الاثنين، 1 يونيو 2015

حديث إثبات الفضيلة الخاصة للنصف من شعبان


هذا الحديث له طرق كثيرة متشعبة وألفاظ مختلفة، والكلام عليها يطول جداً، وبعد جمع ما أمكنني جمعه من الروايات ودراسة أسانيدها فإنني أقسم البحث فيها إلى ثلاثة مطالب: الروايات التالفة، والروايات الجيدة، والروايات الضعيفة المعلولة، مع التنبيه إلى استبعاد الكلام حول اختلاف الألفاظ، لأن المقصود في المقام الأول هنا هو هل ثبت للنصف من شعبان فضيلة خاصة أوْ لا؟.
فأقول بإيجاز شديد مستعيناً بالله تعالى، وبالله التوفيق:

المطلب الأول في الروايات التالفة:
أرى ضرورة إيراد الروايات التالفة، أي الشديدة الضعف أو الظاهرة الخطأ أوَّلاً، لأنها لا يُعتبر بها، فيتم استبعادها قبل النظر والترجيح، لئلا يقع بها التشويش والتشتيت.
ـ  هذا الحديث رواه عبد الرزاق الصنعاني عن أبي بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة عن إبراهيم بن محمد عن معاوية بن عبد الله بن جعفر عن أبيه عن علي t، مرفوعاً إلى رسول الله e. [سنن ابن ماجه. شعب الإيمان]. وهذا إسناد تالف، فيه ابن أبي سبرة وهو منكر الحديث متهم بالوضع.
ـ  ورواه جماعة عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن عبد الملك بن عبد الملك أن مصعب بن أبي ذئب حدثه عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن أبيه أو عمه عن جده، وهو أبو بكر الصديق t، مرفوعاً. [التوحيد لابن خزيمة. مسند البزار. شعب الإيمان]. وهذا إسناد تالف، فيه عبد الملك وهو منكر الحديث جداً يروي ما لا يُتابع عليه كما قال ابن حبان.
ـ  ورواه اثنان عن مرحوم بن عبد العزيز البصري عن داود بن عبد الرحمن عن هشام بن حسان البصري عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص مرفوعاً. [مساوئ الأخلاق للخرائطي. شعب الإيمان].
وهذا إسناد ضعيف جداً، فيه داود بن عبد الرحمن، والظاهر أنه داود بن عبد الرحمن بن راشد الواسطي، وهذا قد ضعفه الأزدي [كما في لسان الميزان]. ويبدو أنه مجهول، إذ لم أقف على رواية أحد عنه سوى مرحوم، ورواية المجاهيل التي تجيء على وَفق رواية الضعفاء هي شديدة الضعف.
ولا بد من التنبيه على أن المزي لم يذكر هذا الراوي في تلاميذ هشام بن حسان، وذكره في شيوخ مرحوم بن عبد العزيز، وسماه "داود بن عبد الرحمن العطار"، ويبدو أنه قد ذهب وهْمه إلى هذا لشهرته، ولعله وهِم في ذلك، لأن العطار هذا مكي، وإذا روى الرواية بصريٌّ عن مكي عن بصري ففي هذا غرابة، والأقرب أن الرواية قد رواها بصري عن واسطي عن بصري، لأن واسط قريبة من البصرة، فهذه قرينة على أن داود بن عبد الرحمن الوارد في هذا السند هو الواسطي الضعيف وليس المكي الثقة.
ـ  ورواه حاتم بن إسماعيل عن النضر بن كثير عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عروة عن عائشة عن النبي e. [أخلاق النبي لأبي الشيخ. فضائل الأوقات للبيهقي]. وهذا إسناد تالف، فيه النضر بن كثير، وهو ضعيف وقيل فيه يروي الموضوعات.
ـ  وروي من طريق وهب بن بقية الواسطي الثقة عن سعيد بن عبد الكريم الواسطي عن أبي النعمان السعدي عن أبي رجاء العطاردي عمران بن ملحان عن عائشة عن النبي e. [فضائل الأوقات للبيهقي]. وهذا إسناد تالف، فيه سعيد بن عبد الكريم، وهو متروك كما قاله الأزدي، وفيه أبو النعمان السعدي، والظاهر أنه مجهول، إذ لم أجد له ترجمة ولم يذكره المزي في الرواة عن أبي رجاء.
ـ  ورواه سلام بن سليمان المدائني عن سلام بن سَلـْم الطويل المدائني عن وهيب المكي عن أبي رهم عن عائشة، مرفوعاً. [شعب الإيمان]. وهذا إسناد تالف، فيه سلام بن سليمان وهو ضعيف، وسلام الطويل وهو متروك.
ـ  ورواه عمرو بن هاشم البيروتي عن سليمان بن أبي كريمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، مرفوعاً. [الدعاء للطبراني. النزول للدارقطني. شعب الإيمان]. وهذا إسناد تالف، فيه ابن أبي كريمة، وعامة أحاديثه مناكير وروى عن هشام بواطيل.
ـ  ورواه حسن بن موسى عن عبد الله بن لهيعة عن حُيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو، مرفوعاً. [مسند الإمام أحمد].
وهذا إسناد تالف، فيه عبد الله بن لهيعة، وهو من غير رواية أحد العبادلة عنه، وابن لهيعة كان إذا لـُقـِّن تلقن وكان يدلس عن الضعفاء والمتروكين، وقد اضطرب في رواية هذا الحديث خاصة، فرواه على أوجه مختلفة، والظاهر أن هذه الرواية وسائر رواياته لهذا الحديث من تخليطه.
ـ  ورواه أبو الأسود النضر بن عبد الجبار عن ابن لهيعة عن الزبير بن سليم عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبيه عن أبي موسى، مرفوعاً. [سنن ابن ماجه. النزول للدارقطني. شعب الإيمان]. وهذا إسناد تالف، والظاهر أنه من تخليط ابن لهيعة.
ـ  ورواه عبد الغفار بن داود عن ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبادة بن نسي عن كثير بن مرة عن عوف بن مالك، مرفوعاً. [مسند البزار]. وهذا إسناد تالف، والظاهر أنه من تخليط ابن لهيعة كذلك.
ـ  ورواه الوليد بن مسلم عن عبد الله بن لهيعة عن الضحاك بن أيمن عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبي موسى الأشعري، مرفوعاً. [سنن ابن ماجه]. وهذا إسناد تالف، والظاهر أنه من تخليط ابن لهيعة كذلك.
ـ  ورواه ابن أبي الدنيا عن هارون بن عمر عن الوليد بن مسلم عن ابن لهيعة عن إسحاق بن عبد الله عن مكحول عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن جماعة من الصحابة، مرفوعاً. [فضائل رمضان لابن أبي الدنيا]. وهذا الإسناد تالف لا يُعتمد عليه، ففيه هارون بن عمر المخزومي الدمشقي، وقد ترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وفيه ابن لهيعة وحاله ما ذكرت، وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك متهم بالكذب، ومع التخليط الذي فيه من إدخال اسم خالد بن معدان وجماعة من الصحابة وزيادة الرفع فهو أقرب إلى الواقع من روايات ابن لهيعة المتقدمة.
ـ  ورواه فرات بن سليمان عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن مكحول عن كثير بن مرة عن يزيد بن جارية، مرفوعاً. [معجم الصحابة لابن قانع]. وهذا إسناد تالف، فيه إسحاق وهو متروك متهم بالكذب، وقد زاد في هذه الرواية اسم يزيد بن جارية وجعلها مرفوعة.
ـ  ورواه عباد بن أحمد بن عبد الرحمن العرزمي عن عمه محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي عن مطرف بن طريف عن الشعبي عن عروة عن عائشة، عن النبي e. [معجم شيوخ الإسماعيلي].
وهذا إسناد تالف، فيه عباد بن أحمد وعمه محمد، وهما متروكان، وفيه عبد الرحمن بن محمد، وهو ضعيف. ومحمد بن عبيد الله العرزمي والد عبد الرحمن هو من الرواة عن مكحول وهو متروك، فلا يُستبعد أن يكون أصله مما سمعه عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي من أبيه عن مكحول ثم عبثت به يد أحد أولئك الضعفاء.
ـ  وروي من طريق أبي الحسن الحسيني عن محمد العرزمي عن محمد بن علي مرفوعاً، لكن بلفظ "من صلى ليلة النصف من رمضان وليلة النصف من شعبان مئة ركعة...". الحديث. [فضائل رمضان لابن أبي الدنيا].
وهذا إسناد تالف، فيه أبو الحسن الحسيني لم أعرفه، وفيه محمد العرزمي، وسواء أكان محمد بن عبد الرحمن أو محمد بن عبيد الله فهو متروك، والظاهر أنه الثاني.
ـ  ورواه الأحوص بن حكيم عن المهاجر بن حبيب، أو المهاصر بن حبيب، عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني، عن النبي e. [السنن الصغرى وشعب الإيمان للبيهقي. معجم الصحابة لابن قانع]. وهذا إسناد تالف، فيه الأحوص بن حكيم، وهو ضعيف واه.
ـ  ورواه العلاء بن الحارث الدمشقي عن عائشة عن النبي e. [شعب الإيمان]. العلاء ولد بعد وفاة عائشة بثمان سنين وتوفي سنة 136، وكان ثقة ثم تغير عقله، وهو من الرواة عن مكحول، وربما كانت هذه الرواية مما سمعه من مكحول ثم وقع فيها التغيير بسبب الاختلاط.
ـ  ورواه الوضين بن عطاء الدمشقي مرسلاً معضَلاً عن النبي e. [مسند إسحاق بن راهويه]. الوضين من أتباع التابعين ولد سنة 79 وتوفي سنة 149، وهو صدوق فيه لين، وهو من الرواة عن مكحول، وربما كانت هذه الرواية مما سمعه من مكحول ثم وقع فيها التغيير بسبب سوء الحفظ.
ـ  ورواه عبد الرزاق عن المثنى بن الصبَّاح عن قيس بن سعد عن مكحول عن كثير بن مرة الحضرمي عن رسول الله e، مرفوعاً مرسلاً. [مصنف عبد الرزاق]. وهذا إسناد تالف، فيه المثنى بن الصبَّاح وهو ضعيف متروك، وهذه الرواية من أوهامه، إذ جعلها مرفوعة وهي في الأصل موقوفة على التابعي.
ـ  ورواه سليمان بن أحمد الواسطي عن عتبة بن حماد عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل، مرفوعاً. [مسند الشاميين للطبرني]. وهذا إسناد تالف، فيه سليمان بن أحمد الواسطي، وهو ضعيف متروك.
ـ  ورواه جماعة عن الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثير عن عروة عن عائشة، مرفوعاً. [مسند الإمام أحمد. مسند عبد بن حميد. مسند إسحاق بن راهويه. مصنف ابن أبي شيبة. سنن الترمذي. سنن ابن ماجه. شعب الإيمان].
والحجاج بن أرطاة صدوق مدلس وفيه لين، ولم يسمع من يحيى بن أبي كثير، وهو من الرواة عن مكحول وإن كان قد اختـُلف في سماعه منه، والظاهر أن هذا من أخطائه وأنه مما سمعه من مكحول أو مما بلغه عنه، لا سيما وقد رواه في بعض الأحيان عن مكحول وإن كان قد وقع له فيه خطأ آخر، ويكون الحديث بهذا قد رجع إلى حديث مكحول.
ـ  ورُوي هذا الحديث كذلك عن عمرو بن ثابت عن محمد بن مروان عن أبي يحيى عن أبيه عن بضعة وثلاثين صحابياً موقوفاً عليهم. [أخبار مكة للفاكهي]. وهذا إسناد تالف، فيه عمرو بن ثابت وهو ضعيف، ومحمد بن مروان، ويبدو أنه السدي الصغير المتوفى بعد سنة 180، وهو متروك كذاب.

المطلب الثاني في الروايات الجيدة:
لقد صحَّ حديث فضل النصف من شعبان عن مكحول الشامي موقوفاً عليه، ومكحول هو من طبقة صغار التابعين، والراوون عنه ـ في الطرق التي لا بأس بها ـ إما وقفوه عليه أو على أحد التابعين ممن هم أقدم طبقة منه، وهذه هي الطرق التي لا بأس بها عنه:
ـ  قال شجاع بن الوليد: أخبرنا زهير بن معاوية قال: أخبرنا الحسن بن الحر قال: حدثني مكحول قال: "إن الله يطـَّلع على أهل الأرض في النصف من شعبان، فيغفر لهم إلا رجلين كافر أو مشاحن". [شعب الإيمان للبيهقي]. وهذا إسناد جيد، فيه شجاع بن الوليد أبو بدر، وهو صدوق ثقة فيه لين، ويتقوى بالروايات التالية الموقوفة.
ـ  وقال اللالكائي: أخبرنا الحسين قال: أخبرنا أحمد قال: حدثنا بشر قال: حدثنا محمد  بن كليب قال: حدثنا معتمر قال: سمعت بُرْدًا يحدث عن مكحول. فذكره بنحوه موقوفاً عليه من قوله. [شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي].
بعد البحث والتنقيب عن أسماء آباء من لم يُنسبوا فقد ترجح لدي أن الحسين هو ابن عمر بن بَرهان الغزال، سمع أبا بكر النجاد وغيره، وهو ثقة توفي سنة 412، أي قبل وفاة اللالكائي بست سنوات فقط، [تاريخ بغداد 8: 640]، وأن أحمد هو ابن سلمان بن الحسن أبو بكر النجاد، سمع بشر بن موسى وغيره، وهو من كبار فقهاء الحنابلة، وهو صدوق فيه لين، توفي سنة 348، [تاريخ بغداد 5: 309ـ 313]، وأن بشْرًا هو ابن موسى بن صالح الأسدي، وهو ثقة توفي سنة 288، [تاريخ بغداد 7: 569 ـ 572]، ومحمد بن كليب ومعتمر بن سليمان وبُرد بن سنان الدمشقي كلهم ثقات، ومعتمر بن سليمان بصري وبرد بن سنان دمشقي سكن البصرة، فإن كان ما رجحته في أسماء من لم يُنسبوا صحيحاً فهو إسناد حسن في المتابعات، وهذا هو الظاهر، وإلا يكنْ كذلك فيتقوى بالروايات الأخرى.
ـ  ورواه عبد الرزاق عن محمد بن راشد المكحولي عن مكحول عن كثير بن مرة الحضرمي الحمصي موقوفاً عليه من قوله. [مصنف عبد الرزاق]. كثير بن مرة عده ابن حجر في التقريب من طبقة كبار التابعين. وهذا إسناد لا بأس به، فيه محمد بن راشد المكحولي، وهو ثقة فيه لين.
ـ  ورواه محمد بن يوسف الفريابي عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة موقوفاً عليه. [النزول للدارقطني].
وفي هذا الإسناد الحسن بن علي بن شبيب المعْمري، وهو ثقة فيه لين، رفع موقوفات وزاد في المتون أشياء ليست منها كما قال ابن عدي، ولكنْ هذه رواية ليست مرفوعة وليس فيها زيادة في المتن على ما رواه غيره، وفي السند محمد بن يوسف الفريابي وهو صدوق ثقة فيه لين، وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وهو صدوق فيه لين وتغير عقله في آخر حياته.
ومع هذا فهذه الرواية موافقة للرواية السابقة في الجملة، سوى في إقحام اسم خالد بن معدان بين مكحول وكثير بن مرة، ففيها المزيد في متصل الأسانيد، ويبدو أنه من أوهام عبد الرحمن بن ثابت، وفيما سوى ذلك فهي سليمة من حيث اتفاقها مع الروايات التي تجعل هذا الحديث موقوفاً على التابعي لا مرفوعاً، ولذا فقد أدخلت هذه الرواية من روايات ابن ثوبان في الروايات الجيدة دون رواياته الأخرى.
ـ  ورواه زيد بن أبي أنيسة عن جنادة بن أبي خالد عن مكحول عن أبي إدريس الخولاني موقوفاً عليه. [النزول للدارقطني].
وفي هذا الإسناد الحسن بن علي بن شبيب المعمري، وهو ثقة فيه لين، رفع موقوفات وزاد في المتون أشياء ليست منها كما قال ابن عدي، ولكن هذه رواية ليست مرفوعة وليس فيها زيادة في المتن على ما رواه غيره، وفي السند جنادة بن أبي خالد، وهو صدوق، وسائر الرواة في هذا الإسناد ثقات، فهو إسناد جيد في الجملة.
ولو صح هذا الإسناد لقلنا إن مكحولاً سمع الرواية من كثير بن مرة ومن أبي إدريس الخولاني، لكن ربما وهم جنادة بن أبي خالد أو غيره فجعلها من رواية مكحول عن أبي إدريس بدلاً من مكحول عن كثير بن مرة.
وعلى كل حال فإن هذه الرواية توافق الروايات التي جعلت هذا الحديث موقوفاً على أحد التابعين لا مرفوعاً.
ـ  جاءت رواية عند الدارقطني في كتاب النزول، وفيها: حدثنا أبو سهل ابن زياد قال: أخبرنا العمري قال: سمعت عمار بن أبي شيبة قال: أخبرنا جرير، أراه عن برد وأبي العلاء الشامي، أراه عن مكحول، أراه عن كعب قوله. [النزول للدارقطني].
يبدو أن بعض الأسماء في هذا الإسناد قد حصل فيها تصحيف، وأنه ينبغي أن تكون هكذا "قال: أخبرنا المعمري قال: سمعت شيبان بن أبي شيبة قال: أخبرنا جرير أراه عن  بُرد أبي العلاء الشامي"، بحذف الواو بين برد وأبي العلاء، لأن برداً هو أبو العلاء وهذه كنيته.
فأما أبو سهل فهو أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد المولود سنة 259 والمتوفى سنة 350، وهو بغدادي ثقة. وأما المعمري فهو الحسن بن علي بن شبيب المعمري، المتوفى سنة 295 وقد جاوز الثمانين، وهو ثقة فيه لين، رفع موقوفات وزاد في المتون أشياء ليست منها كما قال ابن عدي، ولكن هذه رواية ليست مرفوعة وليس فيها زيادة في المتن على ما رواه غيره. وشيبان بن أبي شيبة هو شيبان بن فروخ، المولود سنة 140 تقريباً والمتوفى سنة 236، وهو صدوق ثقة. وجرير هو ابن حازم، وهو ثقة فيه لين وروايته عن قتادة ضعيفة وهذه ليست منها. وأما بُرْد فهو ابن سنان أبو العلاء الشامي المتوفى سنة 135، دمشقي سكن البصرة، وهو ثقة فيه لين.
فهذا إسناد جيد في المتابعات، وهو طريق ثان عن برد بن سنان عن مكحول، وإنما أفردت هذا الطريق لما فيه من الإشارة إلى أن هذا مما تـُلـُقـِّيَ عن كعب الأحبار، ويتقوى بالأسانيد السابقة التي تجعل هذا الحديث موقوفاً على أحد التابعين لا مرفوعاً إلى رسول الله e.
ـ  وفي هذه الرواية فائدة مهمة، وهي إشارة إلى أن أصل هذا الحديث يرجع إلى كعب الأحبار، الذي كان يهودياً فأسلم وهاجر في خلافة عمر t، والذي كان يحدث عن أسفار أهل الكتاب، وبالتالي فهي إشارة إلى أن الأحاديث التي تخص النصف من شعبان بالفضائل هي من الإسرائيليات.

المطلب الثالث في الروايات الضعيفة المعلولة:
ـ  روى حديثَ فضل النصف من شعبان عتبة بن أبي حكيم عن مكحول مرفوعاً إلى رسول الله e. [النزول للدارقطني].
في هذا الإسناد الحسن بن علي بن شبيب المعمري، وقد بينت حاله فيما تقدم، وفيه بقية بن الوليد الكلاعي الحمصي، وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، وعتبة بن أبي حكيم، وهو صدوق يخطئ وروى مناكير. فالظاهر أن رفع الحديث من مناكيره.
ـ  ورواه اثنان عن الحجاج بن أرطاة عن مكحول عن كثير بن مرة الحضرمي عن رسول الله e، مرفوعاً مرسلاً. [مصنف ابن أبي شيبة. شعب الإيمان للبيهقي].
وهذا إسناد ضعيف، فيه الحجاج بن أرطاة، وهو لين له أوهام، وهذه الرواية من أوهامه، إذ جعلها مرفوعة إلى رسول الله e وهي في الأصل موقوفة على التابعي من قوله.
ـ  وروى الدارقطني الحديث في كتاب النزول من رواية هشام بن الغاز عن مكحول عن عائشة عن النبي e فقال: وأما حديث هشام بن الغاز عن مكحول فذكره عبد الله بن سليمان بن الأشعث، ولم أسمعه منه، قال: أخبرنا عبد الملك بن الأصبغ البعلبكي قال: أخبرنا الوليد بن مسلم عن هشام بن الغاز عن مكحول. [النزول للدارقطني]. [كان في الأصل تصحيف في بعض الأسماء فصححته بالرجوع إلى كتب الرجال].
وهذا سند لا يُعتمد عليه، ففيه الانقطاع بين الدارقطني وعبد الله بن أبي داود، وفيه الوليد بن مسلم، وهو كثير التدليس والتسوية.
ـ  ورواه عبد الله بن بسر السكسكي عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة، عن النبي e مرفوعاً مرسلاً. [مسند الحارث بن أبي أسامة]. في هذا الإسناد عبد الله بن بسر، وهو ضعيف، فالظاهر أنه أخطأ في رفع الحديث.
هذا وقد أكدتْ لنا هذه الرواية أن مكحولاً لم ينفرد برواية الحديث عن كثير بن مرة، وأن خالد بن معدان تابعه عليه، ولكن لم تصلنا رواية خالد بن معدان من طريق جيد عنه، وأكثرها جاءت بالرفع، وهذا الطريق أقلها ضعفاً، وقد تقدمت بعض الطرق التي أدخلت اسم خالد بن معدان بين مكحول وكثير بن مرة.
ـ  ورواه جماعة عن هشام بن خالد الدمشقي عن عتبة بن حماد عن الأوزاعي وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل t، مرفوعاً. [صحيح ابن حبان. السنة لابن أبي عاصم. المعجم الكبير والمعجم الأوسط ومسند الشاميين للطبراني. شعب الإيمان].
ظاهر هذا الإسناد أن عتبة بن حماد روى هذا الحديث عن الأوزاعي وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وأنهما كليهما روياه عن ثابت بن ثوبان عن مكحول عن مالك بن يخامر، وأن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان الذي روى مناكير وتغير عقله بآخره قد تُوبع من الأوزاعي، وحيث إن الأوزاعي وثابت بن ثوبان ومكحولاً ثقات فلهذا أدرجه ابن حبان في الصحيح !!.
وههنا مسألة هامة يغفل عنها كثير من طلاب هذا العلم، وهي أن الرواية في الطريقين المجموعين بالعطف قد لا تكون واحدة، وأنها ربما تكون قد جاءت في الأصل على وجهين مختلفين اختلافاً مؤثراً في السند أو المتن، ولذا فإن للأئمة النقاد نظرات فيها، تدعوهم أحياناً إلى التوقف في مثل تلك الروايات أو استنكارها.
وذلك بسبب أن الراوي قد يقع له الحديث من طريقين على وجهين مختلفين سنداً أو متناً، فيذكر طرفاً من أحد طريقي الإسناد، ثم يتبعه بذكر طرف الطريق الثاني متبوعاً ببقية السند مع المتن الوارد في الطريق الثاني، فيتوهم من يقف على روايته للحديث أن الحديث هو بهذا السياق في الطريقين !!، وهذا من أنواع الإدراج في السند.
ومن المفيد التنبُّه إلى زيادة كلمة جاءت في طريقين آخرين عن هشام بن خالد، فقد رواه يزيد بن محمد بن عبد الصمد الدمشقي وأبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني عن هشام بن خالد على وجه مختلف قليلاً عما في الطرق الأخرى، فقد جاءت الرواية عندهما عنه هكذا: "قال: حدثنا عتبة بن حماد عن الأوزاعي عن مكحول، وابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم". [النزول للدارقطني. شعب الإيمان للبيهقي]، بزيادة "عن مكحول" بعد لفظة "الأوزاعي"، وهذا يقوي احتمال أن يكون عتبة بن حماد قد روى الحديث عن الأوزاعي عن مكحول، وتوقف قليلاً، ثم تابع فرواه بالعطف عن ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ عن رسول الله e، وربما كانت رواية الأوزاعي عن مكحول موقوفة عليه ورواية ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول ببقية الإسناد مع الرفع، وهذا من باب الإدراج في الإسناد، وإذا كان ذلك كذلك فتكون رواية الرفع إنما جاءت من قبَل عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وحده، وهو صدوق فيه لين وتغير عقله في آخر حياته.
أي إن القراءة الصحيحة للسند ينبغي أن تكون هكذا "حدثنا عتبة بن حماد عن الأوزاعي عن مكحولٍ، وابنُ ثوبان عن أبيه"، وليست "حدثنا عتبة بن حماد عن الأوزاعي عن مكحولٍ وابنِ ثوبان عن أبيه".
أقول: جالت في ذهني هذه الاحتمالات لا لأن كل الطرق التي تأتي بالعطف لا بد أن يكون فيها خلل وإدراج في الإسناد، ولكن لأن القرائن هنا تجعل من المستبعد أن يصح هذا الحديث بالرفع. وستأتي الإشارة إلى تلك القرائن بعون الله.
ثم رجعتُ إلى ما في كتب العلل فوجدت اثنين من الأئمة يعِلـَّان هذا الطريق ويجزمان بأنه منكر أو غير محفوظ، وهما أبو حاتم الرازي والدارقطني. وسأنقل ما قالاه بعون الله عند ذكر أقوال العلماء في إعلال الحديث.
ـ  ورواه شعيب بن محمد الدبِيلي عن أزهر بن المرزبان عن عتبة بن حماد عن الأوزاعي عن مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ، مرفوعاً. [الحلية لأبي نعيم].
وهذا إسناد لا يُعتمد عليه، فيه شعيب بن محمد الدبِيلي المتوفى بعد سنة 305، وقد ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وفيه أبو زهير أزهر بن المرزبان المقرئ، ذكره السمعاني في الأنساب في شيوخ  شعيب بن محمد الدبيلي، ولم أجد له ترجمة. ولعل أصل هذه الرواية هو أن أزهر سمعها بالوجهين المتقدمين ففصلهما ورواها من الطريق الذي حصل فيه إدراج الإسناد وهو لا يدري.
ـ  وروى البيهقي الحديث في الشعب من طريق محمد بن كثير المصيصي قال حدثنا الأوزاعي عن مكحول، وأعقبه بروايته من طريق هشام بن خالد عن عتبة بن حماد عن الأوزاعي عن مكحول وابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل عن النبي e أنه قال "يطَّلِع الله في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن". وقال: [وفي رواية المصيصي "قال قال رسول الله e"، والباقي سواء]. [شعب الإيمان].
أقول: ليس مراد البيهقي ـ حسبما يبدو من تعقيبه ـ أن المصيصي روى الحديث بتمام هذا الإسناد وبقوله في آخره "قال قال رسول الله e"، وأن عتبة بن حماد رواه بهذا الإسناد وبقوله في آخره "عن النبي e أنه قال"، لأن كليهما بمعنى واحد وإن كان بعض المحدثين كان يلتزم لفظ الرواية ولا يبدل واحداً بآخر، ويبدو أن مراد البيهقي هو أن المصيصي رواه عن الأوزاعي عن مكحول عن رسول الله e مرسلا، وأن هشام بن خالد رواه عن عتبة بن حماد بروايتيه عن الأوزاعي وعن ابن ثوبان، وبهذا يكون في رواية المصيصي عن الأوزاعي إدراج في الإسناد، كما أن في رواية عتبة بن حماد عن الأوزاعي إدراجا في الإسناد كذلك.
ومحمد بن كثير المصيصي ضعيف، وروايته لهذا الحديث بالرفع وهَم منه، كما وهم فيه غيره من الضعفاء.
ـ  هل ترتقي هذه الروايات من مرتبة الضعف واحتمال الخطأ إلى مرتبة القبول؟:
قد يقول قائل: روى هذا الحديثَ عتبةُ بن أبي حكيم عن مكحول بالرفع، وكذا الحجاج بن أرطاة عن مكحول عن كثير بن مرة، وكذا رُوي عن هشام بن الغاز عن مكحول عن عائشة رضي الله عنها، ورواه عبد الله بن بسر السكسكي عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة، وكذا رواه عتبة بن حماد عن ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ t، ورواه أزهر بن المرزبان عن عتبة بن حماد عن الأوزاعي عن مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ t، ورواه هشام بن خالد عن عتبة بن حماد عن الأوزاعي عن مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ t إذا لم تكن الرواية من مدرج الإسناد، ورواه محمد بن كثير المصيصي عن الأوزاعي عن مكحول مرفوعاً أو بزيادة مالك بن يخامر عن معاذ t إذا لم تكن الرواية من مدرج الإسناد كذلك، وكل هذه الروايات مرفوعة إلى رسول الله e، فلمَ لا ترتقي بمجموعها إلى مرتبة الحسن أو الصحة ؟؟!.
أقول: هذه الطرق كلها قد تطرَّق إليها الضعف، إما لضعف في الراوي وإما لاحتمال الإدراج في السند، ولولا الروايات المعارضة لارتقت إلى مرتبة القبول.
والروايات المعارضة لها هي ما رواه الحسن بن الحر عن مكحول، وبرد بن سنان عن مكحول، ومحمد بن راشد المكحولي عن مكحول عن كثير بن مرة، ومحمد بن يوسف الفريابي عن ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن كثير بن مرة، وجنادة بن أبي خالد عن مكحول عن أبي إدريس الخولاني، كلها موقوفة على التابعي، وأسانيد الطرق الموقوفات أقوى من أسانيد المرفوعات.
ولا يمكن أن يكون الحديث عند راو من الرواة عن رسول الله e وعن تابعي موقوفاً عليه فيرويَه ولو في بعض المرات بالوقف على التابعي دون أن يقرنه بالرواية المرفوعة، وهذا هو منهج الأئمة النقاد، فهل يمكن أن يكون الحديث عند مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ عن رسول الله e وعن بعض التابعين موقوفاً عليه فيرويه مرات بالوقف دون أن يذكر الطريق المرفوع ؟!، أما على منهج الأئمة النقاد فهذا في غاية البعد، وهذا دليل على أن الطريق المرفوع غير ثابت.
بعض أقوال العلماء في إعلال الحديث:
ـ  قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه أبو خليد القارئ عن الأوزاعي عن مكحول وعن ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن مالك بن يُخامر عن معاذ بن جبل أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يطَّلع الله تبارك وتعالى ليلة النصف من شعبان إلى خلقه". قال أبي: "هذا حديث منكر بهذا الإسناد، ولم يُرو إلا بهذا الإسناد عن أبي خليد، ولا أدري من أين جاء به". قلت: ما حال أبي خليد؟. قال: شيخ. [وأبو خليد هو عتبة بن حماد].
ـ  سئل الدارقطني رحمه الله عن حديث مالك بن يُخامر عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "يطَّلع الله عز وجل إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن". فقال: "يُروى عن مكحول، واختـُلف عنه: فرواه أبو خليد عتبة بن حماد القارئ عن الأوزاعي عن مكحول وعن ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل، قال ذلك هشام بن خالد عن أبي خليد، حدثناه ابن أبي داود قال حدثنا هشام بن خالد بذلك. وخالفه سليمان بن أحمد الواسطي، فرواه عن أبي خليد عن ابن ثوبان عن أبيه عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل، كلاهما غير محفوظ". ثم ذكر الدارقطني رحمه الله عدداً من طرق الحديث وقال: "والحديث غير ثابت".
وسئل رحمه الله كذلك عن حديث حبيب بن صهيب عن أبي ثعلبة الخُشني أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى يطلع إلى عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر للمؤمنين ويملي للكافرين ويدَع أهل الحقد لحقدهم حتى يدَعوه". فقال: "يرويه الأحوص بن حكيم، واختـُلف عنه، ... والحديث مضطرب غير ثابت".
وسئل رحمه الله كذلك عن حديث عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل ليلة النصف من شعبان وأن الله عز وجل يغفر فيها بعدد شعر غنم كلب، فقال: "يرويه يحيى بن أبي كثير عن عروة، ... ورواه أبو خليد عتبة بن حماد القارئ عن الأوزاعي عن مكحول وعن ابن ثوبان عن مكحول من غير أن يذكر في الحديث ثابت بن ثوبان، ... وإسناد الحديث مضطرب غير ثابت".

خلاصة القول في أحاديث فضل النصف من شعبان:
لم يصحَّ في هذا الباب شيء عن رسول الله e، وصحت الرواية  فيه عن مكحول الشامي التابعي من قوله ومن روايته عن كثير بن مرة الحمصي التابعي، وفي بعض الروايات عن أبي إدريس الخولاني الشامي التابعي، ويُظن في إحدى الروايات أنه عن كعب الأحبار، فإذا كان ظن ذلك الراوي صحيحاً فيكون أصل هذه الأحاديث من الإسرائيليات التي كان يحدث بها كعب عن صحف أهل الكتاب.
ومن القرائن على تضعيف الأحاديث الواردة في فضائل النصف  من شعبان ـ بعد بيان أنه لم يرد منها شيء صحيح الإسناد عن نبينا ولا عن أحد من الصحابة -: أن لهذا أصلاً في الأسفار اليهودية، وذلك في النص التالي: "وعمل يربعام عيداً في الشهر الثامن في اليوم الخامس عشر من الشهر، كالعيد الذي في يهوذا،... / فعمل عيداً لبني إسرائيل، وصعد على المذبح ليوقد". [الكتاب المقدس لدى أهل الكتاب، العهد القديم، سفر الملوك الأول، الفصل الثاني عشر، الفقرتان 33،32].
ومن القرائن كذلك على أنه لم يصحَّ حديث في ليلة النصف من شعبان هذان النصان:
الأول: روى محمد بن وضاح في كتاب البدع قال: حدثنا هارون بن سعيد قال: حدثنا ابن وهب قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: "لم أدرك أحدا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان، ولم ندرك أحدا منهم يذكر حديث مكحول، ولا يرى لها فضلا على ما سواها من الليالي". قال ابن أبي زيد: "والفقهاء لم يكونوا يصنعون ذلك". هارون بن سعيد وعبد الله بن وهب ثقتان.
الثاني: قال الحافظ ابن رجب في لطائف المعارف: "وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قبله منهم ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز، منهم عطاء وابن أبي مليكة، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا ذلك كله بدعة".
وعليه فيُخشى أن تكون هذه الفضائل هي من الإسرائيليات التي تسربت من أهل الكتاب إلى بعض التابعين، ثم تلقفها الرواة الضعفاء وأشاعوها، والله أعلم.
ـ نبذة فقهية:
ليلة النصف من شعبانَ ويومُها لم يصحَّ في فضلهما حديث خاص عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يعني كراهة التعبد في تلك الليلة ويومها، لاندراج ذلك تحت عموم الأدلة.
فالاجتماع في المساجد في ليلة النصف من شعبان لقراءة القرآن والذكر والدعاء هو من عمل الخير، وقد عمله بعض السلف، ولا بأس به، وهو مثل التعريف يوم عرفة بمساجد الأمصار، أي الاجتماع يوم عرفة من الظهر إلى الغروب في المساجد للذكر والدعاء، وقد عمله بعض السلف، وسئل الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله عنه فقال "لا بأس به".
وأما صيام يوم النصف من شعبان فهو مستحب استحبابا مؤكدا، لأنه من أيام البيض ومن شهر شعبان، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على صيام أيام البيض، وكان يصوم شعبان كله إلا قليلا. والله أعلم.

وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي، والحمد لله رب العالمين.

علم الكلام في حوار هادئ

  

* قال أحد الإخوة القراء عني وعن كتابي عقائد الأشاعرة في حوار هادئ مع شبهات المناوئين متسائلا
خلال تصفحي لهذا الكتاب وجدت كلاما لم يعجبني حول الإمام الجويني والإمام الرازي، حيث قال كاتبه “من مآخذي على الأشاعرة إجمالاً دخولهم في الفلسفة وتبنيهم طرقها ومناهجها، دون التنبه إلى عقم تلك الطرق والمناهج، فنحن أمة أغنانا الله تعالى بالطرق القرآنية في إثبات العقائد، ولا حاجة لنا إلى غيرها، ومن كان من هذا في شك فلينظر ـ على سبيل المثال ـ في الشامل لإمام الحرمين والمطالب العالية للإمام فخر الدين الرازي ـ رحمهما الله وغفر لهما ـ، فإنه يرى فيهما الإغراق الشديد في الطرق الفلسفية العقيمة التي لا تعطي اليقين ولا توصل إلى الهداية”.
عقائد الأشاعرة في حوار هادئ مع شبهات المناوئين غلافعلق على هذا التساؤل اثنان من الباحثين
* قال الباحث الأول:  

طبعا ليس بصواب، وعلى عادة الكثير من الناس وخاصة دكاترة الجامعات تسمية كل ما فيه دقة متناهية وتقسيم عميق ونظر دقيق ووضع الاعتراضات والإجابة عنها يسمونه فلسفة، فهم لا يعنون به الفلسفة التي هي علم من العلوم، بل يعنون به ما لم يفهموه هم، فأحد الدكاترة سألته عن حاشية في النحو كنت قد قرأتها قديما فقال لي “هذه فلسفة وليست نحو”، فقد يكون مقصود الشيخ من هذا الباب، ثم كتابه ليس بذاك من وجهة نظري، ليس قويا، وقد يكون هو وغيره قد أتِي من حيث لم ينتبه إلى الفرق بين ماهية علم الكلام وماهية الفلسفة، فهما يشتركان من ناحية أنهما يبحثان في أحوال المعلوم، ويختلفان في الحيثية المتعلقة به، فالمتكلم يبحث في أحوال المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية التي جاء بها الوحي، والفيلسوف يبحث في المعلوم من أجل معرفة حقيقته فقط لا من حيث يقتدر به على إثبات عقيدة دينية، فأهم نقطة يظهر فيها الخلاف هي الفرق بين غاية الفلسفة وغاية علم التوحيد (الكلام)، فغاية الكلام إثبات العقائد التي جاء بها النبي، أما الفلسفة فعلى أحسن أحوالها فإنها تنظر إلى العقائد على أنها أشياء غير موثوق بها إطلاقا، هذا على أحسن الأحوال، وفي معظمها إنكار للعقائد من أصلها، وهم يعيبون على المتكلم بحثه في عقائد موجودة مسبقا، إذ الصواب – عندهم – أن تكون عاريا عن كل تصديق وإيمان مسبق حتى يصح لك أن تتفلسف، ثم الفلاسفة أنفسهم لم يستطيعوا أن يعطونا تعريفا محددا للفلسفة، وبعد ذلك اختلفوا إلى فلاسفة إلهيين و طبيعيين وغير ذلك، فأي واحدة من هذه الفلسفات يعني الشيخ؟!، إذ لا تشترِط الفلسفة الإيمانَ بالله ولا بالأنبياء مثلا، على عكس علم الكلام الذي يعدها أصولا، ونقطة أخرى يختلف فيها العِلمان، هي الوسائل المستخدمة في كل منهما، فالفلسفة تعتبر الشيء غير القابل للتجربة غير قابل للبحث، فلا يبحث في الإلهيات كثير منهم، أما عند المتكلم فهذا هراء، فلذلك يبحث في الصفات الإلهية مثلا، وهناك نقاط كثيرة للاختلاف ليس هذا محلَّ بسطها. فإذا عرفتَ هذا علمتَ أن كلام الشيخ لا محل له من الإعراب، وقائله غير متمكن، والسلام
 وقال الباحث الثاني
[هذا الانتقاد للأشاعرة طريقة انتقاد هزيلة، لا قوام لها، والقائل بذلك مع ما له من جهد محمود إلا أنه غفـَل عن أساس علم الكلام الذي يوجب على المتكلمين أن يبحثوا في كل ما من شأنه أن يدلّ على العقيدة الحقة، وفي كل ما من شأنه أن ينقض العقيدة الباطلة، وهذا المنهج نفسه موجود في القرآن الكريم، ففيه ذكر العقائد الباطلة والرد عليها، وفيه ذكر العقيدة الصحيحة وذكر الأدلة عليها، فالمتكلمون من حيث المنهجُ العام لم يخالفوا القرآن، فقوله “ومن مآخذي على الأشاعرة إجمالاً دخولهم في الفلسفة وتبنيهم طرقها ومناهجها دون التنبه إلى عقم تلك الطرق والمناهج” قول باطل، بل هو قولُ من لم يعرف كلام الأشاعرة، فليس لمثلهم يقال إنهم دخلوا في الفلسفة وإنهم تبنوا طرقها ومناهجها دون التنبه إلى عقم تلك الطرق!، ألهذا الحد يعتقدهم مغفلين غافلين لا يتمتعون بأدنى ذكاء حتى يتبنوا مناهج الفلسفة دون التنبه إلى عقمها؟!، وأنا أجزم أنْ لا أحد يقول بذلك إلا إن كان لم يقرأ كتبهم المفصلة، بل اكتفى بهذه النظرة الإجمالية وتأثر من كثير من أهل العصر الذين تبعوا المستشرقين والحداثيين وبعض المجسمة في اتهام الأشاعرة بذلك، ولو أنهم وعَوْا حقيقة ما يقولون وقرأوا بعض مباحث الأشاعرة ونقدهم للفلسفة ومذاهبها لما صدر عنهم ما صدر. أما قوله إنه ليس مقلدا فنقول له لو لم تكن مقلدا لما قررتَ ما قررته، بل ما قلتَه عينُ التقليد، ولكن بدل أن يكون للأشاعرة كان لمخالفيهم ومنتقديهم والغامطين لحقهم].
 ـ أقول
من حق الأخ القارئ أن لا يعجبه كلامي، فالإعجاب وعدم الإعجاب ينبني على ما تقرر في ذهن القارئ قبل ذلك من معلومات، ولقد أحسن في توجهه بالسؤال إلى من يتوسم فيهم العلم والمعرفة. فأشكره على ذلك.
أما كلام الباحثين المعلقين على التساؤل ففيه وقفات:
* الوقفة الأولى:
أنقل هنا موقف ثلاثة من كبار أئمة الأشاعرة من علم الكلام، وهم من المتفق على جلالة قدرهم وعلو منزلتهم وأنهم من أكبر العلماء بهذا العلم وأكثرهم خبرة به، وهم غير متهمين لا بقلة العلم ولا بمحاباة أحد على أحد، لعل في ذكر موقفهم منه ما يشفي ويكفي.
ـ وقبل ذكر موقفهم منه يحسُن أن أذكِّر بكلمة من كلمات الإمام الشافعي رحمه الله، فقد ثبت عنه أنه قال “لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنب ما خلا الشركَ خير له من أن يلقاه بشيء من علم الكلام”، لكن الذي يرى أن هذا العلم هو علم عقلي حقيقي يمْكن أن يوصل إلى حقائق عقلية فإنه يؤول كل ما جاء عن الشافعي وغيره في ذم علم الكلام بأن المراد هو استخدام هذا العلم في مناقضة الحقائق لا في إثباتها، ولذا فلن أحتج هنا بكلماتهم رحمهم الله.
ولا يعنيني في هذا الموقف مسألة استخدام هذا العلم في إثبات أشياء أو في مناقضتها بمقدار الأمر الهام الذي أريد الجواب عنه، وهو هل هذا علم عقلي حقيقي؟!.
إذا كان هو كذلك ـ وهذا ما أقول بخلافه منذ أمد طويل ـ فلا مانع من الاستفادة منه، لأنه بذلك سيكون مؤكدا للحقائق الإيمانية، ونحن نعلم يقينا أن الحقائق العلمية والحقائق الشرعية يستحيل أن تتناقض، بل يؤكد ويعضد بعضها بعضا.
* أولا: موقف الفقيه الشافعي الكبير أبو المعالي إمام الحرمين ابن الجويني عبد الملك بن عبد الله بن يوسف المتوفى سنة 478:
ـ قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء وفي تاريخ الإسلام: قال السمعاني: قرأت بخط أبي جعفر محمد بن أبي علي الهمَذاني قال: سمعت أبا المعالي يقول: قرأت خمسين ألفا في خمسين ألفا، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى عنه أهل الإسلام، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموتَ على دين العجائز ويختِمَ عاقبة أمري عند الرحيل على كلمة الإخلاص لا إله إلا الله فالويل لابن الجويني. [محمد بنُ الحسن بنِ محمدٍ أبو جعفر بنُ أبي علي الهمَذاني ثقة مات سنة 531].
ـ وقال الذهبي في تاريخ الإسلام: قال السمعاني: سمعت أبا روح الفرج بن أبي بكر الأرموي يقول: سمعت أستاذي غانم بن حسين الموشيلي يقول: سمعت الإمام أبا المعالي الجويني يقول: “لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اشتغلت بالكلام”. ونقلها كذلك ابن كثير في طبقات الشافعيين عن السمعاني. [أبو روح الفرج بن أبي بكر بن الفرج الأُرْمَوي الهمَذاني فقيه فاضل صالح. غانم بن حسين الموشيلي أبو الغنائم الأرموي الأذربيجاني فقيه فاضل ورع مات سنة 525 تقريبا].
ـ وقال تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: ذكر ابن السمعاني أنه سمع أبا العلاء أحمد بن محمد بن الفضلِ الحافظُ بأصبهان ذكر عن محمد بن طاهر المقدسي الحافظ أنه قال: سمعت أبا الحسن القيرواني الأديب بنيسابور وكان ممن يختلف إلى درس إمام الحرمين قال: سمعت أبا المعالي يقول: “لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به”. وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام وفي السير عن محمد بن طاهر به.
[أبو العلاء أحمد بن محمد بن الفضل الأصبهاني ثقة مات سنة 543. محمد بن طاهر بن محمد بن علي أبو الفضل المقدسي الهمذاني البغدادي ثقة مات سنة 507. أبو الحسن علي بن فضَّال بن علي القيرواني النيسابوري أديب مشهور مات سنة 479‏].
قال السبكي: “يشبه أن تكون هذه الحكاية مكذوبة، وابن طاهر عنده تحامل على إمام الحرمين، والقيرواني المشار إليه رجل مجهول”.
ـ أقول:
فات تاجَ الدين السبكي رحمه الله معرفة أبي الحسن القيرواني، فظنه مجهولا، وظن أن الراوية الثالثة من هذه الروايات مكذوبة، وهذا تسرع، فتلك الروايات يعضد بعضها بعضا.
اجتماع هذه الروايات الثلاثة عن إمام الحرمين رحمه الله يجعلنا لا نشك في ثبوت هذا المعنى عنه، والذي أفهمه من ذلك هو أنه غاص في الكتب التي نهى عن قراءتها والغوصِ فيها علماء الإسلام، وذلك هربا من التقليد، وبحثا عن مزيد من الحقائق أو الأدلة العقلية الجديدة لما كان يعرِف من الحقائق، ولا أراها سوى كتب الفلسفة وعلم الكلام ونحوهما، ولا ننسى هنا أنه لا يغيب عن باله ما قاله إمامه الشافعي رحمه الله في علم الكلام على وجه الخصوص، وأفهم من ذلك المعنى أنه لم يجد فيها ما يروي غلته، وعاد بعد قراءة أكثر من عشرين مجلدا ضخما بهذه الأمنية: أن يموتَ على دين العجائز، وأن يختِمَ الحق تبارك وتعالى بلطيف بره عاقبة أمره عند الرحيل على كلمة التوحيد، وهذا يعني أنه لم يستفد من كل تلك المجلدات من دلائل التوحيد أكثرَ مما عند المرأة المؤمنة العجوز التي تحرص على تلاوة القرآن بتدبر معانيه.
ومما يؤكد صحة هذا المعنى الذي فهمته عنه قوله “لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اشتغلت بالكلام”، ونصيحته الذهبية لمن بعده بقوله “لا تشتغلوا بالكلام”.
ولو كان في علم الكلام أدلة عقلية حقيقية لتثبيت عقيدة التوحيد لكان إمامُ الحرمين أولَ الناصحين بقراءته والاهتمام به.
* ثانيا: موقف حجة الإسلام الإمام الغزالي محمد بن محمد بن محمد المتوفى سنة 505:
ـ قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى وهو يتحدث في كتابه إحياء علوم الدين عن علم الكلام: “وأما منفعته فقد يُظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتُها على ما هي عليه، وهيهات، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف، وهذا إذا سمعتَه من محدِّث أو حَشَوي فربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممن خَبَرَ الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين وتحققَ أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود، ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على الندور، في أمور جلية تكاد تـُفهم قبل التعمق في صنعة الكلام، بل منفعته شيء واحد، وهو حراسة العقيدة على العوام وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل، فإن العامي ضعيف يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسدا، ومعارضة الفاسد بالفاسد تدفعه”.
ـ أقول:
تدبر قوله “وأما منفعته فقد يُظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتُها على ما هي عليه، وهيهات، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف”، وقولَه “الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود”، وقولَه “ومعارضة الفاسد بالفاسد تدفعه”.
* ويمكن أن أضيف إليهما ثالثا هو الإمام فخر الدين الرازي محمد بن عمر المتوفى في 1/ 10/ 606، ولكن ليس ثبوت هذا المعنى عنه في القوة كثبوته عن ذينك الإمامين:
ـ ذكر ابن كثير في طبقات الشافعيين عن الإمام فخر الدين الرازي أنه قال: “لقد اختبرتُ الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فلم أجدها تروي غليلا ولا تشفي عليلا”. وذكر ابن كثير عنه هذا اللفظ واللفظ الوارد في وصيته التي أملاها في 21/ 1/ 606، وكأنه يرى أن اللفظين ثابتان عنه.
ـ ونقل ابن كثير في طبقات الشافعيين والذهبي في تاريخ الإسلام وابن قاضي شهبة في طبقات الفقهاء الشافعية عن ابن الصلاح رحمه الله أنه قال: أخبرني القطب الطوغاني مرتين أنه سمع فخر الدين الرازي يقول “ليتني لم أشتغل بعلم الكلام”، وبكى. [القطب الطوغاني لم أجد له ترجمة، ولكن ميل ابن الصلاح لقبول روايته والتأكيد على أنه سمعها منه مرتين يشير إلى أنه مقبول الرواية عنده].
تأمل قوله “لا تشفي عليلا”، وإذا لم يكن فيها الشفاء للناس من أمراض العقائد الفاسدة فما فائدتها إذًا؟!.
ـ وقال السيوطي رحمه الله ـ وإن لم يكن مقاربا لأولئك في رتبة العلم ـ في كتابه إتمام الدراية لقراء النُقاية: [علم أصول الدين، بدأتُ به لأنه أشرف العلوم مطلقا، لأنه يبحث عما تتوقف صحة الإيمان عليه، ولست أعني به علم الكلام، وهو ما تـُنصب فيه الأدلة العقلية وتـُنقل فيه أقوال الفلاسفة، فذاك حرام بإجماع السلف، نص عليه الشافعي رحمه الله تعالى، ومن كلامه فيه “لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنب ما خلا الشركَ خير له من أن يلقاه بشيء من علم الكلام”].
لكن ليته قال “الاستدلالات الكلامية” بدلا من قوله “الأدلة العقلية”.
وفي قول هؤلاء الأئمة من أساطين علماء الأشاعرة الذين أفنوا جل أعمارهم في علم الكلام غنيةٌ لمن أراد أن يستبصر وينتفع، إلا إذا كان هؤلاء الأئمة متهمين عند من يظن نفسه أكثر منهم اطلاعا ومعرفة وإخلاصا، فلكل فهمه واجتهاده.
* الوقفة الثانية:
قد يتساءل بعض طلاب العلم ومن حقهم أن يتساءلوا: هل علم الكلام هو العلم الذي يُعنى بالأدلة العقلية على إثبات العقائد الإيمانية؟ وإذا كان ذلك كذلك فلمَ قال فيه أولئك الأئمة ما قالوا؟ وهل هذا يعني أنهم كانوا في حيرة من عقائد المذهب الأشعري ثم تابوا في آخر العمر ورجعوا عما كانوا عليه؟.
وجوابا عن تلك التساؤلات أقول:
علم الكلام عند المسلمين هو علم يراد منه إثبات العقائد الإسلامية بالأدلة العقلية لكن باستخدام المنهج الكلامي الفلسفي اليوناني، أي بطريقة مختلفة عن طريقة النظر والتفكر والتدبر العقلي، إذ لم يتبنَّ علم الكلام الإسلامي ـ من أول أيامه ـ الأدلة العقلية التي ينتجها العقل المتدبر بعيدا عن التأثيرات الخارجية، وإنما بدأ باستعمال ما يُسمى بالأدلة الكلامية اليونانية ممزوجة بالتفكير العقلي لإثبات العقائد، وكان ذلك بسبب الانبهار الشديد بما وصل للمسلمين من كتب الفلسفة التي نقلت أقوال ومناهج فلاسفة اليونان، وعلم الكلام هو جزء من تلك الفلسفة، على خلاف في درجة التأثر بتلك الأقوال والمناهج.
عندما وصل كلام أولئك المتأثرين بأقوال ومناهج الفلسفة اليونانية وعلمِ الكلام اليوناني إلى مسامع علماء الإسلام الكبار أنكروه غاية الإنكار، ويبدو أنهم أنكروا المنهج والطريقة وأنكروا الأفكار الدخيلة وإن كان الإنكار للأفكار أشد، ومن أولئك العلماء الذين وقفوا أمام هذه الهجمة الفكرية الإمامُ الشافعي وغيره عليهم رحمة الله أجمعين.
ولو كان علم الكلام هو العلمَ الذي يُعنى بالأدلة العقلية على إثبات العقائد الإيمانية لمَا أنكروه، وكيف ينكرون على من عمل بما أمره الله به في آيات كثيرة منها قوله تعالى {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}؟!.
كان ذلك المنهج في بداية الأمر منهج المعتزلة على وجه الخصوص، ولكن يبدو أنه انتقل بعد ذلك إلى غيرهم ممن أرادوا أن يستفيدوا من ذلك المنهج وتلك المصطلحات في نصرة العقائد الإسلامية، ومن أولئك الذين حاولوا أن يستفيدوا تلك الاستفادة علماء الأشاعرة والماتريدية. وهنا كانت الغلطة.
وعندي أن نصرة العقائد الإسلامية يجب أن تكون بالأدلة العقلية المستوحاة من كلام الله عز وجل وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، توضيحا وشرحا وتفصيلا، مع الاستفادة من كل بحث علمي ـ على الصعيد الإنساني ـ إذا كان فيه دليل عقلي برهاني.
لكن علم الكلام شيء آخر.
وهذا يفسر لنا لمَ قال أولئك الأئمة الكبار الثلاثة ما قالوه في علم الكلام، ويوضح لنا أنهم لم يكونوا في حيرة من عقائد المذهب الأشعري ثم تابوا في آخر العمر ورجعوا عما كانوا عليه، ومما يؤكد لنا ذلك أنهم لم ينبهوا على أي خطأ فيما كانوا يعتقدون، وإنما رجوعهم هو عن منهجٍ وطريقةٍ في الاستدلال غاية ما فيها ـ لو صحت ـ أنها تترك الطريق اليسير السهل الواضح وتسلك الطريق الطويل الوعر المعقد، وشهادات العلماء الذين نقلت أقوالهم تنبئك عن حقيقة هذا المنهج الاستدلالي، ولا ينبئك مثل خبير.
* الوقفة الثالثة:
قد يقول قائل: لقد ضعفتْ همم كثير من طلاب العلم في البحث والاطلاع، فهلا ذكرتَ مثالا ـ ولو صغيرا ـ من كتب علم الكلام!.
أقول: هذا صحيح، وكنت أظن يوم لفتُّ النظر إلى كتابين من كتب هذا العلم أن طالب العلم المهتم بمثل هذه الأبحاث لا بد أن يرجع إليهما وأن يقرأ من كل واحد منهما عشر صفحات أو عشرين على الأقل، ليتعرف بنفسه على لمحة سريعة على هذا العلم ومنهج الكتابة فيه، ويبدو أنني أخطأت في ظني.
وحيث إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره فإليك ـ أيها القارئ ـ نبذة صغيرة من بعض كتب علم الكلام لتطلع منها على لمحة، وهي في مسألة بطلان التسلسل إلى اللانهاية في الماضي:
قال سعد الدين التفتازاني المتوفى سنة 791 في كتابه شرح المقاصد: [احتجوا على بطلان التسلسل بوجوه: … الوجه الثاني ويسمى برهانَ التطبيق ـ وعليه التعويل في كل ما يُدَّعى عدمُ تناهيه ـ: أنه لو وُجدت سلسلة غيرُ متناهية إلى علة محضة، تنقِص من طرفها المتناهي واحدا، فتحصُل جملتان، إحداهما من المعلول المحض، والثانية من الذي فوقه، ثم تطبق بينهما، فإن وقع بإزاء كل جزء من التامة جزء من الناقصة لزِمَ تساوي الكل والجزء، وهو محال، وإن لم يقع ـ ولا يُتصور ذلك إلا بأن يوجد جزء من التامة لا يكون بإزائه جزء من الناقصة ـ لزم انقطاع الناقصة بالضرورة، والتامة لا تزيد عليها إلا بواحد على ما هو المفروض، فيلزم تناهيها، ضرورةَ أن الزائد على المتناهي بالمتناهي متناهٍ].
قال: [واعتُرض بوجهين: أحدهما نقـْض أصل الدليل بأنه لو صح لزم أن تكون الأعداد متناهية، لأنا نفرض جملة من الواحد إلى غير النهاية وأخرى من الاثنين إلى غير النهاية ثم نطبق بينهما، وتناهي الأعداد باطل بالاتفاق، وأن تكون معلومات الله تعالى متناهية للتطبيق بين الكامل وبين الناقص منه بواحد، وتناهيها باطل عند المتكلمين، وأن تكون الحركات الفلكية متناهية للتطبيق بين سلسلة من هذه الدورة وأخرى من الدورة التي قبلها، وتناهيها باطل عند الفلاسفة، وثانيهما نقض المقدمة القائلة بأن إحدى الجملتين إذا كانت أنقص من الأخرى لزم انقطاعُها، بأن الحاصلَ من تضعيف الواحد مرارا غيرَ متناهية أقلُّ من تضعيف الاثنين مرارا غير متناهية مع لا تناهيهما اتفاقا، ومقدوراتِ الله تعالى أقلُّ من معلوماته، لاختصاصها بالممكنات وشمولِ العلم للممتنعات أيضا مع لا تناهي المقدورات عندنا، ودوْراتِ زحَلَ أقلُّ من دورات القمر ضرورةً مع لا تناهيهما عند الفلاسفة، وحاصل الاعتراض أنا نختار أنه يقع بإزاء كل جزء من التامة جزء من الناقصة ولا نسلم لزوم تساويهما، فإن ذلك كما يكون للتساوي فقد يكون لعدم التناهي، وإن سُمي مجرد ذلك تساويا فلا نسلم استحالة ذلك فيما بين التامة والناقصة بمعنى نقصان شيء من جانبها المتناهي، وإنما يستحيل ذلك في الزائدة والناقصة بمعنى كون عدد إحداهما فوق عدد الأخرى، وهو ليس بلازم فيما بين غير المتناهيين وإن نقصت من أحدهما ألوف].
قال: [وقد يجاب عن المنع بدعوى الضرورة في أن كل جملتين إما متساويتان أو متفاوتتان بالزيادة والنقصان وأن الناقصة يلزمها الانقطاع، وعن النقض بتخصيص الحكم، أما عندنا فبما دخلت تحت الوجود سواء كانت مجتمعة كما في سلسلة العلل والمعلولات، أوْ لا، كما في الحركات الفلكية، فإنها من المعدودات، فلا يرِد الأعداد، لأنها من الاعتبارات العقلية، ولا يدخل في الوجود من المعدودات إلا ما هي متناهية، وكذا معلومات الله تعالى ومقدوراته، ومعنى لا تناهيها أنها لا تنتهي إلى حد لا يكون فوقه عدد أو معلوم أو مقدور آخر، وأما عند الفلاسفة فبما يكون موجودة معا بالفعل مترتبة، وضعا كما في سلسلة المقادير على ما يذكر في تناهي الأبعاد، أو طبعا كما في سلسلة العلل والمعلولات، فلا يرد الحركاتُ الفلكية لكونها متعاقبة غير مجتمعة ولا جزئياتُ نوع واحد كالنفوس الناطقة على تقدير عدم تناهيها بحسب العدد لكونها غير مترتبة، فإن قيل التخصيص في الأدلة العقلية اعتراف ببطلانها حيث يتخلف المدلول عنها قلنا معناه أن الدليل لا يجري في صورة النص بل يختص بما عداها، أما عندنا فنظرا إلى أن ما لا تحقق له في نفس الأمر لا يمكن التطبيق فيه إلا بمجرد الوهْم فينقطع بانقطاعه، بخلاف ما في نفس الأمر فإنه لا بد أن يقع بإزاء كل جزءٍ جزءٌ أو لا يقع وهو معنى الانقطاع، وأما عندهم فنظرا إلى أن التطبيق بحسب نفس الأمر إنما يتصور فيما له مع الوجود ترتب ليوجد بإزاء كل جزء من هذه جزء من تلك، فلا يجري في الأعداد ولا في الحركات الفلكية ولا في النفوس الناطقة].
قال: [والحق أن تحصيل الجملتين من سلسلة واحدة ثم مقابلة جزء من هذه بجزء من تلك إنما هو بحسب العقل دون الخارج، فإن كفى في تمام الدليل حكم العقل بأنه لا بد أن يقع بإزاء كل جزء جزءٌ أو لا يقعَ فالدليل جار في الأعداد وفي الموجودات المتعاقبة والمجتمعة المترتبة وغير المترتبة، لأن للعقل أن يفرض ذلك في الكل، وإن لم يكفِ ذلك بل اشتُرط ملاحظة إجراء الجملتين على التفصيل لم يتمَّ الدليل في الموجودات المترتبة فضلا عما عداها، لأنه لا سبيل للعقل إلى ذلك إلا فيما لا يتناهى من الزمان]. انتهى.
المنع ـ في اصطلاح علم المناظرة ـ: هو إبطال مقدمة من مقدمات دليل الخصم على وجه الإنكار وطلب الدليل.
النقض ـ في اصطلاح علم المناظرة ـ: هو إبطال دليل المعلـِّل بعد تمامه، متمسكا بشاهد يدل على عدم استحقاقه للاستدلال به، لاستلزامه فسادا ما.
هذه نبذة من أحد كتب علم الكلام، حيث يذكر المؤلف هنا أحد أدلة إبطال التسلسل إلى اللانهاية في الماضي، وهذه المسألة من أهم مسائل هذا العلم، ولك أن تتصور كتبا يستوعب كل منها مجلدات معظمها على هذا النسق.
لعل مثل هذا هو ما تحدث عنه إمام الحرمين والغزالي والفخر الرازي والسيوطي، وعندي أن مثل هذا ليس من العلوم العقلية أصلا، لأن العلوم العقلية هي التي تناقش المسائل التي يستطيع العقل أن يدلي فيها ببرهان ويكون البرهان فيها مما يتفهمه العقل ويصل به إلى الجزم، أما الفلسفة ـ ومنها علم الكلام ـ فهي لا تقتصر على مثل تلك المسائل ولا على مثل تلك البراهين، فيغوص فيها الغائص ولا يرجع منها بكبير شيء.
هذا وقد ذكرتُ دليلا عقليا على إبطال التسلسل إلى اللانهاية في الماضي في كتابي “عقائد الأشاعرة في الجولة الثانية من الحوار”، فليراجعه من شاء، وأراه دليلا عقليا، بخلاف النص المنقول آنفا من كلام التفتازاني رحمه الله، فهو مبحث كلامي وليس بدليل عقلي، وذكرت فيه عددا من الأدلة النقلية كذلك.
والذين يدافعون عن علم الكلام اليوم يظنون أنهم يدافعون عن الاستدلالات العقلية لإقامة البراهين على صحة العقائد الإيمانية، وهذا حق لا امتراء فيه لو أن علم الكلام هو كذلك، وهيهات، ولو أنهم خلـَّصوا كتب علم الكلام من الاستدلالات الكلامية وأبقوا فيها الأدلة العقلية لأسْدوا إليها معروفا كبيرا.
* الوقفة الرابعة: مباحثات مع الباحث الأول:
قال الباحث الأول معلقا على النص المنقول في بداية هذا الحوار من كتابي عقائد الأشاعرة في حوار هادئ “من مآخذي على الأشاعرة إجمالاً دخولهم في الفلسفة وتبنيهم طرقها ومناهجها دون التنبه إلى عقم تلك الطرق والمناهج”:
“طبعا ليس بصواب، وعلى عادة الكثير من الناس وخاصة دكاترة الجامعات تسمية كل ما فيه دقة متناهية وتقسيم عميق ونظر دقيق ووضع الاعتراضات والإجابة عنها يسمونه فلسفة، فهم لا يعنون به الفلسفة التي هي علم من العلوم، بل يعنون به ما لم يفهموه هم”.
أقول:
الكلام الذي فيه دقة متناهية وتقسيم عميق ونظر دقيق ووضع الاعتراضات والإجابة عنها ليس مذموما ولا شيء فيه، ولا داعي لتسميته فلسفة، لكن هذا في واد وعلم الكلام والفلسفة في واد آخر.
ما علاقة “دكاترة الجامعات” بالبحث في موضوع كتب علم الكلام؟!، ألأن صاحب كتاب عقائد الأشاعرة في حوار هادئ يحمل درجة الدكتوراه؟!.
كن مطمئنا ـ أخي الكريم ـ فصاحب هذا الكتاب لا يرى في هذه الشهادة شرفا لحاملها، ويكره من يعتز بها ويحرص على هذا اللقب الدخيل على ثقافتنا، ولا داعي للتعريض.
وقوله “بل يعنون به ما لم يفهموه هم” هو كذلك من التعريض، أي إن هذا الباحث هو من يفهم الفلسفة وعلم الكلام والفرق بينهما، دون المردود عليه!، وربما يتضح من المباحثات التالية مقدار فهمه بذلك.
ثم قال الباحث الأول:
“وقد يكون مؤلف كتاب عقائد الأشاعرة في حوار هادئ هو وغيره قد أتِي من حيث لم ينتبه إلى الفرق بين ماهية علم الكلام وماهية الفلسفة، فالمتكلم يبحث في أحوال المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية التي جاء بها الوحي، والفيلسوف يبحث في المعلوم من أجل معرفة حقيقته فقط لا من حيث يقتدر به على إثبات عقيدة دينية، والفلسفة في معظمها إنكار للعقائد من أصلها”.
أقول:
الفلسفة كلمة أعجمية يونانية معناها محبة الحكمة، والفيلسوف محِب الحكمة، وأقرب ترجمة لها أن نقول هي علم الحكمة، لكن ليس كل من قال إنه ينطق بالحكمة فهو ينطق بالحكمة حقيقة، شأنها في ذلك شأن كلمة العلم، إذ ليس كل من قال إنه يتكلم بالكلام العلمي فهو يتكلم بالعلم المؤصل بالأدلة والبراهين.
وجاء في المعجم الوسيط: الفلسفة دراسة المبادئ الأولى وتفسير المعرفة تفسيرا عقليا، وكانت تشمل العلوم جميعا، واقتصرتْ في هذا العصر على المنطق والأخلاق وعلم الجمال وما وراء الطبيعة.
وقال الإمام الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين: “الفلسفة ليست علما برأسها بل هي أربعة أجزاء، أحدها الهندسة والحساب، الثاني المنطق وهو بحث عن وجه الدليل وشروطه ووجه الحد وشروطه وهما داخلان في علم الكلام، الثالث الإلهيات وهو بحث عن ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته، وهو داخل في الكلام أيضا، والرابع الطبيعيات”.
فالتفريق الذي ذكره الباحث الأول بين علم الكلام وبين الفلسفة لا يستند إلى أساس لغوي أو تاريخي، وإذا كان المراد أن ذلك هو ما استقر عليه الأمر عند الأشاعرة فهذا كلام الإمام الغزالي أحد كبار أئمة الأشاعرة ينقض ذلك، ويجعل علم المنطق والإلهيات أجزاء من علم الكلام وعلمَ الكلام جزءً من الفلسفة.
الفلاسفة يبحثون ويتكلمون في أمور العقيدة، وكبار الفلاسفة اليونانيين مثلا يرون أنفسهم أنهم هم أهل العقائد، وكل فيلسوف له فلسفته الخاصة به، في العقائد وغير العقائد.
قال الشهرستاني في كتابه نهاية الإقدام في علم الكلام: “مذهب أهل الحق من أهل الملل كلها أن العالم محدَث ومخلوق، أحدثه الباري تعالى وأبدعه، وكان الله تعالى ولم يكن معه شيء، ووافقتهم على ذلك جماعة من أساطين الحكمة وقدماء الفلاسفة، مثل تاليس وأنكساغورس وأنكسمايس وفيثاغورس وأنبدقلس وسقراط وأفلاطـُن، ومذهب أرسطاطاليس ومن شايعه مثل برقلس والإسكندر الأفروديسي وثامسطيوس ومن نصر مذهبه من المتأخرين أن للعالم صانعا مبدعا، وهو واجب الوجود بذاته، والعالَم ممكن الوجود بذاته”. فهذه الأقوال من الفلاسفة فلسفة، وهي متوافقة مع العقائد الإيمانية.
ثم أضاف الشهرستاني ناقلا عنهم بعض اعتقاداتهم الأخرى إذ يقولون: “والعالَم غير محدَث حدوثا يسبقه عدم، فالعالم سرمدي، وحركات الأفلاك سرمدية لا أول لها تنتهي إليه، فلا تكون حركة إلا وحركة قبلها، فهي لا تتناهى مُدة وعِدة”. فهذه الأقوال من الفلاسفة فلسفة، وهي عقائد كفرية. أما الذي يدعي لنفسه الفهم فيقول “والفلسفة في معظمها إنكار للعقائد من أصلها” دون أن يكون له إلمام بماهية الفلسفة!.
وقوله “فالفلسفة تعتبر الشيء غيرَ القابلِ للتجربة غيرَ قابل للبحث” يدل على أنه يتكلم عن الفلسفة وهو غير عارف بها أصلا.
وقال الباحث الأول:
“كتاب عقائد الأشاعرة في حوار هادئ ليس بذاك من وجهة نظري، ليس قويا، وكلام مؤلفه لا محل له من الإعراب، وقائله غير متمكن”.
أقول:
ليس عندي مشكلة في أن يعبر المرء عن رأيه بكل صراحة ووضوح، ولكن النصح واجب، فأقول من باب التذكير: قال الله جل وعلا {قل هاتوا برهانكم}، وقال تعالى {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}.
* الوقفة الخامسة: مباحثات مع الباحث الثاني:
شكر الباحثُ الثاني الباحثَ الأول على ما قرره في جوابه، وقال معلقا على النص المنقول في بداية هذا الحوار من كتابي عقائد الأشاعرة في حوار هادئ “من مآخذي على الأشاعرة إجمالاً دخولهم في الفلسفة وتبنيهم طرقها ومناهجها دون التنبه إلى عقم تلك الطرق والمناهج”:
“هذا الانتقاد للأشاعرة طريقة انتقاد هزيلة لا قوام لها”.
أقول:
قوله هذا دعوى ينقضها ما تقدم نقله عن ثلاثة من كبار أئمة الأشاعرة، وهم إمام الحرمين الذي قال “لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به”، والإمامُ الغزالي الذي قال “فاسمعْ هذا ممن خَبَرَ الكلامَ ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين وتحققَ أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود”، وفخرُ الدين الرازي الذي قال “لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فلم أجدها تروي غليلا ولا تشفي عليلا”.
ومن تأمل كلام هؤلاء عرف مقدار ما عند هذا الباحث من العلم!.
ثم قال الباحث الثاني عني:
“إلا أنه غفـَل عن أساس علم الكلام الذي يوجب على المتكلمين أن يبحثوا في كل ما من شأنه أن يدلّ على العقيدة الحقة، وفي كل ما من شأنه أن ينقض العقيدة الباطلة، وهذا المنهج نفسه موجود في القرآن الكريم، ففيه ذكر العقائد الباطلة والرد عليها، وفيه ذكر العقيدة الصحيحة وذكر الأدلة عليها، فالمتكلمون من حيث المنهجُ العام لم يخالفوا القرآن، وقول مؤلف الكتاب قول باطل، بل هو قولُ من لم يعرف كلام الأشاعرة”.
أقول:
أساس علم الكلام عند الكلاميين المسلمين يوجب على المتكلمين أن يبحثوا في كل ما من شأنه أن يدلّ على العقيدة الحقة وفي كل ما من شأنه أن ينقض العقيدة الباطلة، وهذا لا خلاف فيه ولا اعتراض عليه لو أنهم التزموا بالأدلة العقلية فقط، ولكنهم خلطوا ذلك بالاستدلالات الكلامية الفلسفية اليونانية العقيمة التي لا تعطي اليقين ولا توصل إلى الهداية، وهذا ما جعل عددا من كبار أساطين الأشاعرة في آخر المطاف يتنبهون إلى عقم هذا المسلك ويرجعون عنه، ولا داعي لتكرار ما تقدم في الوقفات السابقة.
ومن ظن أن المنهج الكلامي نفسَه موجود في القرآن الكريم فليأت بالآيات القرآنية الكريمة الواردة في إثبات وجود الله تعالى والرد على المخالفين وبالنصوصِ الكلامية في ذلك وليقارن بينهما، فإن تبين له الافتراق الأساسي والبعدُ الشاسع بين المنهجين وأن ما قاله أولئك الأئمة الثلاثة صحيح فقد وقع الاتفاق، وإن تبين له أن ما قالوه باطل وأن ما رجعوا عنه هو الصواب فليستمرَّ على ترجيح أساليب فلاسفة اليونان، وله أجر النية الصالحة إن شاء الله.
لو لم يكن قولي الذي قلته مدعما بأدلة من أقوال أئمة الأشاعرة أنفسِهم فمن حق أي باحث أن يتوقف فيه وأن يرده، لكن بعد معرفة أن هذا هو ما رجع إليه عدد من أئمتهم فلا أرى مناصا عن القول به والرجوعِ عن ذلك البريق الخُلَّب.
ولا أدري مَن الذي قوله باطل وقوله قولُ مَن لم يعرف كلام الأشاعرة؟!، هل هو الذي أتى بنصوص أئمتهم وأقوالهم ووعاها واستخلص منها النتيجة التي وصلوا إليها؟! أو هو مَن لم يقف عليها؟! أو هو مَن وقف عليها وأعرض عن تفهم محتواها؟ّ!.
ثم قال الباحث الثاني:
“فليس لمثلهم يقال إنهم دخلوا في الفلسفة وإنهم تبنوا طرقها ومناهجها دون التنبه إلى عقم تلك الطرق!، وأنا أجزم أنْ لا أحد يقول بذلك إلا إن كان لم يقرأ كتبهم المفصلة، بل اكتفى بهذه النظرة الإجمالية وتأثر من كثير من أهل العصر الذين تبعوا المستشرقين والحداثيين وبعض المجسمة في اتهام الأشاعرة بذلك، ولو أنهم وعَوْا حقيقة ما يقولون وقرأوا بعض مباحث الأشاعرة ونقدهم للفلسفة ومذاهبها لما صدر عنهم ما صدر”.
أقول:
يبدو أن الأشاعرة عند الأخ الباحث معصومون عن الخطأ فلا يقال لمثلهم إنهم أخطؤوا!!، ولو لم يكن ذلك كذلك فلمَ لا يقال؟!، أبحجة شرعية أو بغير حجة؟!. وهذه موبقة ما كنت أظن أن أحدا من طلاب العلم ينزلق إليها.
ولو كان لأي فرد من المسلمين أن يعطي أهل مذهبه تلك المرتبة لفتحنا الباب لكل متمذهب بمذهب عقدي أو فقهي أو سلوكي أن يعطي أهل مذهبه مثل ذلك!.
هل يرى الباحث إجماع الأشاعرة على أمر يكون حجة لا يجوز الخروج عنه؟!، بل حتى لو قال ذلك فليس من حقه أن يدفع عنهم هذه التخطئة، لأن إجماعهم قد انخرم هنا بخروج ثلاثة من كبار أئمتهم على ذلك الإجماع المتوهَّم.
وقوله “وأنا أجزم أنْ لا أحد يقول بذلك إلا إن كان لم يقرأ كتبهم المفصلة، بل اكتفى بهذه النظرة الإجمالية وتأثر من كثير من أهل العصر الذين تبعوا المستشرقين والحداثيين وبعض المجسمة في اتهام الأشاعرة بذلك” تعريض ساقط وكلام مرفوض.
لم أكتفِ بنظرة إجمالية في كتب علماء الكلام، ولم أقرأ كتبهم المفصلة، لكن قرأت فيها، ومع ذلك فقد وقفت ـ بفضل الله ـ على ما جعلني أنفر من طريقتهم، كما وقفت على تلك النصوص عن بعض أئمتهم، فلو قرأتها بتمامها فلربما وجدت فيها ما هو أكثر.
ثم إنني لست ـ بحمد الله ونعمته وفضله ـ مقلدا للعلماء الفضلاء دون التعرف على الدليل، فهل أنا متأثر أو مقلد لكثير من أهل العصر الذين تبعوا المستشرقين والحِداثيين وبعض المجسمة؟؟!!!. استعدَّ أيها الباحث لوقفة بين يدي العليم الخبير.
ويبدو ـ على كلام الباحث ـ أن إمام الحرمين والغزالي وفخر الدين الرازي والسيوطي هم من المتأثرين بالذين تبعوا المستشرقين والحِداثيين وبعض المجسمة!!.
ثم قال الباحث الثاني عني:
“أما قوله إنه ليس مقلدا فنقول له لو لم تكن مقلدا لما قررتَ ما قررتَه، بل ما قلتَه عينُ التقليد، ولكن بدل أن يكون للأشاعرة كان لمخالفيهم ومنتقديهم والغامطين لحقهم”.
أقول:
قولي الذي قلته في المنهج الكلامي هو نتيجة قراءاتي في كتب المتكلمين، وهو مما تفضل الله به علي منذ أمد بعيد، وله المنة والفضل، وقد صرحتُ بأنني لست أشعريا مقلدا، وذلك لأنني لا أرتضي لنفسي التقليد.
ثم إنني فوجئت بإنسان يقول لي “لو لم تكن مقلدا لما قررتَ ما قررتَه، وأنت في هذا مقلد لمخالفي الأشاعرة ومنتقديهم والغامطين لحقهم”!!. إنها لإحدى الكبر.
كل إنسان أعلم بنفسه من أي مخلوق على وجه الأرض، ألا يتقي اللهَ هذا القائل الذي يدعي بلسان الحال أنه يعلم مما في قلوب الناس ما لا يعلمونه هم من أنفسهم. لعله نسي قول الله تعالى {وما كان الله ليطـْلعكم على الغيب}، وقولَه تعالى {فقلْ إنما الغيب لله}.
وددت أن يتوب القائل من هذه الكلمات قبل الممات، فهي نفثة من الشيطان في الإنسان تخيل له أنه مشارك لله تعالى في بعض الربوبية، وهو علم الغيب.
وأذكـِّره بقول الله جل وعلا {ولا تقفُ ما ليس لك به علم}، وقولِه جل وعلا {قل هاتوا برهانكم}، وقولِه تعالى {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}.
* وفي الختام أسأل المولى تعالى أن يعفو عنا ويغفر لنا ويرحمنا ويردنا إلى الحق والصواب، إنه العفو الغفور الرحيم.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 14/ 5/ 1436، الموافق 5/ 3/ 2015، والحمد لله رب العالمين