما حجر موسى؟. قال: إن بني إسرائيل قالوا لموسى قولا تحت ثيابه في مذاكيره. الحديث.
[يحيى بن حبيب بن عربي الحارثي بصري صدوق ثقة مات سنة 248. يزيد بن زريع بصري ثقة ثقة ولد سنة 101 ومات سنة 182. خالد بن مهران الحذاء بصري ثقة تغير حفظه بآخره وكان يرسل، ومات سنة 142. عبد الله بن شقيق بصري ثقة مات سنة 108. عبد الصمد بن عبد الوارث بصري ثقة فيه لين مات سنة 207. أبوه عبد الوارث بن سعيد بصري ثقة مات سنة 180. سعيد بن إياس الجريري بصري ثقة لكنه اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين ومات سنة 144]. فالسند بمجموع الطريقين صحيح.

ـ خلاصة القول في رواية أبي هريرة لهذا الحديث أن له عنه أربعة طرق مرفوعة وطريقا موقوفا عليه:
فالطريق الأول من الطرق الأربعة سنده فيه لين، والطريق الثاني معلول، والطريقان الثالث والرابع ضعيفان، والطريق الخامس موقوف على أبي هريرة وسنده صحيح.

ـ وأما حديث ابن عباس فله عنه طريقان:

ـ الطريق الأول: رواه ابن أبي شيبة والطبري والحاكم من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به موقوفا. وهذا سند جيد.

ـ الطريق الثاني: رواه الطبري في التفسير عن محمد بن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه عن أبيه عن ابن عباس به موقوفا. [محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي: قال الدارقطني لا بأس به، وقال الخطيب كان لينا في الحديث، مات سنة 276. سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي روى عن أبيه وعمه الحسين، قال أحمد: لم يكن ممن يستأهل أن يُكتب عنه ولا كان موضعا لذاك. الحسين بن الحسن بن عطية العوفي الكوفي قاضي بغداد متفق على تضعيفه ومات سنة 201. الحسن بن عطية العوفي ضعيف مات بعد سنة 140. عطية بن سعد بن جنادة العوفي لين مدلس ومات سنة 111]. فهذا سند ضعيف إلا أنه يتقوى بما قبله.

ـ خلاصة القول في هذا الحديث أنه ليس ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه من قول أبي هريرة وابن عباس, والظاهر أنه مما سمعاه من بعض أهل الكتاب.


وكتبه صلاح الدين الإدلبي، والحمد لله رب العالمين. 

لما دخل هولاكو الشام - خطبة ابن المنير الاسكندري


خطبة القاضي العلامة ناصر الدين أحمد بن محمد بن منصور ابن المُنَيِّر الإسكندراني المالكي المتوفى سنة 683 خطب بها لما دخل هولاكو الشام:


"الحمد لله الذي يرحم العيون إذا دمعت، والقلوبَ إذا خشعت، والنفوس إذا خضعت، والعزائمَ إذا اجتمعت، الموجود إذا الأسباب انقطعت، المقصود إذا الأبواب امتنعت، اللطيف إذا صدمت الخطوب وصدعت، رُب أقضيةٍ نزلت فما تقدمت حتى جاءت ألطاف دفعت، فسبحان من وسعِت رحمته كل شيء وحق لها إذا وسِعت، وسَعت إلى طاعته السماوات والأرض حين قال {ائتيا طوعا أو كرها} فأطاعت وسمعت، أحمده لصفات بهرت، وأشكره على نعم ظهرت، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عن اليقين صدرت، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه والفتنة قد احتدت، والحاجة قد اشتدت، ويد الضلال قد امتدت، وظلمات الظلم قد اسودت، والجاهلية قد أخذت نهايتها، وبلغت غايتها، فجاء بمحمد صلى الله عليه وسلم، فملك عِنانها وكبَتَ أعيانها, وظهرت آياته في الجبابرة فهلكت فرسانها، وفي القياصرة فنكَّست صلبانها، وفي الأكاسرة فصدَعت إيوانها، فأوضح على يده المحجة وأبانها، صلى الله عليه وعلى آله فروعِ الأصل الطيب، فما أثبتها شجرةً وأكرم أغصانها، أيها الناس، خافوا الله تأمنوا في ضمان وعده الوفي، ولا تخافوا الخلق وإن كثروا، فإن الخوف منهم شرك خفي، ألا وإن من خاف الله خاف منه كل شيء، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء, وإنما يخاف عز الربوبية من عرف من نفسه ذل العبودية، والاثنان لا يجتمعان في القلب، ولا تنعقد عليهما النية، فاختاروا لأنفسكم، إما اللهَ وإما هذه الدنيا الدنية، فمن كانت الدنيا أكبر همه لم يزل مهموما، ومن كانت زهرتها نصب عينه لم يزل مهزوما، ومن كانت جِدتها غاية وجْده لم يزل معْدِما حتى يصير معدوما، فاللهَ اللهَ عبادَ الله، الاعتبارَ الاعتبارَ، فأنتم السعداء إذا وُعظتم بالأغيار، أصلحوا ما فسد، فإن الفساد مقدمة الدمار، واسلكوا الجِد تنجُوا في الدنيا من العار وفي الآخرة من النار، اتقوا الله وأصلحوا تفلحوا، وسلموا تسلموا، وعلى التوبة صمموا واعزموا، فما أشقى مَن عقد التوبة بعد هذه العبر ثم حلها، ألا وإن ذنبا بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها".
[تاريخ الإسلام للإمام الذهبي]




الاثنين، 4 يوليو 2016

هل أهل الكتاب كفار؟

{سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم}
رب يسر وأعن
وألهمني التوفيق والسداد

اقرأ قوله تعالى {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة}، وقوله تعالى {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن يُنزل عليكم من خير من ربكم}. 
تأمل إذا كنت قد درستَ علم قواعد اللغة العربية المسمى بعلم النحو: 
لو كانت الآيتان الكريمتان هكذا "لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون منفكين حتى تأتيهم البينة، ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركون أن يُنزل عليكم من خير من ربكم" لكانت لفظة المشركون المرفوعة هنا معطوفةً على "الذين كفروا من أهل الكتاب" التي هي في محل رفع، وفي هذه الحالة يكون المشركون في مقابلة "الذين كفروا من أهل الكتاب" وتكون لفظة "مِن" للتبعيض، وتكون النتيجة أن بعض أهل الكتاب كفار. 
ولكن الآيتين الكريمتين جاءتا بلفظ "المشركين" بالخفض، فهذا اللفظ ليس معطوفا على "الذين كفروا من أهل الكتاب"، وإنما هو معطوف على "أهلِ الكتاب"، وفي هذه الحالة يكون المشركون في مقابلة "أهل الكتاب" لا في مقابلة "الذين كفروا من أهل الكتاب"، وعليه تكون لفظة "مِن" بيانية داخلة على أهل الكتاب وعلى المشركين. 
وعلى هذا يكون المعنى "لم يكن الذين كفروا ـ الذين هم أهل الكتاب والمشركون ـ منفكين حتى تأتيهم البينة، ما يود الذين كفروا ـ الذين هم أهل الكتاب ولا المشركون ـ أن يُنزل عليكم من خير من ربكم". 
وتكون النتيجة أن أهل الكتاب والمشركين هم كفار. 
ونسأل الله تعالى الهداية والتوفيق. 
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 26/ 9/ 1437، والحمد لله رب العالمين. 


الجمعة، 20 مايو 2016

حديث كان صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه وهن إحدى عشرة


حديث كان صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه وهن إحدى عشرة

روى مسلم وابن حنبل من طريقين عن شعبة عن هشام بن زيد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغسل واحد.
ورواه ابن حنبل عن هُشيم بن بشير عن حُميد بن أبي حُميد الطويل عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على جميع نسائه بغسل واحد. ورواه ابن حنبل والنسائي عن إسماعيل ابن عُلية عن حُميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في ليلة واحدة بغسل واحد.
ورواه البخاري عن شيخين من شيوخه عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ تسع نسوة.
ورواه البخاري وابن حنبل والنسائي في الكبرى وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي من طرق عن معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي عن أبيه عن قتادة أنه قال: حدثنا أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة. قال البخاري عقبه: وقال سعيد عن قتادة إن أنسا حدثهم تسع نسوة.
ورواه ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن عبد الرحمن عن عمته عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في ليلة، فاغتسل عند كل امرأة منهن غسلا، فقلت. يا رسول الله لو اغتسلت غسلا واحدًا!. فقال: هذا أطهر وأطيب. [عبد الرحمن حفيد أبي رافع قال عنه ابن معين: صالح الحديث. عمته سلمى ذكرها ابن حبان في الثقات، وقال ابن القطان: لا تُعرف]. فهذا السند ضعيف.
أقول:
ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه من ثلاثة طرق عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغسل واحد.
كلمة "كان يطوف" تحتمِل في لغة العرب أن تكون للوقوع مرات متعددة، وتحتمِل أن تكون للوقوع مرة واحدة، وهذا ما فهمه إسماعيل ابن عُلية في الرواية فصرح به، كما في صحيح البخاري.
هل وقع هذا حقيقة أو هو توهم من أنس رضي الله عنه؟، احتمال، إذ ليس عند أنس ما يحقق له وقوع ذلك، ودخول النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة أو في أكثر من ليلة إلى كل حجرات أزواجه واغتسالـُه بعد ذلك ليس بدليل على حصول الوطء لكلهن في تلك الليلة.
لو افترضنا وقوع ذلك حقيقة فكم كان عدد نسائه صلى الله عليه وسلم؟؟.
انفرد قتادة بذكر العدد في روايته عن أنس، لكن في رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس وله يومئذ تسع نسوة، وفي رواية هشام الدستوائي عن قتادة عن أنس وهن إحدى عشرة، والروايتان كلتاهما في صحيح البخاري.
هذا وقد أشار البخاري رحمه الله في صحيحه إلى ترجيح الرواية الأولى، وذلك أنه روى رواية سعيد بن أبي عروبة أن له يومئذ تسع نسوة ولم يعلق عليها بشيء، وروى رواية هشام الدستوائي أنهن إحدى عشرة، وعقب عليها بقوله: "وقال سعيد عن قتادة إن أنسا حدثهم تسع نسوة".
فالظاهر من صنيعه هذا أنه روى رواية الإحدى عشرة ليبين إعلالها.
ومما يؤكد أن عدد نسائه صلى الله عليه وسلم اللواتي اجتمعن في عصمته هو تسع نسوة فقط ما رواه مسلم من طريق ثابت البُناني عن أنس أنه قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع.
خلاصة الأمر:
هذا الحديث مما ينبغي أن يُتوقف فيه، لاحتمال أن يكون مجردَ توهم من أنس رضي الله عنه.
ويستفاد مما تقدم في البحث أن البخاري رحمه الله قد يروي رواية في صحيحه وهو يعلم أن فيها لفظة لا تصح، وذلك ليبين إعلال تلك اللفظة التي وقع فيها الخطأ، وقد كتب كتابه للعلماء، لا لطلاب العلم، والله أعلم.
وأتم كتابته صلاح الدين الإدلبي في 10/ 8/ 1437، الموافق 17/ 5/ 2016، والحمد لله رب العالمين.