الأربعاء، 11 مارس 2015

هل ابن تيمية يميل إلى التجسيم؟

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث بالحق المبين وعلى آله وأصحابه ومن تبع سنتهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين

قال أحد الإخوة أحسن الله إليه عني:
"صلاح الدين من المتحاملين على ابن تيمية رحمه الله، ومن صور التحامل اتهامه لابن تيمية بأنه يميل إلى التجسيم".
أقول:
حيث إنني آنست من هذا الأخ الكريم الرغبة في الحوار مع الاعتماد على الدليل ونبذ التعصب فكان لزاما علي أن أدله على حقيقة الأمر، رغبة في الوصول إلى الحق والابتعاد عن تبادل التهم بما لا دليل عليه.
قد قال مثل هذا القول عني أحد الإخوة سابقا، وردَدْتُ هذه التهمة عن نفسي في كتابي "عقائد الأشاعرة في الجولة الثانية من الحوار"، وإليك مقتطفاتٍ مما قلته في هذا الكتاب:
الوقفة الثالثة عشرة:
نقل الباحث الثاني عني أني قلت: "ابن تيمية لا يصرح بالتجسيم ولكن يميل إليه". وأنني أوردت قوله رحمه الله إذ يقول "وأما الحنبلية فلا يُعرف فيهم من يطلق هذا اللفظ، لكن فيهم من ينفيه، وفيهم من لا ينفيه ولا يثبته، وهو الذي كان عليه الإمام أحمد وسائر أئمة السنة". وأنني فهمت منه أنه يميل للتجسيم!!. وعلق الباحث الثاني بقوله "مع أن عبارة ابن تيمية رحمه الله يفهمها أي عاقل، وهو يبين في مواضع عديدة حقيقة هذا المصطلح ـ التجسيم ـ وأنه من المصطلحات التي يُستفسر عنها، فإن أريدَ به حق أثبتنا ذلك الحق، وإن أريد به باطل لم نقبله". [النص المنقول عن ابن تيمية هو في بيان تلبيس الجهمية: 2/ 93. وفي الطبعة الأخرى: 4/ 96].
أقول:
ما نقله عني صحيح، فجزاه الله خيرا، ولكنه حذف تتمة الكلام، وهو: [أما أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي الحنبلي المتوفى سنة 410 فينقل عن الإمام أحمد خلاف ذلك، إذ يقول عنه: "وأنكر على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذي طول وعرض وسَمْك وتركيب وصورة وتأليف، والله تعالى خارج عن ذلك كله". انظر: الملحق الذي بآخر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى: 2/ 298. وممن نفى لفظ الجسم عن الله تبارك وتعالى شيخُ الحنابلة القاضي أبو يعلى، فإنه قال: "لا يجوز أن يُسمى الله جسماً، فمن اعتقد أن الله سبحانه جسم من الأجسام وأعطاه حقيقة الجسم من التأليف والانتقال فهو كافر". انظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى: 2/ 212]. انتهى ما ذكرته في عقائد الأشاعرة في حوار هادئ.
وفي هذا النقل الذي ذكره الإمام الفقيه أبو الفضل التميمي الحنبلي وهو متأخر عن الإمام أحمد زمنا بقرابة قرنين ومتقدم على ابن تيمية بثلاثة قرون ما يوجب وقفة، فهل أنكر الإمام أحمد على من يقول بالجسم كما نقله عنه أبو الفضل التميمي؟ أو كان لا ينفيه ولا يثبته هو وسائر أهل السنة كما نقله عنهم ابن تيمية؟!. أظن أن قول ابن تيمية رحمه الله بأن الإمام أحمد وسائر أهل السنة لا ينفون لفظ الجسم عن الله تعالى ولا يثبتونه ليس مبنيا على رواية عنهم بذلك، وإلا فأين تلك الرواية عنهم أو عن بعضهم على الأقل؟؟.
وربما كان قد بنى هذا القولَ على أنه لم يصلنا عنهم في هذه المسألة شيء، ولكن إن يكن ذلك كذلك فإن في هذا مغالطة، لأن عدم وقوفنا على قول لعالم من العلماء في مسألة ما لا يعني بتاتا أنه لا ينفيها ولا يثبتها، إذ ربما لو كانت عُرضت عليه لكان له فيها رأي بنفي أو إثبات.
ألا ترى أنه لو كان جماعة من أهل العلم لم يصلنا عنهم شيء في مسألة خلق القرآن مثلا، فهل يجوز لنا بعد ذكر أقوال النافين والمثبتين والمتوقفين أن نقول عن أولئك إنهم لا ينفون ولا يثبتون أن القرآن مخلوق؟!!. لا شك في أن الجواب هو أن هذا غير جائز البتة، لأن هذا مغالطة، فكذلك هنا، فتأمل. وابن تيمية هو نفسه يقول "والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته". [مجموع الفتاوى: 16/ 432].
ولم أقف على اسم رجل واحد من أهل السنة قال عن الله تعالى إنه جسم، وذُكر في ترجمة محمد بن كرام أنه قال عن الله تعالى إنه جسم لا كالأجسام، وهذا بدعة من بدع الاعتقاد.
هذا وقد وقفت على أسماء جماعة من العلماء قبل ابن تيمية رحمهم الله لا يسكتون عن هذه المسالة ويصرحون بأن الله تبارك وتعالى ليس بجسم، فمنهم:
الإمام أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل المتوفى سنة 324 في رسالته إلى أهل الثغر، وقال في مقالات الإسلاميين: "وقال أهل السنة وأصحاب الحديث ليس بجسم". فانظر إلى عزوه هذا إلى أهل السنة وأصحاب الحديث.
أبو بكر الرازي الجصاص أحمد بن علي، الفقيه الحنفي الزاهد الورع صاحب كتاب أحكام القرآن والمتوفى سنة 370.
الكلاباذي محمد بن إسحاق المتوفى سنة 380 في كتابه التعرف لمذهب التصوف، إذ يقول: "أجمعت الصوفية على أن الله واحد أحد فرد صمد ليس بجسم".
أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب المتوفى سنة 403 في كتابه تمهيد الدلائل.
ابن فـُورك محمد بن الحسن المتوفى سنة 406 في كتابه مشكل الحديث وبيانه.
أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي الحنبلي المتوفى سنة 410.
أبو نصر الوائلي السجزي عبيد الله بن سعيد المتوفى سنة 444، في رسالته إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت إن ثبتت نسبتها إليه.
الماوردي علي بن محمد بن حبيب المتوفى سنة 450 في كتابه أعلام النبوة.
الإمام البيهقي أحمد بن الحسين بن علي المتوفى سنة 458 في كتابه شعب الإيمان وكتابه الاعتقاد.
القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين ابن الفراء شيخ الحنابلة والمتوفى سنة 458 في عقيدته التي ذكرها ولده في طبقات الحنابلة.
الإمام ابن عبد البر الأندلسي المتوفى سنة 463 في كتابه التمهيد في شرح الموطأ.
أبو القاسم القشيري عبد الكريم بن هوازن المتوفى سنة 465 في كتابه الرسالة القشيرية.
الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق ابن منده المتوفى سنة 470، فقد نقل عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ وسير أعلام النبلاء أنه قال "وأنا متمسك بالكتاب والسنة، متبرئ إلى الله من الشبه والمثل والضد والند والجسم والأعضاء والآلات".
أبو المظفر الإسفـَراييني طاهر بن محمد المتوفى سنة 471 في كتابه التبصير في أصول الدين.
المتولي عبد الرحمن بن مأمون المتوفى سنة 478 في كتابه الغنية في أصول الدين.
أبو حامد الغزالي محمد بن محمد بن محمد المتوفى سنة 505 في كتابه قواعد العقائد وكتابه معيار العلم.
الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر المتوفى سنة 571 في تبيين كذب المفتري.
ابن الجوزي الحنبلي عبد الرحمن بن علي بن محمد المتوفى سنة 597 في كتابه التبصرة وكتابه تلبيس إبليس.
ـ ثم إنني لم أقل إن ابن تيمية يقول بالتجسيم، وإنما قلت كان يميل إليه، ولا بد من التنبه للفرق بين اللفظين، والذي وقفت عليه من كلامه هو أنه لا يقول إن الله جسم، ولا يقول إنه جسم لا كالأجسام، ولا يقول إنه ليس بجسم.
لكن ما وجه قولي بأن ابن تيمية كان يميل إلى التجسيم؟ هنالك قرائن أذكر هنا بعضها:
* القرينة الأولى على ميل ابن تيمية للتجسيم:
موقفه من الأحاديث النبوية فيه دلالة واضحة على ذلك، ولننظرْ على سبيل المثال إلى موقفه من حديث "كان الله ولم يكن شيء غيره" وحديث أطيط العرش "وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب":
الحديث الأول الدال على التنزيه وهو حديث "كان الله ولم يكن شيء غيره" يرده بدعوى أن هذا اللفظ مروي بالمعنى على الرغم من صحته وثبوته بهذا اللفظ، والحديث الذي فيه رائحة التجسيم وهو حديث "وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب" يقبله على الرغم من ضعفه ونكارته!.
حديث "كان الله ولم يكن شيء غيره" صحيح ثابت، ومدلوله هو ما صرح به جماعة من أئمة المسلمين ممن يُستبعد أن تخفى عليه أقوالهم، ولكنه أعرض عن البحث في هذا، وكان مما قاله فيه: "وهذا الحديث لو كان نصاً فيما ذُكر فليس هو متواتراً، فكم من حديث صحيح ومعناه فيه نزاع كثير، فكيف ومقصود الحديث غير ما ذُكر؟! ولا نعرف هذه العبارة عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين"!!. [نقد مراتب الإجماع: 1/ 304].
وحديث الأطيط المشتملُ على أن العرش أو الكرسي يحْدث صوتا من جلوس الله عليه من ثِقـَله كما يحْدِث الرحْل الخشبي الجديد صوتا من الحِمْل الثقيل إذا وُضع عليه: مقبول عنده، بل يقول "أكثر أهل السنة قبلوه"!!. [مجموع الفتاوى: 16/ 435].
ـ ويحسن هنا الكلامُ في تخريج حديث الأطيط ودراسة أسانيده ليُعرف حاله، ثم نقْلُ بعض كلام ابن تيمية حول هذا الحديث مع التعليق عليه:
المطلب الأول في تخريج حديث الأطيط ودراسة أسانيده:
ـ رُوي حديث أطيط العرش أو الكرسي من علو الله جلَّ وعلا عليه من حديث جبير بن مطعم وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم:
ـ فأما حديث جبير بن مطعم فرواه ...
ـ وأما حديث عمر بن الخطاب فرواه ...
ـ وأما حديث ابن مسعود فرواه ...
ـ وقد ظهر بما لا خفاء فيه أن طرق الروايات السابقة كلها ضعيفة وبعضها شديد الضعف، وأنها لا تصلح للاحتجاج في إثبات حكم شرعي في مسألة عملية فقهية، فكيف يُحتج بها في مسألة من مسائل العقيدة؟!!.
وأما المتن فلا شك في نكارته، إذ تجعل تلك الرواياتُ ربَّنا تبارك وتعالى كأنه جسم قاعد على العرش أو الكرسي، وأن ما يحمله يصْدِر صوتا من ثقله عليه كصوت الرَحْل الخشبي الجديد من الحِمل الثقيل!!. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ـ لا شك في أن مصدر تلك الروايات المصنوعة هو تلبيسات الوضاعين الذين يروجون أمثال تلك الروايات، ومن المفيد أن نعلم أنهم كثيرا ما يأخذون جزء من نص صحيح ويبنون عليه ما يريدون، لأن هذا أقرب إلى أن تستسيغه عقول السذج من الضعفاء فيتناقلوه ويروجوه بين الناس.
ـ وأصل النص هو ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أطيط السماء التي تحمل الملائكة، وهو من رواية أبي ذر وحكيم بن حزام والعلاء بن سعد رضي الله عنهم، وهذه رواياته وأسانيدها:
ـ فأما حديث أبي ذر فرواه ... عن أبي ذر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحُقَّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصُعُدات تجأرون إلى الله".
ـ وأما حديث حكيم بن حزام فرواه ...
ـ وأما حديث العلاء بن سعد فرُوي من طريق ...
ـ كعب الإحبار ورواية الأطيط المنكرة:
روى أبو الشيخ في كتاب العظمة من طريق ... عن عطاء بن يسار أنه قال: أتى كعْبًا رجلٌ وهو في نفر فقال: يا أبا إسحاق حدثْني عن الجبار تبارك وتعالى. فقال كعب: "أخبِرُك، إن الله تعالى خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، ثم جعل تبارك وتعالى ما بين كل سماءين كما بين السماء الدنيا والأرض، وجعل كِثـَفـَها مثل ذلك، ثم رفع العرش فاستوى عليه، فما من السماوات سماء إلا لها أطيط كأطيط الرحل العلافي أولَ ما يُرتحل من ثِقـَل الجبار تبارك وتعالى فوقهن". قال أبو صالح: العلافي: الجديد.
ـ خلاصة القول هي أن حديث "أطـَّت السماء وحُقَّ لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد" صحيح ثابت، وأن حديث "إن الله لفوق سماواته على عرشه وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب" ضعيف السند منكر المتن، وأن كعب الأحبار هو أحد الناقلين لهذه الأساطير اليهودية والمروجين لها بين الضعفاء السذج من المسلمين، ولعله هو المصدر فيها.
المطلب الثاني في نقل بعض كلام ابن تيمية حول حديث الأطيط مع التعليق عليه:
قال رحمه الله: [وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه، كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي وابن الجوزي وغيرهما، لكن أكثر أهل السنة قبلوه، وفيه "إن عرشه أو كرسيه وسع السماوات والأرض، وإنه يجلس عليه فما يفضل منه قدر أربعة أصابع، أو فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وإنه ليَئِط به أطيط الرَّحْل الجديد براكبه"، ولفظ الأطيط قد جاء في حديث جبير بن مطعم الذي رواه أبو داود في السنن، وابن عساكر عمل فيه جزءً، وجعل عمدة الطعن في ابن إسحاق، والحديث قد رواه علماء السنة كأحمد وأبي داود وغيرهما، وليس فيه إلا ما له شاهد من رواية أخرى، ولفظ الأطيط قد جاء في غيره، وحديث ابن خليفة رواه الإمام أحمد وغيره مختصرًا، وذكر أنه حدَّث به وكيع، لكن كثير ممن رواه رووه بقوله إنه "ما يفضل منه إلا أربع أصابع"، فجعل العرش يفضل منه أربع أصابع، واعتقد القاضي وابن الزَّاغُوني ونحوهما صحة هذا اللفظ، فأمَرُّوه، وتكلموا على معناه بأن ذلك القدر لا يحصل عليه الاستواء]. ثم ردَّ رواية "ما يفضل منه إلا أربع أصابع" وقال بعد الرد: "وهذا وغيره يدل على أن الصواب في روايته النفي، وأنه ذكر عظمة العرش وأنه مع هذه العظمة فالرب مستو عليه كله لا يفضل منه قدر أربعة أصابع". [مجموع الفتاوى: 16/ 434 ـ 437].
يبدو أن ابن تيمية رحمه الله لم يدرس أسانيد حديث أطيط العرش، ولم يتأكد من صحته، وراح يثبته ويخوض في الدفاع عنه وبيان معناه!، كيف هذا وهو الذي يقول في بعض كلامه في موضوع آخر: "ولكن إذا لم يرِدْ به الخبر ولم يُعلم ثبوته يُسكت عنه فلا يُتكلم في الله بلا علم، ما عُلم ثبوته أُثبِت، وما عُلم انتفاؤه نُفي، وما لم يُعلم نفيه ولا إثباته سُكت عنه، هذا هو الواجبُ، والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته، والسنة ينبغي معرفة ما ثبت منها وما عُلم أنه كذب، فإن طائفة ممن انتسب إلى السنة وعظَّم السنة والشرع وظنوا أنهم اعتصموا في هذا الباب بالكتاب والسنة جمعوا أحاديث ورَدت في الصفات، منها ما هو كذب معلوم أنه كذب، ومنها ما هو إلى الكذب أقرب، ومنها ما هو إلى الصحة أقرب، ومنها متردد، وجعلوا تلك الأحاديث عقائد". [مجموع الفتاوى: 16/ 431 ـ 432].
أقول:
فليته ـ على الأقل ـ طوى صفحة مثل تلك الروايات الضعيفة المنكرة التي جاءت في الأطيط وسكت عنها. وإذا كان ابن تيمية لم يجد الوقت لدراسة أسانيد حديث الأطيط للتأكد من صحته فما الذي صده عن إدراك نكارته ؟! وهل هناك سبب سوى ميله للتجسيم ؟!.
ومن العجائب أن يقع التساهل في دراسة الأحاديث المتعلقة بالعقائد، وأن يُعتمد فيها على ما لو جاء به حكم فقهي لكان دون درجة القبول، والأحكام الفقهية العملية على الرغم من وجوب الاحتياط فيها فشأنها أسهل من موضوع العقائد، لأن الأقوال في الفقه دائرة بين الصواب والخطأ، أما الكلام في العقائد فقد ينبني عليه الحكم بتكفير مسلم أو القول بأنه مبتدع ضال وليس بناج وأنه من أهل النار!!.
قد يُقال: إن حديث الأطيط رواه الإمام أحمد وجماعة ممن صنفوا في السنة، وفي هذا دليل على أنهم يرجحون ثبوته!. فأقول: لم أجده في مسند أحمد، ولا في كتيِّب الرد على الزنادقة والجهمية المنسوب له، وهو في كتاب السنة المنسوب لعبد الله بن أحمد بروايته له عن أبيه وغيره، ولكن نسبة الكتاب إليه ليست بثابتة.
وعلماء الرواية يروون ما عندهم بأسانيدهم، ويجعلون العهدة على رجال تلك الأسانيد، ولذا فإنه يقع في المرويات المسندة كثير من الروايات الضعيفة وبعض الروايات المنكرة والموضوعة، ومجرد رواية الحديث بالسند ليست دليلا على أن المؤلف يقبله، فلا بد من الإتيان بالقرينة الدالة على قبوله، وإذا كان الذين روَوْه وقبلوه جماعةً فهل هم أكثر أهل السنة ؟! وما نسبتهم إلى الذين أعرضوا عنه ؟؟.
ـ وهذا بعض ما وقفت عليه من الأمثلة الدالة على أن علماء الرواية يجمعون ما وَصَلهم ولا يتكلمون عليه في الغالب لا سندا ولا متنا: ...
* القرينة الثانية على ميل ابن تيمية للتجسيم:
موقفه من الآثار المروية في تفسير اسم الله الصمد فيه دلالة واضحة على ميله إلى ذلك، ويحسن هنا الكلامُ في تخريج تلك الآثار ودراسة أسانيدها ليُعرف حالها، ثم نقلُ بعض كلام ابن تيمية عليها مع التعليق عليه:
المطلب الأول في تخريج الآثار المروية في تفسير اسم الله الصمد ودراسة أسانيدها:
الأقوال المروية في هذا عن الصحابة والتابعين ستة:
فأما القول الأول وهو أن الصمد هو الذي لا جوف له أو ما في معناه فقد رُوي عن ...
وأما القول الثاني في تفسير الصمد وهو أنه السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج أو ما في معناه فقد رُوي عن ...
وهناك قول ثالث أن الصمد هو الباقي بعد خلقه رواه ...
وهناك قول رابع أن الصمد الذي لا يأكل الطعام رواه ...
وهناك قول خامس أن الصمد الذي لم يلد ولم يولد رواه ...
وهناك قول سادس أن الصمد الذي لم يخرج من شيء ولم يخرج منه شيء رواه ...
ـ خلاصة الكلام في هذه الأقوال:
القول الأول بأن الصمد هو الذي لا جوف له أو ما في معناه لم يصحَّ عن أحد من الصحابة، وصحَّ عن سعيد بن جبير ومجاهد وعطية العوفي والحسن البصري والضحاك بن مزاحم من التابعين.
القول الثاني بأن الصمد هو السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج أو ما في معناه: إسناداه عن ابن مسعود وابن عباس فيهما لين، وصحَّ عن أبي وائل شقيق بن سلمة وإبراهيم النخعي من التابعين.
القول الثالث بأن الصمد هو الباقي بعد خلقه صحَّ عن الحسن وقتادة من التابعين.
القول الرابع بأن الصمد هو الذي لا يأكل الطعام صحَّ عن الشعبي والحسن من التابعين.
القول الخامس بأن الصمد هو الذي لم يلد ولم يولد صحَّ عن الربيع بن أنس من التابعين.
القول السادس بأن الصمد هو الذي لم يخرج منه شيء و لم يخرج من شيء صحَّ عن عكرمة من التابعين.
المطلب الثاني في نقل بعض كلام ابن تيمية حول الآثار المروية في تفسير اسم الله الصمد والتعليق عليه:
قال ابن تيمية رحمه الله: "والاسم الصمد فيه للسلف أقوال متعددة، قد يُظن أنها مختلفة، وليس كذلك، بل كلها صواب، والمشهور منها قولان: أحدهما أن الصمد هو الذي لا جوف له، والثاني أنه السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج، والأول هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة، والثاني قول طائفة من السلف والخلف وجمهور اللغويين، والاشتقاق يشهد للقولين جميعا وهو على الأول أدل". [مجموع الفتاوى: 17/ 214 ـ 215. بيان تلبيس الجهمية: 1/ 511، وفي الطبعة الأخرى: 3/ 54 ـ 55].
وقال: [وقد رووا بالأسانيد الثابتة عن الصحابة والتابعين في الصمد "الذي لا جوف له"، ... وهذه الصفة تستلزم امتناع التفرق عليه وأن يخرج منه شيء، إذ ذلك ينافي الصمدية، وهو ما احْتـُج به في أنه جسم مُصْمَت". [بيان تلبيس الجهمية: 1/ 48 ـ 49، وفي الطبعة الأخرى: 2/ 50 ـ 51].
لي على كلام ابن تيمية ملحوظات:
ـ قوله "والاسم الصمد فيه للسلف أقوال متعددة قد يُظن أنها مختلفة وليس كذلك": ليس بصحيح، فهي مختلفة المعنى، لأنها ليست بمعنى واحد.
ـ قوله "بل كلها صواب" ليس له عليه دليل، فمجرد ثبوت قول ما عن بعض التابعين لا يُعد دليلا على صوابه إذا كان في الفقه، وفي العقيدة من باب أولى، وخاصة إذا علمنا أن جماعة منهم كانوا يسمعون من مسلمة أهل الكتاب وينقلون أقوالهم.
ـ قوله "القول بأن الصمد هو الذي لا جوف له هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين" غير صحيح، فإنه لم يصحَّ عن أحد من الصحابة، وصحَّ عن أربعة من التابعين وصحَّ غيره من الأقوال عن ستة من التابعين، وهذا باستثناء الحسن البصري لأنه قد صحَّ عنه ذلك القول وصحَّ عنه غيره.
ـ قوله "الصمد الذي لا جوف له والصمد السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج، والاشتقاق يشهد للقولين جميعا، وهو على الأول أدل" غير صحيح، فالاشتقاق لا يشهد للقول الأول، بل للقول الثاني فقط. ولم أجد في كتب اللغة ما يشهد لاستعمال المشتقات من لفظ الصمد بمعنى الذي لا جوف له.
ـ فتبين بهذا أن قول ابن تيمية بأن الاشتقاق يشهد للقولين جميعا قول باطل من حيث اللغة، لأنه لا يدل على القول الأول أصلا، وأما قوله "وهو على الأول أدل" فهو أظهر في البطلان.
ـ قوله "وقد رووا بالأسانيد الثابتة عن الصحابة والتابعين في الصمد الذي لا جوف له" غير صحيح، فإنه ليس بثابت عن أحد من الصحابة، كما تقدم في تخريج تلك الأقوال ودراسة أسانيدها.
ـ قوله "هذه الصفة تستلزم امتناع التفرق عليه وأن يخرج منه شيء، إذ ذلك ينافي الصمدية، وهو ما احْتـُج به في أنه جسم مصمت" كلام واضح في التجسيم، لأنه يعني أن الله تبارك وتعالى له أبعاض ولكن يستحيل أن تتفرق أبعاضه وتنفصل عن بعضها، وأن تفرقها ينافي الصمدية، وكأنه جل وعلا مركب من أجزاء!!، وقوله "وهو ما احْتـُج به في أنه جسم مصمت" هو في العقيدة، وقد ذكره في معرِض الإقرار ولم يعلق عليه!!. فهل هذه هي عقيدة السلف ؟!.
ـ قال الباحث الثاني "إن ابن تيمية رحمه الله يبين في مواضع عديدة حقيقة هذا المصطلح ـ التجسيم ـ وأنه من المصطلحات التي يُستفسر عنها، فإن أريدَ به حق أثبتنا ذلك الحق، وإن أريد به باطل لم نقبله"، ولم يبين لنا ما الوجه الذي يُراد به حق من لفظة الجسم وما الذي يُراد به باطل، وربما يكون لابن تيمية في توضيح هذا كلام في أكثر من موضع، ولكن كلامه هنا يوضح المسألة، فالقول بأنه جسم يجوز عليه التفرق وأن يخرج منه شيء مرفوض عنده، وأما القول بأنه جسم يمتنع عليه التفرق فيبدو أن هذا هو المقبول عنده!!!. ثم يأتي من يقول لنا إن ابن تيمية لا يميل إلى التجسيم!! ويبدو أن المراد هو أنه لا يميل إلى التجسيم الذي يُعنى به أن الله تبارك وتعالى له أبعاض يمكن أن تتفرق وتنفصل عن بعضها!!!. سبحانه وتعالى عما يقولون.
لست بصدد بيان الأدلة على استحالةِ أن يكون الله تعالى جسما، واستحالةِ أن يُوصف بأنه يجوز أو يستحيل عليه التفرق، فمن المقطوع به والمجمع عليه أنه منزه عن ذلك.
ولكن أقول للباحث الثاني: إن قولي في كتاب عقائد الأشاعرة في حوار هادئ "ابن تيمية لا يصرح بالتجسيم ولكن يميل إليه" هو الذي يعبر عن موقف ابن تيمية من التجسيم، ولم تأتِ بما ينقضه. فتأمل.
* القرينة الثالثة على ميل ابن تيمية للتجسيم:
قال ابن تيمية: "لفظ الجسم والعَرَض والمتحيِّز ونحو ذلك ألفاظ اصطلاحية، وقد قدمنا غير مرة أن السلف والأئمة لم يتكلموا في ذلك في حق الله لا بنفي ولا بإثبات، بل بدَّعوا أهل الكلام بذلك وذموهم غاية الذم، والمتكلمون بذلك من النفاة أشهر، ولم يذمَّ أحد من السلف أحدا بأنه مجسم، ولا ذموا المجسمة، وإنما ذموا الجهمية النفاة لذلك وغيره، وذموا أيضا المشبهة الذين يقولون صفاته كصفات المخلوقين، ومن أسباب ذمهم للفظ الجسم والعَرَض ونحو ذلك ما في هذه الألفاظ من الاشتباه ولَبْس الحق". [بيان تلبيس الجهمية: 1/ 100، وفي الطبعة الأخرى: 2/ 105].
فقوله "ومن أسباب ذمهم للفظ الجسم والعَرَض ونحو ذلك ما في هذه الألفاظ من الاشتباه ولبس الحق" إقرار بأنهم كانوا يذمون لفظ الجسم، ومن الواضح أن ذمهم للفظ الجسم يشمل ذم المجسمة، وقوله "ولم يذمَّ أحد من السلف أحدا بأنه مجسم ولا ذموا المجسمة" دفاع عن المجسمة بأنهم ليسوا مذمومين عند السلف، وهذا مخالف لما قبله، ولولا ميله للتجسيم لما كان للدفاع عن المجسمة معنى.
* القرينة الرابعة على ميل ابن تيمية للتجسيم:
ذكر ابن تيمية حديث "يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟"، ثم قال: [والحديث مروي في الصحيح والمسانيد وغيرها بألفاظ يصدق بعضها بعضا، وقال ابن عباس: "يقبض عليهما فما يُرى طرفاهما بيده". وفي لفظ عنه: "ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن بيد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم". وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث]. [مجموعة الرسائل والمسائل: 4/ 117].
أما قول ابن عباس "يقبض عليهما فما يُرى طرفاهما بيده" فلم أقف عليه مرويا بسند، ووجدته في تفسير مقاتل بن سليمان البلخي بلا إسناد، قال: قال ابن عباس: "يقبض على الأرض والسموات جميعاً فما يُرى طرفها من قبضته". وهذه صورة تجسيمية تشير إلى أن الأرض والسماوات تكون في قبضة الله تعالى ولا يُرى طرفها من قبضته لكونها أصغرَ من قبضة الرحمن جل وعلا!!، وإيراد هذا الأثر من تفسير مقاتل المتهم بالتشبيه وحشْرُه مع الصحاح ومحاولة تثبيته بقوله "وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث" أمر يدعو إلى العجب!، ولولا ميله للتجسيم لما كان لإيراده معنى.
* القرينة الخامسة على ميل ابن تيمية للتجسيم:
نقل ابن تيمية عن القاضي أبي يعلى عن ابن قتيبة أنه قال في كتابه تأويل مختلف الحديث [قوله "الرحمن على العرش استوى" أي استقر، كما قال "فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك" أي استقررت]. ونقل عن القاضي عن عبد الوهاب أنه قال "استوى: قعد". ولم يتعقبه. [بيان تلبيس الجهمية: 1/ 434، وفي الطبعة الأخرى: 2/ 468. مجموع الفتاوى: 5/ 404].
ونقل ابن تيمية عن أبي عمر الطـَلـَمَنْكي أنه قال "وقال عبد الله بن المبارك ومن تابعه من أهل العلم وهم كثير: إن معنى استوى على العرش استقر". ولم يتعقبه. [مجموع الفتاوى: 5/ 519].
والصحيح عن ابن المبارك هو ما ذكره الترمذي في السنن حيث قال "والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا تـُروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يُقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تـُروى هذه الأشياء كما جاءت ويُؤمَن بها ولا تـُفسر ولا تـُتـَوهم ولا يُقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه".
ونقل ابن تيمية عن البغوي أنه قال في تفسير قوله تعالى {ثم استوى على العرش}: "قال الكلبي ومقاتل: استقر". ولم يتعقبه. [مجموع الفتاوى: 16/ 400].
والكلبي هو محمد بن السائب بن بشر الكلبي وقد اتهمه أربعة من الأئمة بالكذب، والمنقول هنا عن الكلبي هو من رأيه لا من روايته، ومع ذلك فلا ينبغي السكوت عليه.
وأما مقاتل بن سليمان فقد اتهمه سبعة من الأئمة بالكذب، وقال فيه ابن حبان: "كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان مشبها يشبه الرب عز وجل بالمخلوقين". فهل السكوت على مثل هذه الروايات في تفسير الاستواء بالاستقرار والقعود إلا دليل على الميل للتجسيم ؟!.
* القرينة السادسة على ميل ابن تيمية للتجسيم: قال ابن تيمية: [كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك، ... وقال الله تعالى في حق المسيح وأمه "ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام"، فجعل ذلك دليلا على نفي الألوهية، فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى، والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك، بخلاف اليد فإنها للعمل والفعل، وهو سبحانه موصوف بالعمل والفعل، إذ ذاك من صفات الكمال، فمن يقدر أن يفعل أكملُ ممن لا يقدر على الفعل، وهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه، وكذلك البكاء والحزن هو مستلزم الضعفَ والعجز الذي يُنزه عنه سبحانه، بخلاف الفرح والغضب، فإنه من صفات الكمال". [مجموع الفتاوى: 3/ 86].
قوله "كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به" لا دليل عليه إلا إذا كان الخالق من جنس المخلوق!، وهيهات!، والله جل وعلا متصف بالكمال المطلق الذي لا يدانيه فيه مخلوق، وليس كل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أولى به!، فالمخلوق الذي له زوجة أكمل ممن لا زوجة له، والذي له أولاد أكمل ممن ليس له ذلك، وقد قال تعالى {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية}، فهذه صفة كمال في أكمل المخلوقين، وهم الأنبياء والرسل الكرام، عليهم صلوات الله وسلامه، فهل يُتصور في العقل أن الخالق جل جلاله يجوز عليه هذا الوصف ؟!! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
استدلاله بقوله تعالى "كانا يأكلان الطعام" على نفي الألوهية بذلك عن سيدنا عيسى ابن مريم وأمه عليهما السلام صحيح، ولكن هل هذا هو كل ما في الآية؟!، هل كل ما تعنيه هو أنهما كانا يأكلان الطعام وأن الله تعالى بخلاف ذلك؟!، أليست الآية الكريمة تشير إلى أنهما أجسام مفتقرة إلى ما يحتاجه الجسم وأن الله تعالى بخلاف ذلك كله لأنه ليس بجسم ولأنه هو الغني؟!.
ابن تيمية ينزه الله تعالى عن الكبد والطحال لأنه منزه عن الأكل والشرب، وينزه الله تعالى عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه، وهذا عنده بخلاف اليد التي هي للعمل والفعل، ولا شك في أن هذا الكلام لا نجده ولا نجد ما يشبهه في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، فما الذي يدعوه للخوض في هذا سوى الصورة المتخيَّلة للأعضاء في جسم الإنسان؟!، وليته نزَّه الله تعالى عن الجسمية ولوازم الجسمية، وليته فهم النصوص بفهم من يتذوقون لسان العرب من أئمة السلف الصالحين.
ثم إنه يقرر في كلامه أن من يقدر أن يفعل أكملُ ممن لا يقدر على الفعل، ولكن أيهما أكمل: الخالق الذي يقول للشيء كن فيكون وهو غني عن آلة العمل والفعل أو الذي لا يخلق بغير آلة العمل والفعل التي هي اليد؟!.
ما الذي يعنيه بأن الله تعالى يُوصف بالفرح والغضب وأنهما من صفات الكمال؟!!، وكلا الوصفين ليسا من صفات الكمال بإطلاق، فقد قال تعالى {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين}، وذكر الفرح في عدة آيات في معرض الذم، منها قوله تعالى {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفـَرِح فخور}، وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني فقال له "لا تغضب".
* القرينة السابعة على ميل ابن تيمية للتجسيم:
قال ابن تيمية: [الأدلة الشرعية والعقلية يُعلم بها تنزهُ اللهِ تعالى أن يكون من جنس أجساد الآدميين أو غيرها من المخلوقات، لكن المستدل على ذلك بقوله {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار} استدل بحجة ضعيفة، ... والمقصود أن ما أخرجه كان جسدا مُصْمتا لا روح فيه حتى تبين نقصُه، وأنه كان مسلوب الحياة والحركة، ... ولكن الله سبحانه بيَّن أن المُخْرَج كان موصوفا بصفات النقص، يحقق ذلك أنه سبحانه قال {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا}، فلم يذكرْ فيما عابه به كونه ذا جسد، ولكن ذكر فيما عابه به أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، ولو كان مجردُ كونه ذا بدن عيبا ونقصا لذكر ذلك، فعُلم أن الآية تدل على نقص حجة من يحتج بها على أن كون الشيء ذا بدن عيبٌ ونقصٌ]. [مجموع الفتاوى: 5/ 220].
وقال: "وأهل السنة والجماعة المتبعون لإبراهيم وموسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يثبتون ما أثبتوه من تكليم الله ومحبته ورحمته وسائر ما له من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى، وينزهونه عن مشابهة الأجساد التي لا حياة فيها". [مجموع الفتاوى: 16/ 208].
فابن تيمية ينزه الله تعالى عن أن يكون من جنس أجساد الآدميين أو غيرها من المخلوقات، لكن لا ينزهه عن أن يكون جسدا بإطلاق، وينزهه في النص الثاني عن مشابهة الأجساد التي لا حياة فيها، ولا ينزهه عن مشابهة الأجساد بإطلاق، ومن أقواله "ولا يلزم من نفي الخاص نفيُ العام"، [في مجموع الفتاوى: 5/ 215]، وفيه إشارة إلى أنه لا يلزم من نفي المقيد نفيُ المطلق.
ثم إنه صرح بأن الإله إذا كان ذا جسد وبدن فإن هذا ليس عيبا ولا نقصا فيه، وذلك إذ قال في إبطال الله تعالى لإلهية العجل الذي اتخذه السامري: "فلم يذكرْ فيما عابه به كونه ذا جسد، ولكن ذكر فيما عابه به أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، ولو كان مجردُ كونه ذا بدن عيبا ونقصا لذكر ذلك، فعُلم أن الآية تدل على نقص حجة من يحتج بها على أن كون الشيء ذا بدن عيبٌ ونقصٌ".
ومراده ـ كما هو ظاهر ـ أن يقول "فعُلم أن الآية تدل على نقـْصِ حجةِ من يحتج بها على أن كون الإله ذا بدن عيبٌ ونقصٌ"، لأن الكلام هنا هو في دعوى إلهية العجل، فلمَ عدَل عن لفظة الإله التي يقتضيها السياق إلى لفظة الشيء؟ أي لمَ عدَل عن الصواب الظاهر إلى التعمية؟ لا أدري. ولا شك في أن كون الشيء المخلوق ذا بدن ليس عيبا ولا نقصا، ولكن الكلام هنا ليس في الشيء المخلوق، وإنما الكلام في الإله، وما من شك في أن الإله الخالق لا يكون ذا بدن، وكونه ذا بدن هو فيه عيبٌ ونقصٌ، إلا عند من تشتبه عليه صفات الخالق بالمخلوق.
انتهى النص المنقول من كتاب "عقائد الأشاعرة في الجولة الثانية من الحوار"، وهو الذي طبعته دار الفتح بعمَّان بعنوان "عقائد الأشاعرة وجولة جديدة من الحوار".
وكتبه صلاح الدين الإدلبي، والحمد لله رب العالمين.


الثلاثاء، 25 نوفمبر 2014

حديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة



ـ روى البخاري ومسلم من طريقين عن ابن جريج عن عطاء أنه قال: سمعت ابن عباس قال: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا فى نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال "هذه القبلة". وجاء في رواية صحيح مسلم التصريح بسماع ابن جريج له من عطاء، وأن ابن عباس سمع هذا من أسامة بن زيد.
ورواه مسلم كذلك من طريق همام بن يحيى عن عطاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وفيها ست سوار، فقام عند سارية فدعا، ولم يصل.
ورواه البخاري من طريقين عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي  صلى الله عليه وسلم دخل البيت فكبر في نواحيه، وخرج ولم يصل فيه.
ـ وروى البخاري ومسلم عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم، فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالا، فسألته هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم، بين العمودين اليمانيين.
ورواه البخاري من طريق مجاهد عن ابن عمر به نحوه.
ورواه البخاري ومسلم من طرق كثيرة عن نافع عن ابن عمر به نحوه.
ـ فبين حديثي ابن عباس وابن عمر تعارض واضح:
فأما البخاري فلم يترك الروايات دون ترجيح، فروى حديث ابن عباس في باب قوله تعالى {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}، وفي باب من كبر في نواحي البيت، وفي باب أين ركز النبي الراية يوم الفتح، وروى حديث ابن عمر في أبواب كثيرة منها "باب الصلاة في الكعبة"، وهو واضح كل الوضوح في أنه يرجح حديث ابن عمر هنا على حديث ابن عباس، لأنه رواه في الباب المناسب لهذا الجزء من الحديث، وهو الاختلاف فيما إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى في البيت يوم الفتح أو لا.
وأما مسلم فبدأ بروايات حديث ابن عمر ثم أتبعها بروايات حديث ابن عباس، ومن طريقته أنه يقدم الروايات الثابتة ويؤخر الروايات التي وقع فيها خلل.
فتبين بهذا أن الإمامين البخاري ومسلم اللذين رويا الحديثين كليهما لم يكونا غافلين عن التمييز بين الرواية الصحيحة والرواية التي وقع فيها خلل.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 3/ 2/ 1436، الموافق 25/ 11/ 2014، والحمد لله رب العالمين.

الأربعاء، 19 نوفمبر 2014

حديث صيام يوم عاشوراء


حديث صيام يوم عاشوراء

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد، فقد وردت روايات كثيرة عن نبينا صلى الله عليه وسلم في صيام يوم عاشوراء، وهي بحاجة لبحث وتمحيص، فرأيت أن أتتبعها في أهم مصادر السنة النبوية.
وهذه الروايات تختلف ألفاظها باختلاف طرقها، ثم إن منها الروايات السليمة ومنها الضعيفة والمعلولة، ولذا فأجعل هذا البحث في مطلبين:

المطلب الأول في الروايات السليمة
رُوي هذا الحديث عن عبد الله بن عباس وعلي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عمر وسلمة بن الأكوع وعبد الله بن مسعود والرُبَيـِّع بنت مُعَوِّذ ومعاوية بن أبي سفيان وجابر بن سمرة وقيس بن سعد بن عبادة وعائشة وغيرهم:
* فأما حديث ابن عباس فرواه البخاري ومسلم وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن حنبل والدارمي والنسائي في الكبرى وأبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم من طريقين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال "ما هذا؟"، فقالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يومُ نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى شكرا لله، ونحن نصومه تعظيما له. فقال: "فأنا أحق بموسى منكم". فصامه وأمر بصيامه. سنده صحيح.
* وأما حديث علي فرواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والبزار والشجري في أماليه من طريقين عن جابر بن يزيد الجعفي عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم عاشوراء ويأمر به. [جابر الجعفي كوفي ضعيف مدلس مات سنة 128 تقريبا].
وروى ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب أنه كان يأمر بصوم يوم عاشوراء.
وروى أبو داود الطيالسي عن شعبة أنه قال: أخبرني أبو إسحاق قال: سمعت الأسود بن يزيد يقول: ما رأيت أحدا كان آمَرَ بصوم عاشوراء من علي بن أبي طالب وأبي موسى رحمهما الله. ورواه عبد الرزاق وابن الجعد وابن أبي شيبة عن أربعة آخرين عن أبي إسحاق عن الأسود، ولكن ليس عندهم التصريح بسماعه إياه منه.
* وأما حديث أبي موسى الأشعري فرواه البخاري ومسلم وابن حنبل من طرق عن حماد بن أسامة عن أبي عميس عتبة بن عبد الله بن عتبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وإذا أناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه، فقال: "نحن أحق بصومه". فأمر بصومه. سنده صحيح.
* وأما حديث عبد الله بن عمر فرواه البخاري عن مسدد عن إسماعيل ابن علية عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فـُرض رمضان ترك. ورواه ابن حنبل عن ابن علية به، ورواه البزار من طريق سلمة بن علقمة وكذا الطبريُّ في تهذيب الآثار من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، كلاهما عن نافع عن ابن عمر به نحوه. سنده صحيح.
ورواه ابن خزيمة والبخاري وأبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم من أربعة طرق عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد عن عمر بن محمد بن زيد عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اليوم عاشوراء، فمن شاء فليصمه، ومن شاء فليفطر".
* وأما حديث سلمة بن الأكوع فرواه البخاري ومسلم وابن حنبل من طرق عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنه قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم أنْ أذنْ في الناس أنَّ من كان أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء. سنده صحيح.
* وأما حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فرواه مسلم وابن أبي شيبة وابن حنبل من طرق عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد بن قيس أنه قال: دخل الأشعث بن قيس على عبد الله وهو يتغدى، فقال: يا أبا محمد ادن إلى الغداء. فقال: أوليس اليوم يوم عاشوراء؟!. فقال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ إنما هو يوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان، فلما نزل شهر رمضان تركه. ورواه البخاري ومسلم من طريق آخر عن ابن مسعود به نحوه. سنده صحيح.
* وأما حديث الربيع بنت معوذ فرواه البخاري ومسلم وابن راهويه وابن حنبل من طرق عن خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ أنها قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار من أصبح مفطرا فليتمَّ بقية يومه ومن أصبح صائما فليصم. سنده جيد.
* وأما حديث معاوية فرواه مالك والشافعي والبخاري ومسلم من ثلاثة طرق عن ابن شهاب الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يوم عاشوراء عام حجَّ وهو على المنبر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهذا اليوم: "هذا يوم عاشوراء ولم يُكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر". سنده صحيح، وأما المتن ففيه جزء معلول بعلة الوقف على الصحابي، وهو قوله "وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر".
فقد رواه النسائي في السنن الكبرى عن أبي داود عن يعقوب عن أبيه عن صالح عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يخطب الناس بالمدينة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه". وإني صائم، معاوية يقول ذلك، فمن أحب أن يصوم فليصم، ومن أحب أن يفطر فليفطر. [أبو داود سليمان بن سيف الحراني ثقة مات سنة 272. يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم مدني نزيل بغداد ثقة مات سنة 208. أبوه مدني نزيل بغداد ثقة مات سنة 184. صالح بن كيسان مدني ثقة مات بعد سنة 140. ابن شهاب الزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله مدني ثقة إمام مات سنة 124. حميد بن عبد الرحمن بن عوف مدني ثقة مات سنة 95]. فهذا السند صحيح، وفيه التصريح بأن هذا الجزء هو من قول معاوية.
* وأما حديث جابر بن سَمُرة فرواه مسلم من طريق جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده، فلما فـُرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده. [جعفر بن أبي ثور ذكره ابن حبان في الثقات وقال عنه علي بن المديني مجهول]. سنده ليس بقوي، ولكنه لا بأس به في الشواهد.
* وأما حديث قيس بن سعد بن عبادة فرواه الطيالسي والبزار والنسائي في الكبرى عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن القاسم بن مخيمرة عن عمرو بن شرحبيل عن قيس بن سعد بن عبادة أنه قال: كنا نصوم عاشوراء ونعطي زكاة الفطر قبل أن ينزل علينا صوم رمضان والزكاة، فلما نزلا لم نـُؤمر بهما ولم نـُنه عنهما، وكنا نفعله. سنده صحيح.
ورواه ابن حنبل والبزار والنسائي في الكبرى والطبراني في الكبير من طرق عن سفيان الثوري عن القاسم بن مخيمرة عن أبي عمار الهمداني عريب بن حميد عن قيس بن سعد أنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام يوم عاشوراء. [عريب بن حميد ثقة]، والاختلاف على القاسم بن مخيمرة في تسمية شيخه في هذا الحديث ليس علة قادحة، لأنهما كليهما ثقتان.
* وأما حديث عائشة فرواه البخاري والنسائي في الكبرى والطبراني في مسند الشاميين من طريق شعيب بن أبي حمزة، ورواه مسلم وابن حنبل والطبري في تهذيب الآثار من طريق يونس بن يزيد، ورواه البخاري وابن راهويه وأبو عوانة والطبري في تهذيب الآثار من طريق سفيان بن عيينة، ورواه الشافعي في مسنده وعلي بن الجعد من طريق ابن أبي ذئب، ورواه البيهقي في معرفة السنن وأبو عوانة والطحاوي في معاني الآثار ومشكل الآثار من طريق يحيى ابن بكير وثلاثةٍ آخرين عن الليث بن سعد عن عُقيل بن خالد، خمستهم عن الزهري عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر. سنده صحيح.
* وروى ابن حنبل وغيره أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تثبت مشروعية صيام عاشوراء والأمرَ به، من حديث أبي هريرة وجابر ومعاذ بن جبل وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن بدر الجهني ومحمد بن صيفي وأسماء بن حارثة.


المطلب الثاني في الروايات الضعيفة والمعلولة
وردت روايات في حديث صيام عاشوراء تشتمل على بعض المعاني غيرِ الثابتة، فأستعرض منها في هذا المطلب بعض ما روي من حديث ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبي قتادة الأنصاري وأبي هريرة:
* حديث ابن عباس في صيام عاشوراء تقدم من رواية سعيد بن جبير عنه، وهو حديث صحيح، ولكن جاء عنه من طريق أخرى ألفاظ ليست بثابتة:
فقد رواه مسلم وأبو داود من طريقين عن يحيى بن أيوب عن إسماعيل بن أمية عن أبي غطفان بن طريف المري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى!، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا كان العامُ المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع". قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. [يحيى بن أيوب الغافقي مصري صدوق فيه لين مات سنة 168. إسماعيل بن أمية مكي ثقة مات سنة 139. أبو غطفان بن طريف حجازي ثقة].
هذه الرواية سندها لين، وفي متنها خلل في مواضع يدل على أن يحيى بن أيوب لم يضبط هذه الرواية:
الموضع الأول قوله "حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى"!، وهذا بخلاف ما صح عن ابن عباس وأبي موسى ـ كما تقدم في المطلب الأول ـ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فسأل عن ذلك فأجابوه فصامه وأمر بصيامه.
الموضع الثاني إقحام لفظة النصارى في السياق، وهي ليست فيه.
الموضع الثالث إقحام كلمة "فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله" عقب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "فإذا كان العامُ المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع"، وتلك الكلمة المقحمة المنسوبة لابن عباس ليست ثابتة في أصل الرواية.
فقد روى ابن الجعد وابن أبي شيبة وابن حنبل والبيهقي من طريق ابن أبي ذئب عن القاسم بن عباس عن عبد الله بن عمير عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع". وهذا سند جيد، وليس في هذه الرواية تلك الكلمة المقحمة المنسوبة لابن عباس. وله طريق آخر ضعيف رواه الطبراني في الكبير من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب عن مروان بن معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. [يعقوب بن حميد بن كاسب وإسماعيل بن مسلم ضعيفان].
وروى عبد الرزاق وابن الجعد من طريقين أحدهما صحيح عن عطاء بن أبي رباح أنه سمع ابن عباس يقول في يوم عاشوراء: "خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر".
والذي يُفهم من سياق الروايات الصحيحة المتعددة أن صيام يوم عاشوراء تُرك بعد نزول صيام رمضان، بغض النظر عما إذا كان صيامه في الأصل واجبا فتُرك وجوبه أو كان مستحبا استحبابا شديدا فتُركت شدة الاستحباب، وهذا يشير إلى أن الحرصَ على صيامه والعزمَ على صيام التاسع معه إنما كان في السنة الأولى من الهجرة وفي السنة الثانية قبل رمضان، وليس قبيل الوفاة النبوية.
هذا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا أشد الحرص على صيام عاشوراء في السنة الأولى من الهجرة، عملا بما أخبر به اليهودُ عن نجاة موسى عليه السلام وقومه وهلاك عدوهم في مثل ذلك اليوم، وكان ذاك منه صلى الله عليه وسلم تأليفا لقلوبهم، وإظهارا لوحدة المصدر في نبوة الأنبياء الكرام، وذلك فيما رواه البخاري ومسلم والشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن حنبل والطحاوي من طريقين عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يومَ عاشوراء وهذا الشهر. يعني شهر رمضان. [عبيد الله بن أبي يزيد مكي ثقة مات سنة 126]. سنده صحيح.
ومن الواضح أن ابن عباس لم يكن إذ ذاك مدركا بنفسه لمثل ذلك الحدث، حيث كان في السنة الرابعة من عمره تقريبا، لكن من المعلوم كذلك أن معظم مروياته هي عن كبار الصحابة، ومراسيلُ الصحابة الذين ثبتت صحبتهم مقبولة.
* حديث ابن عمر:
تقدم من رواية أيوب السختياني وسلمة بن علقمة ويحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع عن ابن عمر أنه قال: صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فـُرض رمضان ترك. وهذا حديث صحيح.
ورواه البخاري ومسلم وابن أبي شيبة وابن حنبل وأبو داود والبزار وابن خزيمة من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه قال: كان عاشوراء يصومه أهل الجاهلية، فلما نزل رمضان قال "من شاء صامه ومن شاء لم يصمه".
فإذا كان مراد ابن عمر من أهل الجاهلية هنا أنهم اليهود الذين سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهم لهذا اليوم بعد مقدمِه المدينة فهو صحيح.
ولكن يبدو أن نافعا راويَه عن ابن عمر ذهب وهْمه إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حدَّث الناسَ بأن أهل الجاهلية كانوا يصومون عاشوراء فحدَّث هو به جماعة من الرواة كذلك!.
وهكذا فقد رواه مسلم والشافعي والدارمي وابن ماجه والبزار والنسائي في الكبرى وابن حبان من خمسة طرق عن نافع عن ابن عمر أنه ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يومُ عاشوراء فقال: "كان يوما يصومه أهل الجاهلية، فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه، ومن كره فليدَعْه"!. وهذا مخالف لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه هو سأل اليهودَ عن صومهم ليوم عاشوراء، ولم يحدث هو بهذا عن أهل الجاهلية.
ـ وتقدم من رواية أربعة عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد عن عمر بن محمد بن زيد عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اليومَ عاشوراء، فمن شاء فليصمه، ومن شاء فليفطر". وهذا حديث صحيح.
ولكن رواه مسلم وأبو عوانة والطبراني في الكبير والأوسط من أربعة طرق أخرى عن أبي عاصم النبيل عن عمر بن محمد بن زيد عن سالم عن ابن عمر أنه قال: ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء فقال: "ذاك يوم كان يصومه أهل الجاهلية، فمن شاء صامه ومن شاء تركه". وهذا الطريق كسابقه، فيقال فيه ما قيل في ذاك.
* حديث عائشة:
تقدم من رواية خمسة عن الزهري عن عروة أن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فـُرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر. وهذا صحيح.
ولكن جاء عنها من طرق أخرى ألفاظ لا تصح:
ـ فمنها ما رواه البخاري عن يحيى ابن بكير عن الليث بن سعد عن عُقيل، وعن محمد بن مقاتل عن عبد الله بن المبارك عن محمد بن أبي حفصة، كلاهما عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يُفرض رمضان، وكان يوما تـُسْتر فيه الكعبة، فلما فرض الله رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليتركه". ورواه ابن حنبل من طريق محمد بن أبي حفصة به. [محمد بن أبي حفصة صدوق فيه لين].
وهذه الرواية موافقة لسائر روايات الحديث سوى أن فيها زيادة، وهي أن يوم عاشوراء كان يوما تـُسْتر فيه الكعبة، وهذه الزيادة لم تردْ في سائر ما وقفت عليه من روايات هذا الحديث، وهي ضعيفة سندا ومتنا:
فأما السند ففيه محمد بن أبي حفصة، وهو وإن وثقه ابن معين وأبو داود فقد ضعفه النسائي وابن عدي.
فإن قيل: إن هذه الزيادة لم يتفرد بها ابن أبي حفصة، وهي ثابتة عند البخاري من طريق عُقيل كذلك!.
فأقول: هذا كلام من لا يعرف منهج الإمام البخاري في إيراد الطرق المعطوفِ بعضُها على بعض، ويظن من لا يعرف منهجه ـ تبعا لذلك ـ أنه يجوز عزوُ مثلِ ذلك المتن لكلا الطريقين المتعاطفين، وهذا غير صحيح.
فمنهج البخاري في إيراده الطريقين المعطوفَ أحدُهما على الآخر هو أنه يأتي بالمتن على رواية الثاني منهما، وفي مثل هذا الحال يكون المتن من الطريق الأول هو بنحو اللفظ الذي جاء من الطريق الثاني وإن لم يكن مطابقا له.
واللفظ الذي جاء به هذا الحديث من طريق يحيى ابن بكير عن الليث بن سعد عن عُقيل عن الزهري ليس فيه هذه الزيادة، وذلك كما رواه البيهقي في معرفة السنن وكما تقدمت الإشارة إليه في المطلب الأول عند حديث عائشة. [يحيى ابن بُكير لا بد فيه من كتابة الألف لأنه يحيى بن عبد الله بن بكير].
وأما المتن وهو أن الكعبة كانت تـُكسى يوم عاشوراء فله شاهد مرفوع رواه الأزرقي في أخبار مكة عن جده عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي عن أبيه عن خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم عاشوراء فقال: "هذا يوم عاشوراء، يوم تنقضي فيه السنة، وتـُستر فيه الكعبة، وتـُرفع فيه الأعمال، ولم يُكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن أحب منكم أن يصوم فليصم".
[جد الأزرقي هو أحمد بن محمد بن الوليد الغساني الأزرقي مكي ثقة مات سنة 222. إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي مدني متروك اتهم بالكذب، ووثقه الشافعي، ولم يجد ابن عقدة ولا ابن عدي في حديثه منكرا إلا عن شيوخ يحتملون، ومات سنة 184. محمد بن أبي يحيى الأسلمي مدني ثقة فيه لين مات سنة 147. خالد بن المهاجر حجازي تابعي ذكره ابن حبان في الثقات وروى له مسلم حديثا واحدا، ومات بعد سنة 90]. فهذا السند تالف.
وروى الأزرقي عن جده عن سعيد بن سالم عن ابن جريج أنه قال: كانت الكعبة فيما مضى إنما تـُكسى يوم عاشوراء إذا ذهب آخر الحاج، حتى كانت بنو هاشم، فكانوا يعلقون عليها القمُص يوم التروية من الديباج، فإذا كان يوم عاشوراء علقوا عليها الإزار.
[عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج مكي ثقة من أتباع التابعين وكان يدلس ويرسل، ومات سنة 150]. فهذا السند ـ إذا كان المراد منه التحدث عن وقت حياة عائشة رضي الله عنها ـ فهو مرسل ضعيف.
وروى الأزرقي عن جده عن سعيد بن سالم عن عبد الله بن أبي نجيح عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كسا الكعبة القباطيَّ من بيت المال، ثم عثمانُ من بعده، فلما كان معاوية بن أبي سفيان كساها كسوتين: كسوة عمر القباطي، وكسوة ديباج، فكانت تكسى الديباجَ يوم عاشوراء، وتـُكسى القباطيَّ في آخر شهر رمضان للفطر.
[سعيد بن سالم خراساني نزيل مكة صدوق مات بعد سنة 190. عبد الله بن أبي نجيح مكي ثقة مات سنة 132]. سعيد بن سالم لم يذكر المزي أنه روى عن ابن أبي نجيح، وقد مات بعده بستين عاما ولم يُذكر في ترجمته أنه من المعمَّرين، فالظاهر أن روايته عنه منقطعة، وقد وقفت على سَنَوَات وَفَيَات اثنين وعشرين راويا من شيوخه، وكانت وفَيَاتهم بين سنة 145 وسنة 184، فهو أقدم وفاة من أقدم شيوخه وفاة بثلاثة عشر عاما، وهذا يؤكد أنه لم يسمع منه، فالسند منقطع ضعيف.
وروى الأزرقي عن محمد بن يحيى عن الواقدي عن عبد العزيز بن المطلب عن إسحاق بن عبد الله عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: "كان الناس يهدون إلى الكعبة كسوة، فلما كان يزيد بن معاوية كساها الديباج الخسرواني، فلما كان ابن الزبير اتبع أثره، فكان يبعث إلى مصعب بن الزبير بالكسوة كل سنة، فكانت تكسى يوم عاشوراء".
[محمد بن يحيى: الذي يظهر لي أنه محمد بن يحيى بن علي أبو غسان الكناني، وهو مدني صدوق ثقة فيه لين ومات قرابة سنة 200، وهو غير محمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزدي المعروف بالرواية عن الواقدي، وهذا بصري نزيل بغداد ثقة مات سنة 252. الواقدي محمد بن عمر مدني نزيل بغداد، وثقه جماعة واتهمه بالكذب جماعة، ويبدو أنه كان ثقة في التاريخ، لكنه في الحديث يضع الأسانيد، ومات سنة 207. عبد العزيز بن المطلب حجازي صدوق فيه لين. إسحاق بن عبد الله لا يُعرف]. فهذا السند تالف.
وهذا يعني أن هذه الكلمة "وكان يوما تـُسْتر فيه الكعبة" مدرجة في النص، وأن هذا لم يكن في زمن عائشة رضي الله عنها ولا قبله، فربما حدث بعد ذلك في عهد يزيد.
ـ ومنها ما رواه مالك والبخاري ومسلم وابن أبي شيبة وابن حنبل من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فـُرض رمضان كان هو الفريضة وتـُرك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه.
هذه الرواية غريبة، وليس فيها ما يشير إلى سبب صيام قريش ليوم عاشوراء في الجاهلية، ولا لسبب صيام النبي صلى الله عليه وسلم له في الجاهلية!، ولو كان هذا ثابتا عنه معروفا لديه لما سأل اليهودَ عن صيامهم له، والثابت هو أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فسأل عن ذلك فأجابوه فصامه وأمر بصيامه. فهذه الرواية خطأ.
ـ ومنها ما رواه البخاري ومسلم وأبو عوانة والطحاوي في مشكل الآثار وأبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم من ثلاثة طرق عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فرض رمضان، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شاء فليصمه ومن شاء أفطر".
وما قيل في طريق هشام بن عروة عن أبيه يقال كذلك في طريق عراك بن مالك عن عروة.
* حديث أبي قتادة الأنصاري:
ـ روى مسلم والطيالسي وابن حنبل والترمذي وابن ماجه من طرق عن غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله". وسقط ـ في بعض الطرق ـ اسم غيلان بن جرير بين قتادة وعبد الله بن معبد.
[غيلان بن جرير بصري ثقة مات سنة 129. عبد الله بن معبد الزماني بصري ثقة مات بعد سنة 80. أبو قتادة الأنصاري صحابي مدني مات سنة 54]. ظاهر هذا الإسناد الصحة، وفي متنه غرابة.
هذا وقد قال البخاري في التاريخ الأوسط: "ورواه عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صوم عاشوراء، ولم يذكر سماعا من أبي قتادة". وقال في التاريخ الكبير: "عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة، ولا نعرف سماعه من أبي قتادة". وقال فيه كذلك: "وروى غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُعرف سماع عبد الله بن معبد من أبي قتادة". وفي هذا إشارة إلى عدم ثبوت الحديث، لأنه يستعمِل مثل هذا يريد بذلك إعلال الرواية.
ـ ورواه ابن حنبل وعبد بن حميد والنسائي في الكبرى من طرق عن أبي الخليل عن حرملة بن إياس عن أبي قتادة الأنصاري به نحوه. [صالح بن أبي مريم أبو الخليل بصري ثقة. حرملة بن إياس ذكره ابن حبان في الثقات].
ظاهر هذا الإسناد أنه لا بأس به في المتابعة، ولكنه منقطع بين حرملة بن إياس وأبي قتادة، فقد رواه النسائي في السنن الكبرى والبيهقي في السنن في أحد الأوجه المروية عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن أبي الخليل هكذا: "عن حرملة عن مولى لأبي قتادة عن أبي قتادة"، بزيادة راو بين حرملة وأبي قتادة، ورواه البيهقي من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور عن أبي الخليل "عن حرملة عن أبي قتادة أو عن مولى أبي قتادة عن أبي قتادة"، هكذا على الشك، كما ذكر له البخاري في التاريخ الكبير وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل والدارقطني في العلل طرقا بإدخال مولى لأبي قتادة في الإسناد، وحيث إن حرملة لم يصرح بالسماع من أبي قتادة ـ في الطرق الخالية عن الاسم المزيد ـ فلا بد من إثباته في الإسناد، وحيث إنه مبهم فالسند ضعيف.
هذا وقد قال البخاري في التاريخ الأوسط: "حرملة بن إياس، ولا يُعرف له سماع من أبي قتادة".
* حديث أبي هريرة:
رواه ابن حنبل عن أبي جعفر عن عبد الصمد بن حبيب بن عبد الله الأزدي عن أبيه عن شبيل بن عوف عن أبي هريرة أنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود قد صاموا يوم عاشوراء، فقال "ما هذا الصوم؟"، فقالوا: هذا اليوم الذي نجى الله موسى وبني إسرائيل من الغرق وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصامه نوح وموسى شكرا لله تعالى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أنا أحق بموسى، وأحق بصوم هذا اليوم". فأمر أصحابه بالصوم. [أبو جعفر المدائني محمد بن جعفر صدوق فيه لين مات سنة 206. عبد الصمد بن حبيب بن عبد الله الأزدي لين. أبوه مجهول. شبيل بن عوف كوفي ثقة]. فهذا السند ضعيف.
وذكر نوح عليه السلام واستواء السفينة على الجودي في يوم عاشوراء مقـْحم على هذا الحديث وليس بثابت.
* ولحكمة لا نعلمها فقد وقع مقتلُ سبطِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الإمامِ الشهيد الحسينِ بن علي رضي الله عنهما في يوم عاشوراء، وعلى هذا فإن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك ـ يا ريحانة رسول الله من الدنيا ـ لمحزونون.
هذا وقد وقفتُ على روايات في بعض كتب الشيعة الإمامية تدل على أن استحباب صيام يوم عاشوراء كان معروفا عندهم، وأنهم كرهوه بعد ذلك لوقوع مقتل الإمام الحسين في مثل هذا اليوم:
جاء في كتاب الكافي للكليني:
عن أبي الجارود أنه قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: فرض الله عز وجل على العباد خمسا، ... ثم نزل الصوم، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان يومُ عاشوراء بعث إلى ما حوله من القرى فصاموا ذلك اليوم، فنزل شهر رمضان بين شعبان وشوال، ...  .
عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قال: وأما الصوم الذي صاحبُه فيه بالخيار فصوم يوم الجمعة والخميس وصوم البيض وصوم ستة أيام من شوال بعد شهر رمضان وصوم يوم عرفة وصوم يوم عاشوراء، فكل ذلك صاحبه فيه بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر.
عن أبي جعفر عليه السلام أنه سئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: صوم متروك بنزول شهر رمضان، والمتروك بدعة.
وأسانيد هذه الروايات عندهم ضعيفة.
* خلاصة المسألة أن حديث صيام يوم عاشوراء صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأن هذا يومٌ يُصام استحبابا لأن النبي صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه، لكن ليس فيه شيء من مظاهر الفرح أو التوسعة في المأكل والمشرب.
ومن قال بأن هذا الحديث هو من وضع الأمويين ومن شايعهم فكلامه مجانب للصواب، والله أعلم.
وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 26/ 1/ 1436، الموافق 19/ 11/ 2014، والحمد لله رب العالين.

الخميس، 6 نوفمبر 2014



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
وبعد فهذا جزء من كتابي الذي سميته "كشف المعلول مما سُمي بسلسلة الأحاديث الصحيحة"، يتعلق برواية "مخافة أن يفوتني 
عاشوراء":

الحديث الثاني والثلاثون:
روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن عشت إن شاء الله إلى قابل صمت التاسع، مخافة أن يفوتني عاشوراء».
خرجه بعض الناس من المعجم الكبير للطبراني [10: 401 ـ 402] عن اثنين من شيوخه، عن أحمد ابن يونس، عن ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن عبد الله بن عمير، عن ابن عباس، مرفوعاً، وصحح إسناده، وأدخله في الصحاح، وفي هذا نظر.
ـ هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن أربعة من شيوخه، وابنُ أبي شيبة عن واحد منهم، وعنه الإمام مسلم في صحيحه، أربعتهم عن ابن أبي ذئب، به نحوه، دون قوله في آخر الحديث «مخافة أن يفوتني عاشوراء». [مسند الإمام أحمد 1: 224 ـ 225، 236، 345. المصنف لابن أبي شيبة 3: 58. صحيح مسلم 8: 13]. [وبعض هذه الطرق في مسند عبد بن حميد وسنن ابن ماجه والبيهقي، ورواه عن ابن أبي ذئب كرواية الجماعة: محمد بن إسماعيل بن أبي فديك كما في السنن المأثورة للشافعي ومعرفة السنن والآثار للبيهقي، وعلي بن الجعد كما في مسنده].
ويبعد في العادة أن يروي [سبعة] عن شيخ واحد خبراً فينفردَ أحدهم بمثل هذه الزيادة التي تبين سبب العزم على صيام اليوم التاسع مع العاشر ويغفلَ الآخرون جميعاً عن الاهتمام بحفظ السبب.
[وههنا إضافة هامة، وهي أن تلك الزيادة التي جاءت في المعجم الكبير للطبراني ليست ثابتة عن أحمد ابن يونس، وإنما هي من باب الوهَم، وذلك أن البيهقي روى هذا الحديث في معرفة السنن والآثار وشعب الإيمان وفضائل الأوقات من ثلاثة طرق عن أحمد ابن يونس وليس في واحد منها «مخافة أن يفوتني»، بل فيها عقب الحديث «مخافة أن يفوته يوم عاشوراء» ، أو «مخافة أن يفوته »، وهذا يعني أن هذه الإضافة هي تعليل من أحد الرواة، وليست من قول النبي ﷺ، والطريقان الأولان قويان].
ـ ثم إن مما يضعّف هذه الزيادة مخالفتَها لما رواه مسلم وأبو داود من طريق أبي غطفان بن طريف المري أنه قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى ؟!. فقال رسول الله ﷺ: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع». [صحيح مسلم 8: 12. سنن أبي داود 11: 317 ـ 318]. ومخالفتَها لما رواه الإمام أحمد [1: 241] من طريق ابن أبي ليلى، عن داود بن علي [بن عبد الله بن عباس]، عن أبيه، عن جده ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يوماً أو بعده يوماً». ومخالفتَها لما رواه عبد الرزاق [4: 287] قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول في يوم عاشوراء: «خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر».
فتبين من هذه الروايات التي أوردتها أن تلك الزيادة مخالفة لما رواه تابعيان عن ابن عباس مرفوعاً، ولما رواه تابعي ثالث عن ابن عباس موقوفاً، وهذه الروايات تفيد أن صيام التاسع مع العاشر من أجل مخالفة اليهود، لا من مخافة أن يفوتهم عاشوراء، فالرواية المشتملة على تلك الزيادة منكرة، والله أعلم.
ـ هذا وقد روى ابن أبي شيبة من طريق ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس ـ وهو ضعيف ـ عن ابن عباس أنه كان يصوم عاشوراء في السفر ويوالي بين اليومين مخافة أن يفوته، كما روَى عن طاوس أنه كان يصوم قبله وبعده يوماً مخافة أن يفوته. [المصنف لابن أبي شيبة 3: 58، 59]. [ويبدو أن أصل تلك الزيادة هو ما ذكره شعبة مولى ابن عباس توهماً، ثم أضافه ابن أبي ذئب بناء على ما سمعه من شعبة مولى ابن عباس، ثم وهم بعض الرواة فحرّف «مخافة أن يفوته يوم عاشوراء» وجعلها «مخافة أن يفوتني يوم عاشوراء» ، فصارت جزءً من الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ، ثم جاء من لا يفقه علم العلل فصحح الحديث بتلك الزيادة المنكرة]. والله أعلم.

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2014

حديث عاشوراء



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد، فحديث عاشوراء له طرق كثيرة جدا، وأرى أن تتبعها في أهم مصادر السنة النبوية يغني عما سواها.
وهذه الروايات تختلف ألفاظها باختلاف طرقها، فمنها السليمة، ومنها الضعيفة والمعلولة، ولذا فأجعل هذا البحث في مطلبين:

المطلب الأول في الروايات السليمة
رُوي هذا الحديث عن عبد الله بن عباس وعلي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عمر وسلمة بن الأكوع وعبد الله بن مسعود والرُبَيـِّع بنت مُعَوِّذ ومعاوية بن أبي سفيان وجابر بن سمرة وقيس بن سعد بن عبادة وغيرهم:
ـ فأما حديث ابن عباس فرواه البخاري ومسلم وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن حنبل والدارمي والنسائي في الكبرى من طريقين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال "ما هذا؟"، فقالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يومُ نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى شكرا لله، ونحن نصومه تعظيما له. فقال: "فأنا أحق بموسى منكم". فصامه وأمر بصيامه. سنده صحيح.
ـ وأما حديث علي فرواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والبزار والشجري في أماليه من طريقن عن جابر بن يزيد الجعفي عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم عاشوراء ويأمر به. جابر الجعفي كوفي ضعيف مدلس مات سنة 128 تقريبا.
وروى ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب أنه كان يأمر بصوم يوم عاشوراء.
وروى أبو داود الطيالسي عن شعبة أنه قال: أخبرني أبو إسحاق قال: سمعت الأسود بن يزيد يقول: ما رأيت أحدا كان آمَرَ بصوم عاشوراء من علي بن أبي طالب وأبي موسى رحمهما الله. ورواه عبد الرزاق وابن الجعد وابن أبي شيبة عن أربعة آخرين عن أبي إسحاق عن الأسود، ولكن ليس عندهم التصريح بسماعه إياه منه.
ـ وأما حديث أبي موسى الأشعري فرواه البخاري ومسلم وابن حنبل من طرق عن حماد بن اسامة عن أبي عميس عتبة بن عبد الله بن عتبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وإذا أناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه، فقال: "نحن أحق بصومه". فأمر بصومه. سنده صحيح.
ـ وأما حديث عبد الله بن عمر فرواه البخاري عن مسدد عن إسماعيل ابن علية عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فـُرض رمضان ترك. ورواه ابن حنبل عن ابن علية به، ورواه البزار من طريق سلمة بن علقمة وكذا الطبريُّ في تهذيب الآثار من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، كلاهما عن نافع عن ابن عمر به نحوه. سنده صحيح.
ـ وأما حديث سلمة بن الأكوع فرواه البخاري ومسلم وابن حنبل من طرق عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنه قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم أنْ أذنْ في الناس أنَّ من كان أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء. سنده صحيح.
ـ وأما حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فرواه مسلم وابن أبي شيبة وابن حنبل من طرق عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد بن قيس أنه قال: دخل الأشعث بن قيس على عبد الله وهو يتغدى، فقال: يا أبا محمد ادن إلى الغداء. فقال: أوليس اليوم يوم عاشوراء؟!. فقال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ إنما هو يوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان، فلما نزل شهر رمضان تركه. ورواه البخاري ومسلم من طريق آخر عن ابن مسعود به نحوه. سنده صحيح.
ـ وأما حديث الربيع بنت معوذ فرواه البخاري ومسلم وابن راهويه وابن حنبل من طرق عن خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ أنها قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار من أصبح مفطرا فليتمَّ بقية يومه ومن أصبح صائما فليصم. سنده جيد.
ـ وأما حديث معاوية فرواه مالك والشافعي والبخاري ومسلم من ثلاثة طرق عن ابن شهاب الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يوم عاشوراء عام حجَّ وهو على المنبر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهذا اليوم: "هذا يوم عاشوراء ولم يُكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر". سنده صحيح، وأما المتن ففيه جزء معلول بعلة الوقف على الصحابي، وهو قوله "وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر".
فقد رواه النسائي في السنن الكبرى عن أبي داود عن يعقوب عن أبيه عن صالح عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يخطب الناس بالمدينة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه". وإني صائم، معاوية يقول ذلك، فمن أحب أن يصوم فليصم، ومن أحب أن يفطر فليفطر. [أبو داود سليمان بن سيف الحراني ثقة مات سنة 272. يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم مدني نزيل بغداد ثقة مات سنة 208. أبوه مدني نزيل بغداد ثقة مات سنة 184. صالح بن كيسان مدني ثقة مات بعد سنة 140. ابن شهاب الزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله مدني ثقة إمام مات سنة 124. حميد بن عبد الرحمن بن عوف مدني ثقة مات سنة 95]. فهذا السند صحيح، وفيه التصريح بأن هذا الجزء هو من قول معاوية.
ـ وأما حديث جابر بن سَمُرة فرواه مسلم من طريق جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده، فلما فـُرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده. [جعفر بن أبي ثور ذكره ابن حبان في الثقات وقال عنه علي بن المديني مجهول]. سنده ليس بقوي، ولكنه لا بأس به في الشواهد.
ـ وأما حديث قيس بن سعد بن عبادة فرواه الطيالسي والبزار والنسائي في الكبرى عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن القاسم بن مخيمرة عن عمرو بن شرحبيل عن قيس بن سعد بن عبادة أنه قال: كنا نصوم عاشوراء ونعطي زكاة الفطر قبل أن ينزل علينا صوم رمضان والزكاة، فلما نزلا لم نـُؤمر بهما ولم نـُنه عنهما، وكنا نفعله. سنده صحيح.
ورواه ابن حنبل والبزار والنسائي في الكبرى والطبراني في الكبير من طرق عن سفيان الثوري عن القاسم بن مخيمرة عن أبي عمار الهمداني عريب بن حميد عن قيس بن سعد أنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام يوم عاشوراء. [عريب بن حميد ثقة]، فإن كان في الإسناد علة فليست بقادحة.
ـ وروى ابن حنبل وغيره أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تثبت مشروعية صيام عاشوراء والأمر به، من حديث أبي هريرة وجابر ومعاذ بن جبل وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن بدر الجهني ومحمد بن صيفي وأسماء بن حارثة.
ـ ولحكمة لا نعلمها فقد وقع مقتلُ سبطِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الإمامِ الشهيد الحسينِ بن علي رضي الله عنهما في يوم عاشوراء، وعلى هذا فإن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك ـ يا ريحانة رسول الله من الدنيا ـ لمحزونون.
هذا وقد وقفت على بعض الروايات في بعض كتب الشيعة الإمامية تدل على أن استحباب صيام يوم عاشوراء كان معروفا عندهم وأنهم كرهوه بعد ذلك لوع مقتل الإمام الحسين في مثل هذا اليوم:
جاء في كتاب الكافي للكليني:
عن أبي الجارود أنه قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: فرض الله عز وجل على العباد خمسا، ... ثم نزل الصوم، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان يومُ عاشوراء بعث إلى ما حوله من القرى فصاموا ذلك اليوم، فنزل شهر رمضان بين شعبان وشوال، ...  .
عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قال: وأما الصوم الذي صاحبه فيه بالخيار فصوم يوم الجمعة والخميس و صوم البيض وصوم ستة أيام من شوال بعد شهر رمضان وصوم يوم عرفة وصوم يوم عاشوراء، فكل ذلك صاحبه فيه بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر.
عن أبي جعفر عليه السلام أنه سئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: صوم متروك بنزول شهر رمضان، والمتروك بدعة.
وأسانيد هذه الروايات عندهم ضعيفة.
ـ خلاصة المسألة أن حديث صيام يوم عاشوراء صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا يومٌ يُصام استحبابا لأن النبي صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه، لكن ليس فيه شيء من مظاهر الفرح والتوسعة في المأكل والمشرب.
ومن قال بأن هذا الحديث هو من وضع الأمويين ومن شايعهم فكلامه مجانب للحقيقة المتواترة بالأسانيد الصحيحة.
والحمد لله رب العالين.